قَالَ : وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ° ، أنا عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ ° ، وَغَيْرُهُ ، قَالُوا : أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ سِنَانٍ ° ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ ° ، نا أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ يَعْقُوبَ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ° ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلامُ ، فَقَالَ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ ثُمَّ أَخْرَجْتَنَا ؟ أُرَاهُ قَالَ : مِنَ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاهُ اللَّهُ بِرِسَالاتِهِ ، وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا ، وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ ؟ فَبِكَمْ تَجِدُ خَطِيئَتِي سَبَقَتْ خَلْقِي ؟ قَالَ : بِأَرْبَعِينَ عَامًا " . قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلامُ " .
أخبرنا الإمام أَبُو المظفر ، قَالَ : فقد دعا الله الخلق إلى الوحدانية والأقدار معا : فالتوحيد لوحدانيته ، والتقدير لربوبيته ، والإذن قدرته ، فكما لا يجوز إبطال وحدانيته كذلك إبطال ربوبيته وقدرته , وهو التقدير والإذن . وكذلك قَالُوا : كما لا يجوز الركون إلى الدنيا ، كذلك لا يجوز إبطالها حتى يكتسب بها النظر إلى التقدير والإذن . فالأبدان كلها مضطرة إلى الأسباب أبدا ، وذلك فِي أهل السموات والأرض ، اضطرهم الله جميعا إلى الأسباب ، وإن تفاوتت وجوهها فِي قلتها وكثرتها ، وزيادة نقصانها . وأما القلوب ، فإنها مضطرة إلى مسبب الأسباب وحده ، أما ترى أن أهل الدنيا اضطروا إلى الأسباب من الأمكنة ، والأغذية ، واللباس ، وسائر مَا يرجع إلى معاشهم فهذا لأبدانهم . واضطرت القلوب إلى أن الله تَعَالَى وحده خالق الدنيا ومالكها . وإن الأسباب عاملة بإذن الله . فما أذن الله تَعَالَى لشيء كان من غير سبب ، وإذا لم يأذن للسبب لم يعمل ، فالنار بإذنه تحرق فإذا أذن لها أن تمتنع من الإحراق امتنعت ، كما أذن لنار إِبْرَاهِيم ، عَلَيْهِ السَّلامُ . والماء بإذن الله يغرق ، فإذا أذن له أن يمتنع من الإغراق امتنع ، كما أذن له فِي إغراق فرعون وقومه ، ومنعه من إغراق مُوسَى وقومه . وكما أطعم مريم عليها السلام من غير سبب ، قَالَ الله تَعَالَى : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سورة آل عمران آية 37 . وقد يحبس الله الثمار أن تخرج من الأشجار فِي كثير من الأوقات . قَالَ الله تَعَالَى : وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ سورة البقرة آية 155 . إلا أن القلب إذا مال إلى الأسباب وكل إليها بقدر ميله إليها ، وفقد من معونة الله وتأييده عَلَى قدر ذَلِكَ . فكما أن البدن لا تعمل جارحة من جوارحه وركن من أركانه من حركة أو سكون أو قبض أو بسط إلا بالروح ، كذلك لا يعمل سبب من الأسباب ، من نفع أو ضرر إلا بالقدر والإذن من الله تَعَالَى . وكما أن الجوارح قد ظهرت بحركاتها وبطن الروح والأبصار طامحة إلى الجوارح لظهورها ، كذلك الأسباب ظاهرة معلومة عند الناس ، والأقدار باطنة , والناس يبصرون الأسباب لأنها لأعينهم بارزة ، ولا يبصرون الأقدار لأنها عند الله غائبة ، ولا قيام للأسباب إلا بالأقدار . كما لا قيام للأبدان إلا بالأرواح . فالأسباب ظاهرة للأبصار رؤية وعيانا ، والأقدار ظاهرة للقلوب معرفة وإيمانا . فهذا حقيقة شأن الأسباب والأقدار . فنظير الأعمال من الطاعات والمعاصي ، إكساب العباد فِي الدنيا ، ونظير القضاء والتقدير من الله تَعَالَى لأعمال العباد ، قسمة الأرزاق بينهم . فالأكساب من الناس فِي الدنيا ، حاصلة فِي أمور معاشهم والأرزاق من الله مقسومة لا تزداد ولا تنقص ، وأكسابهم من الأقدار أيضا . فلابد من وصول الأرزاق إليهم عَلَى مَا قسمه الله تَعَالَى . كذلك الطاعات والمعاصي من الخلق ، حاصلة فِي أمور آخرتهم ، والقضاء بأمر الله والأقدار جارية عليهم فِي آخرتهم ، وأعمال آخرتهم لا يزداد عليها شيء ولا ينتقص منها شيء . وأعمالهم من الأقدار أيضا ، ولابد من مصيرهم إلى مَا قضى الله لهم وعليهم ، فمن الناس القوي المحتال الجلد ولا يزداد إلا فقرأ ، ومنهم الضعيف العيي المهين ، ولا يزداد ماله إلا كثرة ، ومنهم الجاد المجتهد الدائب فِي الطاعات ، ولا يزداد من الله إلا بعدا ومنهم الكسلان الفاتر والله تَعَالَى قد أعد له الجنان ، والنعيم المقيم ، ذَلِكَ تقدير العزيز العليم . ومن أشباه هَذَا وأمثاله أمر الطب والمعالجة ، فإن الله تَعَالَى قد فرغ من الحياة والعمر ، وجعل لذلك ميقاتا معلوما لا يتقدم ولا يتأخر ، ولا يزيد ولا ينقص . قَالَ الله تَعَالَى : فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ سورة الأعراف آية 34 . ثم دبر لهم بلطفه فعللهم عند الأمراض المخوفة بالأدوية والأشفية المخيلة للنفع ، والبرؤ ليكون للآمال فيها مجال ، وللنفوس فيها منفسح ، وهي لا تغني من المقدور شيئا . فترى الناس عَلَى اختلاف طبقاتهم من الآراء والنحل ، يفزعون عند حدوث الأمراض إلى الطب والتداوي ، ويتعللون به ، ويستأنسون إليه ، فإذا لم ينجح العلاج ، وأعياهم الأمر ، قَالُوا : قدر الله ومشيئته ، وسلموا للقضاء وأعطوا بأيديهم ، ولم يلوموا طبيبا ، ولم يعيبوا دواء ، ومن خالفهم فِي هَذَا المذهب ، ولم يأخذ بالحزم ولم يستعمل العلاج كان عند أكثرهم ملوما معاتبا . فترى الناس يفزعون إلى الأدوية والمعالجات ، والأقدار من الله جارية فِي الآجال والأمراض والصحة ، ولا مزيد عليها ولا نقصان ، ولا متأخر عنها ولا متقدم ، كذلك أمور الآخرة مقضية مقدرة مقسومة ، والأعمال من العباد فِي أسبابها الظاهرة جارية ، والأوامر والنواهي فيها ثابتة والوعد والوعيد والثواب والعقاب فيها عامل . وما قضاه الله وقدره من ذَلِكَ فلا مزيد عليه ولا نقصان ، ولا متأخر عنها ولا متقدم . وعلى هَذَا تجري أمور العوذة والدعاء . قال : وإنما حملنا عَلَى ذكر هَذَا الأصل ، وبيان الأمثلة ، والأشباه لأن الذي يعتمد عليه الخصوم فِي رد القضاء والقدر هو أنهم يقولون : إذا قدمنا القدر وغلبنا الحكم بطل العمل وسقط معنى التبعد وهو : التكليف وتعطل الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب . وربما طعنوا بمثل هَذَا الكلام فِي الخبر رويناه من طريق أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي احتجاج آدم وموسى عليهما السلام . وقالوا : إذا احتج كل منا فِي معاصيه بمثل احتجاج آدم عَلَى مُوسَى ، ولم يبق لوم عتب عَلَى أحد فِي معصية يرتكبها ، ولا فاحشة يعملها ، ويصير كل الكفار والفساق معذورة فِي فعلهم ، ولم يجز لأحد منا لومهم ولا توبيخهم إذ حجتهم ظاهرة ، ومن تمسك بحجة فيما يفعله بمثل حجة آدم ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، فكيف يجوز الإنكار عليه ، وتعييره بفعل شيء . وقال فِي موضع آخر : وأما الكلام فيما جرى بين آدم وموسى عليهما السلام من المحاجة فِي هَذَا الشأن ، فإنما ساغ لهما الحجاج فِي ذَلِكَ لأنهما نبيان جليلان خصا بعلم الحقائق ، وأذن لهما فِي استكشاف السرائر . وليس سبيل سائر الخلق الذين أمروا بالوقوف عند مَا حد لهم والسكوت عما طوى عنهم سبيلهما . وليس معنى قوله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فحج آدم ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مُوسَى ، إبطال حكم الظاهر ، ولا إسقاط العمل الواجب . ولكن معناه : ترجيح أحد الأمرين ، وتقديم رتبة العلة عَلَى السبب . فقد يقع الحكم بترجيح معنى أحد الأصلين : فسبيل قوله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فحج آدم مُوسَى " هَذَا السبيل . وقد ظهر هَذَا المعنى فِي قصة آدم ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَالَ الله تَعَالَى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً سورة البقرة آية 30 فهذا تصريح بين الملأ من الملائكة أنه خلق آدم للأرض ليكون خليفة فيها . ثم قَالَ : وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ سورة البقرة آية 35 . فأمره بسكنى الجنة ، والمقام فيها ثم حذره أن يخرج من الجنة ، فقال : فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى سورة طه آية 117 فهل يجوز لمسلم أن يحمل هَذِهِ الأقوال عَلَى التناقض والتناسخ . ومعلوم أن النسخ لا يجري عَلَى الخبر ؟ فإذا لم يجز ذَلِكَ ولم يكن فيها وجه غير الظاهر ، علم أن المعنى فيه أن الله سبحانه وتعالى أبطن فِي أمر آدم ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، سرا من علمه هو صائر إليه لا محالة . وأظهر له أمرا وجب الائتمار له امتحانا منه فلم يكن يسعه فِي حكم الأمر الظاهر العصيان ، ولم يكن يمكنه فِي حكم القدر الباطن الإتيان به ، فجاء من هَذَا أن آدم ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، لم يتهيأ له أن يستديم سكنى الجنة بأن لا يقرب الشجرة لسابق القضاء المكتوب عليه فِي الخروج منها ، والوقوع إلى الأرض التي خلق لها ، وليكون خليفة فيها . وبهذا المعنى صال عَلَى مُوسَى عليهما السلام عند المحاجة . وبهذا المعنى قضى رسول الله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، فقال : فحج آدم مُوسَى . وقال الحسن البصري : أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخله فيها . يريد المعنى الذي ذكرناه .