أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ° ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ ° ، أنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ ° ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ° ، أنا أَبُو عُبَيْدٍ ° ، أنا صَدَقَةُ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيُّ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ ° ، عَنْ سُمَيِّ بْنِ قَيْسٍ ° ، عَنْ شمير ° ، عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ الْمَأْرِبِيِّ ° ، أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَقْطَعَهُ المِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ ، فَأَقْطَعَهُ إيَّاهُ ، فَلَمَّا وَلَّى ، قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَدْرِي مَاذَا أَقْطَعْتَ ؟ إِنَّمَا أَقْطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ . قَالَ : " فَرَجَعَهُ مِنْهُ " ، قَالَ : وَسَأَلَهُ مَاذَا يُحْمَى مِنَ الأَرَاكِ ؟ قَالَ : " مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإِبِلِ "
. فبَيَّن بهَذَا أن المعدِنَ الظاهر لا يجوز إقطاعُه ، كالماء العد ، وَهُوَ الدَّائم الَّذِي لا ينقطع ، وقوله : استقطع ، أي : سَأله أن يُقطعه . وقولُ : " مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإِبِلِ " أراد بِهِ أَنَّهُ أنما يحمي من الأراك ما بَعد عَنْ حضرة العمارة ، ولا تبلغهُ الإبلُ الرائحة إذا أرسلت فِي الرعي . وفيه دليلٌ على أن الكَلأ والرعي فِي غير الملك لا يمنع من السَّارحة ، وليس لأحد أن يستأثِر بِهِ دون سائر النَّاس ، فأمّا ما كَانَ فِي ملك الرجل من الكلأ والأراك فمملوك له ، ولهُ منعهُ عَنْ غيره كسائر الأشجار . وَفِي الْحَدِيث دليلٌ على أن الحاكم إذا حكم بشيءٍ ، ثُمَّ تبيَّن لهُ أن الحق فِي خلافه ، عَلَيْهِ ردُّه ، فإن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجع عَنْ إقطاعه بعد ما أخبر أَنَّهُ كالماء العِدّ ، وروي عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثلاثٍ : فِي المَاءِ والْكَلأ وَالنَّارِ " والمراد منه الكلأ الَّذِي ينبتُ فِي الموات ، وأما النارُ ، قيل : أراد بِهِ الحجارة التي توري النَّار لا يُمنع أحدٌ أن يأخذ منها حجرًا إذا كَانَ فِي مَوات ، وأمَّا النَّار التي أوقدها الرَّجل ، فلهُ مَنع الغير منها ، وقيل : لهُ أن يمنع من يأخذ منها جَذوة ، ولكن لا يمنع من يستصبح منها مصباحًا ، أو يُدني منها ضِغثًا ، لأنهُ لا ينقصُ من عينها شيئًا . والنوع الثاني من المعادن : ما يكون نفعهُ باطنًا ، لا يُنالُ إِلا بمؤنة ، مثل مَعادن الذهب ، والفضة ، والحديد ، والنُّحاس ، وسائر الجواهر ، يجوز للسلطان إقطاع مثل هذه المعادن ، والدليلُ عَلَيْهِ ما روي عَنْ كثير بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن عوف المزني ، عَنْ أبيه ، عَنْ جدِّه ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ بِلالَ بْن الْحَارثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّة جلسيها وغُورِيَّهَا ، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنَ قُدْسَ ، وَلَمْ يُعْطِه حَقَّ مُسْلِم وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا " ، وروي مثلهُ عَنْ عكرمة ، عَنِ ابْن عَبَّاس . وَمعادن القَبَلِيَّة : من ناحية الفرع . وقوله : " جلسيها " يريد : نجديَّها ، يقَالَ لنجد : جَلسٌ . قَالَ الأصمعي : وكلُّ مرتفع جَلسٌ ، والغَورُ : ما انخفض من الأرض . وهل تملك مثلُ هذه المعادن بالإحياء ؟ للشافعي فِيهِ قولان ، أحدهما تُملك ، كالأرض وكما يجوز إقطاعُها ، فعلى هَذَا إذا وصل إِلَى النيل ، ملك ، كما لو حفر بئرًا فِي موات للملك لا يملك حَتَّى يصل إِلَى الماء ، والقول الثاني : لا تملك بالإحياء بخلاف الأرض ، لأنها إذا أحييت مرَّة ، ثبت إحياؤها ، والمعدِنُ يحتاج إِلَى أن يعمل فِيهِ كلَّ يوم حَتَّى يرتفقَ منهُ ، وقد يجوز إقطاعُ ما لا يملك بالإحياء ، كمقاعد الأسواق ، فعلى هَذَا إذا ابتدأ رجلٌ العمل فِي معدن منها كَانَ لهُ مَنع الغير ، وإن كَانَ يسعُ الكل فإذا عطله لم يكن له منع الغير عَنْهُ ، كما لو حفر بئرًا فِي موات للارتفاق كَانَ أولى بها من غيره ، أو نزل منزلا بالبادية كَانَ أولى بِهِ ، فإذا تركه لم يكن له منعُ الغير عَنْهُ ، وقد يكون نوعٌ من الإقطاع إرفاقًا من غير تمليك ، كالمقاعد فِي الأسواق يرتفق بِهِ الرجل ، فيكون أولى بِهِ ، وما حواليه قدر ما يضعُ متاعهُ للبيع ، ويقفُ فِيهِ المشتري ، ويجوز للسلطان إقطاعهُ من غير أن يكون فِي ملك . وروي عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن مُغفَّل ، عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنِ احْتَفَرَ بِئْرًا ، فَلَيْسَ لأَحدٍ أَنْ يَحْفِرَ حَوْلَهُ أَرْبَعيِنَ ذِرَاعا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ " . قَالَ الإِمَامُ : وكذلك المنازلُ فِي الأسفار ، والرباط الموقوف على المارة ، إذا نزل رجُلٌ فِي موضع ، أو وضع فِيهِ متاعهُ ، كَانَ أولى بِهِ من غيره ، فإن فارقهُ فِراقَ ترك لم يمنع غيرَه من نزوله . رُوي عَنْ عَائِشَة ، أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ " . وعن أسمر بْن مُضرِّس ، قَالَ : أتيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايعتهُ ، فَقَالَ : " مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَم يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِم فَهُوَ لَهُ " . ورُوي عَنْ هِشَام بْن عروة ، عَنْ أبيه ، عَنْ أسماء بنت أَبِي بَكْر : " أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ نَخْلا " . قَالَ الخطابي : النخل مال ظاهر العين ، حاضرُ النفع ، كالمعادن الظاهرة فيشبه أن يكون إنما أعطاهُ ذَلِكَ من الخمس الَّذِي هُوَ سَهمه ، والله أعلم . ورُوي : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ الْمُهَاجِرِينَ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ " . وروي : " أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَن يورث دور المهاجرين النساء ، فمات عَبْد اللَّهِ بْن مسعود ، فورثته امرأته دارًا بالمدينة " . وتأوَّلوا هَذَا الإقطاعَ على وجهين ، أحدهما : أنه أقطعهم العرصة ليبنوا فِيهَا ، فعلى هَذَا الوجه صارت الدُّورُ ملكًا لهم بالبناء ، وتوريثه الدور نساء المهاجرين خصوصًا ، يشبه أن يكون إنما خصَّهُن بالدور من بين سائر الورثة ، لأنهن غرائب بالمدينة لا عشيرة لهنَّ ، فجعل نصيبهن من الميراث فِي الدُّور لما رأى فِي ذَلِكَ من المصلحة . والتأويل الثاني : أن إقطاع المهاجرين الدور كَانَ على سبيل العارية ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو إِسْحَاق المرزوي ، فعلى هَذَا الوجه لا يجري فِيهَا الإرثُ ، لأن الإرثَ إنما يجري فيما يكون مملوكًا للموروث منهُ ، غير أنها تُركت فِي أيدي أزواجهم بَعدهم على سبيل الإرفاق بالسكنى ، كما كانت دورُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحجرُه فِي أيدي نسائه بعدهُ لا على سبيل الميراث ، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " نَحْنُ لا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ " . ويُحكى عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة ، أَنَّهُ قَالَ : كَانَ نساءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي معنى المعتدات ، لأنُهن لا يُنكحن ، وللمعتدَّة السكنى ، فجعل لهن سكنى البُيوت ما عِشن ، ولا يملكن رقابها . قد ذكر هذه الجملة أَبُو سُلَيْمَان الخطابي فِي كتابه . ورُوي عَنْ نَافِع ، عَنِ ابْن عُمَر ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقطع الزبير حُضْرَ فرسه ، فأجرى فرسه حَتَّى قام ، ثُمَّ رمى بسوطه ، فَقَالَ : " أعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوطُ " .