209 أخبرنا الْمُسْنِدُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَزَرِيُّ ° ، سَمَاعًا عَلَيْهِ ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي ° ، إِجَازَةً ، عن أَبِي طَاهِرٍ السِّلَفِيِّ ° ، أخبرنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ مَسْعُودُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمِلْحِيُّ ° بِأَرْدُبِيلَ ، أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ وِشَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ ° ، بِبَغْدَادَ ، أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ الْوَزِيرُ ° ، حَدَّثَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَرْبٍ الْقَاضِي ° ، حدثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْكُوفِيُّ ° ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْيَمَانِيُّ ° ، حَدَّثَنِي أَبُو هَمَّامٍ الْقُرَشِيُّ ° ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ° ، عن قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ° ، عن طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ° ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ° رِضَي اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَلِّمِ النَّاسَ الْقُرْآنَ وَتَعَلَّمْهُ ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ وَأَنْتَ كَذَلِكَ زَارَتِ الْمَلائِكَةُ قَبْرَكَ كَمَا يُزَارُ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ ، وَعَلِّمِ النَّاسَ سُنَّتِي وَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ لا تُوقَفَ عَلَى الصِّرَاطِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلا تُحْدِثْ فِي دِينِ اللَّهِ حَدَثًا بِرَأْيِكَ " , ليس لطارق بْن شهاب ، عن أَبِي هريرة شيء فِي الكتب الستة
قيل : إن أَبَا عبيد قَالَ لأبي جعفر الطحاوي ، وقد رآه يصمم على مقاله : يا أَبَا جعفر ، أما علمت أن من لا يخالف إمامه فِي شيء عصى ، قَالَ : نعم ، أيها القاضي وغبى . نقل المطوعي والجوري ، أن أَبَا عبيد أوجب الكفارة على من حرم مالا له من ثوب أو دار ، وما أشبههما ، وسوى بين ذلك وتحريم البضع من الزوجة . قال العبادي : حكم أَبُو عبيد بأن الولد يلحق بالخصي ، إذا لم يكن مجبوبا ، فرفع الخصي الولد ، ونادى عليه بمصر : ألا إن القاضي يلحق أولاد الزنا بالخدم . قلت : وإنما تعرف هذه الحكاية عن أَبِي عَبْد اللَّه الْحُسَيْن بْن الْحَسَن بْن عطية بْن سعد العوفي قاضي الشرقية ببغداد ، ثم قاضي عسكر المهدي ، وهو متقدم ، مات سنة إحدى ومائتين . قال الحارث بْن أَبِي أسامة : حَدَّثَنِي بعض أصحابنا ، قَالَ : جاءت امرأة إلى العوفي ، فساق الحكاية ، ولعلها اتفقت للقاضيين . والظاهر فِي المذهب أن المسلول الخصيتين الباقي الذكر ، كالفحل فِي لحوق النسب ، فما حكم أَبُو عبيد إلا بالمذهب الظاهر ، ولعل الذي حكم به أَبُو عبيد والعوفي إنما هو فِي الممسوح ، وهو فاقد الذكر والأنثيين جميعا بالكلية ، ومع ذلك هو قول للشافعي ، اختاره بعض الأصحاب ، وإلا فلو كان فِي الخصي الباقي الذكر لما استغربه أَبُو عاصم ، فليحقق ذلك . وقد أطال ابن زولاق فِي ذكر أخبار القاضي أَبِي عبيد ، والثناء على محاسنه ، وقول أهل مصر : إنهم لم يروا قبله ولا بعده قاضيا مثله ، قَالَ : وكان يذهب إلى قول أَبِي ثور ، ثم صار يختار ، فجميع أحكامه بمصر باختياره ، وحكم بمصر بأحكام لو حكم بها غيره أنكر عليه ، فما أنكر عليه أحد ؛ لأن أَبَا عبيد كان رجلا لا يطعن عليه فِي علم ، ولا تلحقه ظنة فِي رشوة ، ولا يحيف فِي حكم ، وكان يورث ذوي الأرحام . قال ابن الحداد : وما كان أَبُو عبيد يؤمر أحدا ، بل إذا ذكر تكين ، أمير مصر ، يقول : أَبُو منصور تكين . ولا يقول : الأمير . قَالَ : وكان إذا ركب لا يلتفت ، ولا يتحدث مع أحد ، ولا يصلح رداءه ، وركب مرة إلى أمير مصر تكين ، وهو بالجيزة فِي كاينة اتفقت له ، فقيل له : قد رأى القاضي النيل ؟ فَقَالَ : قد سمعت خرير الماء ، قلت : فلله در قاض أقام بمصر ثماني عشرة سنة لم يبصر النيل . وكانت الكاينة التي خرج فيها تكين إلى الجيزة قد قتل فيها فِي الواقعة على ما قيل نحو من خمسين ألفا ، أراد تكين أن يحفر لهم خندقا ويدفنهم ، فخرج إليه القاضي ، وَقَالَ : إنك إن فعلت ذلك تلفت المواريث ، ولكن ناد فِي الناس : من له قتيل يأخذه ، ففعل تكين ما قاله . قال ابن زولاق : وجرى للقاضي فِي هذا الخروج إلى الجيزة خبر عجيب ، حركه البول ، وهو راجع ، فعدل إلى بستان ، فنزل وبال ، واستنجى وتوضأ من مائه ، ثم انصرف ، ثم سأل بعد أيام عن البستان ، فقيل : لفلانة ، فأرسل إليها يستأذنها على الحضور إليها ، فارتاعت لذلك ، وقالت : أنا أركب إليه ، وكانت من أهل الأقدار ، فأبى ، فركب إليها أَبُو عبيد ، وقد فرشت له الدار وحسنتها ، فَقَالَ لها : البستان لك وحدك بلا شريك ؟ فقالت : نعم ، وأنا التي أسقيه من مائي . قَالَ : فأنا نزلت فِي أرضه ، وتوضأت من مائه ، فخذي ثمن ذلك ، فبكت ، وقالت : أيها القاضي ، أنت فِي حل ، ولو علمت أن القاضي يقبله هدية لأهديته إليه ، فَقَالَ لها : عن طيب نفس تركت ، ولم تتركي ذلك لجل القاضي وحرمته ؟ فقالت : نعم ، فانصرف . وحكى ابن زولاق أشياء من هذا الجنس ، دالة على تصلبه فِي الورع ، وأشياء أخر دالة على شدته فِي الحق ، وأشياء أخر دالة على تصميمه ووقاره وهيبته ، وأنه كان ينهى أن يتلفظ لافظ فِي مجلسه بذكر الطعام أو النساء . قال : ومكث فِي مصر ثماني عشرة سنة وستة أشهر ، ما رآه راء يأكل ولا يشرب . وذكر أن تواقيعه جمعت وكتبت ؛ لفصاحتها وبلاغتها ، وأنه كان إذا تكلم بكلمة طارت فِي البلد إعجابا بها .