← إبطال التأويلات لأخبار ال…
إبطال التأويلات لأخبار الصفات
#16 مقبول 142 ☰ فصل ثان يتعلق بليلة الإسراء
A− A+

وَكَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ الأَصْبَهَانِيُّ ° ، بِجُزْءٍ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرُّؤْيَةِ مِنْ طُرُقٍ ، وَكَلامُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ . فَقَالَ : أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ الْهَمَذَانِيُّ ° , وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ ° ، وَغَيْرُهُمَا ، قَالُوا : ثنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ ° ، ونا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ° ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، قَالَ : نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ ° ، قَالَ : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ° ، قَالَ : نا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ° ، قَالَ : نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ° ، عَنْ قَتَادَةَ ° ، عَنْ عِكْرِمَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأَيْتُ رَبِّي فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ ، لَهُ وَفْرَةٌ جَعْدٌ قَطَطٌ ، فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ " , قَالَ : وَأُبْلِغْتُ أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ ، قَالَ : حَدِيثُ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي الرُّؤْيَةِ صَحِيحٌ ، وَقَالَ : مَنْ زَعَمَ أَنِّي رَجَعْتُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ مَا حَدَّثْتُ بِهِ فَقَدْ كَذَبَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَة ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ بِطُولِهَا

وأنا مُحَمَّد بن عبيد الله الأنصاري ، قَالَ : سمعت أَبَا الحسن عبيد الله بن مُحَمَّد بن معدان , يَقُول : سمعت سُلَيْمَان بن أَحْمَد يَقُول : سمعت ابن صدقة الحافظ , يَقُول : من لم يؤمن بحديث عكرمة فهو زنديق وأنا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ، قَالَ : سمعت بندار بن أَبِي إسحاق ، يَقُول : سمعت علي بن مُحَمَّد بن إبان ، يَقُول : سمعت البرذعي ، يَقُول : سمعت أَبَا زرعة الرازي ، يَقُول : من أنكر حديث قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قَالَ : قَالَ رسول الله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رأيت ربي ، عَزَّ وَجَلَّ ، " فهو معتزلي . وسمعت علي بن أَحْمَد بن مهران المديني ، قَالَ : حضرت أَبَا عبد الله بن مهدي وحضر عند جماعة فتذاكروا حديث عكرمة ، وأنكره بعضهم ، وكنت قد حفظته فحدثت به بطوله ، فقام إلي أَبُو عبد الله وقبل رأسي ودعا لي . ونا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحسن ، قَالَ : نا أَحْمَد بن مُحَمَّد الملحمي ، قَالَ : سمعت مُحَمَّد بن علي بن جعفر البغدادي ، قَالَ : سمعت أَحْمَد بن مُحَمَّد بن هانئ الأثرم ، يَقُول : سألت أَبَا عبد الله أَحْمَد بن حنبل عن حديث حَمَّاد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رأيت ربي " الحديث ، فقال أَحْمَد بن حنبل : هَذَا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة ، عن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فمن شك فِي ذَلِكَ أو فِي شيء منه فهو جهمي لا تقبل شهادته ، ولا يسلم عليه ، ولا يعاد فِي مرضه . وأنا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إسحاق ، قَالَ : نا مُحَمَّد بن يعقوب ، قَالَ : نا أَحْمَد بن مُحَمَّد ، قَالَ : نا عبد الله بن أَحْمَد بن حنبل ، قَالَ : رأيت أَبِي يصحح هَذِهِ الأحاديث ويذهب إليها وجمعها وحدثناها وروى بإسناده عن عبد الوهاب الوراق ، قَالَ : سمعت أسود بن سالم يَقُول فِي هَذِهِ الأحاديث التي جاءت فِي الرؤية ، قَالَ : نحلف عليها بالطلاق والعتاق أنها حق . فهذا الكلام فِي طريقها . وأما ألفاظ هَذِهِ الأحاديث فأنها تتضمن إثبات الصورة وإثبات الرؤية ، وقد تقدم الكلام فِي ذَلِكَ فيما قبل وتتضمن زيادة ألفاظ فِي الرؤية لا يجب أن يستوحش من إطلاقها ، لوجهين : أحدهما : أن أَحْمَد قَالَ فِي رواية حنبل : لا نزيل عنه صفة من صفات ذاته بشاعة شنعت . الثاني : أننا لا نطلقها عَلَى وجه الجوارح والأبعاض ، وتغير الأحوال ، وإنما نطلقها كما نطلق غيرها من الصفات من الذات والنفس والوجه واليدين والعين وغير ذَلِكَ ، وليس فِي قوله : شاب وأمرد وجعد وقطط وموفر إثبات تشبيه ، لأننا نثبت ذَلِكَ تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها ، كما أثبتنا ذاتا ونفسا ، ولأنه ليس فِي إثبات الفراش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم ، وهذا غير ممتنع وصفه بالجلوس عَلَى العرش ، وكما روي فِي تفسير قوله : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا سورة الإسراء آية 79 قَالَ : يقعده عَلَى العرش . وكما روي : " أن الله يدني عبده حتى يضع عليه كنفه " وكما روي فِي قوله : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى {8} فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ سورة النجم آية 8-9 وكما روي : " أنه وضع يده بين كتفيه " وكما روي : " دونه حجاب " وغير ذَلِكَ . وأعلم أنها رأيا منام لأن أم الطفيل قد صرحت بذلك فِي خبرها ، وحديث ابن عباس أكثر ألفاظه مطلقة ، وقد نقل فِي بعضها صريح بذكر المنام فيما حَدَّثَنَا أَبُو القسم فقال : " أتاني ربي الليلة فِي أحسن صورة " يعني فِي النوم . فإن قيل : فهذه الأخبار ضعاف لأن مدارها عَلَى عكرمة ، وقد قَالَ ابن عمر لنافع : لا تكذب علي كما كذب عكرمة عَلَى ابن عباس . قيل : هَذَا غلط لأن عكرمة ثقة ثقة ، وهو مولى لابن عباس وقد أخرج عنه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وغيرهم من أئمة أصحاب الحديث . فإن قيل : فهذه الأخبار منام والشيء قد يرى فِي المنام عَلَى خلاف ما هو به ، قيل : هَذَا غلط لوجوه : أحدها : أن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قصد بذلك بيان كرامته من ربه وقرب منزلته منه ، فإذا حمل عَلَى خلاف ما أخبر زال المقصود ، ولأن ما يخبر به شرع فهو معصوم فيه وصفات الله ، عَزَّ وَجَلَّ ، شرع اعتقادها ، وإذا كان معصوما استوى فيه المنام واليقظة لأن رؤية الأنبياء تجري مجرى الوحي ، من ذَلِكَ رؤيا إبراهيم ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، ذبح ولده ، ومن ذَلِكَ رؤيا يُوسُف ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، فِي المنام الكواكب أنها ساجدة له ، ولأن أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام . فإن قيل : يحتمل أن يكون قوله : " رأيت ربي جعدا قططا شابا موفرا " معناه : وأنا جعد قطط أمرد فتكون الصفة راجعة إلى النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كما يقال : رأيت الأمير راكبا يحتمل أن يكون الأمير هو الراكب ، ويحتمل أن يكون الرائي راكبا . قيل : هَذَا غلط لوجوه : أحدها : أنه لم يكن هَذِهِ صفات النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولو تغيرت صفته فِي تِلْكَ الحال لأخبر بذلك كما أخبر بوضع اليد بين كتفيه ، وكما أخبر بقوله : " فيم يختصم الملأ الأعلى " ولأن ألفاظ الخبر تدفع هَذَا ، لأن فِي حديث ابن عباس : " عليه تاج يلمع منه البصر " لو كانت الصفة راجعة إلى النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لقال علي تاج ، وفي حديث أم الطفيل : " رجلاه فِي خضر عليه نعلان من ذهب عَلَى وجهه فراش من ذهب " ولو كانت الصفة عائدة عَلَى النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لقال : عَلَى وجهي وعلى فراش وعلى نعلان . وعلى أن قائلا لو قَالَ : رأيت الأمير جعدا قططا لم تنصرف هَذِهِ الصفة إلا إلى الأمير دون الرائي كذلك هاهنا . فإن قيل : يحتمل أن تكون هَذِهِ المناظرة التي وصفها فِي الخبر ترجع إلى ما رأي فِي الجنة من هَذِهِ الخلق وما زينت به ، وأنه كان رائيا لربه فِي جميع ذَلِكَ لم يقطعه نظره إليها عنه ولم يشغله عنه . قيل : هَذَا غلط لأنه لو قَالَ : رأيت الخليفة فِي صورة شاب عَلَى وجه فراش وفي رجليه لم يعقل من ذَلِكَ داره ، وإنما يرجع ذَلِكَ إلى ذاته . فإن قيل : هَذِهِ الصفات لا تليق بصفات الله سُبْحَانَهُ لأنها من صفات المخلوقين المحدثين . قيل : هَذَا غلط ، لأن مثل هَذَا موجود فِي إثبات الوجه واليدين والعين فإنها من صفات المخلوقين المحدثين وقد جاز وصفه بها . فإن قيل : إنما أثبتنا ذَلِكَ لأنها وردت من طريق مقطوع عليه وهو القرآن ، وهذه أخبار آحاد وخبر الواحد إنما يقبل فيما طريقة العمل ، فأما فيما طريقة الاعتقاد والقطع فلا ، لأنه لا يمكن القطع بمثلها . قيل : هَذَا غلط ، لأنها وإن كانت أخبار آحاد فقد تلقتها الأمة بالقبول ، منهم من حملها عَلَى ظاهرها وهم أصحاب الحديث ، ومنهم من تأولها وتأويله لها قبول لها ، وإذا تلقيت بالقبول اقتضت العلم من طريق الاستدلال ، لأن تلقيهم لها يدل عَلَى صحتها . وجواب آخر : وهو أنه لو لم يجب قبولها لم يجب التشاغل بتأويلها كسائر الأخبار الباطلة ، ولما تشاغلوا بالتأويل عَلَى مقتضى اللغة علمنا صحتها . فإن قيل : إنما تأولناها لئلا يخلو نقلها من فائدة ، وأن لا يكون ورودها كلا ورود . قيل : لو لم يجب قبولها لم يلزم طلب الفائدة لها ولم بضر إطراحها كسائر الأخبار الباطلة . وقد روي عن ابن عباس كلام يؤكد صحة حديثه ذكره أَبُو بكر بن أَبِي داود فِي كتاب السنة من جملة كتاب السنن بإسناده ، عن عكرمة ، قَالَ : سئل ابن عباس : هل رأى مُحَمَّد ربه ؟ قَالَ : نعم ، قَالَ : كيف رآه ؟ قَالَ : فِي صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ ، كان قدميه فِي خضرة ، فقلت أنا لابن عباس : أليس هو من يَقُول : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ سورة الأنعام آية 103 ؟ قَالَ : لا أم لك ، ذَلِكَ نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء . وهذا يدل من كلامه عَلَى إثبات الحديث وحمله عَلَى ظاهره وتأويل الآية . فأما الفراش فقال أَبُو بكر عبد العزيز : نا أَحْمَد ، قَالَ : سألت ثعلب عن قوله : " فراش من ذهب " ، قَالَ : الفراش ما تطاير من كل شيء رقيق فهو فراش . فهذا حد الفراش فِي الشاهد ، فأما الفراش المذكور فِي الخبر فلا نعقل معناه كغيره من الصفات . حديث آخر فِي الصورة رواه أَحْمَد فِي المسند عن عبد الرزاق ، نا معمر ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ الناس : يا رسول الله : هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هل تضارون فِي الشمس ليس دونها سحاب ؟ " قَالُوا : لا يا رسول الله ، فقال : " هل تضارون فِي القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟ " فقالوا : لا يا رسول الله ، قَالَ : " فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك ، يجمع الله الناس فيقول : من كان يعبد شيئا قيتبعه ، فيتبع من كان يعبد القمر القمر ، ومن كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ، وتبقى هَذِهِ الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله ، عَزَّ وَجَلَّ ، فِي غير الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، هَذَا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، عَزَّ وَجَلَّ ، فإذا جاءنا ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله فِي الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربكم فيقولون : أنت ربنا فيتبعونه " . أعلم أن هَذَا الخبر يدل عَلَى إثبات الصورة وعلى الإتيان ، وقد تقدم ذَلِكَ فِي الأخبار التي قبله ، وبينا أنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور ، كإطلاق نفس وذات لا كالنفوس والذوات ، وإتيان لا عن انتقال وشغل مكان ، كما جاز إطلاق الاستواء عَلَى العرش لا عن انتقال من حال إلى حال ، وكما جاز رؤيته لا فِي مكان ! وإن لم يكن ذَلِكَ معلوما فِي الشاهد . فإن قيل : معنى الإتيان ها هنا ظهور فعله كقوله : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ سورة النحل آية 26 ، وقوله : وَجَاءَ رَبُّكَ سورة الفجر آية 22 وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ سورة البقرة آية 210 . قيل : هَذَا غلط لما بينا فساده فِي الخبر الذي قبله ، وبينا أن ظهور فعله عام فِي كل الأزمان والأحوال فلا فائدة لتخصيصه فِي ذَلِكَ اليوم . والثاني : إن جاز تأويل الإتيان عَلَى الأفعال جاز تأويل قوله : " ترون ربكم " عَلَى رؤية أفعاله وملكه وذلك لا يصح وبينا أن قوله : وَجَاءَ رَبُّكَ سورة الفجر آية 22 هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ سورة البقرة آية 210 عَلَى ظاهره ، وأن المراد به الذات وأجبنا عن قوله : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ سورة النحل آية 26 عَلَى أن المراد به أفعاله لأن فِي الآية ما دل عليه من خراب الديار . فإن قيل : فقوله : " فِي صورته " معناه بصورته ، فتكون هاهنا بمعنى الباء ، وقد روي عن ابن عباس فِي قوله : فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ سورة البقرة آية 210 بظلل ، ولقوله الحركة بالمتحرك والحركة فِي المتحرك فتحصل تقديره يأتيهم بالصورة التي يعرفونها فِي الدنيا من التدبير والملك ، لأن معرفتهم له فِي الدنيا كانت بالدلالات المنصوبة وآياته . قيل : هَذَا غلط لوجوه أحدها : أن قولهم أنت ربنا فيتبعونه ، وهذا لا يتصور فِي أفعاله وملكه ، لأنه لا يوصف بالربوبية ولا يصح اتباعه . الثاني : أنه إن جاز تأويله عَلَى ما يظهر من أفعاله وملكه جاز تأويل قوله : " إنكم ترون ربكم " عَلَى رؤية تعطفه بكم ورحمته لكم ، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى خلاف ذَلِكَ . الثالث : أنهم سألوه هل نرى ربنا ، قَالَ : " ثم يجمع الله الناس ثم يأتيهم فيقولون : أنت ربنا " فاقتضى ذَلِكَ إتيانا يرونه فيه لأن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أثبت لهم رؤية ووصف لهم كيفية الرؤية . فإن قيل : يحتمل أن يكون قوله : " يأتيهم الله " معناه يأتيهم خلق من خلقه من الملائكة يتصور لهم ويخاطبهم بأمر الله وأضاف ذَلِكَ إليه ، كما يقال : ضرب الأمير اللص معناه أمر بضربه ، يدل عَلَى ذَلِكَ قولهم : " نعوذ بالله منك " ولو كان هو الإله لقالوا : نعوذ بك . قيل : هَذَا غلط لقوله : " فيأتيهم الله " ولأن القوم سألوه هل نرى ربنا ؟ قَالَ : " نعم يجمع الله الناس ثم يأتيهم فيقولون : أنت ربنا " فاقتضى ذَلِكَ إتيانا يرونه منه . وأما قولهم : " نعوذ بالله منك " فلا يمتنع مثل هَذَا ، كما روي أنه كان فِي دعاء النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أعوذ بك منك " ولا يمتنع أن يذكر الاسم الظاهر فِي موضع الكناية كما قَالَ تَعَالَى : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ سورة مريم آية 85 وتقديره نحشر المتقين إلينا . فإن قيل : فقد حكي عن أَبِي عاصم النبيل أنه كان يَقُول : ذَلِكَ تغير يقع فِي عيون الرائين كنحو ما يتخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به فيتوهم الشيء عَلَى الحقيقة . قيل : هَذَا غلط لأن فِي الخبر أنه قَالَ : " فيأتيهم الله فِي غير الصورة التي يعرفونها فيقولون : نعوذ بالله منك ، ثم يأتيهم فِي الصورة التي يعرفونها فيقولون : أنت ربنا ويتبعونه " وهذا الفرق بين الصورتين لا يكون عن تغير يقع فِي العين وإنما يكون عن تميز صحيح . فإن قيل : لا بد من حمل الخبر عَلَى نوع مما ذكرنا لاستحالة أن يكون الله سُبْحَانَهُ عَلَى صور كثيرة يجهلونه مرة ويعرفونه أخرى ، أو يكون ممن يحل الصور فتنتقل الصور به لاستحالة أن يكون حالا أو محلا للصور أو مصور ، فلم يبق إلا أن يكون تغير الصور راجعا إلى الملك والفعل ، أو تكون الصورة بمعنى الصفة كما يَقُول القائل : عرفني صورة هَذَا الأمر أي صفته فيحصل تقدير ما يظهر لهم من بطشه وشدة بأسه يوم القيامة وقد عرفوه حليما غفارا كريما ، فيظهر لهم منها قولا : " أنا ربكم " فيقولون عند ذَلِكَ : " نعوذ بالله منك مستعيذين بالله ، هَذَا مكاننا حتى يأتينا " بمعنى حتى يظهر رحمته وكرمه ، فيأتيهم بعد ذَلِكَ فِي الصورة التي يعرفونها من العفو والمغفرة . قيل : هَذَا غلط لأنه لا يجب حمله عَلَى شيء مما ذكروه لأنا نطلق صفة الأتيان لا عن انتقال ، ونطلق الصورة لا عَلَى وجه التشبيه ، كما أطلقنا تسمية نفس وذات ووجه ويد . أما تغير الصورة فليس بتغير ، لأنه لا يمتنع أن يكون جميع ذَلِكَ صفات له يحجبهم عن النظر إلى شيء منها فِي حال ، ويريهم إياها فِي حال أخرى ، كما جاز أن يريهم ذاته فِي حال ويمنعهم ذَلِكَ فِي حالة أخرى ، وإذا كان كذلك لم يجز منه ما قالوه من تغير الصور عليه . وأما حمله عَلَى الملك والفعل فقد أفسدناه من الوجوه التي تقدمت ، وكذلك حمل الصورة عَلَى الصفة لا يصح لما ذكرنا وهو أن فِي الخبر " فيأتيهم فيتبعونه " وهذا لا يصح فِي الملك . والثاني : أنه لو جاز تأويله عَلَى هَذَا جاز تأويل قوله : " ترون ربكم " . والثالث : أن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تكلم بهذا فِي جواب سؤالهم عن رؤية الله فِي الآخرة اهـ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناد ضعيف فيه الحسن بن علي التميمي وهو ضعيف الحديث
إسناده حسن رجاله ثقات عدا أحمد بن جعفر القطيعي وهو صدوق حسن الحديث
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد — 3 الطرق
◈ المدار: محمد بن علي بن عمرو بن مهدي · ×2
↗ افتح شجرة الإسناد كاملة