أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ ° ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ ° ، نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ ° ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، أنا مَعْمَرٌ ° ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ° ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ° ، يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنِّي إِلا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، فَإِنَّهُ كَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ " . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ ، مِنْ رِوَايَةِ وَهْبٍ ، عَنْ أَخِيهِ ، وَمِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ
قَالَ الشَّيْخُ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كِتْبَةِ الْحَدِيثِ ، فَكَرِهَهُ بَعْضُ السَّلَفِ ، وَمِنْهُمْ : قَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا تَكْتُبُوا عَنِّي ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ " . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّا لا نَكْتُبُ الْعِلْمَ " . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ الْعِلْمِ حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاءِ الأُمَرَاءُ ، فَرَأَيْنَا أَنْ لا نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى إِبَاحَةِ الْكِتْبَةِ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ ، فَقَالَ أَبُو شَاهٍ : اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ " . وَالنَّهْيُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا ، ثُمَّ أَبَاحَهُ ، وَأَذِنَ فِيهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ كِتْبَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ ، لِئَلا يَخْتَلِطَ غَيْرُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ ، فَيَشْتَبِهَ عَلَى الْقَارِئِ ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْكِتَابِ مَحْظُورًا ، فَلا ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " بَلِّغُوا عَنِّي " . وَفِي الأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ إِبَاحَةُ الْكِتْبَةِ ، وَالتَّقْيِيدُ ، لأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ طَبْعِ أَكْثَرِ الْبَشَرِ ، وَمَنِ اعْتَمَدَ عَلَى حِفْظِهِ لا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ ، فَتَرْكُ التَّقْيِيدِ يُؤَدِّي إِلَى سُقُوطِ أَكْثَرِ الْحَدِيثِ ، وَتَعَذُّرِ التَّبْلِيغِ ، وَحِرْمَانِ آخِرِ الأُمَّةِ عَنْ مُعْظَمِ الْعِلْمِ . رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : " قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ " وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ، وَأَنَسٍ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَكَانَ يُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِ ، فَأَكْتُبُهُ فِي وَاسِطَةِ الرَّحْلِ حَتَّى أُصْبِحَ ، فَأَكْتُبَهُ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، قَال سَمِعْتُ أَنَا وَابْنُ شِهَابٍ ، وَنَحْنُ نَطْلُبُ الْعِلْمَ ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَنْ نَكْتُبَ السُّنَنَ ، فَكَتَبْنَا كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْنَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : نَكْتُبُ أَيْضًا مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ ، فَقُلْتُ : لا لَيْسَ بِسُنَّةٍ ، فَقَالَ : بَلْ هِيَ سُنَّةٌ ، قَالَ : فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ ، فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ . وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ : كَانَ يُقَالُ : مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِلْمَهُ لا يُعَدُّ عِلْمُهُ عِلْمًا . وَقَالَ أَبُو هِلالٍ : قَالُوا لِقَتَادَةَ : نَكْتُبُ مَا نَسْمَعُ مِنْكَ ؟ قَالَ : وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَكْتُبَ ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُ يُكْتَبُ ، قَالَ : عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ سورة طه آية 52 وَقَالَ أَبُو الْمَلِيحِ : تَعِيبُونَ عَلَيْنَا الْكِتَابَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ سورة طه آية 52 . وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ : " انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاكْتُبْهُ ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ ، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ " . وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الرَّجُلِ يُشْهَدُ عَلَى شَهَادَةٍ فَيَنْسَاهَا ، فَيَجِدُهَا مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ ، أَيَشْهَدُ بِهَا ؟ فَقَالَ : وَهَلْ عَلِمْنَا إِلا هَكَذَا .