281 أخبرناه العدل أَبُو الْحَسَن علي بْن مسعود بْن بهتك العجمي ° , قراءة عليه , وأنا أسمع , قيل له : أخبرك الشيخ أَبُو العز بْن الصيقل ° , فأقر به , أَخْبَرَنَا أَبُو علي ضياء بْن أَبِي القاسم ° , أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو بكر الأنصاري ° , أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم بْن علوان ° , أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم الخرقي ° , حَدَّثَنَا أَبُو بكر النجاد ° , حدثني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ° , حدثني عيسى بْن سبرة ° , عن أبيه ° , عن أَبِي سبرة ° , قال : قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ألا لا صلاة إلا بوضوء , ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عز وجل , ألا لا يؤمن بالله من لا يؤمن بي , ولا يؤمن بي من لا يعرف حق الأنصار "
اكتفى المملوك بهذا الحديث الذي أفرده على سبيل التوصل به إلى البركة , والتوسل , وترك الكلام عليه لئلا تخرج به الرسالة عن حد الترسل , وعلم أن هذه الطرق لا يسلكها جواده الوجي , وأنه إذا طار بهذا المطار , يقال له : ليس هذا بعشك فادرجي , فلست من رجال هذه المحافل , ولا من فرسان هذه الجحافل , أما علمت أن الخارج عن لغته لحان , وأن الداخل في غير فنه يفضحه الامتحان , غير أنه تجاسر على هذه الصناعة , واستكثر على نفسه ما أورده منها لقلة البضاعة , ونطق بين يدي ملكها , وقابل بالمصباح شمس فلكها , وانتقل إلى مقام حَدَّثَنَا بعد مقام , أما بعد , وقابل بالذي أسنده ما أسنده مولانا , وكيف يقابل مسند سيد بمسند عَبْد , وقال عند قراءة ما أورده سيدي من أحاديثه : زدني من حديثك يا سعد , وقال مضمنا : علم الحديث إلى أَبِي نصر غدا من دون أهل العصر حقا يسند أضحى أمير المؤمنين بقبة ويد الخلافة لا تطاولها يد فلذلك عجل المملوك إلى فنه الأدبي منجاه , وترك الكلام في الحديث قائلا كما قال غيره : بضاعتنا في الحديث مزجاه , ثم انتهى المملوك إلى ما وصفه سيدي من حبه لعبده , وخصه به من فضله ووده , ونظر إلى حبه لسيدي , فإذا هو كئوس : لها في عظام الشاربين دبيب وعروس : لها بهجة بين الملاح وطيب وغروس : يلذ جناها في فمي ويطيب وأصل كريم النتاج , وملك لا يليق أن يرتفع على رأسه إلا هذا التاج , فليس الحب إلا ما نشأ عليه القلب , ونما , وربى في أرض من المودة وسما : وليس بتزويق اللسان وصوغه ولكنه ما خالط اللحم والدما وحقا ما أقول : أحبك حبا ما عليه زيادة ولا فيه نقصان ولا فيه من من بل أقول : أحبك أصنافا من الحب لم أجد لها مثلا في سائر الناس يعرف فمنهن أن لا يعرض الدهر ذكركم على الروح إلا كادت الروح تتلف ومنهن حب للفؤاد يخصه فلا أمتري فيه ولا أتكلف وحب بدا للجسم واللون ظاهرا وحب لدى نفسي من الروح ألطف وأقول : أحبك يا شمس الزمان وبدره وإن لامني فيك السها والفراقد لقد رفعت لهذا الحب في القلب قباب , ونصبت له خيام لها من حبال الوصل وسماء الود أوتاد وأسباب , وأصبح كذوات مولانا التي كلما عمرت زادت شبابا على شباب , وتميزت أعداده على أعداد من جعل لمحبوبه الواحد ثلاثة أحباب , لقد اتحدا بروح العبد حتى التبس عليه أيهما الروح وامتزجا , فما أدري بأيهما يغدو الجسم ويروح , وسرى كل واحد منهما في صاحبه سريان الأعراض في الجواهر , وصارا ذاتا واحدة فما أولاهما بقول الشاعر : دعاها بيا قيس أجابت نداءه ونادته يا ليلى أجاب نداءها أو بقول ابْن سناء الملك : وبتنا كجسم واحد من عناقنا وإلا كحرف في الكلام مشدد فأحب اللَّه ذات مولانا البديعة الصفات , وحرس جنابها من الآفات , فلا يزال العبد يقربها للقلب بتذكاره , ويصورها نصب عينيه بأفكاره , حتى كاد القلب لا يشكو النوى , ويصير في حالتي القرب والبعد على حال سوى , وأما أشواق المملوك فقويت , وتضاعفت , وتزايدت , وترادفت , وتجندت أجنادها فائتلفت وتعارفت , وروى الصب عنها حديثي الزفير , والدمع بعلو ونزول , وأنشد مقيمها الذي لا يحول عن عهده , ولا يزول : كم نظرة لي حيال الشام لو وصلت روت غليل فؤاد منك ملتاح وينشد : نادمت ذكرك والظلماء عاكفة فكان يا سيدي أحلى من السمر فلو ترى عبرتي والشوق يسفحها لما التفت إلى شيء من المطر ورام أن يتشبث بشوق مولانا ويتعلق , ويرقى لفتح المصراع الثاني من بيت الزحلوقة فتزحلق , فنظم بديها وفي ضلوعه ما فيها : شوقي لوجهك شوق لا أزال أرى أجده يا شقيق الروح أقدمه ولي فم كاد ذكر الشوق يحرقه لو كان من قال نارا أحرقت فمه ثم قلت مضمنا : روحي تقول وقد جاءت رسائلكم هل لي إلى الوصل من عقبى أرجيها ولم أكن قبلها بالشوق أقتلها إلا لعلمي بأن الشوق يحيها ولي دموع بسري للورى نطقت فأطلعت قلبها للناس من فيها كالنار لونا وإحراقا فوردتها تجني على الكف إن أهويت تجنيها ورأى الإشارات التي شوقته إليها شوق العليل إلى الشفاء , وأهل مصر إلى الوفاء , ووصف سيدي ألفاظ المملوك , وكان من حقها أن تلفظ , ولحظها بعين العناية . وكان من شأنها أن لا تلحظ , وذكرها في مقام التنويه , وكان اللائق بها أن تنسى , ولا تحفظ إلا أنه أودع سجعه منها شيئا تغير منه قلب النيل وانكسر , ورام فتح باب العباب , فما جسر , وانتهيت إلى النظم الموشح بقلائد العقيان , فإذا له زجل , وقيل لي : أهذه هي الجواهر الجليلة ؟ فقلت : أجل . ورأيت ما في وصفه ليالي البعد من الاستعارة , وعلمت أن مولانا خليفة الأدب الرشيد , وغيره فيه مسلوب العبارة , وتأملت ما ذكره من أمر الفراق فلا يذم لكونه كان سببا للتلاق , ومبلغنا لتلك الأماكن المقدسة , والجهات التي هي على التقوى مؤسسة , ولا يذم بين فيه إصلاح ذات البين , ولا انتقال مولانا الْحَسَن الشبيه بقول ابْن الْحُسَيْن : فراق ومن فارقت غير مذمم وأم ومن يممت خير ميمم وذكر سيدي المشيب فوارد المملوك على معنى كان نظمه قديما , وهو : قد بان عصر شرابي مذ بان عصر شبابي وقد جددت بشيب والشيب سوط عذاب فأما ما ذكر مولانا من الشوق , فهو يعرب عن شرح حال العبد من بعده , ويبرهن عن صب يقول من حرقه ودمعه على بعده : في العين ماء وفي القلب لهيب لظى وقد تخوفت في الحالين من تلفي كالعود يقطر والنيران تحرقه كالماء في طرف والنار في طرف وأما ذكره زمان أنسه , والأوقات التي يفدي العبد دست سرورها بنفسه , فهو عندي الزمان الذي ابتسم فيه السرور , والمنية التي كان الخصيب على مثل عيشها الأخضر يدور , وذكر مولانا الغربة , فكان مولانا بمصر هو الغريب العزيز , وشيخ العلوم الذي ابتسمت به ثغور مصر حين بلغت به سن التمييز , وما كان الغريب فيها إلا علمه , ولا المناسب لارتقاء المناصب إلا حلمه , ولا المرسل لأغراض المعالي وقلب المعادي إلا سهمه , ولا المؤثر في قلوب أهلها إلا حبه , ولا الملائم لكل ذي عقل بعيد من الخطأ إلا قربه , وأما ما ذكره عن العبد من الإهمال , واشتغاله عن مواليه مع فراغه من الأشغال , فأنا هنالك ولكني مع ذلك : أغيب عنك بود ما يغيره نأي المحل ولا صرف من الزمن فوالله ما تباعدت إعراضا ولا تبدلت معتاضا : وما كان صدى عن حماك ملالة ولا ذلك الإحجام إلا تهيبا واهتديت للمصباح الذي اقتبسه سيدي من الآية , وتأملته فإذا فيه من الاكتفاء تنبيه وكفاية , وأحببت المقطوع الموصول الْحَسَن المطبوع , فقلت : يا أيها البحر الذي هو عدة لخطوب دهر لا يطاق عديدها ما ضر ذاتي كل ما اتصفت به إن كنت مع تلك الصفات تريدها مع علمه بانقطاع مقطوعه عن مولانا , وأن ذلك المقطوع وصل إلى مدى ما أجدرنا بالوقوف دونه وأولانا , وأن ذلك التضمين يمين , وأن القرائح لا تبرز مثله من كمين , وأن الحاسد له إذا توقد غيظا كانون صدره , فهو بذلك قمين , هذا مع ما فيه من حلم سيدي وإغضائه , وكرمه الذي تشهد به من العبد سائر أعضائه , وصحيح الود الذي يعامل به عبيده على علاتهم , وتغافله عنهم و عملا بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دعوا الناس في غفلاتهم " . ووصلت إلى ما طرزه القلم على ذلك الرسم فوقف العبد عند حده , ورأى من ذلك المنطوق القول الشارح لصدق وده , ثم ناديت بما أسنده من حقيقة المحبة , وبينه من آداب الصحبة , فحفظ اللَّه عيش عهده الخضر على يأس الهوى ورجائه , ومحبته التي لا تتغير , وإن زاد المملوك في جفائه . وتأملت بالعين ذلك الأثر , وأسمعت أذني منه في قراءته أطيب الخبر , وجرى الفهم لما أشار حين وقف عليه , وتيقظ لما أومى إليه , وحللت رموزه , واستثرت كنوزه . فأما ما حكم به الشيخ الإمام عليه فهو اللائق بتحقيقه , والقول الذي تتوفر دواعي العارفين بمقاصد الشرع على تصديقه . وأما ما ذكره سيدي على قول الخياط وفضله , وسواه من الكلام قاضي ذهنه وعدله , فهو كلام محرر , وسكر مكرر , وسيف بدر لفظه مجوهر , إلا أن المملوك رأى نفسه عند استشهاده ببيت الخياط شاعرا بوصله , وأديبا إذا حاز الأدباء خصل السبق لم يحز من الفضل خصلة , وكأن الخياط فصل تفاصيل حال البعد في بيته بالخيط والإبرة , وقصها بعد أن قاسها على حاله فما نقصت ذرة , ثم توجه المملوك إلى ما ذكر عن مالك , وسلكت في تلك المسالك , فإذا مدارس علوم , ومدارك فهوم , وأبحاث منقحة وجنات أبوابها مفتحة , وفهمت ما أشار إليه بذلك المنقول , عن مالك , فلا حرج على من تكلم , ولا يعجز المملوك أن يكون كأبي ضمضم , وأما ما عند سيدي للعبد من الارتياح والتطلع لأخباره السارة في الغدو والرواح , فحال العبد غير منتقلة عن هذه الحال , ولا يأويه إلا إلى بابه الارتحال . بعدت فواشوقاه عن أبيض الثنا وغبت فوالهفاه عن أخضر القنا أشع مدحه العالي وذرني والعدى وبح باسمه الغالي ودعني من الكنا فمتى ترد إلى العبد روحه وتعاد , ويحكم قاضي القرب بنقض ما حكم به قاضي البعاد ؟ وأما ما عرض به من حكاية القاضي واللص فما على ذلك بمعرفة إسنادها , فإنها عند المملوك بغير إسناد , وعرض للمملوك سؤال , وهو أنه هل يجوز رواية ما يقع في مكاتبة من إسناد حديث أو غيره , من غير إذن في الرواية ؟ وهل يكون ذلك كالوجادة ؟ وكان غرض سيدي منها أن يخاطب المملوك بما خاطب به القاضي اللص من تلك العبارة , ويومئ إلى ما تعانيه الشعراء من السرقات , بألطف إشارة , والمملوك مغالط في فهم ذلك بحسه غير آخذ ذلك المعنى لنفسه , ومما يعجب المملوك من أبيات اللص قوله : قالت وقد رابها عدمي ثكلتك من راض بنزر معاش فيه تكدير مهلا سليمى سينفي العار عن هممي هم وعزم وإدلاج وتشمير ماذا أؤمل من علم ومن أدب مع معشر كلهم حول الندى عور ولقد أحسن القاضي حين صرف اللص بعد اطلاعه على فضيلته مكرما , وحلله من ثيابه بعد أن صيره بتجريده منها محرما , وأما غيره سيدي على بنات فكره الذي دق باب البلاغة إذ دق , وتخوفه عليها من المملوك , ولسان حالي يتلو : مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ سورة هود آية 79 فخوف سيدي على كلامه المحرر , خوف ابْن برد من سلم على مبتكراته , أو السري من الخالديين على اختلاس معانيه من أبياته , فلله در السري حيث يقول متظلما : منهما : شنا على الآداب أقبح غارة جرحت قلوب محاسن الآداب تركت غرائب منطقي في غربة مسبية لا تهتدي لإياب جرحى وما ضربت بحد مهند أسرى وما حملت على الأقتاب إن عز موجود الكلام لديهما فأنا الذي وقف الكلام ببابي وأما ما ذكره عن مصر في فصل التشوق على سبيل الإدماج , وإرساله ذلك السيل الذي طما تياره إذ ماج , فأثار ترابها , وطير ذبابها , فهي ذات الغبار الذي لا يلحق , والذباب الأسود الذي يقاسي منه في النهار الأبيض العدو الأزرق : أحبه قومه على شوه أم القرنبى تخالها حسنه وأما المملوك فالبلدان عنده هما ما هما , ومدينتان لم يبق في الأمصار سواهما وواديان : حللت بهذا حلة ثم حلة بهذا وطاب الواديان كلاهما فهو يصافيهما ويوافيهما , ويعامل كلا منهما بالحسنى , وتكرم مصر لوجهها الوسيم , ودمشق لشرفها الأعلى , ومقامها الأسنى , ويصبح ثانيا لعنان التفضيل بين البلدين من أول وهلة , تاركا للتفصيل بالجملة , ولا يستنجد من حلاوة نيل مصر بأجناد من العسل , ولا يحرك من عيدان قصبها ما يقوم مقام الأسل , ولا يتعرض لدمشق إلا بما يرضيها , ولا يجرد في عيوبها سيوفه , ولا ينتضيها , ولا يومئ إليها على سبيل الذم عيون كلامه برمزه , ولا يبرز من مرماه أقواله إلى مقامها برزة , لكن يقول : سقى اللَّه دمشق سحابا تقوم صحون ديارها لأخلافه إذا تحلبت مقام القعب , ويصبح كف الثريا لها بمائها أسمح من كعب , وذكر سيدي الشام وسحابها , وشمول المطر ورحابها , فقد نقل أنه عم الأقطار , وغرق صحن جامعها القطر من الأمطار , واتشحت العروس من در البرد بوشاح , وكاد النسر أن يطير إلى مكان يعصمه من الماء , وكيف يطير مبلول الجناح حتى أصبح طوفان الماء به وهو متلاطم , وتلا كل قارئ فيه حتى روى ماؤه عن ابْن كثير , فلم يجد نافع , ولا عاصم , وتوالت على طرق المصلين المياه والأوحال , وسالت الشرائع فشرع للمؤذنين أن يقولوا : ألا صلوا في الرحال , فعظم لنزول السماء على الأرض بلا كيل الفرق , وجرى طوفان المياه إلى الجامع فكاد أن يلجم نسرا , وأهله الغرق , وأصبح كافوري الثلج من الأرض , وهو متداني , وندف قوس السحاب قطنه على جنة الزبداني , ورأى الناس في يومه الأبيض الموت الأحمر , وشاب منه في الساعة شارب الروض الأخضر, وبيض لرءوس الجبال فودا , ولبس مسالكها , فكأن فضتها النقرة ببياضها سودا , وألبس ذوائب أشجارها حلة المشيب , وستر برد بستانها الأخضر القشيب , وحمل بكتيبته البيضاء على كتيبته الخضراء , وجارى الأعوج جري سكاب دانيه على الغبراء , وعادت قلة كل جبل منه , وهي ثلجية , وكاد نهاره يستر ببياض ثوبه الدري سواد حلة الليل السجية , ومال ماء السحاب على الضياع , فتداعت حيطانها , ونزح من لم يقدر على نزح المياه من قطانها , وكاثر مياه أنهارها بتلك المياه , وما استحى منها على كثرة حياه , فقلت حين بلغنا أن الماء طغى بالشام , وعتا , وطال بها على من حل فيها مقام الشتا : قد طول البرد في إقامته بالشام والنفس عندها ضجره وقلت إذ شاب منه مفرقه بالثلج يا برد شاخت العشره وقلت : الثلج قد جاء على أشهب وعم بالبلقا وسيع الفضا فارتاعت الشقراء من جلق إذ سل من أبيضه أبيضا إلا أنه جبر ذلك بألف نعمة , ونظرت إلى الشام أمطاره بعين الرحمة : وإن يكن الفعل الذي ساء واحدا فأفعاله اللائي سررن ألوف وأما قول سيدي : إنه ما تعرض لمصر بتعريض في كلام , واحتج بما ذكره عن الشام , ففرق بين ما عيبت به مصر من طين , وتراب , وطنين ذباب وبين ما نسب إلى دمشق من كافور ثلج وإيقاع رباب , لكنها تقول حين جبرها من حيث كسرها , وشرفها حين أمرها على باله وذكرها : لئن ساءني أن نالني بمساءة لقد سرني أني خطرت بباله فهي تقنع بأن رفع عنها جانب تجافيه , ووصفها بوصف فيه ما فيه , ومما يذكره العبد أنه لو نصب بين هذين المصرين المنافرة , وأقام سوق المفاخرة , لأنسى بحرف الفخار حرب الفجار , ولأبطل حجاج كل واحدة من حجاج الأخرى بما أبطل , وآثار بين النيل وأنهار دمشق عند المحاربة غبار القسطل , لكن ثنى المملوك عن المفاخرة سير العنان , وعنان السير , وألقى بيده إلى السلم وتلا لسانه : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ سورة النساء آية 128 عالما أن المكابرة من الصغير مع هبوط قدره لا تصعد , وأن صحاب العناد جهام وإن أبرق وأرعد , ثم انتهى المملوك لما تشرف به من خلعة الخلة , والحلة التي جر ذيلها على شاعر الحلة , ووصلت كثرة لثمه لتلك الألفاظ إلى العدد الذي لا يغلب من قلة , ثم هيأ هذا الجواب بعد الاستقصاء لجهده في الشكر والاستيعاب , والتمهيد للفظ إذا تمثل عند نفسه بباب سيد علماء زمانه لا يعاب آخره , ولله الحمد والمنة . بسم اللَّه الرحمن الرحيم , القضائي التاجي المملوك إبراهيم القيراطي , يقبل الأرض ذات الكرم والشرف الذي علا على إرم , إن لم يكن أرم والأنهار التي لمائها رونق ماء الشباب , فأنى يفاخر بالنيل إذا بلغ الهرم , والحمى الذي أنشد سلامنا المكي حين سار إليه : ما سرت من حرم إلا إلى حرم فهي للوفد كعبة ومطاف ومقام وموقف ومثاب مهديا إلى تلك الأرض المقدسة تحيات هذه الأرض المحرمة , مبلغا لبقاع الشام المباركة , سلام هذه المشاعر المحترمة , معوذا ذلك المقام بهذا المقام , ومناهل تلك المشارب الصافية بماء زمزم الذي هو طعام طعم , وشفاء سقام , رافعا دعاء يطوف بالبيت العتيق جديده , ويأوي إلى ركنه الشديد سديده , وتسقى بماء زمزم غروسه , وتروق على يد العبد في المقام كئوسه , وتشرق فيه شموعه بل شموسه , ويتأرج بحضرته زهوره , ويشيع في بطون تلك الأودية المشرفة ظهوره , ويكفل البيت وليده في حجره إلى أن يبلغ نهاية السعود , ويكون له من البيت المحجوج إلى البيت المعمور على درج الإجابة صعود , ويفوح عرف قلم مسطره , ويحلو ويطرب , فهو في أحواله الثلاثة عود , محوطا ركنها الشامي بالركن اليماني , وجهاتها الست بالمحل الذي أنزلت به في إحدى المرتين السبع المثاني , مواظبا على الثناء الأبيض عند الحجر الأسود , ناظرا من شيمة مالكها البيضاء ما لم تره الزرقاء كلما اكتحل من إثمد حلة البيت السوداء بمرود , وينهى ما اشتمل عليه من الود بمكة والصفا , والشوق الذي أصبح منه بعد شفاء القرب على شفا , والدمع الذي شابه النيل في أوصافه زيادة , وحمرة , ووفا , مطالعا للأبواب العالية بأنه خيم بفناء البيت ونزل , وأحب جوار اللَّه اعتزالا , ولا بدع لجار اللَّه إذا اعتزل , فلعل أن تتمهد له فرش الجنان عند تعلقه بتلك الأستار , وعسى أن يجد بذلك البيت سببا لنجاته في تلك الدار , وتروج مع أهل الربح بضاعة عمله المزجاة إذا حصل أهل الخسارة بدار البوار , ويصبح مكانه في الجنة في محل رفع إذا قطع العيش بجوار ذلك الحرم خفضا على الجوار , ويعد واصلا بتدبير اللَّه تعالى لكيمياء السعادة إذا ظفر بذلك الحجر المكرم , ويصير كل زمانه ربيعا إذا حل بذلك البيت المحرم , ويسفر له من ذلك الأفق صبح الأماني , وينشد إذا ضرب عنق شيطان هواه من تلك الأركان باليماني : ألا أيها الركب اليمانون عرجوا علينا فقد أضحى هوانا يمانيا واختار أن يكون في مظنة الإجابة , ليقوم من وظيفة دعائه بما التزم , وأن يواظب على ذلك الملتزم في المقام , وعلى ذلك المقام في الملتزم , فسقى اللَّه عهد مولانا الذي طالما ترنم به العبد حول الحطيم وزمزم , وقام واجب قلبه من فرض ذكره بما يلزم . ومما حث المملوك على هذه العبودية أنه وجد مولانا ذكره من كتاب ورد منه في ناحية واستفهم عن حاله في حاشية رقعته , ومن المملوك في الرقعة حتى يعد في الحاشية ؟ لقد نطق العبد بالثناء عليه جهرا , وشد قدومه له ببطن مكة ظهرا , وشكرت جوارحه فضلك الذي داوى على البعد جريحا وقريحته بعطفك الذي شفى من البين قريحا , ونشق البيت نسيم ثنائه وكيف لا ينشق لنسيمه ريحا . وقد بلغ الضراح وساكنيه نثاك وزار من سكن الضريحا وصاغ لسانه شكر ما تطوق به جيده من هذه النعمة ولم يكن له لعمري بذلك طوق , وتحلى من در كلامه بما لا يعرفه إلا أهل السلوك , ومن شهده بما لم يشهده إلا أرباب الذوق , فأصبح المملوك حين ذكر في الحاشية من أهل الطرب وأنشده لسانه , ولقلبه في ورود سلام مولانا أي أرب : رضيت بالكتب بعد البعد فانقطعت حتى رضيت سلاما في حواشيها إي والله المملوك راض من كتب مولانا بعد الهجر بوصل , وقانع من كلامه في كل سنة بفصل , فشكر اللَّه لافتقاد مولانا هذه المنة , وهذا الفضل الذي ليس لإطفائه نار الشوق جزاء إلا الجنة . ولقد علم المملوك حين وقف على خط مولانا , أن جفن صدقاته لا تطرقه عن مماليكه سنة , وغفر سيئات الزمان حين لاح له بوجه الطرس من نقطه حسنة بعد حسنة , وإلا فللمملوك عن رسالة مولانا قبل أن يغيب عن مصر جواب حاضر , وهشيم نبت يغضي حياء إذا قابل بالناظر روضها الناظر , فإنه كان أنشأ رسالة مطولة , ولكنها عن طائرات كلم مولانا المحلقة مقصرة , وجهز من بنات فكره كل حوراء بطرف سحر البيان مبصرة , وجلاها عروسا يعقد عليها العاد حين حلت خنصره , وأبرزها درة تاج , وكعبة لها من ذخائر المعاني رتاج , وكريمة لها من كرائم بنات الفكر نتاج , فعزمت على التوجه , فحيل بينهما وبينه بما حيل , وتحركت نفسها برقعتها للسير , فحبسها حابس الفيل . وأيضا فكان المملوك ينشئ فيها , وهو يتأهب للحج وكلما ظهر غمر عزمه سلك شيطان شعره , فجاء غير ذلك الفج , فوجد المملوك على نفسه حين فقد من إرسالها ما فقد , واجتهد في إيصالها للبلاد الشامية , فإذا الحجاج قد : أخذت حداتهم حجازا بعدما غنت وراء الركب في عشاق وإذا توجه العبد إن شاء اللَّه تعالى إلى الديار المصرية , وجه بها إلى الأبواب العالية وأنفذها , وإن كانت عاطلة لتصبح إذا لحظها مولانا بالعين حالية , وكيف لا ينفذها , وهو كلما تذكر بعده عن بانه أن , وكلما فكر في قربه منه في الزمان السالف حن , وكلما سأل سائل دمعه الزمان أن يجود باللقاء ضن , فهو بأسره مع البين في أسر , وقلبه بالنوى في كسر , وكأن طائر فؤاده المضطرب إذا تذكر قبة النسر : قطاة عزها شرك فأضحت تجاذبه وقد علق الجناح فهو يذوب تلهفا وينشد تأسفا : أسرب القطا هل من معير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير وكيف يطير مقصوص الجناح ؟ ويسير أسير أثخنته في معترك البين الجراح ؟ طال ما شام بمصر برق الشام , وخلع في حب جنة الزبداني قميص الاحتشام , وتعطش إلى ريان رياضها حلاها القطر إذا عطر في القفر البشام , وقال لأمانيه وقد حدثته برؤيتها : إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بْن هشام وما زال المملوك يتشوق إلى ما بدمشق من البقاع ويثبت من وصفها المحقق ما تحلى به عند النسخ الرقاع , وما برح في هذه المدة تجاه الكعبة المشرفة يعطيها من كنوز الدعاء بالحجر سماحا ويكرر أوراده منها مساء وصباحا , ويعوذ بالحجر الملتزم أحجارها وبالميزاب فوارها , وبزمزم أنهارها , وبالبيت دارها كما يعوذ سنيرا بثبير , ويذكي بالدعاء له في أم القرى على أَبِي قبيس القبس المنير , ويود لو رأى حسن معهدها ورقص طربا حول مغانيها التي فاقت المعاني بمعبدها , فلله جامعها الذي جمع الطلاوة , وقلت حين أصبح للصلاة في صحنه حلاوة : الجامع الأموي أضحى حسنه حسنا عليه في البرية أجمعا حلوه إذا حلوه فانظر صحنه تلقاه أصبح للحلاوة مجمعا وقلت : سقى بدمشق الغيث جامع نسكها وروضا به غنى الحمام المغرد إذا ما زها في العين من ذاك معبد لذكر حلا في السمع من ذاك معبد وقلت : دمشق في الْحَسَن لها منصب عال وذكر في الورى شائع فخل من قاس بها غيرها وقل له ذا الجامع المانع وقلت مضمنا : دمشق بواديها رياض نواضر بها ينجلي عن قلب ناظرها الهم على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له فيها نصيب ولا سهم وقلت مادحا : للصب بعدك حالة لا تعجب وتيته من صلف عليه وتعجب أبكيته ذهبا صبيبا أحمرا من عينه ويقول هذا المطلب وقتلته بنواظر أجفانها بسيوفها الأمثال فيها تضرب رفقا بمن أجريت مقلته دما ووقفت من جريانها تتعجب نيران بعدك أحرقته فهل إلى نحو الجنان ببعد يتقرب كم جيش العذال فيك وإنما سلطان حسنك جيشه لا يغلب من لي بشمسي المحاسن لم يزل عقلي به في كل وقت يذهب أحببته متعمما ومعنفي أبدا علي بظلمه يتعصب ويعيب من طرق التفقه وجهه والعشق يفتي أن ذاك المذهب ولقد تعبت بعاذل ومراقب هذا يزير والرقيب ينقب ومؤذنا سلوانه وغرامه هذا يرجع حيث ذاك يثوب وأقول للقلب الذي لا ينتهي عن حبه أبدا ولا يتجنب قد كدت أنك لا تسميك الورى قلبا لكونك عنه لا تتقلب ولو استطعت فركته وأدرته عنه ولكن ما لقلبي لولب بأبي غني ملاحة أشكو له فقري فيصبح بالغنى يتطرب قمر على غصن وغصن فوقه قمر على طول المدى لا يغرب قل للغزال وللغزالة إن رنا أو لاح يهرب ذا وتلك تغيب ما زلت أرفع قصة الشكوى له وأجر أسباب الخداع وأنصب حيث العواذل والرقيب بمعزل عنا وحيث الوقت وقت طيب وطلبت رشف الثغر منه فقال لي ما في الوجود سوى المدامة يطلب وغدا ينادمني وكأس حديثه أشهى إلي من العتيق وأطيب وأقول حين رشفت صافي ثغره من بعد ثغرك ما صفا لي مشرب قال احسب القبل التي قبلتني فأجبت إنا أمة لا نحسب لله ليل كالنهار قطعته بالوصل لا أخشى به ما يرهب وركبت منه إلى التصابي أدهما من قبل أن يبدو لصبح أشهب أيام لا ماء الخدود يشوبه كدر العذار ولا عذارى أشيب كم في مجال اللهو لي من جولة أضحت ترقص بالسماع وتطرب ولكم أتيت الحي أطلب غرة بعد الرحيل فلم يلح لي مضرب ووقفت في رسم الديار وللبكا رسم علي مقرر ومرتب وأقمت للندماء سوق خلاعة يجبى المجون إلي فيه ويجلب ثم انتبهت وصبح شيبي قد محا ليل الشباب وزال ذاك الغيهب ورجعت عن طرق الغواية مقلعا وسفين رشدي للسلامة مركب وذكرت في عليا دمشق معشرا أم الزمان بمثلهم لا تنجب قوم بحسن فعالهم وصفاتهم قد جاء يعتذر الزمان المذنب قوم مديحهم المصدق في الورى ومديح أهل زمانهم فمكذب لا تسأل القصاد عن ناديهم لكن يدلهم الثناء الطيب يا من لحران الفؤاد لطرفه لما تدمشق أدمع تتحلب أشتاق في وادي دمشق معهدا كل الجمال إلى حماه ينسب ما فيه إلا روضة أو جوسق أو جدول أو بلبل أو ربرب وكأن ذاك النهر فيه معصم بيد النسيم منقش ومكتب وإذا تكسر ماؤه أبصرته في الحال بين رياضه يتشعب وشدت على العيدان ورق أطربت بغنائها من غاب عنه المطرب فالورق تشدو والنسيم مشبب والنهر يسقي والحدائق تشرب وضياعها ضاع النسيم بها فكم أضحى له من بيننا متطلب وحلت بقلبي من عسال جنة فيها لأرباب الخلاعة ملعب ولكم طربت على السماع لجنكها وغدا بربوتها اللسان يشبب فمتى أزور معالما أبوابها بسماحه كتب الكرام تبوب وأرى حمى قاضي القضاة فإنه حصن إليه من الزمان المهرب ما زال للعلماء فيه تعلم منه وللأدباء فيه تأدب كم طالب للعلم فيه وطالب للمال تم لذا وذا ما يطلب علماء أهل الأرض حين تعدهم في الفضل دون مقامه تتذبذب وله مذاهب في المكارم حاتم لو عاش كان بمثلها يتمذهب كثرت عطاياه فخلنا أنه معن وحاشاه بذلك يلعب لله منه مكارم تاجية سبكية تبدو ولا تتحجب قاض مقر العدل في أبوابه فالجور من أرجائها لا يقرب راض الأمور فأقبلت منقادة وزمامها بيديه لا يستصعب ما قدموا يوما علاه لمنصب إلا علا قدرا وقل المنصب يجري الندى للواقفين ببابه ويصوبهم منه السحاب الصيب قاضي القضاة كليم بعدك لم يزل للقرب من ناديكم يترقب لولا تلهب قلبه بلظى النوى ما بات وهو على اللقاء يلهب ولقد ذكرتك والوفود بمكة كل إلى اللَّه المهيمن يرغب حطم الحطيم ذنوبهم وبزمزم لهم مناهل وردها مستعذب والكعبة الغراء أسبل سترها ودعاؤنا من تحته لا يحجب ولرحمة الرحمن من ميزابها للطائفين سحاب عفو يسكب فطفقت أخلص في الدعاء وظننا أن الكريم لذاك ليس يخيب ولفرط شوقي قد نظمت مدامعي عقدا يؤلف دره ويرتب ولماء جفني في الخدود تدفق ولنار قلبي في الضلوع تلهب يا ذا الأصول الصاحبية جودكم للأصل في شرع الندى يستصحب ولكم إذا تعب الكرام من العطا يوم المكارم راحة لا تتعب ها قد بعثت بها عروسا لفظها بالسحر يأخذ بالقلوب ويخلب ولسيد الأكفاء قد جهزتها بكرا يقرظها الحسود ويطنب إن حاول الأدباء يوما شأوها قولوا لهم بالله لا تتعذبوا لم يدن من أسبابها إلا فتى في هتكه بين الورى يتسبب أنا إن نطقت بمدحكم في مكة فكأن قسا في عكاظ يخطب وإذا أتيت بدرة في وصفكم فابن المقفع في اليتيمة يسهب عش يا أَبَا نصر لتخذل بالندى والجود جيش الفقر حين يطلب وبقيت يا شمس الوجود وبدره ما لاح نجم أو تبدى كوكب المملوك يرجو بعد تقبيل الأرض , من بعد أن يمتعه اللَّه تعالى بالمثول بين يدي مالكها , ويظفره بمطالب اللقا التي تنقذه من أيدي النوى ومهالكها , ويفوز بعد نظم السلوك في وصفها بحسن السلوك في مسالكها , أصدر المملوك هذه الرسالة , وقابل منها شمس ألفاظ مولانا بذبالة , وخطر له أنه أهدى التمر إلى هجر , فإذا ما أهداه حثالة , وأنه أتى فيها من المعاني بدقيق , فإذا هو قد أتى بنخالة مع علمه بوقوف حال كلامه عند أمثال مولانا السيارة , وأنه منحط الطبقة عن ألفاظه الطيارة , فيضرب مولانا صفحا عن عبارته , فإنها خالية من البراعة , عاطلة مما يتحلى به في مصر أهل الصناعة , ومولانا يغترف من بحر لا يزال يبرز بالغوص فيه من الدر عجيبا , ويبدي بين أهل الأدب من محاسنه غريبا , ويتلو لسان بلاغته إذا استبعد المتأدبون استخراج معنى إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا { 6 } وَنَرَاهُ قَرِيبًا { 7 } سورة المعارج آية 6-7 والحمد لله حق حمده , وصلواته على سيدنا مُحَمَّد خير خلقه , وسلامه , وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل . المملوك إبراهيم القيراطي . وقلت حين بلغني أن مولانا قاضي القضاة رزق ولدا ذكرا : أبشر أبشر يابْن الأفاضل بابن وأب للعفاة منا حقيقه يا له ابنا قد أبرزت بنت فكري درة المدح فيه قبل العقيقه وقلت أيضا : هنئت يا قاضي القضاة بسيد نشرت بشائره بمكة للورى أكرم به ابنا قد أضا قبس الهنا بأبي قبيس منه في أم القرى وقلت : قاضي القضاة أبشر بنجل لم يزل يعلو على درج السيادة صاعدا فلسان هذا الدهر أصبح قائلا زاد الزمان بني المعالي واحدا وقلت : نادى لسان الدهر حين أتى لكم نجل له جد علي صاعد زاد الزمان بني المعالي واحدا لكنه كالألف ذاك الواحد وقلت مضمنا : أتى لك ابْن قادم بالهنا فسر بالبشرى بني آدم وقالت العليا له إذ أتى أهلا وسهلا بك من قادم وقلت : أبشر بخير قادم للمجد والتقدم قد قالت العليا له على أسر مقدم وقلت : بلغت في ابنك هذا غاية الأمل فعن قليل يرى في حكم مكتهل وعن قليل على من نجابته يعيد بعد دروس لي دروس علي وقلت : سمي ابْن سيد أبناء العلا بعلي لا زال ذا منصب بين الأنام علي فقلت لما أتت بشرى البشير به للعلم والفضل والعلياء والدول بشرى سمي أمير النحل حين أتت كانت بأفواهنا أحلى من العسل وقلت : لله كم بشرى لنجلك أقبلت فابشر به إذ جاء وأبشر وأبشر كنيته بأبي يزيد والعلا من قبل مولده تسميه السري وقلت : يا سيدا زكت الفروع به ونمت وطابت في الورى نشرا بأبي يزيد أبشر فحين أتى وافى الهناء مصاحبا بشرا وقلت : ظني بعز الدين نجلك أنه يبقى لفعل مآثر ومكارم فلذاك بشرت المعالي نفسها من يوم مولده بعز دائم وقلت : أبشر بعز الدين نجلا قوبلت علياه بالإكرام والإجلال رقمت يد الأيام منه طرازها لما بدا بالعز والإقبال الحمد لله وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم , هذه الرسالة أرسلها إلي الشيخ برهان الدين بْن القيراطي , وقد جاور في مكة مع الرجبية في سنة أربع وستين وسبع مائة . ثم حضر إلى القاهرة في سنة خمس وستين , وجهزها إلي , ثم عاد إلى مكة مجاورا مع الرجبية سنة خمس وستين , فكتبت إليه جوابها في شوال سنة خمس وستين وسبع مائة , وجهزته إلى مكة , ونسخته : يخدم بسلامه الأرض حيث تنزل السماء , فيروى الظماء , وتعشب الدنيا بأياديه البيض , فهي الحلوة الخضراء , ويرعى الكلأ ولا غضبان , ثم من أنشأ : وأعلم إن تسليما وتركا للا متشابهان ولا سواء وحيث الملتجئ إلى حرم اللَّه رغبة ورهبة , العائذ به لا فارا بخربة , اللائذ متعلقا بأستار الكعبة , وأقسم بمن منع أن تختل الدنيا بالدين ما خيل لي ختل , ولا خطر لي لو لم تأت به القافية ابْن خطل , ولا دار على طرف لساني , ولا تحرك مخضوب بناني لذكر خطأ ولا خطل , وما كل مخضوب البنان يمين . إيه , وحيث الطواف بالبيت حجة عقب حجة , والعمرة في رمضان عاما بعد عاما , تعدل حجة بعد حجة , والفرار إلى اللَّه ذي الحجة البالغة يا لها من حجة , وحيث توضع خطايا وأوزار ويرفع ولا يخفض على الجوار عمل من حيا على بعد أوزار , فكيف بمن والى بين رجبي مضر مزار نزار , ثم أقسم وقد خيم بذلك الفناء البار أنه أحب جوار اللَّه اعتزالا للناس , وصرح بأنه لا بدع لجار اللَّه إذا اعتزل , وأشار , وكدت أصوبه لكن خشيت قول ابْن عمر : " إني منهم بريء " . ويقيني أن اللَّه بريء من الجار . نعم , وحيث البحر العجاج رؤبة الأدب وكعبته المحجوجة لكل محتاج , والمنهل الذي يروي وفد البيت فتناديه الرواء : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ سورة التوبة آية 19 تفجر عيونا فسقى الغضا , والساكنيه , ولحظه بالعناية , والمشترك محمول على معانيه , حاطه اللَّه حيث أضحى وأمسى , وتولاه حيث سار وحل , مؤديا بسلامه فريضة لا يخرجها عن وقتها ولا يقضيها , مهديا تحيته على مبلغ قدرته , والهدايا على مقدار مهديها , مبلغا بثينة بجميل القول أني لست ناسيها , ولا المضيع لها سرا علمت به ما عشت حتى تجيب النفس داعيها , وينهى بعد وصف شوق تبرجت الجاهلية الأولى همومه , وتخرجت كأنها حاشية كتاب درر دموعه التي منها منثوره ومنظومه , وتأرجت عند ذكرى الرجبية ربوعه فما أرج السحر ونسيمه , وربيع مصر وبرسيمه , أنه ورد عليه كتاب رسالة , وقف منه على ما جرى به القلم , فوقف واستوقف كل أديب ليشاهد غرفا من جناته مبنية من فوقها غرف , ولم يجد مثالا لهذا المثال الكريم , ولو وجد لوصف , فسكت مصغيا إلى تلك المقالة , وعوذ حل الرسالة بخاتم الرسالة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وترشف من كلمها الطيب سكرا كلما كرر حلاله حلاله , وبدأ ببسم اللَّه في النظم أولا فرأى على حرزه من التيسير الإلهي عنوانا , ومن عقد اللآلي حلا , وأبصر من قلائد عقيانه مالا يوازن قيراطه بقنطار ولا . فعين اللَّه على هذه الكلمة ذات الباء الموحدة , وعين الذهب دون لفظها الذي أذاب نضارا , فأذاب قلوب الحسدة , وعين العناية مع سرها الممدود بألطاف على عمد ممدد , لقد سرحت العين في روضها , فلها جمال حين تريح , وحين تسرح , وتقلب البصر منها في محاسن يبرح بالذمام ولا تبرح , وتلوت على صدري عند سماعها بعد ضيق العطن أَلَمْ نَشْرَحْ سورة الشرح آية 1 ولها اللَّه آية أوتيت من الفضل , وحزبه ورقت الصب أي رقية لكونه أخذ من صباها أمانا لقلبه , وشهد ناظرها من عاملها العربي نطقا أن حاسده أبغض العجم ناطقا إلى ربه , دعت مجيبا من أول مرة , مهتزا إذا خطرت من ذكر مية خطره , يخطر في رياضها فلا يجد رملا , لكن معشبا بين بياض وحمرة , ومزنا من ماء الفصاحة يروض لوقته , وفننا يعرف الولي بأن الوسمي جاء على سمته , وعدنا من جنات الكلم نعترف العدو , ونجلوه من عوجه , وأمته . وفَصْلًا من الخطاب فاصلا , وأسماء من أفعال القلوب , قال السجع : إن لها في القلوب منازلا , وثبت عندها المحب منشدا : قضى اللَّه يا أسماء أن لست زائلا همز الخادم لبائها ألفا , وتنشق من عرفها متعرفا , ما خالطه منه , لا من سلمى خياشيم وفا , وجهلت بماذا أصفها فإنها فوق وصف الواصف , وغاية ما قلت عند إقبالها من قبل ذلك العاكف الطائف , ومجيئها من ذلك الحرم : وما كل من وافى منى أنا عارف معترفا بأنه لا يطول إلى المعارضة , وأن خيول فكره في ميدان هذا السابق غير راكضة , وأن سنة اللَّه فيمن اعتزل هذه المحاسن أن تصبح له السعادة رافضة . فانتقل عن تكملة الجواب إلى الإيضاح , والاستخبار عن حالكم في تلك النواح , أهو كحال أهل هذا الإقليم الذي أكثرت فيه النوائح النواح , لحادث طعن وطاعون ؟ حكم بالشهادة لكل مسلم , وبالتكفير لغير المديون , وبالاستبشار لمن قضى نحبه فيه , بأنه من الأمة التي فناؤها على ما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بالطعن والطاعون , إنا لله وإنا إليه راجعون , رحمة ربنا , ودعوة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وموت الصالحين قبلنا , لقد قيل لمن رام الحياة قبلنا , هيهات لما تروم هيهات , فقد مات من لا عمره مات , ورخصت الأنفس , فبدلت نحبه واغتال الموت أسودا , ولا بنى ضبة , ووسعته نفوس كانت تضيق بها دمشق إلى الرحبة , وتلاعب بالصغار وليدا فوليدا , ومال إلى النساء ميلا شديدا : فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوهه البيض سودا وسار بسيفه المسلول , ونادى وكل صاحب يقول لصاحبه : لا ألفينك إني عنك مشغول كل ابْن أنثى وإن طالت سلامته يوما على آله حدباء محمول ودار دورا قائمة على عمد : وقفت فيها أصيلا لا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , نفثة من مصدور , وكلمة تعقب إن شاء اللَّه كل فرح وسرور , وقولة نقولها وإلى اللَّه تصير الأمور : ولقد حرصت بأن أدافع عنهم فإذا المنية أقبلت لا تدفع وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع ولقد شبت بين العرب والترك نار لا للقرى بل للقراع , ولقد نهضت الدهماء , واضطرب النقع المثار , واشتبه المتبوع بالأتباع , ولقد بكت البيض وزعقت السمر في يوم أسود يطيب به الموت الأحمر , وإن شمت العدو الأزرق للبطل الشجاع : من فتية من سيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل لقد قامت الحرب على ساق , ورقت نساء الأعراب , ولكن على الحياة حين رأين الأنفس إلى الحمام تساق , وكم ذات خدر فقدت واحدها بين الرفاق : فكرت تبتغيه فصادفته على دمه ومصرعه السباعا من كل مهند لمع وكأنه البرق الخاطف , وجرد فكأنه القضاء الجاري في المواقف , وسل فكأنه الأسد الضاري في المخاوف , وكل رديني هز فكأنه الغصن تناثرت ثماره , وخطر فكأنه قد الحبيب تدانى مزاره , وطعن فكأنه وخز الشيطان تضرمت ناره : من كل أبيض في يديه أبيض أو كل أسمر في يديه أسمر ولقد طاحت الغربان برءوس العربان , وصاحت بالويل والثبور بنات طارق لطوارق الحدثان , وراحت بالأرواح أقوام تعرف بالحقيقة لا بحد ورسم , بل بحد وسنان , وتقول : لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع فسير صباح مسا , ويضيق بالطوال والقصار من الظبا والرماح الفضا , ويمتطي من العربيات أخلاء الرياح , ما يتقدم على مهل , فيتأخر مع الإسراع عنها الهوى , قائلا : إنما كنت خليلا من وراء ورا من كرائم الخيل المنصورة , وعظائم السيل , وقد ينقل اللفظ بالمعنى والعلاقة مجاز الصورة , وبهائم الليل المبصرة إذا أسبل ديجوره , منها مضمر , وغير مضمر , وسابق يقصر عنها مدى الناظر , وإن كرر عليها أبطال يتلون , إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ سورة نوح آية 4 , ومالت نواصيها ذوات الخير كأنها عقود ترائب , وطالت غرتها كأنها انتظار غائب , وقصر عجب ذنبها كأنه بناء ذاهب , وولولت أذنابها كأنها أقلام كاتب , ولانت عريكتها كأنها لعبة لاعب , وأسبغ ذيلها كأنه ذيل راهب , وقام صدرها كأنه نهضة واثب , وتشخص موضع ثدييها كأنهما نهدا كاعب , ودق منخرها كأنه خنصر بنات الأعارب , وابيض لونها كأنه الصافي عن الشوائب , وحلا طول الحديث عنها كأنه حديث الحبائب . فلينتقل المملوك عن ذكر الأخبار , وحكاية ما كان وصار , ولا يد له بيضاء في أسود ذلك النهار , إلى ذكر ما نبه منها على خلاف الأولى , وهو واجب القلب أن لا يكون قام ببعض الفرض , ويعرض غير معارض على ذلك الناقد بهرجه , وهو فرق من يوم العرض , ويفتح بابا للوقيعة فيه , لكنه اقتدى بأبي ضمضم , فدونك أيها الأديب والعرض , ويقول : أبدا على جمر الغضى يتقلب قلب بشرقي اللوا متغرب ناء عن الخيمات يحسب أنه لجنان وصلك باللظى يتقرب ولقد أعاتبه وليس بنافع عتب لمن هو معنت لا يعتب إن قلت ملت علي قال لأنني قلب فلا عجب إذا أتقلب أفدي الغزال على حدائق مهجتي يحيا ويرتع في الدماء ويلعب وأريد ما يبغيه بي فأنا له مستعذب بعذابه مستعذب هو زهرة بيعت فكنت المشتري وأخو الملاح على هواه العقرب من لي بصاحب حاجب سلطانه قاض بأن لحاظه تتحجب ذو النون وهو رويم طرف وجهه النوري والجلاء وهو الكوكب لم يرض إلا الزهد في طريقة والهجر فهو لغير معنى يغضب إن قلت أسمعني كلامك قال لي أعدمت غير الدر فيه يرغب أو قلت أرشفني رضابك قال لا ما في الوجود سوى المدامة تطلب اطلب سوى ذا قلت لا أبغي سوى هذين في الدنيا ولا أترقب بالله فاحسبني وأحسن عشرتي فأجاب إنا أمة لا نحسب وأبى فليس يعدني سرا ولا يصغي إلي وراح أيضا يعتب ويحرف الكلمات عن أوضاعها بلسان سهم للجدال يرتب فيزيل بالشبه البراهن التي للحرم في كسر المخالف تنصب ولقد عددت سني وهي كثيرة لم أبصر البرهان فيها يلعب ولذاك أعرض لا أعارض قوله لا أم لي إن كان ذاك ولا أب أثنى عليه مفردا يجد التوكل صيغة في جمعها يتسبب وفى بعهد إخائه إذ كان إبراهيم فهو على الوفا لا يذهب العلم وصف والوفاء سجية بالوعد والقول الصحيح المذهب وله المعارف والعوارف والندى يصفو ويعذب من جداه المشرب وإذا يقول فكل عضو سامع لمقاله الصدق الذي لا يكذب لا فرق بين كلامه والسحر إلا أنه السحر الحلال الطيب هو مالك جلاب أمتعة بألفاظ كمثل الشهب أو هي أشهب ولقد يلحن لفظ أشهب إن أتى في أفعل التفضيل أو يتجنب يأيها البحر الذي كلماته كالجوهر المكنون بل هي أعجب در يعز على كثير عزة ويضيء مثل الصبح منه الغيهب في مثل درته يحق مقالكم فابن المقفع في اليتيمة يسهب ولسوقه يهدي مقالك واصفا فكأن قسا في عكاظ يخطب فلله أسأل أن يمتعنا به كلما بها الأمثال فينا تضرب تبقى بقاء الدهر تعجب أهله وتتيه من صلف عليه وتعجب لقد وصف المملوك ما في ضميره , فلا يؤاخذه وإن وصف مضمرا , وكاتبك يا مالك الرق رجاء أن يكون مدبرا , وفصلت برد لباسها قائلا : رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا سورة آل عمران آية 35 فأسبل عليها ستر معروفك الذي سترت به قدما علي عواري والمملوك يقبل الأرض بين يدي الشيخ الإمام الخطيب تاج الدين المليحي , وأنتما حقيقة في هذا الكتاب شريكان , وللشيخ تاج الدين عادة , فنظير مشاركته في هذا العنوان تلبيته دعوة كاتبين خطباه للخطبة , وإن كان الشيخ تاج الدين بعض واحد منه , فذاك بقصاص أنه في غيره اثنان , فلقد لبى دعوة اثنين خطباه للخطبة , لكنه لم ينفذ في الثانية منهما إلا بسلطان , وعلى ذكر ذلك , فالمملوك يهني المنبر السلطاني منه بأعلا وأعلم , ومن إذا صال على الأعواد أسرج وألجم , وإذا أقبل في ثياب السواد قيل : جاء السواد الأعظم , وبهيبة من المنبر بعلو الدرجات من اللَّه مجازا , ومن المنابر حقيقة , وقبول الأعمال الصالحات التي هي في أصول الإخلاص عريقة , وينشده إذا صعد خطيبا وتنزهت القلوب في رياض مواعظه الأنيقة ولما رأيت الناس دون محله تيقنت أن الدهر للناس ناقد