← التوحيد لابن خزيمة
التوحيد لابن خزيمة
#237 252 ☰ باب ذكر البيان أن جميع أمة النبي صلى الله علي…
A− A+

237 221 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ° ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى ° ، وَقَرَأَهُ عَلَيَّ مِنْ كِتَابِي ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ° ، قَالَ : ثَنَا مَسْلَمَةُ وَهُوَ ابْنُ كُهَيْلٍ ° ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ ° ، قَالَ : ذَكَرُوا الدَّجَّالَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ° ، قَالَ : " تَفْتَرِقُونَ أَيُّهَا النَّاسُ عِنْدَ خُرُوجِهِ ثَلاثَ فِرَقٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَقَالَ : ثُمَّ يَتَمَثَّلُ اللَّهُ لِلْخَلْقِ فَيَلْقَى الْيَهُودَ ، فَيَقُولُ : مَنْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعْبُدُ اللَّهَ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ ؟ فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ ، إِذَا اعْتَرَفَ لَنَا عَرَفْنَاهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ : يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلا ، يَبْقَى مُؤْمِنٌ وَلا مُؤْمِنَةٌ إِلا خَرَّ لِلَّهِ سُجَّدًا ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ ، خَرَّجْتُ هَذَا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ "

قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِي هَذِهِ الأَخْبَارِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَلا : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ سورة المطففين آية 15 ، إِنَّمَا أَرَادَ الْكُفَّارَ الَّذِينَ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ، بِضَمَائِرِهِمْ ، فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، دُونَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِضَمَائِرِهِمْ وَيُقِرُّونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِيَوْمِ الدِّينِ ، رِيَاءً وَسُمْعَةً أَلا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ { 4 } لِيَوْمٍ عَظِيمٍ سورة المطففين آية 4-5 ، إِلَى قَوْلِهِ : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ { 10 } الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ سورة المطففين آية 10-11 ، أَيْ قَوْلُهُ : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ سورة المطففين آية 15 ، أَيِ الْمُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ . أَلا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّ مُنَافِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ يَرَوْنَ اللَّهَ حِينَ يَأْتِيَهُمْ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ . هَذَا فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا ، أَجْمَعُونَ ، وَفِيهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَرَوْنَهُ لِلاخْتِبَارِ وَالامْتِحَانِ ، فَيُرِيدُونَ السُّجُودَ ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ، وَفِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ فَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ صَنَمًا وَلا وَثَنًا وَلا صُورَةً إِلا ذَهَبُوا ، حَتَّى يَتَسَاقَطُوا فِي النَّارِ ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَحْتَجِبُ عَلَى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ ، مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ ، وَمُنَافِقٍ وَبَقَايَا أَهْلِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَيْضًا ، أَنَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ، ثُمَّ يَتَبَدَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا فِي صُورَةٍ غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي رَأَيْنَاهُ فِيهَا ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مَا بَانَ وَثَبَتَ وَصَحَّ ، أَنَّ جَمِيعَ الْكُفَّارِ قَدْ تَسَاقَطُوا فِي النَّارِ ، وَجَمِيعَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلا إِنَّمَا يَتَرَاءَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ بَرِّهَا وَفَاجِرِهَا وَمُنَافِقِهَا ، بَعْدَمَا تَسَاقَطَ أُولَئِكَ فِي النَّارِ ، فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلا : كَانَ مُحْتَجِبًا عَنْ جَمِيعِهِمْ ، لَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ { 15 } ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ سورة المطففين آية 15-16 ، فَأَعْلَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ مَنْ حُجِبَ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ، هُمُ الْمُكَذِّبُونَ ، بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، أَلا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعَالَى : هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ سورة المطففين آية 17 ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ : فَإِنَّمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ ، وَيُقِرُّونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، رِيَاءً وَسُمْعَةً ، فَقَدْ يَتَرَاءَى لَهُمْ رُؤْيَةَ امْتِحَانٍ وَاخْتِبَارٍ ، وَلْيَكُنْ حَجْبُهُ إِيَّاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ وَنَدَامَةً ، إِذْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ بِقُلُوبِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ ، وَبِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، وَمَا أَمَرَ بِهِ وَنهَى عَنْهُ ، بِيَوْمِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ ، وَفِي حَدِيثِ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : فَيَلْقَى الْعَبْدَ ، فَيَقُولُ : أَيْ قُلْ : أَلَمْ أُكْرِمْكَ ؟ إِلَى قَوْلِهِ : فَالْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ، فَاللِّقَاءُ الَّذِي فِي هَذَا الْخَبَرِ غَيْرُ التَّرَائِي لِمَنْ قَالَ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ ، وَهَذَا الْكَلامُ الَّذِي يُكَلِّمُ بِهِ الرَّبُّ جَلَّ ذِكْرُهُ عَبْدَهُ الْكَافِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَلامٌ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ، مِنْ غَيْرِ نَظَرِ الْكَافِرِ إِلَى خَالِقِهِ ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُكَلِّمُ بِهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنْ كَانَ كَلامُ اللَّهِ إِيَّاهُ كَلامَ تَوْبِيخٍ وَحَسْرَةٍ وَنَدَامَةٍ لِلْعَبْدِ ، لا كَلامَ بِشْرٍ وَسُرُورٍ وَفَرَحٍ وَنَضْرَةٍ وَبَهْجَةٍ ، أَلا تَسْمَعْهُ يَقُولُ فِي الْخَبَرِ بَعْدُ مَا يَتْبَعُ أَوْلِيَاءُ الشَّيَاطِينِ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَهُمْ ، إِلَى جَهَنَّمَ ، قَالَ : ثُمَّ نَبْقَى أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْتِينَا رَبَّنَا ، فَيَقُولُ : عَلَى مَا هَؤُلاءِ قِيَامٌ ؟ فَيَقُولُونَ : نَحْنُ عِبَادُ اللَّهِ الْمُؤْمِنُونَ ، وعَبَدْنَاهُ وَهُوَ آتِنَا وَيُثَبِّتُنَا ، وَهَذَا مُقَامُنَا ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ وَيَضَعُ الْجِسْرَ ، أَفَلا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ : فَيَأْتِينَا رَبُّنَا ، إِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ تَسَاقُطِ الْكُفَّارِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي جَهَنَّمَ ، فَهَذَا الْخَبَرُ دَالٌ أَنَّ قَوْلَهَ : فَيَلْقَى الْعَبْدَ وَهُوَ لِقَاءُ غَيْرِ الرُّؤْيَةِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا سورة يونس آية 7 الآيَةَ ، وَقَالَ : فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ سورة يونس آية 11 ، وَقَالَ : فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا سورة الكهف آية 110 الآيَةَ ، وَ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ سورة يونس آية 15 ، وَالْعِلْمُ مُحِيطٌ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ : " مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ " . لَمْ يُرِدْ مَنْ يَرَى اللَّهَ وَهُوَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَاللِّقَاءُ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ وَالنَّظَرِ وَلا شَكَّ وَلا ارْتِيَابَ ، أَنَّ قَوْلَهَ : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ سورة الأعراف آية 147 ، لَيْسَ مَعْنَاهُ رُؤْيَةَ الآخِرَةِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ بَيَّنْتُ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ فِي ذِكْرِ شُعَبِ الإِيمَانِ وَأَبْوَابِهِ مَعْنَى اللِّقَاءَ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَكْرَارِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد