أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ ° ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ° ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ ° ، أنا أَبُو مُصْعَبٍ ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ° ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ° ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ° مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكْرًا ، فَجَاءَتْهُ إِبلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الإِبِلِ إِلا جَمَلا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعْطِهِ إيَّاهُ ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً " . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ
. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْبَكْرُ فِي الإِبِلِ بِمَنْزِلِ الْغُلامِ مِنَ الذُّكُورِ ، وَالْقَلُوصُ بِمَنْزِلِ الْجَارِيَةِ مِنَ الإِنَاثِ ، وَالرَّبَاعِيُّ : هُوَ الَّذِي أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّ سِنيِنَ ، وَدَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ ، فَإِذَا طَلَعَتْ رَبَاعِيتُهُ ، قِيلَ لِلذَّكَرِ : رَبَاعٌ ، وَلِلأُنْثَى رَبَاعِيَةٌ خَفِيفَةَ الْيَاءِ ، وَقَوْلُهُ : " خِيَارٌ " ، يُقَالُ : جَمَلٌ خِيَارٌ ، وَنَاقَةٌ خِيَارَةٌ ، أَيْ : مُخْتَارَةٌ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ اسْتِسْلافِ الإِمَامِ لِلْفُقَرَاءِ إِذَا رَأَى بِهِمْ خُلَّةً وَحَاجَةٌ ، ثُمَّ يُؤَدِّيهِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ إِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَلَ إِلَى الْمَسَاكِينِ ، وَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الإِمَامِ ، فَيَضْمَنُ مِنْ خَاصِّ مَالِهِ ، إِلا أَنْ يَكُونَ الاسْتِقْرَاضُ بِمَسْأَلَةِ الْفُقَرَاءِ ، فَيَضْمَنُ مِنْ مَالِهِمْ ، أَوْ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ ، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ يَضَمُن مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ ، وَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الإِمَامِ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إِذَا اسْتَقْرَضَ لَهُ شَيْئًا لِحَاجَتِهِ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْوَلِيِّ ، يَضْمَنُهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ فِي الْمَسَاكِينِ أَهْلَ رُشْدٍ لا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ بِخِلافِ الْيَتِيمِ . وَفِيهِ دَليِلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ ، وَثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : لا بَأْسَ بِاسْتِسْلافِ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ إِلا الْوَلائِدَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا جَاءَ السَّلَمُ فِيهِ ، جَازَ اسْتِقْرَاضُهُ إِلا الْجَوَارِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، قَالُوا : إِذَا كَانَتِ الْجَارِيَةُ مِمَّنْ لا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا ، جَازَ اسْتِقْرَاضُهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا يَرُدُّ مِثْلَ مَا اسْتَقْرَضَ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ ، لأَنَّ الْحَيَوَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّ الْمِثْلِ ، فَأَمَّا مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ غَصَبَهُ فَتُلِفَ عِنْدَهُ ، فَعَلَيْهِ فِي الْمُتَقَوَّمِ الْقِيمَةُ ، وَفِي الْمِثْلِيِّ الْمِثْلُ ، وَحَدُّ الْمِثْلِيِّ : كُلُّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ جَازَ السَّلَمُ فِيهِ ، وَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَمَا لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الأَوْصَافِ ، فَهُوَ مُتَقَوَّمٌ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا ، فَرَدُّهُ أَحْسَنُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، كَانَ مُحْسِنًا ، وَيَحِلُّ ذَلِكَ لِلْمُقْرِضِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَلالٍ فِي قَضَاءِ ثَمَنِ جَمَلِ جَابِرٍ : " اقْضِهِ وَزِدْهُ " وَاشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَاوِيلَ ، وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ ، فَقَالَ لِلْوَزَّانِ " زِنْ وأَرْجِحْ " . فَأَمَّا إِذَا شَرَطَ فِي الْقَرْضِ أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرَ ، أَوْ أَفْضَلَ ، أَوْ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، فَهُوَ حَرَامٌ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ لأَبِي بُرْدَةَ : إِنَّكَ بِأَرْضٍ ، الرِّبَا بِهَا فَاشٍ ، فَإِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقُّ ، فأَهْدَى لَكَ حِمْلَ تِبْنِ ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ ، أَوْ حِمْلَ قَتٍ ، فَلا تَأْخُذْهُ ، فَإنَّهُ رِبًا . وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَجُلٍ اسْتَقْرَضَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَقْرِضَ أَفْقَرَ الْمُقْرِضَ ظَهْرَ دَابَّتِهِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَا أَصَابَ مِنْ دَابَّتِهِ ، فَهُوَ رِبًا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً . قَالَ الأَوْزَاعِيُّ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسَتَحَّلُ فِيهِ الرِّبَا بِالْبَيْعِ ، وَالْخَمْرُ بِالنَّبِيذِ ، وَالْبَخْسُ بِالزَّكَاةِ . وَأَرَادَ بِالْبَخْسِ : مَا يَأْخُذُهُ الْوُلاةُ بِاسْمِ الْعُشْرِ يَتَأَوَّلُونَ فِيهِ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَاتُ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ الْمَكْسَ . أمَّا إِذَا أَقْرَضَ شَيْئًا ، فَأَخَذَ بِهِ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا ، فَجَائِزٌ ، لأَنَّهُ تَوْثِيقٌ لِلدَّيْنِ ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : مَنْ أَسْلَفَ سَلْفًا ، فَلا يَأْخُذَنَّ رَهْنًا وَلا صَبِيرًا ، وَالْمُرَادُ مِنَ الصَّبِيرِ : الْكَفِيلُ ، وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ السَّفْتُجَةَ ، وَفَعَلَهَا مَيْمُونُ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ .