7 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، قَالَ : قَالَ عُثْمَانُ ° : " إِيَّاكُمْ وَالْخَمْرَ ، فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ قِيلَ : أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ : إِمَّا أَنْ تُخَرِّقَ هَذَا الْكِتَابَ ، وَإِمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الصَّبِيَّ ، وَإِمَّا أَنْ تَسْجُدَ لِهَذَا الْوَثَنِ ، وَإِمَّا أَنْ تَشْرَبَ هَذِهِ الْكَأْسَ ، وَإِمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ الْكَأْسِ فَشَرِبَ ، فَوَقَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَقَتَلَ الصَّبِيَّ ، وَخَرَّقَ الْكِتَابَ ، وَسَجَدَ لِلصَّلِيبِ "

وَقِيلَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِ : لِمَ لَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ ، فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي جُرْأَتِكَ ؟ فَقَالَ : مَا أَنَا بِآخِذٍ جَهْلِي بِيَدِي فَأُدْخِلَهُ فِي جَوْفِي ، وَأُصْبِحُ سَيِّدَ قَوْمِي وَأُمْسِي سَفِيهَهُمْ . وَقِيلَ لَهُ بَعْدَمَا أَسَنَّ وَأَسْلَمَ : قَدْ كَبِرَتْ سِنُّكَ وَدَقَّ عَظْمُكَ ، فَلَوْ أَخَذْتَ مِنْ هَذَا النَّبِيذِ شَيْئًا يُقَوِّيكَ . فَقَالَ : أُصْبِحُ سَيِّدَ قَوْمِي ، وَأُمْسِي سَفِيهَهُمْ ، آلَيْتُ أَلَّا يَدْخُلَ رَأْسِي مَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَقْلِي . وَكَانَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ يَأْتِيهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِ تَاجِرُ خَمْرٍ ، فَيَبْتَاعُ مِنْهُ ، وَلَا يَزَالُ الْخَمَّارُ فِي جِوَارِهِ حَتَّى يَنْفَدَ مَا عِنْدَهُ ، فَشَرِبَ قَيْسٌ ذَاتَ يَوْمٍ فَسكِرَ سُكْرًا قَبِيحًا ، فَجَذَبَ ابْنَتَهُ وَتَنَاوَلَ ثَوْبَهَا ، وَرَأَى الْقَمَرَ فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ ، ثُمّ َ أَنْهَبَ مَالَهُ وَمَالَ الْخَمَّارِ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ وَهُوَ يَضْرِبُهُ : مِنْ تَاجِرٍ فَاجِرٍ جَاءَ الْإِلَهُ بِهِ كَأَنَّ لِحْيَتَهُ أَذْنَابُ أَجْمَالِ جَاءَ الْخَبِيثُ بِبَيْسَانِيَّةٍ تَرَكَتْ صَحْبِي وَأَهْلِي بِلَا عَقْلٍ وَلَا مَالِ فَلَمَّا صَحَا خَبَّرَتْهُ ابْنَتُهُ بِمَا صَنَعَ وَمَا قَالَ ، فَآلَى لَا يَذُوقُ الْخَمْرَ أَبَدًا ، وَقَالَ : رَأَيْتُ الْخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الْحَلِيمَا فَلَا وَاللَّهِ أَشْرَبُهَا صَحِيحًا وَلَا أُشْفَى بِهَا أَبَدًا سَقِيمَا وَلَا أُعْطِي بِهَا ثَمَنًا حَيَاتِي وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمَا . وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، حَرَّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَالَ : لَا أَشْرَبُ شَرَابًا يَذْهَبُ بِعَقْلِي ، وَيُضْحِكُ بِي مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنِّي ، وَأُزَوِّجُ كَرِيمَتِي مَنْ لَا أُرِيدُ . فَبَيْنَمَا هُوَ بِالْعَوَالِي إِذْ أَتَاهُ آتٍ ، فَقَالَ : أَشَعَرْتَ أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ ؟ وَتَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ فِي الْمَائِدَةِ ، فَقَالَ : تَبًّا لَهَا ، لَقَدْ كَانَ بَصَرِي فِيهَا نَافِذًا قِيلَ لِأَعْرَابِيٍّ : أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ ؟ فَقَالَ : لَا أَشْرَبُ مَا يَشْرَبُ عَقْلِي . وَدَعَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نُصَيْبًا أَوْ كُثَيِّرًا إِلَى نَدَامَتِهِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي لَمْ أَصِرْ إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ بِمَالٍ وَلَا دِينٍ ، وَإِنَّمَا وَصَلْتُ بِلِسَانِي وَعَقْلِي ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَلَّا تَحُولَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمَا فَافْعَلْ . وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : وَمَنْ تَقْرَعِ الْكَأْسُ الذَّمِيمَةُ سِنَّهُ فَلَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ يُرِيبَ وَيَجْهَلَا فَلَمْ أَرَ مَشْرُوبًا أَخَسَّ غَنِيمَةً وَأَوْضَعَ لِلْأَشْرَافِ مِنْهَا وَأَخْمَلَا وَأَجْدَرَ أَنْ تُلْقِيَ حَلِيمًا بِغَيِّهَا وَيَشْرَبَهَا حَتَّى يَخِرَّ مُجَدَّلَا وَقَالَ آخَرُ : وَلَسْتُ بِلَاحٍ لِي نَدِيمًا بِزَلَّةٍ وَلَا هَفْوَةٍ كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى الْخَمْرِ عَرَكْتُ بِجَنْبِي قَوْلَ خِدْنِي وَصَاحِبِي وَنَحْنُ عَلَى صَهْبَاءَ طَيِّبَةَ النَّشْرِ وَأَيْقَنْتُ أَنَّ السُّكْرَ طَارَ بِلُبِّهِ فَأَغْرَقَ فِي شَتْمِي وَقَالَ وَمَا يَدْرِي وَدَخَلَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ ، عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَبِوَجْهِهِ آثَارٌ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : قُمْتُ اللَّيْلَ فَأَصَابَ الْبَابُ وَجْهِي فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : رَأَتْنِي صَرِيعَ الْخَمْرِ يَوْمًا فَسُؤْتُهَا وَلِلشَّارِبِيهَا الْمُدْمِنِيهَا مَصَارِعُ . فَقَالَ أُمَيَّةُ : لَا آخَذَنِي اللَّهُ بِسُوءِ ، ظَنِّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَ : بَلْ لَا آخَذَنِي اللَّهُ بِسُوءِ مَصْرَعِكَ . وَدَخَلَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ عَلَى زِيَادٍ ، وَكَانَ حَارِثَةُ صَاحِبَ شَرَابٍ ، وَبِوَجْهِهِ أَثَرٌ ، فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ : مَا هَذَا الْأَثَرُ بِوَجْهِكَ ؟ فَقَالَ : رَكِبْتُ فَرَسًا لِي أَشْقَرَ ، فَحَمَلَنِي حَتَّى صَدَمَ بِي الْحَائِطَ ، فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ : أَمَا إِنَّكَ لَوْ رَكِبْتَ الْأَشْهَبَ لَمْ يُصِبْكَ مَكْرُوهٌ . وَكَانَ ابْنُ هَرْمَةَ الشَّاعِرُ فِي شَرَفِهِ ، وَنَسَبِهِ ، وَجَوْدَةِ شِعْرِهِ ، يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْمَدِينَةِ وَيَسْكَرُ ، فَلَا يَزَالُ الشُّرَطُ وَقَدْ أَخَذُوهُ وَرَفَعُوهُ إِلَى الْوَالِي فِي الْمَدِينَةِ فَحَدَّهُ ، فَوَفَدَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ : الْمِدْحَةَ الَّتِي امْتَدَحَهُ بِهَا وَقَافِيَتُهَا لَامٌ ، فَاسْتَحْسَنَهَا ، وَقَالَ لَهُ : سَلْ حَاجَتَكَ . قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، تَكْتُبُ إِلَى عَامِلِ الْمَدِينَةِ ، أَلَّا يَحُدَّنِي إِنْ وَجَدَنِي سَكْرَانًا ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ، وَمَا كُنْتُ لِأُعَطِّلَهُ ، فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَهُ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَاحْتَلْ لِي بِحِيلَةٍ . فَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَامِلِهِ : مَنْ أَتَاكَ بِابْنِ هَرْمَةَ وَهُوَ سَكْرَانُ فَاجْلِدْهُ مِائَةً ، وَاجْلِدِ ابْنَ هَرْمَةَ ثَمَانِينَ ، فَرَضِيَ وَمَضَى بِكِتَابِهِ . فَكَانَ الْعَوْنُ إِذَا مَرَّ بِهِ صَرِيعًا ، قَالَ : مَنْ يَشْتَرِي ثَمَانِينَ بِمِائَةٍ ؟ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ . وَكَانَ مَالِكُ بْنُقَيْسٍ ، مِنْ ثَقِيفٍ ، يَشْرَبُ مَعَ ابْنِ الْكَاهِلِيَّةِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ ، فَغَلَبَهُ السُّكْرُ فَنَامَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَأَدْرَكَهُ ابْنُ الْكَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَا مَالِ بْنَ قَيْسٍ وَإِنْ غِبْنَا عَلَيْكَ رَقِيبَ عَيْنِ أَقِمْ صَدْرَ الْمَطِيَّةِ وَانْجُ إِنِّي أَرَانِي وَابْنَ نَعْجَةِ هَالِكَيْنِ . فَأَيَّةُ جَرِيرَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ ؟ وَأَيُّ غَبْنَةٍ أَشَدُّ مِنْ غَبْنَتِهَا ، وَصَفْقَةٍ أَخْسَرُ مِنْ صَفْقَتِهَا ؟ وَمَاذَا يَلْقَى صَاحِبُهَا مِنْ تَعْيِيرِ الْمُعَيِّرِينَ ، وَعَذْلِ الْعَاذِلِينَ مَا كَانَ صَاحِيًا ؟ ، فَإِذَا عَاوَدَهَا هَانَ عَلَيْهِ الْقَبِيحُ . قَالَ الْقُطَامِيُّ : أَفِرُّ إِذَا أَصْبَحْتُ مِنْ كُلِّ عَاذِلٍ وَأُمْسِي وَقَدْ هَانَتْ عَلَيَّ الْعَوَاذِلُ وَقَالَ ابْنُ هَانِئٍ : اسْقِنِي حَتَّى تَرَانِي حَسَنًا عِنْدِي الْقَبِيحُ وَسَقَى قَوْمٌ أَعْرَابِيَّةً مُسْكِرًا ، فَلَمَّا أَنْكَرَتْ نَفْسَهَا ، قَالَتْ لَهُمْ : أَيَشْرَبُ هَذَا نِسَاؤُكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَتْ : لَئِنْ كُنْتُمْ صَدَقْتُمْ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ مَنْ أَبُوهُ . وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ ، يَشْتَدُّونَ عَلَى النِّسَاءِ فِي شُرْبِهِ ، حَتَّى مَا يُحْفَظُ أَنَّ امْرَأَةً شَرِبَتْ ، وَلَا أَنَّ امْرَأَةً سَكِرَتْ . وَحَدَّثَنَا الرَّيَاشِيُّ ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، قَالَ : كَانَ عُقَيْلُ بْنُ عُلَّفَةَ الْمُرِّيُّ غَيُورًا ، فَكَانَ يُسَافِرُ بِبِنْتٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا الْجَرْبَاءُ ، فَسَافَرَ بِهَا مَرَّةً فَقَالَ : قَضَتْ وَطَرًا مِنْ دَارِ سُعْدَى وَرُبَّمَا عَلَى عُرُضٍ نَاطَحْنَهُ بِالْجَمَاجِمِ . ثُمَّ قَالَ لِابْنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ عَمَلَّسٌ : أَجِزْ ، فَقَالَ : فَأَصْبَحْنَ بِالْمَوْمَاةِ يَحْمِلْنَ فِتْيَةً نَشَاوَى مِنَ الْإِدْلَاجِ مِيلَ الْعَمَائِمِ ثُمَّ قَالَ لِابْنَتِهِ : أَجِيزِي يَا جَرْبَاءُ ، فَقَالَتْ : كَأنَّ الْكَرَى سَقَّاهُمُ صَرْخَدِيَّةً عُقَارًا تَمَشَّى فِي الْمَطَا وَالْقَوَائِمِ . فَقَالَ لَهَا : وَاللَّهِ مَا وَصَفْتِهَا هَذِهِ الصِّفَةَ ، إِلَّا وَقَدْ شَرِبْتِهَا ، ثُمَّ أَحَالَ عَلَيْهَا يَضْرِبُهَا . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَنُوهُ وَثَبُوا عَلَيْهِ ، فَخَلُّوا فَخْذَهُ بِسَهْمٍ ، فَقَالَ : إِنَّ بَنِيَّ زَمَّلُونِي بِالدَّمِ مَنْ يَلْقَ أَبْطالَ الرِّجالِ يُكْلَمِ شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمِ . وَأَخْزَمُ : فَحْلٌ . وَالشِّنْشِنَةُ : الشَّبَهُ . وَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ بِالشَّرَابِ أَقْوَامًا مِنَ الْأَشْرَافِ فَحُدُّوا ، وَدُوِّنَتْ فِي الْكُتُبِ أَخْبَارُهُمْ ، وَلَحِقَتْ بِتِلْكَ السُّبَّةِ أَعْقَابُهُمْ ، مِنْهُمُ : الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ ، شَهِدَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الْغَدَاةَ وَهُوَ سَكْرَانُ ، وَقَالَ أَزِيدُكُمْ ، فَشَهَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ ، وَبِمُنَادَمَةِ أَبِي زُبَيْدٍ الشَّاعِرِ ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا ، فَحَدَّهُ عُثْمَانُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ . وَمِنْهُمْ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، شَرِبَ بِمِصْرَ فَحَدَّهُ هُنَاكَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ سِرًّا ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، جَلَدَهُ حَدًّا آخَرَ . وَمِنْهُمْ : الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، كَانَ مِمَنْ شُهِرَ بِالشَّرَابِ ، وَبِمُنَادَمَةِ الْأَخْطَلِ الشَّاعِرِ ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا ، وَفِيهِ يَقُولُ : وَلَقَدْ غَدَوْتُ عَلَى التِّجَارِ بِمِسْمَحٍ هَرَّتْ عَوَاذِلُهُ هَرِيرَ الْأَكْلُبِ لَذٍّ يُقَبِّلُهُ النَّعِيمُ كَأَنَّمَا مُسِحَتْ تَرَائِبُهُ بِمَاءٍ مُذْهَبِ لَبَّاسِ أَرْدِيَةِ الْمُلُوكِ يَرُوقُهُ مِنْ كُلِّ مُرْتَقَبٍ عُيُونُ الرَّبْرَبِ يَنْظُرْنَ مِنْ خَلَلِ السُّتُورِ إِذَا بَدَا نَظَرَ الْهِجَانِ إِلَى الْفَنِيقِ الْمُصْعَبِ خَضِلِ الْكِيَاسِ إِذَا تَمَشَّى لَمْ يَكُنْ خُلُفًا مَوَاعِدُهُ كَبَرْقٍ خُلَّبِ وَإِذَا تُعُوِّرَتِ الزُّجَاجَةُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الشَّرَابِ بِفَاحِشٍ مُتَقَطِّبِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ غَدَا عَلَى تُجَّارِ الشَّرَابِ بِهِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَرُوقُهُ عُيُونُ النِّسَاءِ وَيَرُقْنَهُ . وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : الْمُذْهَبُ ، لِجَمَالِهِ ، فَمَدَحَهُ كَمَا كَانَ يَمْدَحُ بَعْضَ النَّصَارَى ، وَكَانَتِ الشُّهْرَةُ فِي الشِّعْرِ عَلَى حَسَبِ حُسْنِهِ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِي حِفْظِهِ . وَمِنْهُمْ : قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَدَّهُ عُمَرُ بِشَهَادَةِ عَلْقَمَةَ الْخَصِيِّ عَلَيْهِ ، وَغَيْرِهِ فِي الشَّرَابِ . وَمِنْهُمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي شَحْمَةَ ، حَدَّهُ أَبُوهُ فِي الشَّرَابِ ، وَفِي أَمْرٍ آخَرَ فَمَاتَ . وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، حَدَّهُ بَعْضُ وُلَاةِ الْمَدِينَةِ فِي الشَّرَابِ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، حَدَّهُ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ فِي الشَّرَابِ . وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ ، حَدَّهُ عَمْرُو بْنُ الْأَشْدَقِ فِي الشَّرَابِ . وَمِمَّنْ فُضِحَ بِالشَّرَابِ بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ الْحِمْيَرِيُّ : وَأَمَّا بِلَالٌ فَذَاكَ الَّذِي يَمِيلُ الشَّرَابُ بِهِ حَيْثُ مَالَا يَبِيتُ يَمَصُّ عَتِيقَ الشَّرَابِ كَمَصِّ الْوَلِيدِ يَخَافُ الْفِصَالَا وَيُصْبِحُ مُضْطَرِبًا نَاعِسًا تَخَالُ مِنَ السُّكْرِ فِيهِ احْوِلَالَا وَيَمْشِي ضَعِيفًا كَمَشْيِ النَّزِيفِ تَخَالُ بِهِ حِينَ يَمْشِي شِكَالَا وَمِنْهُمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ ، الْقَاضِي بِالْكُوفَةِ ، فُضِحَ بِمُنَادَمَةِ سَعْدِ بْنِ هَبَّارٍ ، فَقَالَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ : نَهَارُهُ فِي قَضَايَا غَيْرِ عَادِلَةٍ وَلَيْلُهُ فِي هَوَى سَعْدِ بْنِ هَبَّارِ مَا تَسْمَعُ النَّاسُ أَصْوَاتًا لَهُمْ عَرَضَتْ إِلَّا دَوِيًّا دَوِيَّ النَّحْلِ فِي الْغَارِ فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ أَطْلَاحًا أَضَرَّ بِهِمْ حَثُّ الْمَطِيِّ وَمَا كَانُوا بِسُفَّارِ يَدِينُ أَصْحَابَهُ فِيمَا يَدِينُهُمْ كَأْسًا بِكَأْسٍ وَتِكْرَارًا بِتِكْرَارِ وَهَذَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ فَضَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّرَابِ ، فَكَانَ يَشْرَبُ الْمَقَدِيَّ . وَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَّكَ تَشْرَبُ بَعْدِي الطِّلَاءَ ، فَقَالَ : إِي وَاللَّهِ ، وَالدِّمَاءَ . وَهَذَا الْوَلِيدُ نَقَمَ عَلَيْهِ النَّاسُ ، شُرْبَ الْمُسْكِرِ ، وَنِكَاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلادِ أَبِيهِ فَقَتَلُوهُ . وَهَذَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُقَالُ إِذَا ذُكِرَ : يَزِيدُ الْخُمُورِ ، وَالْقُرُودِ ، فَقَالَ الشَّاعِرُ فِيهِ : أَبَنِي أُمَيَّةَ إِنَّ آخِرَ مُلْكِكُمْ جَسَدٌ بِحُوَّارِينَ ثَمَّ مُقِيمُ طَرَقَتْ مَنِيَّتُهُ وَعِنْدَ وِسَادِهِ كُوبٌ وَزِقٌ رَاعِفٌ مَرْثُومُ وَمُرِنَّةٌ تَبْكِي عَلَى نَشَوَاتِهِ بِالصُّبْحِ تَقْعُدُ تَارَةً وَتَقُومُ وَمِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَفِيهِ يَقُولُ الْقَائِلُ : إِذَا أَنْتَ نَادَمْتَ الْعُتَيْرَ وَذَا النَّدَى جُبَيْرًا وَعَاطَيْتَ الزُّجَاجَةَ خَالِدَا أَمِنْتَ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنْ تُقْرَعَ الْعَصَا وَأَنْ يُوقِظُوا مِنْ نَوْمَةِ السُّكْرِ رَاقِدَا وَصِرْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي خَيْرِ فِتْيَةٍ حِسَانِ الْوُجُوهِ لَا تَخَافُ الْعَرَابِدَا وَالْعَجَبُ عِنْدِي قَوْلُهُ : وَأَنْ يُوقِظُوا مِنْ نَوْمَةِ السُّكْرِ رَاقِدَا وَأَكْثَرُ مَا يُوقَظُ السَّكْرَانُ لِلصَّلَاةِ أَفَتَرَاهُ حَمَدَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ إِيقَاظَهُ لِلصَّلَاةِ إِذَا سَكِرَ ؟ وَهَذَا أَبُو مِحْجَنِ الثَّقَفِيُّ شَهِدَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ ، وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا شُهِرَ بِهِ ، وَكَانَ فِيمَنْ شَهِدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيَكْرِبَ ، فَقِدِمَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى أَصْلِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظَامِي بَعْدَ مَوتِي عُرُوقُهَا وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لَا أَذُوقَهَا فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْأَصْمَعِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْأَصَمِّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيِّ ، قَالَ : " رَأَيْتُ قَبْرَ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ بَأَرْمِينِيَةَ الرَّابِعَةِ تَحْتَ شَجَرَاتٍ مِنْ كَرْمٍ " قَالَ الْعُتْبِيُّ شِعْرًا ذَكَرَ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ مَقَابِحِ السُّكْرِ : دَعِ النَّبِيذَ تَكُنْ عَدْلًا وَإِنْ كَثُرَتْ فِيكَ الْعُيُوبُ وَقُلْ مَا شِئْتَ يُحْتَمَلُ هُوَ الْمُشِيدُ بِأَسْرَارِ الرِّجَالِ فَمَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ مَا قَالُوا وَمَا فَعَلُوا كَمْ زَلَّةٍ مِنْ كَرِيمٍ ظَلَّ يَسْتُرُهَا مِنْ دُونِهَا سُتُرُ الْأَبْوَابِ وَالْكِلَلُ أَضْحَتْ كَنَارٍ عَلَى عَلْيَاءَ مُوقَدَةٍ مَا يَسْتَسِرُّ لَهَا سَهْلٌ وَلَا جَبَلُ وَالْعَقْلُ عِلْقٌ مَصُونٌ لَوْ يُبَاعُ لَقَدْ أَلْفَيْتَ بُيَّاعَهُ يُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا فَاعْجَبْ لِقَوْمٍ مُنَاهُمْ فِي عُقُولِهِمُ أَنْ يُذْهِبُوهَا بِعَلٍّ بَعْدَهُ نَهَلُ قَدْ عُقِّدَتْ بِخُمَارِ السُّكْرِ أَلْسُنُهُمْ عَنِ الصَّوَابِ وَلَمْ يُصْبِحْ بِهَا عِلَلُ وَأُزِّرَتْ بِسِناتِ النَّوْمِ أَعْيُنُهُمْ كَأَنَّ أَحْدَاقَهَا حُولٌ وَمَا حَوِلُوا تَخَالُ رَائِحَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَدْوَتِهِ حُبْلَى أَضَرَّ بِهَا فِي مَشْيِهَا الْحَبَلُ فَإِنْ تَكَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ بِحَاجَتِهِ وَإِنْ مَشَى قُلْتُ مَجْنُونٌ بِهِ خَبَلُ قَالُوا : وَإِنَّمَا قِيلَ لِمُشَارِبِ الرَّجُلِ نَدِيمُهُ مِنَ النَّدَامَةِ ، لِأَنَّ مُعَاقِرُ الْكَأْسِ إِذَا سَكِرَ تَكَلَّمَ بِمَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ ، وَفَعَلَ مَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ ، فَقِيلَ لِمَنْ شَارَبَهُ : نَادَمَهُ ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مثل فِعْلِهِ ، وَالْمُفَاعَلَةُ تَكُونُ مِنَ اثْنَيْنِ ، كَمَا تَقُولُ : ضَارَبَهُ وَشَاتَمَهُ ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنْ ذَلِكَ نَدِيمٌ ، كَمَا يُقَالُ : جَالَسَهُ وَهُوَ جَلِيسٌ ، وَقَاعَدَهُ فَهُوَ قَعِيدٌ . وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي وَصْفِ الْجَنَّةِ : " فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى ، وَأَنْهَارٌ مِنْ كَأْسٍ مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا نَدَامَةٌ " . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : أَنَّهُ قَرَأَ فِيمَا قَرَأَ مِنَ الْكُتُبِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، قَالَ : يَا رَبِّ ، لَعَنْتَنِي وَجَعَلْتَنِي شَيْطَانًا رَجِيمًا ، وَأَنْزَلْتَ الْكُتُبَ ، وَبَعَثْتَ الرُّسُلَ ، فَمَا رُسُلِي ؟ ، قَالَ : رُسُلُكَ الْكَهَنَةُ ، قَالَ : فَمَا كِتَابِي ؟ قَالَ : كِتَابُكَ الْوَشْمُ ، قَالَ : فَمَا حَدِيثِي ؟ ، قَالَ : حَدِيثُكَ الْكَذِبُ ، قَالَ : فَمَا قِرَاءَتِي ؟ ، قَالَ : قِرَاءَتُكَ الشِّعْرُ ، قَالَ فَمَا مُؤَذِّنِي ؟ ، قَالَ : مُؤَذِّنُكَ الْمَزَامِيرُ ، قَالَ : فَمَا مَسْجِدِي ؟ قَالَ : مَسْجِدُكَ السُّوقُ ، قَالَ فَمَا بَيْتِي ؟ ، قَالَ : بَيْتُكَ الْحَمَّامُ ، قَالَ فَمَا طَعَامِي ؟ ، قَالَ : طَعَامُكَ كُلُّ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمِي عَلَيْهِ ، قَالَ : فَمَا شَرَابِي ؟ ، قَالَ : شَرَابُكَ كُلُّ مُسْكِرٍ ، قَالَ : فَمَا مَصَائِدِي ؟ ، قَالَ : مَصَائِدُكَ النِّسَاءُ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ ، حِينَ تَتَابَعَتِ الْأَخْبَارُ عَلَيْهِ ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الشَّرَابِ أَمْرٌ سَاءَتْ فِيهِ رَغْبَةُ النَّاسِ ، حَتَّى بَلَغَتْ بِهِمُ الدَّمَ الْحَرَامَ ، وَالْمَالَ الْحَرَامَ ، وَالْفَرْجَ الْحَرَامَ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : شَرِبْنَا شَرَابًا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنَّ شَرَابًا حَمَلَ النَّاسَ عَلَى هَذَا لَبَأْسٌ شَدِيدٌ ، وَإِثْمٌ عَظِيمٌ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً وَسَعَةً مِنْ أَشْرِبَةٍ كَثِيرَةٍ ، لَيْسَ فِي الْأَنْفُسِ مِنْهَا حَاجَةٌ : الْمَاءُ الْعَذْبُ ، وَاللَّبَنُ ، وَالْعَسَلُ ، وَالسَّوِيقُ ، وَأَشْرِبَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ الَّتِي لَا زِفْتَ فِيهَا ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ نَبِيذِ الظُّرُوفِ الْمُزَفَّتَةِ ، وَعَنِ الدِّنَانِ ، وَالْجِرَارِ ، وَكَانَ يَقُولُ : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " ، فَاسْتَغْنُوا بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَمَّا حَرَّمَ ، فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ بَعْدَ تَقَدُّمِنَا إِلَيْهِ أَوْجَعْنَاهُ عُقُوبَةً ، وَمَنِ اسْتَخْفَى فَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا . وَحَدَّثَنِي الْقُطَعِيُّ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ فَكُلْ مَا أَطْعَمَكَ ، وَاشْرَبْ مِمَّا سَقَاكَ ، قَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، إِنَّهُمْ يَنْتَبِذُونَ فِي الْجَرِّ ، فَقَالَ : أَوَ يَفْعَلُونَ ؟ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ بَعْدَ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، يَعْنِي هَذَا الْكِتَابَ قَالَ : وَقَدْ شُهِرَ الْمُتَعَاشِرُونَ عَلَى الشَّرَابِ ، بِسُوءِ الْعَهْدِ ، وَقِلَّةِ الْحِفَاظِ ، وَأَنَّهُمْ صَدِيقُكَ مَا اسْتَغْنَيْتَ حَتَّى تَفْتَقِرَ ، وَمَا عُوفِيتَ حَتَّى تُنْكَبَ ، وَمَا غَلَتْ دِنَانُكَ حَتَّى تُنْزَفَ ، وَمَا رَأَوْكَ بِعُيُونِهِمْ حَتَّى يَفْقِدُوكَ . قَالَ الشَّاعِرُ أَرَى كُلَّ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ حَرِيمَهُمْ وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حَرِيمُ إِذَا جِئْتَهُمْ حَيَّوْكَ أَلْفًا وَرَحَّبُوا وَإِنْ غِبْتَ عَنْهُمْ سَاعَةً فَذَمِيمُ إِخَاؤُهُمُ مَا دَرَاتِ الْكَأْسُ بَيْنَهُمُ وَكلُّهُمُ رَثُّ الْوِصَالِ سَئُومُ فَهَذَا ثَنَائِي لَمْ أَقُلْ بِجَهَالَةٍ وَلَكِنَّنِي بِالْفَاسِقِينَ عَلِيمُ وَقَالَ آخَرُ : بَلَوْتُ النَّبِيذِيِّينَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حِفَاظُ إِذَا أَخَذُوهَا ثَمَّ أَغَنوْكَ بِالْمُنَى وَإِنْ فَقَدُوهَا فَالْوُجُوهُ غِلَاظُ مَوَاعِيدُهُمْ رِيحٌ لِمَنْ يَعِدُونَهُ بِهَا قَطَعُوا بَرْدَ الشِّتَاءِ وَقَاظُوا بِطَانٌ إِذَا مَا اللَّيْلُ أَلْقَى رِوَاقَهُ وَقَدْ أَخَذُوهَا فَالْبُطُونُ كِظَاظُ يَرَاعٌ إِذَا مَا كَانَ يَوْمَ كَرِيهَةٍ وَأُسْدٌ إِذَا أَكْلُ الثَّرِيدِ فِظَاظُ وَرُبَّمَا بَلَغَتْ جِنَايَةُ الْكَأْسِ إِلَى عَقِبِ الرَّجُلِ وَنَجْلِهِ ، قَالَ الْمَأْمُونُ لِقَوْمٍ : يَا نُطَفَ الْخُمَارِ ، وَنَزَائِعَ الظَّئُورِ ، وَأَشْبَاهَ الْخُئُولَةِ . وَقَالَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ : إِنَّ آلَ فُلَانٍ أَعْلَاجٌ ، أَوْبَاشٌ ، لِئَامٌ ، غُدْرٌ ، شَرَّابُونَ بِأَنْقُعٍ ، ثُمَّ هَذَا بَعْدُ فِي نَفْسِهِ نُطْفَةُ خَمَّارٍ فِي رَحِمِ صِنَّاجَةٍ . وَرُبَّمَا بَلَغَتْ جِنَابَةُ الْكَأْسِ زَوَالَ النِّعْمَةِ ، وَسُقُوطَ الْمَرْتَبَةِ ، وَتَلَفَ النَّفْسِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا اسْتَخْلَصَهُ السُّلْطَانُ لِمُنَادَمَتِهِ ، وَأَدْخَلَهُ مَوْضِعَ أُنْسِهِ ، فيَزَيَّنَ لَهُ الْكَأْسُ غَمْزَةَ الْقَيْنَةِ ، وَالْعَبَثَ بِالْخَادِمِ ، وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرْمَةِ . وَقَالَ الْمَأْمُونُ : الْمُلُوكُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيِاءَ ، إِفْشِاءَ السِّرِّ ، وَالْقَدْحَ فِي الْمَلِكِ ، وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرَمِ . وَقَدْ بَلَغَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا أَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ وَقَدِيمًا بُلِيَ الْمُعَاقِرُونَ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ جَرَائِرِ الْكَأْسِ . وَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ اسْتَخْلَصَ طَرَفَةَ بْنَ الْعَبْدِ لِنَدَامَتِهِ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا مَعَهُ يَشْرَبُ أَشْرَفَتْ أُخْتُهُ عَلَيْهِمَا ، فَرَأَى طَرَفَةُ ظِلَّهَا فِي الْجَامِ الَّذِي فِي يَدِهِ فَقَالَ : أَلَا يَا أَيُّهَا الظَّبْيُ الَّذِي يَبْرُقُ شَنْفَاهُ وَلَوْلَا الْمَلِكُ الْقَاعِدُ قَدْ أَلْثَمَنِي فَاهُ فَسَمِعَهُ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ ، فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ ، وَأَوْهَمَهُ أَنَّهُ أَمَرَ لَهُ فِيهِ بِجَائِزَةٍ ، وَأَمَرَ الْعَامِلَ بِقَتْلِهِ ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَى الْعَامِلِ سَقَاهُ مِنَ الرَّاحَ حَتَّى أَثْمَلَهُ ، ثُمَّ فَصَدَ أَكْحَلَهُ حَتَّى نَزَفَ ، فَمَاتَ ، فَقَبْرُهُ هُنَاكَ مَشْهُورٌ ، يَشْرَبُ عِنْدَهُ الْأَحْدَاثُ ، وَيَصُبُّونَ فَضْلَ كُئُوسِهِمْ عَلَيْهِ . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ طَيِّئ ، نزل بِهِ رَجُلٌ مَنْ شَيْبَانَ ، يُقَالُ لَهُ الْمُكَّاءُ ، فَذَبَحَ لَهُ الطَّائِيُّ شَاةً ، وَسَقَاهُ مِنَ الْخَمْرِ ، فَلَمَّا سَكِرَ الطَّائِيُّ قَالَ لِلشَّيْبَانِيِّ : هَلُمَّ أُفَاخِرُكَ ، أَطَيِّئٌ أَكْرَمُ أَمْ شَيْبَانُ ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْبَانِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمُنَادَمَةٌ كَرِيمَةٌ ، أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْفِخَارِ . فَقَالَ الطَّائِيُّ : لَا وَاللَّهِ ، مَا مَدَّ رَجُلٌ يَدًا أَطْوَلَ مِنْ يَدِي ، وَمَدَّ يَدَهُ ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْبَانِيُّ : أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَعَدْتَهَا لَأُخْضِبَنَّهَا مِنْ كُوعِهَا ، فَأَعَادَ فَضَرَبَهُ الشَّيْبَانِيُّ فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ فِي ذَلِكَ لِبَنِي شَيْبَانَ : خَبَّرَتْنَا الرُّكْبَانُ أَنْ قَدْ فَخَرْتُمْ وَفَرِحْتُمْ بِضَرْبَةِ الْمُكَّاءِ وَلَعَمْرِي لَعَارُهَا كَانَ أَدْنَى لَكُمْ مِنْ تُقًى وَحَقِّ وَفَاءِ ظَلَّ ضَيْفًا أَخُوكُمُ لِأَخِينَا فِي صَبُوحٍ وَنَعْمَةٍ وَشِوَاءِ ثُمَّ لَمَّا رَآهُ رَانَتْ بِهِ الْخَمْرُ وَأَلَّا يُرِيبَهُ بِاتِّقَاءِ لَمْ يَهَبْ حُرْمَةَ النَّدِيمِ وَحُقَّتْ يَالَقَوْمٍ بِالسَّوْأَةِ السَّوْآءِ قَالَ : وَرُبَّمَا طَمَسَ الْخُمَارُ عَلَى الْعَقْلِ ، وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِالْبَيَانِ وَغَيَّرَ الْخِلْقَةَ ، فَعَظُمَ أَنْفُ الرَّجُلِ وَاحْمَرَّ وَتَرَهَّلَ . قَالَ جَرِيرٌ فِي الْأَخْطَلِ : وَشَرِبْتَ بَعْدَ أَبِي ظُهَيْرٍ وَابْنِهِ سَكَرَ الدِّنَانِ كَأَنَّ أَنْفَكَ دُمَّلُ شَبَّهَهُ بِالدُّمَّلِ لِحُمْرَتِهِ وَوَرَمِهِ . وَقَالَ آخَرُ فِي حَمَّادٍ الرَّاوِيَةِ : نِعْمَ الْفَتَى لَوْ كَانَ يَعْرِفُ رَبَّهُ وَيُقِيمُ وَقْتَ صَلَاتِهِ حَمَّادُ هَدَلَتْ مَشَافِرَهُ الدِّنَانُ فَأَنْفُهُ مثل الَقَدُومِ يَسُنُّهَا الْحَدَّادُ وَابْيَضَّ مِنْ شُرْبِ الْمُدَامَةِ وَجْهُهُ فَبَيَاضُهُ يَوْمَ الْحِسَابِ سَوَادُ قَالُوا : وَمِنْ شَرَبَةِ النَّبِيذِ : الشُّطَّارُ ، وَالْخُلَعَاءُ ، وَالْمُجَّانُ ، فَحَمَلَهُمُ الْكَأْسُ عَلَى الْمُجُونِ ، وَيَحْمِلُهُمُ الْمُجُونُ عَلَى رُكُوبِ الْكَبَائِرِ مُعْلِنِينَ ، وَإِتْيَانِ الْفَوَاحِشِ مُجَاهِرِينَ ، وَيَرَوْنَ أَتَمَّ ذَلِكَ لَذَّةً أَظْهَرَهُ ، وَأَنْقَصَهُ مَسَرَّةً أَسْتَرَهُ ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ : فَبُحْ بِاسْمِ مَنْ تَهْوَى وَدَعْنِي مِنَ الْكُنَى فَلَا خَيْرَ فِي اللَّذَّاتِ مِنْ دُونِهَا سِتْرُ وَقَالَ أَيْضًا : جَرَيْتُ مَعَ الصِّبَا طَلَقَ الْجُمُوحِ وَهَانَ عَلَيَّ مَأْثُورُ الْقَبِيحِ وَرُبَّمَا كَفَرُوا بِاللَّهِ مُجُونًا ، وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ ، وَجَحَدُوا بِالنُّشُورِ وَالْبَعْثِ ، فِي حَالِ شُرْبِهِمْ . قَالَ الْوَلِيدُ : قَرِّبَا مِنِّي خَلِيلِي عَبْدَلًا دُونَ الشِّعَارِ وَاسْقِيَانِي وَابْنَ حَرْبٍ وَاسْتُرَانَا بِالْإِزَارِ فَلَقَدْ أيْقَنْتُ أَنِّي غَيْرُ مَبْعُوثٍ لِنَارِ سَأَرُوضُ النَّاسَ حَتَّى يَرْكَبُوا دِينَ الْحِمَارِ وَاتْرُكَا مَنْ طَلَبَ الْجَنَّةَ يَسْعَى فِي خَسَارِ وَهَذَا الشِّعْرُ مِمَّا اسْتَحَلَّ النَّاسُ بِهِ دَمَهُ . وَقَالَ رَوْحٌ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ هَمَّامٍ : اسْقِنِي يَا أُسَامَهْ مِنْ رَحِيقٍ مُدَامَهْ اسْقِنِيهَا فَإِنِّي كَافِرٌ بِالْقِيَامَهْ وَهُوَ الْقَائِلُ : وَإِنَّمَا الْمَوْتُ بَيْضَةُ الْعُقْرِ وَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ : تُعَلَّلُ بِالْمُنَى إِذْ أَنْتَ حَيٌّ وَبَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ لَبَنٍ وَخَمْرٍ حَيَاةٌ ثُمَّ مَوْتٌ ثُمَّ بَعْثٌ حَدِيثُ خُرَافَةٍ يَا أُمَّ عَمْرٍو وَهُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا : فَدَعَانِي وَمَا أَلَذُّ وَأَهْوَى وَاقْذِفَانِي فِي بَحْرِ يَوْمِ الْحِسَابِ وَهُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا يَصِفُ الْخَمْرَ : عُتِّقَتْ فِي الدَّنِّ حَتَّى هِيَ فِي رِقَّةِ دِينِي وَحَدَّثَنَا دِعْبِلٌ الشَّاعِرُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ هُوَ وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو الشِّيصِ ، وَأَبُو نُوَاسٍ فِي مَجْلِسٍ لَهَمْ ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو نُوَاسٍ : إِنَّ مَجْلِسَنَا هَذَا قَدْ شُهِرَ بِاجْتِمَاعِنَا فِيهِ ، وَلِهَذَا الْيَوْمِ مَا بَعْدَهُ ، فَلْيَأْتِ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ بِأَحْسَنِ مَا قَالَ فَلْيُنْشِدْنَاهُ ، فَأَنْشَدَ أَبُو الشِّيصِ : وَقَفَ الْهَوَى بِي حَيْثُ أَنْتِ فَلَيْسَ لِي مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدَّمُ أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ أَشْبَهْتِ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكِ حَظِّي مِنْهُمُ وَأَهَنْتِنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي طَائِعًا مَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكِ مِمَّنْ يُكْرَمُ قَالَ : فَجَعَلَ أَبُو نُوَاسٍ يَعْجَبُ مِنْ حُسْنِ الشِّعْرِ حَتَّى مَا يَكَادُ يَنْقَضِي عَجَبُهُ . وَأَنْشَدَ مُسْلِمٌ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرِهِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ : مُوفٍ عَلَى مُهَجٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَهَجٍ كَأَنَّهُ أَجَلٌ يَسْعَى إِلَى أَمَلِ قَالَ : فَقَالَ لِي أَبُو نُوَاسٍ : هَاتِ يَا أَبَا عَلِيٍّ ، وَكَأَنَّنِي بِكَ وَقَدْ جِئْتَنَا بِأُمِّ الْقِلَادَةِ ، فَقُلْتُ : لَا تَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى فَقَالَ : كَأَنَّكَ كُنْتَ فِي نَفْسِي . ثُمَّ سَأَلُوهُ أَنْ يُنْشِدَهُمْ ، فَأَنْشَدَهُمْ لَا تَبْكِ لَيْلَى وَلَا تَطْرَبْ إِلَى هِنْدٍ وَاشْرَبْ عَلَى الْوَرْدِ مِنْ حَمْرَاءَ كَالْوَرْدِ . فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ : تَسْقِيكَ مِنْ عَيْنِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ لِي نَشْوَتَانِ وَلِلنَّدْمَانِ وَاحِدَةٌ شَيْءٌ خُصِصْتُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدِي قَامُوا فَسَجَدُوا لَهُ ، فَقَالَ : أَفَعَلْتُمُوهَا أَعْجَمِيَّةً ، لَا كَلَّمْتُكُمْ ثَلَاثًا وَلَا ثَلَاثًا وَلَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : تِسْعَةُ أَيَّامٍ فِي هِجْرَةِ الْإِخْوَانِ كَثِيرٌ ، وَفِي هِجْرَةِ بَعْضِ يَوْمٍ اسْتِصْلَاحٌ لِلْفَاسِدِ ، وَعُقُوبَةٌ عَلَى الْهَفْوَةِ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَعَلِمْتُمْ أَنَّ رَجُلًا عَتَبَ عَلَى أَخٍ لَهُ فِي الْمَوَدَّةِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَعْتُوبُ عَلَيْهِ : يَا أَخِي ، إِنَّ أَيَّامَ الْعُمْرِ أَقَلُّ مِنْ أَنْ تَحْتَمِلَ الْهَجْرَ . فَهَذِهِ جَرَائِرُ الْمُسْكِرِ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا حَضَرَنَا ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِهَا . قَالُوا : وَشَاهِدُنَا عَلَى أَنَّ السُّكْرَ ، وَالْخَمْرَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنَ اللُّغَةِ ، أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَمَّرَ ، وَالْمُسْكِرُ يُخَمِّرُ ، فَاسْمُ الْخَمْرِ يَلْزَمُهُ . وَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ لِمَنِ اعْتَقَبَ الصُّدَاعَ ، وَغَلِثَ النَّفَسَ ، وَالْإِرْعَاشَ ، مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ : مَخْمُورٌ ، وَبِهِ خُمَارٌ . وَيَقُولُونَ لِمَنْ أَصَابَهُ مثل ذَلِكَ مِنَ الْمُسْكِرِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ نَبِيذًا : مَخْمُورٌ وَبِهِ خُمَارٌ ، وَالْخُمَارُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَمْرِ ، وَهُوَ اسْمٌ لِلدَّاءِ الَّذِي يُصِيبُ مِنْهَا . وَالْأَدْوَاءُ أَكْثَرُ مَا تَأْتِي عَلَى فُعَالٍ ، نَحْوَ الْكُبَادِ لِوَجَعِ الْكَبِدِ ، وَالْقُلَابِ لِوَجَعِ الْقَلْبِ ، وَالصُّفَارِ ، وَالصُّدَاعِ ، وَالْبُوَالِ ، وَالْعُطَاسِ ، وَلَمْ نَسْمَعْهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ : مَنْبُوذٌ وَلَا بِهِ نُبَاذٌ فَهَذَا مَا لِلْمُغَلِّظِينَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْحُجَجِ ، وَنَذْكُرُ مَا لِلْمُطْلِقِينَ لَهُ مِنَ الْحُجَجِ وَالْقَوْلِ .

السند · the isnād, in order
محمد بن عبيد←سفيان بن عيينة←عمرو بن دينار←يحيى بن جعدة←عثمان←عبد الرحمن بن عبد الله بن…←الأصمعي←ابن الأصم←عبد العزيز بن مسلم العقيلي←عبد المنعم←أبيه←وهب بن منبه←القطعي←الحجاج←حماد بن سلمة←حميد←الحسن
→ prev #7 / 19 next ←