← الثقات لابن حبان
الثقات لابن حبان
#35 مقبول 1 : 164 ☰ استخلاف أبي بكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله …
A− A+

35 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ اللَّخْمِيُّ ° ، بِعَسْقَلانَ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ° ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، أنا مَعْمَرٌ ° ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فِي خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ أَتَانِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي مَنْزِلِي عَشَاءً ، فَقَالَ : لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ ، وَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنِّي سَمِعْتُ فُلانًا ، يَقُولُ : لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَبَايَعْتُ فُلانًا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ ، وَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْتَصِبُوا الْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رُعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ ، وَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَقُولَ فِيهِمُ الْيَوْمَ مَقَالَةً لا يَعُونَهَا ، وَلا يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا ، وَأَنْ يَطَّيَّرُوا بِهَا كُلَّ مَطِيرٍ ، وَلَكِنْ أَمْهِلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ السُّنَّةِ ، وَدَارُ الْهِجْرَةِ ، فَتَخْلُصَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، وَتَقُولُ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا ؛ فَيَعُونَ مَقَالَتَكَ ، وَيَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا ، قَالَ عُمَرُ : أَمَا وَاللَّهِ لأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، وَجَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هَجَّرْتُ لَمَّا حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَوَجَدْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجْرَةِ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ عَلَيْنَا عُمَرُ ° ، فَقُلْتُ وَهُوَ مُقْبِلٌ : أَمَا وَاللَّهِ لَيَقُولَنَّ الْيَوْمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ ، قَالَ : فَغَضِبَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ، فَقَالَ : وَأَيُّ مَقَالٍ يَقُولُ لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ . فَلَمَّا ارْتَقَى عُمَرُ الْمِنْبَرَ ، أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ ، قَامَ عُمَرُ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا ، لا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا ، فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لا يَعِيَهَا ، فَإِنِّي لا أُحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، وَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا ، وَوَعَيْنَاهَا ، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ ، وَإِنِّي خَائِفٌ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ ، فَيَقُولُ قَائِلٌ : مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ ، أَلا وَإِنَّ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ إِذَا زَنَى ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوِ الاعْتِرَافُ . ثُمَّ إِنَّا قَدْ كُنَّا نَقْرَأُ : وَلا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا : عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " ، ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ فُلانًا مِنْكُمْ ، يَقُولُ : لَوْ قَدْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلانًا ، فَلا يَغْتَرَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ ، أَلا وَإِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا ، وَدَفَعَ عَنِ الإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ ضُرَّهَا ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ خَيْرِنَا حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ عَلِيًّا ، وَالزُّبَيْرَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ ، وَتَخَلَّفَتْ عَنَّا الأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا بَكْرٍ ! انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الأَنْصَارِ ، فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ فَلَقِينَا رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ شَهِدَا بَدْرًا ، فَقَالا : أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ؟ قُلْنَا : نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلاءِ الأَنْصَارَ ، قَالا : فَارْجِعُوا فَأَمْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ فَأَتَيْنَاهُمْ ، فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ ، قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا شَأْنُهُ ؟ قَالُوا : وَجِعَ ، فَقَامَ خَطِيبُ الأَنْصَارِ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَنَحْنُ الأَنْصَارَ ، وَكَتِيبَةَ الإِسْلامِ ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَهْطٌ مِنَّا وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْنَا دَافَّةٌ مِنْكُمْ ، وَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا ، وَيَحْضُنُونَا بِأَمْرٍ دُونَنَا . وَقَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْ أَبِي بَكْرٍ بَعْضَ الْحَدِّ ، وَكَانَ أَوْقَرَ مِنِّي ، وَأَحْلَمَ ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْكَلامَ ، قَالَ : عَلَى رِسْلِكَ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ : وَوَاللَّهِ مَا تَرَكَ كَلِمَةً قَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُهَا إِلا جَاءَ بِهَا ، أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا فِي بَدِيهَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الأَمْرَ إِلا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَنَسَبًا ، وَلَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ ، وَأَخَذَ بِيَدِي ، وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، فَوَاللَّهِ مَا كَرِهْتُ مِمَّا قَالَ شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ، كُنْتُ لأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي ، لا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ . فَلَمَّا قَضَى أَبُو بَكْرٍ مَقَالَتَهُ ، قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ : أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ مِنَّا أَمِيرٌ ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، وَإِلا أَجَلُنَا الْحَرْبُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ خُدْعَةٌ ، قَالَ مَعْمَرٌ : فَقَالَ قَتَادَةُ : قَالَ عُمَرُ : فَإِنَّهُ لا يَصْلُحُ سَيْفَانِ فِي غَمْدٍ ، وَلَكِنْ مِنَّا الأُمَرَاءُ ، وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ ، قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ ، فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ بَيْنَنَا وَكَثُرَ اللَّغَطُ حَتَّى أَشْفَقْتُ الاخْتِلافَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا بَكْرٍ ! ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ، وَبَايَعَهُ الأَنْصَارُ ، قَالَ : وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : قَتَلْتُمْ سَعْدًا ، قَالَ : قُلْتُ : قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا فِيمَا حَضَرْنَا أَمْرًا كَانَ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً ، فَإِمَّا أَنْ نُتَابِعَهُمْ عَلَى مَا لا نَرْضَى ، وَإِمَّا إنْ نُخَالِفَهُمْ ، فَيَكُونَ فَسَادًا فَلا يَغُرَّنَّ امْرَأً ، يَقُولُ : كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً ، وَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلا أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ يُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لا يُبَايَعُ هُوَ وَلا الَّذِي بَايَعَهُ بَعْدَهُ . قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ : أَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَقِيَاهُمَا مِنَ الأَنْصَارِ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ ، وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ ، وَالَّذِي قَالَ : أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ ، الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ

قَالَ أبو حاتم : نظر المسلمون إلى أعظم أركان الدين وعماد الإسلام للمؤمنين فوجدوها الصلاة المفروضة ، وأن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولى أبا بكر إقامتها في الأوقات المعلومات ، فرضي المسلمون للمسلمين ما رضي لهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فبايعوه طائعين في سائر الأركان ، وبايعوه في السر والإعلان . فلما كان اليوم الثاني قام عمر بْن الخطاب على المنبر ، فتكلم قبل أبي بكر ، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس ! إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا مني وما وجدتها في كتاب اللَّه ولا كانت عهدا عهده إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولكني قد كنت أرى أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيأمرنا بقول يكون آخرنا ، وإن اللَّه قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله ، فإن اعتصمتم به هداكم اللَّه لما كان قد هدى به أهله ، وإن اللَّه قد جمع أمركم على خيركم ! صاحب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ، فقوموا إليه فبايعوه ، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة ، بعد بيعة السقيفة . ثم تكلم أبو بكر فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ! فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ؛ فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء اللَّه ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء اللَّه ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللَّه إلا ضربهم بالبلاء ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم اللَّه بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت اللَّه ورسوله ، فإذا عصيت اللَّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم ؛ قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللَّه . فلما فرغ الناس من بيعة أبي بكر وهو يوم الثلاثاء أقبلوا على جهازه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فاختلفوا في غسله ، فقالوا : والله ما ندري أنجرد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ثيابه كما نجرد موتانا ، أو نغسله وعليه ثيابه ؟ ! فلما اختلفوا ألقى اللَّه عليهم السبات حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره ، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت ، لا يدرى من هو أن اغسلوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليه ثيابه ، فقاموا فغسلوه وعليه قميصه ، فأسنده علي إلى صدره ، فكان العباس والفضل والقثم يقلبونه ، وكان أسامة بْن زيد وشقران مولياه يصبان عليه الماء ، وعلي يغسله ويدلكه من ورائه لا يفضي بيده إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقول : بأبي أنت وأمي ! ما أطيبك حيا وميتا ! ولم ير من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء مما يرى من الميت . ثم كفن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ، أدرج فيها إدراجا ، ثم دخل الناس يصلون عليه أرسالا بدأ به الرجال ، حتى إذا فرغوا أدخل النساء ، ثم أدخل الصبيان ، ثم أدخل العبيد ، ولم يؤم الناس على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد . وكان أبو عبيدة بْن الجراح يحفر كحفر أهل مكة ، وكان أبو طلحة زيد بْن سهل يحفر كحفر أهل المدينة ، وكان يلحد فدعا العباس بْن عَبْد المطلب رجلين فقال لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة ، وقال للآخر : اذهب إلى أبي طلحة ، فقال : اللهم خر لرسولك فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وكان المسلمون اختلفوا في دفنه ، فقائل يقول : ندفنه في مسجده ، وقائل يقول : ندفنه مع أصحابه ، فقال أبو بكر : سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض " ، فرفع فراش رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي توفي عليه ، فحفر أبو طلحة تحته ، ثم دفن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الأربعاء حين زاغت الشمس ، ونزل في قبر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بْن أبي طالب ، والفضل بْن العباس ، وقثم بْن العباس ، وشقران مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وطرح تحته قطيفة ، وكان آخرهم عهدا به قثم بْن العباس ، وكان المغيرة بْن شعبة ، يقول : لا بل أنا ، وكان يحكي قصة . ثم قام أبو بكر في الناس خطيبا بعد خطبته الأولى ، فقال : " الحمد لله حمده وأؤمن بوحدانيته ، وأستعينه على أمركم كله ، سره وعلانيته ، ونعوذ بالله مما يأتي به الليل والنهار ، وترتكب عليه السر والجهار ، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه حافظا ونصيرا ، وأن محمدا عبده ورسوله بالحق بشيرا ونذيرا قدام الساعة ، فمن أطاعه رشد ، ومن عصاه هلك وشرد ، فعليكم أيها الناس بتقوى اللَّه ، فإن أكيس الكيس التقوى ، وإن أحمق الحمق الفجور ، فاتبعوا كتاب اللَّه واقبلوا نصيحته ، واقتدوا بسنة رسوله وخذوا شريعته ، فإن اللَّه " يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وهو الحكيم العليم " وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا سورة الشورى آية 28 الآية . واحذروا الخطايا التي لكل بني آدم فيها نصيب ، وتزودوا للآخرة فإن المصير إليها قريب ، ولكن خيركم من اتبع طاعة اللَّه ، واجتنب معصيته فاحذروا يوما لا ينفع فيه من حميم ولا شفيع ولا حميم يطاع وليعمل عامل ما استطاع من عمل يقربه إلى ربه ، واعملوا من قبل أن لا تقدروا على العمل ، وإن اللَّه لو شاء خلقكم سدى ، ولكن جعلكم أئمة هدى ، فاتبعوا ما أمركم اللَّه به ، واجتنبوا ما نهاكم عنه ، واعملوا الخير فإن قليله كثير نام مبارك ، واتقوا اللَّه حق تقاته ، واحذروا ما حذركم في كتابه ، وتوقوا معصيته خشية من عقابه ، فليس فيها رغبة لأحد ، واستعفوا عما حرم اللَّه وأمر باجتنابه ، وإياكم والمحقرات فإنها تقرب إلى الموجبات ، واعملوا قبل أن لا تعملوا ، وتوبوا من الخطايا التي لا يغسلها إلا اللَّه برحمته ، وصلوا على نبيكم كما أمركم ربكم ، ثم قال : أيها الناس ! إن الذي رأيتم مني لم يكن على حرص على ولايتكم ، ولكني خفت الفتنة والاختلاف فدخلت فيها وهأنذا وقد رجع الأمر إلى أحسنه وكفى اللَّه تلك الثائرة ، وهذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم من الناس ، وأنا أجيبكم على ذلك ، وأكون كأحدكم ، فأجابه الناس : رضينا بك قسما وحظا ؛ إذ أنت ثاني اثنين مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال أبو بكر : اللهم صل على مُحَمَّد والسلام على مُحَمَّد ورحمة اللَّه وبركاته ، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ، ونثني عليك ولا نكفرك ، ونؤمن بك ونخلع من يكفرك ! ثم نزل واستقام له الأمر بعد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبايعه الناس ورضوا به ، وسموه خليفة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا شرذمة مع علي بْن أبي طالب تخلفوا عن بيعته ، وكان أسامة بْن زيد يقول : أمرني رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أغير صباحا على أهل أبنى ، ثم أمر أبو بكر أن يبعثوا بعث أسامة بْن زيد ، فقال له الناس إن العرب قد انتقضت عليك ، وإنك لا تصنع بتفرق المسلمين عنك شيئا ، قال : والذي نفس أبي بكر بيده ، لو ظننت أن السباع أكلتني بهذه القية لأنفذت هذا البعث الذي أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإنفاذه ، ثم قال أبو بكر لأسامة : إن تخلف معي عمر بْن الخطاب فافعل ، فأذن له أسامة فتخلف عمر مع أبي بكر ، ومضى أسامة حتى أوطأهم ، ثم رجع فسمع به المسلمون فخرجوا مسرورين بقدومه ، ولواءه معقود حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ، ثم دخل بيته ولواءه معقود ، ويقال : إنه لم يحل اللواء حتى توفي ، ووضعه في بيته ، ثم كتب أبو بكر الصديق كتابا إلى معاذ بْن جبل يخبره بموت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعثه مع عمار بْن ياسر ، وقد كان معاذ أتى اليمن فبينا هو ذات ليلة على فراشه ، إذا هو بهاتف يهتف عند رأسه ، يا معاذ : كيف يهنئك العيش ، ومحمد في سكرات الموت ؟ فوقف فزعا ما ظن إلا أن القيامة قد قامت ، فلما رأى السماء مصحية والنجوم ظاهرة استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم نودي الليلة الثانية يا معاذ كيف يهنئك العيش ومحمد بين أطباق الثرى ؟ فجعل معاذ يده على رأسه وجعل يتردد في سكك صنعاء ، وينادي بأعلى صوته يا أهل اليمن ذروني لا حاجة لي في جواركم ، فما شر الأيام يوم جئتكم وفارقت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فخرج الشبان من الرجال والعواتق من النساء ، وقالوا : يا معاذ ! ما الذي دهاك فلم يلتفت إليهم ، وأتى منزله وشد على راحلته ، وأخذ جرابا فيه سويق وإداوة من ماء ، ثم قال : لا أنزل عن ناقتي هذه إن شاء اللَّه إلا لوقت صلاة حتى آتى المدينة ، فبينا هو على ثلاثة مراحل من المدينة إذ لقيه عمار فعرفه بالبعير ، قال : اعلم يا معاذ أن محمدا قد ذاق الموت وفارق الدنيا ، فقال معاذ : يا أيها الهاتف في هذا الليل القار من أنت يرحمك اللَّه ؟ قال : أنا عمار بْن ياسر ، قال : وأين تريد ؟ قال : هذا كتاب أبي بكر إلى معاذ يعلمه أن محمدا قد مات وفارق الدنيا ، قال معاذ : فإلى من المهتدى والمشتكى ؟ فمن لليتامى والأرامل والضعفاء ؟ ثم سار ورجع عمار معه ، وجعل يقول : نشدتك بالله كيف أصحاب مُحَمَّد ؟ قال : تركتهم كغنم بلا راع ، قال : كيف تركت المدينة ، قال : تركتها ، وهي أضيق على أهلها من الخاتم ، فلما كان قريبا من المدينة سمعت عجوزا وهي تذكر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي تبكي ، فقالت : يا عَبْد اللَّه ! لو رأيت ابنته فاطمة وهي تبكي ، وتقول : يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه انقطع عنا أخبار السماء ولا ينزل الوحي إلينا من عند اللَّه أبدا ، فدخل معاذ المدينة ليلا ، وأتى باب عائشة فدق عليها الباب ، فقالت : من هذا الذي يطرق بنا ليلا ؟ قال : أنا معاذ بْن جبل ، ففتحت الباب ، فقال : يا عائشة ! كيف رأيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند شدة وجعه ؟ قالت : يا معاذ ! لو رأيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصفار مرة ، ويحمار أخرى ، يرفع يدا ويضع أخرى ؛ لما هنأك العيش طول أيام الدنيا ، فبكى معاذ حتى خشي أن يكون الشيطان قد استفزه ، ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم وأتى أصحاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم ظهر طليحة في أرض بني أسد ، ومالت فزارة فيها عيينة بْن حصن بْن بدر مرتدين عن الإسلام ، وبايعه بنو عامر على مثل ذلك وتربصوا ينظرون الوقعة بين المسلمين وبين بني أسد وفزارة ، وقد كان أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين بعثهم على الصدقات قد جمعوا ما كان على الناس منها ، فلما بلغهم وفاة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأما عدي بْن حاتم ، فتمسك بالإسلام وبقي في يده الصدقات ، وكذلك الزبرقان بْن بدر ، وأما مالك بْن نويرة فأرسل ما في يده ، وقال لقومه : قد هلك هذا الرجل فشأنكم بأموالكم . وقد كانت طيئ وبنو سعد كلمهما عدي بْن حاتم والزبرقان بْن بدر ، فقالا وهما كانا أحزم رأيا وأفضل في الإسلام رغبة من مالك بْن نويرة لقومهما : لا تعجلوا ، فإنه ليكونن لهذا الأمر قائم فإن كان ذلك كذلك ألقاكم ولم تبدلوا دينكم ولم تعزلوا أمركم ، وإن كان الذي تطلبون فلعمري إن ذلك أموالكم بأيديكم لا يغلبنكم عليها أحد غيركم ، وسكناهم بذلك حتى أتاهم خبر الناس واجتماعهم على أبي بكر بعد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبيعة المسلمين إياه ، فبعثا ما بأيديهم من الصدقة إلى أبي بكر ، فلم يزل أبو بكر يعرف فضلهما على من سواهما من المسلمين . وجاء العباس وفاطمة إلى أبي بكر يلتمسان ميراثهما من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : إني سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " لا نورث ، ما تركناه صدقة إنما يأكل مُحَمَّد من هذا المال " ، وإني والله لا أدع أمرا رأيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنعه فيه إلا صنعته فيه ، فهجرته فاطمة ولم تكلمه حتى ماتت . ثم جهز أبو بكر الجيش ليقاتل من كفر من العرب فترك إعطاء الصدقات ، وارتد عن الإسلام ، فقال له عمر : كيف تقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه وقد سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللَّه ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه " ، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، والذي نفس أبي بكر بيده لو منعوني عقالا ، أو عناقا ، كانوا يؤدونها إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقاتلتهم عليه حتى آخذها ، قال عمر : فلما رأيت شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أنه الحق . فأمر أبو بكر على الناس خالد بْن الوليد ، وأمر ثابت بْن قيس بْن شماس على الناس الأنصار ، وجمع أمر الناس إلى خالد بْن الوليد ثم أمرهم أن يسيروا ، وسار معهم مشيعا حتى نزل ذا القصة من المدينة على بريد وأميال فضرب معسكره ، وعبأ جيشه ، ثم تقدم إلى خالد بْن الوليد ، وقال : إذا غشيتم دار من دور الناس فسمعتم أذانا للصلاة فأمسكوا عنها حتى تسألوهم ما الذي يعلمون ، وإن لم تسمعوا الأذان فشنوا الغارة ، واقتلوا وحرقوا ، ثم أمر خالد بْن الوليد أن يصمد لطليحة وهو على ماء من مياه بني أسد ، وكان طليحة يدعى النبوة وينسج للناس الأكاذيب والأباطيل ، ويزعم أن جبريل يأتيه ، وكان يقول للناس : أيها الناس ! إن اللَّه لا يصنع بتعفير وجوهكم ، وقبح أدباركم شيئا ، واذكروا اللَّه قعودا وقياما ، وجعل يعيب الصلاة ويقول : إن الصريح تحت الرغوة ، وكان أول ما ابتلى من الناس طليحة أنه أصلب هو وأصحابه العطش في منزلهم فيه ، فقال طليحة : فيما شجع لهم من أباطيله اركبوا علالا ، يعني فرسا ، واضربوا أميالا ، تجدوا قلالا ؛ ففعلوا فوجدوا ماء ، فافتتن الأعراب به . ثم قال أبو بكر لخالد بْن الوليد : لآتيك من ناحية خيبر إن شاء اللَّه فيمن بقي من المسلمين ، وأراد بذلك أبو بكر أن يبلغ الخبر الناس بخروجه إليهم ، ثم ودع خالدا ، ورجع إلى المدينة ، ومضى خالد بالناس ، وكانت بنو فزارة وأسد يقولون : والله لا نبايع أبا الفصيل يعنون أبا بكر ، وكانت طيء على إسلامها لم تزل عنه مع عدي بْن حاتم ، ومكنف بْن زيد الخيل ، فكانا يكالبانها ، ويقولان لبني فزارة : والله لا نزال نقاتلكم إن شاء اللَّه ، فلما قرب خالد بْن الوليد من القوم ، وبعث عكاشة بْن محصن وثابت بْن أقرم أخا بني العجلان طليعة أمامه ، وخرج طليحة بْن خويلد المتنبئ ، وأخوه سلمة بْن خويلد أيضا طليعة لمن وراءهما ، فالتقيا عكاشة بْن محصن ، وثابت بْن أقرم ؛ فانفرد طليحة بعكاشة ، وسلمة بْن خويلد بثابت ، فأما سلمة فلم يلبث ثابتا أن قتله ، ثم صرخ طليحة ، وقال : يا سلمة ! أعني على الرجل ، فإنه قاتلي فاكتنفا عكاشة حتى قتلاه وكرا راجعين إلى من وراءهما . فلما وصل خالد والمسلمون إلى ثابت بْن أقرم وعكاشة بْن محصن ، وهما قتيلان عظم ذلك على المسلمين وراءهم ، ثم مضى خالد حتى نزل على طيء في خللهم سلمى ، فضرب معسكره وانضم إليه من كان من المسلمين في تلك القبائل ، ثم تهيأ للقتال ، وسار إلى طليحة وهو على مائة ، والتقى معه طليحة في سبعمائة رجل من بني فزارة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر يتنبأ ويسجع ، فهز عيينة بْن حصن الحرب وشد القتال ، ثم كر على طليحة ، فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : لا ، فرجع عيينة وقاتل حتى إذا هزته الحرب كر عليه ثانيا ، وقال : لا أبا لك ! هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : نعم ، قال : فماذا قال لك ؟ قال لي : إن لك رحى كرحاه ، وحديثا لا تنساه ، قال عيينة : أظن اللَّه أنه قد علم أنه سيكون لك حديث لا تنساه يا بني فزارة هكذا ، فانصرفوا ، فهذا والله كذاب ، فانصرف وانصرفت معه فزارة ، وانهزم الناس ، وكان طليحة قد أعد فرسا له عنده وهيأ بعيرا لامرأته النوار ، ثم اجتمعت إليه فزارة وهم مبارزون فقالوا : ما تأمرنا ؟ فلما سمع منهم ذلك استوى على فرسه ، وحمل امرأته على البعير ، ثم نجا بها وقال : لهم من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت وينجو بأهله فليفعل ، ثم سلك الحوشية حتى لحق بالشام ، وانصرفت فزارة وقتل منهم من قتل ، ثم دخلت القبائل في الإسلام على ما كانوا عليه من قبل ، فلما فرغ خالد من بيعتهم أوثق عيينة بْن حصن ، وقرة بْن هبيرة بْن سلمة ، وبعث بهما إلى أبي بكر ، فلما قدما عليه قال قرة : يا خليفة رسول اللَّه ! إني كنت مسلما ، وإن عند عمرو بْن العاص من إسلامي شهادة قد مر بي فأكرمته وقريته ، وكان عمرو بْن العاص هو الذي جاء بخبر الأعراب ، وذلك أن عمرا كان على عمان ، فلما أقبل راجعا إلى المدينة مر بهوازن وقد انتقضوا ، وفيهم سيدهم قرة بْن هبيرة ، فنزل عليه عمرو بْن العاص فنحر له وأقراه وأكرمه ، فلما أراد عمرو الرحيل خلى به قرة بْن هبيرة ، وقال : يا عمرو ! إنكم معشر قريش ، إن أنتم كففتم عن أموال الناس وتركتموها لهم ، يريد الصدقات ، فقمن أن يسمع لكم الناس ويطيعوا ، فإن أنتم أبيتم إلا أخذ أموالهم ، فإني والله ما أرى العرب مقرة بذلك لكم ، ولا صابرة عليه حتى تنازعكم أمركم ، ويطلبوا ما في أيديكم ، فقال عمرو بْن العاص : أبالعرب تخوفنا موعدك ؟ أقسم باللَّه ! لأوطئنه عليك الخيل ، ثم مضى عمرو حتى قدم المدينة على أبي بكر وأخبره الخبر قبل خروج خالد إليهم ؛ فتجاوز أبو بكر عن قرة بْن هبيرة ، وعيينة بْن حصن ، وحقن لهما دماءهما . ولما فرغ خالد بْن الوليد من بيعة بني عامر وبني أسد قال : إن الخليفة قد عهد إلي أن أسير إلى أرض بني غانم ، فسار حتى نزل بأرضهم وبث فيها السرايا ، فلم يلق بها جمعا ، وأتى بمالك بْن نويرة في رهط من بني تميم وبني حنظلة ، فأمر بهم فضربت أعناقهم ، وتزوج مكانه أم تميم امرأة مالك بْن نويرة ، فشهد أبو قتادة لمالك بْن نويرة بالإسلام عند أبي بكر ، ثم رجع خالد يؤم المدينة ، فلما قدمها دخل المسجد وعليه درع معتجرا بعمامة ، وعليه قباء عليه صدأ الحديد قد غرز في عمامته أسهما ، فقام إليه عمر بْن الخطاب فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ، ثم قال : أقتلت امرأ مسلما مالك بْن نويرة ، ثم تزوجت امرأته ؟ والله لنرجمنك بأحجارك ، وخالد بْن الوليد لا يكلمه ، ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر ، حتى دخل على أبي بكر فأخبره الخبر ، واعتذر إليه أنه لم يعلم ، فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان منه في حربه تلك ، فخرج خالد من عنده وعمر جالس في المسجد ، فقال : هلم إلى ابن أم شملة ؟ فعرف أن أبا بكر قد رضى عنه ، فلم يكلمه ، فقام فدخل بيته . ثم ماتت فاطمة بنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أبيها بستة أشهر فدفنها علي ليلا ، ولم يؤذن به أبا بكر ولا عمر ، وكان لعلي جهة من الناس حياة فاطمة ، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي ، فلما رأى انصراف الناس ضرع علي إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا تأتنا معك بأحد ، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدته ، فقال عمر : لا تأتهم وحدك ، فقال أبو بكر : والله لآتينهم وحدي ، وما عسى أن يصنعوا بي ؛ فانطلق أبو بكر وحده حتى دخل على علي ، وقد جمع بني هاشم عنده ، فقام علي وحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك بخير ساقه اللَّه إليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددت به علينا ، ثم ذكر قرابته من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحقهم ، ولم يزل علي يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر ، فلما صمت علي تشهد أبو بكر فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، والله لقرابة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وإني والله ما أعلم في هذه الأمور التي كانت بيني وبين علي إلا الخير ، ولكني سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " لا نورث ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل مُحَمَّد من هذه المال قوتا " ، وإني والله لا أدع أمرا صنع فيه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا صنعته إن شاء اللَّه ، ثم قال : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به ، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه ، وأقبل الناس على علي فقالوا : أصبت وأحسنت . ثم توفي عَبْد اللَّه بْن أبي بكر الصديق وكان أصابه سهم بالطائف مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رماه بْن محجن ، ثم دمل الجرح فمات في شوال بعد الظهر ونزل حفرته عَبْد الرحمن بْن أبي بكر ، وعمر بْن الخطاب ، وطلحة بْن عبيد اللَّه . ودخل عمر على أبي بكر ، وهو آخذ بلسانه ينصنصه ، فقال له عمر : يا خليفة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! اللَّه اللَّه ! فقال أبو بكر : هذا أوردني الموارد . فلما دخل شهر ذي الحجة حج عمر بْن الخطاب سنة إحدى عشرة ، واشترى مولاه أسلم في حجته تلك ، ثم رجع إلى المدينة . ثم وجه أبو بكر خالد بْن الوليد إلى اليمامة ، وكان مسيلمة قد تنبأ بها في حياة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان أمره ضعيفا ، ثم وفد إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورجع إلى قومه فشهد رجال بْن عنفوة لأهل اليمامة أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أشركه في الأمر فعظم فتنة عليهم . وخرج خالد بْن الوليد بالمهاجرين والأنصار حتى إذا دنا من اليمامة نزل واديا من أوديتهم ، فأصاب في ذلك الوادي مجاعة بْن مرارة في عشرين رجلا منهم كانوا خرجوا يطلبون رجلا من بني تميم ، وكان أصاب لهم دما في الجاهلية ، فلم يقدروا عليه فباتوا بذلك الوادي فلم ينبههم إلا خيل المسلمين ، قد وقفت عليهم ، فقالوا : من القوم ؟ فقالوا : بنو حنيفة ، قال : فلا أنعم لكم علينا ، ثم نزلوا فاستوثقوا منهم ، فلما أصبح دعاهم خالد بْن الوليد ، فقال : يا بني حنيفة ! ما تقولون ؟ فقالوا : منا نبيء ومنكم نبيء ، فعرضهم خالد على السيف حتى بقي سارية بْن عامر ، ومجاعة بْن مرارة ، فقال له سارية : يا أيها الرجل ! إن كنت تريد هذه القرية فاستبق هذا الرجل ، وأوثق مجاعة في الحديد ، ودفعه إلى أم تميم امرأته ، وقال : استوصي به خيرا ، وضرب عنق سارية بْن عامر . ثم سار بالمسلمين حتى نزل على كثيب مشرف على اليمامة ، وضرب معسكره هناك ، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة ، وتصاف الناس ، وكان خالد جالسا على سريره ، ومجاعة مكبل عنده ، والناس على مصافهم إذ رأى بارقة في بني حنيفة ، فقال خالد : أبشروا يا معشر المسلمين ! قد كفاكم اللَّه عدوكم ، واختلف القوم فكر مجاعة إليه وهو مكبل ، فقال : كلا والله إنها الهندوانية خشوا من تحطمها فأبرزوها للشمس لتلين لهم فكان كما قال ، فلما التقى الناس كان أول من خرج رجال بْن عنفوة فقتل ، واقتتل المسلمون قتالا شديدا حتى انهزم المسلمون ، وخلص أصحاب مسيلمة إلى الرحال ، ودخلوا فسطاط خالد بْن الوليد ، وفيه مجاعة مكبلا عند أم تميم امرأة خالد فحمل عليها رجل بالسيف ، فقال مجاعة : أنا لها جار فنعمت الحرة عليكم بالرجال ، فرحلوا الفسطاط بالسيف ، ثم إن المسلمين تداعوا ، فقال ثابت بْن قيس بْن شماس : بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء المسلمون ! ثم أخذ سيفه حتى جالد به حتى قتل ، ورأى زيد بْن الخطاب انكشاف المسلمين عن رحالهم ، فتقدم فقاتل حتى قتل ، وقام البراء بْن مالك أخو أنس بْن مالك ، وكان البراء فيما يقال إذا حضر البأس أخذه انتفاض حتى يقعد عليه الرجال ، ثم يبول في سراويله فإذا بال صار مثل السبع ، فلما رأى ما صنع المسلمون من الانكشاف ، وما رأى من أهل اليمامة أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال ، فلما بال وثب فقال : أين يا معشر المسلمين ؟ أنا البراء بْن مالك هلموا إلي ! فاجتمع عنده جماعة من المسلمين فقاتل القوم قتالا شديدا حتى خلصوا إلى محكم اليمامة ، وهو محكم بْن الطفيل ، فلما بلغه القتال قال : يا معشر بني حنيفة ! الآن والله تستحقب الكرائم غير رضيات ، وينكحن غير حظيات فما كان عندكم من حسب فأخرجوه ، ثم تقدم فقاتل قتالا شديدا ، فرماه عَبْد الرحمن بْن أبي بكر بسهم فوضعه في نحره فقتله ، وزحف المسلمون حتى ألجأوهم إلى الحديقة ، وفيها مسيلمة ، فقال البراء بْن مالك : يا معشر المسلمين ! ارموني عليهم في الحديقة ، فقال الناس : لا تفعل يا براء ! فقال : والله أفعل ، فاحتمل حتى أشرف على الجدار ، فاقتحم فقاتلهم حتى فتحها اللَّه للمسلمين ، ودخل عليهم المسلمون ، وقتل مسيلمة ، اشترك وحشي بْن حرب مولى جبير بْن مطعم ورجل من الأنصار في قتله ، فرماه وحشي بحربته ، وضربه الأنصاري بسيفه ، فكان وحشي يقول : ربك أعلم أينا قتله ! قتلت خير الناس وشر الناس . فلما فرغ المسلمون من مسيلمة ، وأتى خالدا الخبر فخرج بمجاعة في الحديد يرسف معه ليدله على مسيلمة ، وكان يكشف القتلى ، حتى مر بمحكم بْن الطفيل ، وكان رجلا جسيما وسيما ، فقال خالد : هذا صاحبكم ، فقال مجاعة : لا ، هذا والله خير منه وأكرم هذا محكم اليمامة ، ثم دخلوا الحديقة ، وقلبا القتلى فإذا رويجل أصيفر أخينس ، فقال مجاعة : انه والله ما جاءك إلا سرعان الناس في الحصون ، قال : ويلك ! ما تقول ؟ قال : والله إن ذلك لحق ، فهلم أصالحك على قومي فصالحه خالد بْن الوليد على الصفراء ، والبيضاء ، والحلقة ، ونصف السبي ، ثم قال لمجاعة : امض إلى القوم فاعرض ما صنعت فانطلق إليهم ، ثم قال للنساء : البسن الحديد ، ثم أشرفن على الحصون ، ثم انتهى إلى خالد قال : إنهم لم يرضوا على مصالحتك عليه ولكن إن شئت شيئا صنعت ، وعرضت على القوم ، قال : ما هو ؟ قال تأخذ ربع السبي ربعا ، قال خالد : قد فعلت ، قال : قد صالحتك ، فلما فرغا دخلوا الحصن ، فإذا ليس رجل واحد رماهم إلا النساء والصبيان ، فقال خالد لمجاعة : خدعتني ، قال : قومي . ثم بعث أبو بكر إلى خالد بْن الوليد بسلمة بْن سلامة بْن وقش يأمره أن لا يستبقي من بني حنيفة رجلا قد أنبت ، فأتاه سلمة وقد فرغ خالد من الصلح ، ثم إن خالدا قد بعث وفدا من بني حنيفة إلى أبي بكر فقدموا عليه ، فقال أبو بكر : ويحكم ما هذا الرجل الذي استنزل منكم ما استنزل ؟ قالوا : يا خليفة رسول اللَّه ! قد كان الذي بلغك ، وكان امرأ لم يبارك اللَّه له ، ولا لعشيرته فيه ، قال أبو بكر : على ذلك ما دعاكم إليه ، قالوا : كان يقول : يا ضفدع ، نقي نقي ، لا الشراب تمنعين ، ولا الماء تكدرين لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون ، فقال أبو بكر : سبحان اللَّه ! سبحان اللَّه ! . فلما فرغ خالد من الصلح نزل واديا من أودية اليمامة ، فبينما هو قاعد إذ دخل عليه رجل من بني حنيفة يقال له : سلمة بْن عمير ، فقال لمجاعة : استأذن لي على الأمير فإن لي إليه حاجة ، فأتى عليه مجاعة ، ثم قال مجاعة : إني والله لا أعرف الشر في وجهه ، ثم نظر فإذا هو مشتمل على السيف ، فقال : ما لك لعنك اللَّه أردت أن تستأصل بني حنيفة ! والله لئن قتلته ما ترك في بني حنيفة صغير ، ولا كبير إلا قتل ، فانقلب الرجل ومعه سيفه فوقع في حائط من حوائط اليمامة ، وحبس به المسلمون ، فدخلوا خلف الحائط فقتل ، وكان من استشهد من المسلمين يوم اليمامة من قريش ممن يحضرنا ذكرهم : أبو حذيفة بْن عتبة بْن ربيعة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وشجاع بْن وهب بْن ربيعة ، ومالك بْن عمرو ، ويزيد بْن قيس ، وصفوان بْن أمية بْن عمرو ، وأخوه مالك بْن أمية ، والطفيل بْن عمرو الدوسي ، وجبير بْن مالك ، وأمه بحينة ، ويزيد بْن أوس ، ويحيى بْن حارثة ، والوليد بْن عَبْد شمس بْن المغيرة ، وحكيم بْن حزام بْن أبي وهب ، وزيد بْن الخطاب بْن نفيل ، وعبد اللَّه بْن عمرو بْن بجرة ، وعبد اللَّه بْن الحارث بْن قيس ، وأبو قيس بْن الحارث ، وعبد اللَّه بْن مخرمة بْن عَبْد العزى ، وعبد اللَّه بْن سهل بْن عمرو ، وسليط بْن سليط بْن عمرو ، وعمرو بْن أوس بْن سعد بْن أبي سرح ، وربيعة بْن أبي خرشة ، ومنقذ بْن عمرو بْن عطية ، وعبد اللَّه بْن الحارث بْن رحضة . واستشهد من الأنصار يوم اليمامة : ثابت بْن قيس بْن شماس ، وعباد بْن بشر بْن وقش ، ورافع بْن سهل ، وعبد اللَّه بْن عتيك ، وحاجب بْن زيد ، وسهل بْن عدي ، ومالك بْن أوس ، ومعن موليان لهم ، وفروة بْن العباس ، وكليب بْن تميم ، وعامر بْن ثابت ، وبشر بْن عَبْد اللَّه ، وعبد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أبي بْن سلول ، وعبد اللَّه بْن عتبان ، وثابت بْن هزال ، وأسيد بْن يربوع ، وأوس بْن ورقة ، وسعد بْن حارثة بْن لوذان ، وسماك بْن خرشة أبو دجانة ، وسعد بْن حمار ، وعقبة بْن عامر بْن نابي ، وضمرة بْن عياض ، وعبد اللَّه بْن أنيس ، ومسعود بْن سنان ، وحبيب بْن زيد ، وأبو حبة بْن غزية بْن عمرو ، وعمارة بْن حزم بْن زيد ، ويزيد بْن ثابت بْن الضحاك بْن زيد رمى بسهم فمات في الطريق ، وثابت بْن خالد بْن عمرو بْن خنساء ، وفروة بْن النعمان بْن الحارث ، وعائذ بْن ماعص الزرقي ، وحبيب بْن عمرو بْن محصن . ثم انصرف خالد بْن الوليد بالمسلمين حتى قدم المدينة على أبي بكر ، وارتدت ربيعة بالبحرين فيمن ارتد من العرب إلا الجارود بْن عمرو بْن خنش بْن معلى ، فإنه ثبت على الإسلام ، فيمن تبعه من قومه ، وقالت ربيعة بعضها لبعض : نرد الملك إلى المنذر بْن ساوى ، وكان المنذر ملكهم في حياة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العلاء بْن الحضرمي فأسلم المنذر ، وأقام العلاء بها إلى أن قبض رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فملك ربيعة المنذر بْن النعمان بْن المنذر بْن ساوى ، وجمع جمعهم على الارتداد ، فلما بلغ أبا بكر خبرهم ، بعث إليهم العلاء بْن الحضرمي ، وأمره بثمامة بْن أثال الحنفي ، وكان قد أسلم ثمامة وأسلم بنو سحيم معه ، فلما مر العلاء بثمامة بْن أثال معه من اتبعه من قومه من بني سحيم ، وسارت ربيعة إليهم فحاصروهم بجواثا ، حصن بالبحرين ، وأصاب المسلمون شهدا شديدا من الجوع حتى كادوا أن يهلكوا ، فخرج عَبْد اللَّه بْن حذف ليلة من الليالي يتجسس أخبارهم ، ويجيء المسلمين بالخبر فأتى الحصن ، واحتال في دخوله فوجدهم سكارى ، فرجع فأخبر المسلمين أن القوم سكارى لا عناء بهم ، فبيتهم العلاء بْن الحضرمي فيمن معه من المسلمين ، وقاتلوهم قتالا شديدا حتى فتح اللَّه على المسلمين حصنهم ، وقسم العلاء بْن الحضرمي الغنيمة بالبحرين ، وجمع بها صلاة الجمعة . وخرج الأسود بْن كعب العنسي في كندة فباع الناس والمهاجر بْن أبي أمية أميرها ، وسمعت كندة بذلك ، واتفقت أيضا مع من اتبع الأسود على نصره ، وكان على حضرموت زياد بْن لبيد البياضي ، فلما رأى ذلك منهم بيتهم بالليل ، وقتل منهم أربعة من الملوك في محاجرهم جمدا ، ومحوصا ، ومشرحا ، وأبضعة ، ثم كتب المهاجر بْن أبي أمية إلى أبي بكر يخبره بانتقاض الناس ويستمد منه ، فبعث أبو بكر عكرمة بْن أبي جهل في جيش معه إلى المدينة ، وكانت قطعة من كندة ثبتت على الإسلام مع زياد بْن لبيد ، وقطعة مع المهاجر بْن أبي أمية ، وزياد بْن أبي لبيد بالحرب ، فلما اشتد عليهم الحصار نزل إليهم الأشعث بْن قيس ، وسألهم الأمان على دمه ، وأهله ، وماله ، وحتى يقدموه على أبي بكر فيرى فيه رأيه ، وأن يفتح النجير ، ففعلوا ذلك ، وفتح النجير ، واستنزلوا من فيه من الملوك ، وضربت أعناقهم ، واستوثقوا من الأشعث بْن قيس وبعثوا به إلى أبي بكر مع السبي ، وقتل الأسود بْن كعب العنسي في بيته ، فلما قدم الأشعث على أبي بكر ، قال أبو بكر : فما تأمرني أن أصنع فيك فإنك فعلت ما علمت ؟ قال الأشعث : تمن علي ، وتفكني من الحديد ، وتزوجني أختك ، فإني قد راجعت وأسلمت ، قال أبو بكر : قد فعلت فزوجه أخته فروة بنت أبي قحافة . ثم قدم أهل البحرين على أبي بكر يفتدون سباياهم أربعمائة ، فخطب أبو بكر الناس فقال : أيها الناس ! ردوا على الناس سباياهم لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يغيب عنه منهم أحد ، ثم جاء جابر بْن عَبْد اللَّه أبا بكر فقال : إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : " إن جاءنا مال من البحرين ، أعطيناك هكذا وهكذا " ، فحرز له أبو بكر هكذا خمسمائة درهم ، فأعطاه من مال البحرين ألفا وخمسمائة درهم ، ثم اعتمر أبو بكر في رجب ، وخرج هو وعبد الرحمن بْن صبيحة على راحلتين ، واستخلف على المدينة عمر بْن الخطاب ، وقدما مكة ضحوة ، وخرج منها قبل الليل ، ومات أبو مرثد الغنوي حليف حمزة بْن عَبْد المطلب ، وتزوج عمر بْن الخطاب عاتكة بنت زيد بْن عمرو بْن نفيل . ثم خرج أبو بكر سنة اثنتي عشرة ، واستخلف على المدينة عثمان بْن عفان ، وخرج لليلتين بقيتا من ذي القعدة وأحرم من ذي الحليفة ، وقدم مكة لسبع خلون من ذي الحجة ، وكن قد ساق معه عشر بدنات ، فخطبهم قبل التروية بيوم في المسجد الحرام ، وأمرهم بتقوى اللَّه ، ونهاهم عن معصيته ، وعظم عليهم حرمه الإسلام ، وأمرهم بالقصد في مسيرهم والترفق ، وتلا عليهم آيات من القرآن ، ثم قال : من استطاع منكم أن يصلي الظهر بمنى غدًا فليفعل ، ثم حج لهم ونحر البدن ورمى الجمار ماشيا ذاهبا وجائيًا . ومات أبو العاص بْن الربيع في ذي الحجة وكان يسمى جرو البطحاء ، وأوصى إلى الزبير بْن العوام ، فزوج الزبير ابنته علي بْن أبي طالب . ثم قفل أبو بكر من الحج إلى المدينة ، فلما قدمها كتب إلى خالد بْن الوليد يريد العراق ، وقد قيل : إنه قد قدم المدينة ثم خرج إلى العراق ، فلما بلغ خالد بْن الوليد إلى قريات من السواد يقال لهن بانقياء باروسما وأليبس صالح أهلها ، وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا ، فقبل منهم الجزية وكتب له كتابًا : " بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من خالد بْن الوليد لابن صلوبا السوادي ومنزله بشاطئ الفرات أنك آمن بأمان اللَّه ممن حقن دمه بإعطاء الجزية ، وقد أعطيت عن نفسك ومن كان في قريتك ألف درهم فقبلناها ، ورضي من معي من المسلمين بها عنك ، فلك ذمة اللَّه وذمة مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك " ، وشهد هشام بْن الوليد ، ثم أقبل خالد حتى نزل الحيرة وكان عليها قبيصة بْن إياس بْن حية الطائي أميرًا لكسرى فخرج إليه بأشرافهم ، فقال لهم خالد : أدعوكم إلى اللَّه وإلى الإسلام ، فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين ، لكم ما لهم وعليكم ما عليهم ، وإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم الجزية فقد أتيتكم بأقوام أحرص على الموت على الحياة ، جاهدناكم حتى يحكم اللَّه بيننا وبينكم ، فقال له قبيصة بْن إياس : ما لنا بحريك من حاجة ، بل نقيم على ديننا ونعطيك الجزية ، فصالحهم على تسعين ألف درهم كل سنة ، فكانت أول جزية وقعت بالعراق هذه والتي صالح عليها ابن صلوبا . وبعث أبو بكر بعد قفوله من الحج الجنود إلى الشام ، فبعث عمرو بْن العاص إلى فلسطين فأخذ طريق المعرقة على أيلة . وبعث يزيد بْن أبي سفيان ، وأبا عبيدة بْن الجراح ، وشرحبيل بْن حسنة إلى الشام ، وأمرهم أن يسلكوا التبوكية على البلقاء من علياء الشام . وبعث خالد بْن سعيد بْن العاص على ربع من الأرباع ، فلم يزل عمرو بْن الخطاب بأبي بكر حتى عزله وأمر مكانه أبي سفيان ، وخرج أبو بكر مع يزيد بْن أبي سفيان يوصيه ويزيد راكب قال : أيها الأمير ! إما أن تركب وإما أن أنزل ، فقال : ما أنت بنازل ولا أنا براكب ، أليست خطاي هذه في سبيل اللَّه . ثم قال : يا يزيد ! إنكم ستقدمون بلادًا فإذا أكلتم الطعام فسموا اللَّه على أولها وحمدوه على آخرها ، وستجدون قومًا حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم ، وستجدون أقوامًا قد اتخذ الشيطان على رءوسهم مقاعد ، يعني الشمامسة ، فاضربوا تلك الأعناق ، ولا تقتلن كبيرًا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا ، ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع ، ولا تخربن عمرانًا ، ولا تقطعن بحرًا إلا لنفع ، ولا تغل ولا تغدر ولا تخن وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ سورة الحج آية 40 ، أقرئك السلام وأستودعك اللَّه . ثم انصرف أبو بكر ومضى يزيد بْن أبي سفيان وتبعه ابن حسنة وأبو عبيدة بْن الجراح فردًا فردًا ، ونزل عمرو بْن العاص في قصره بغمر العربات ، ونزل الروم بثنية جلق بأعلى فلسطين في سبعين ألفًا عليهم تذارق أخو هرقل لأبيه وأمه ، فكتب عمرو بْن العاص إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم ويستمده ، فكتب أبي بكر إلى خالد بْن الوليد وهو يأمره أن يمد أهل الشام فيمن معه من أهل القوة ويستخلف على ضعفة الناس رجلا منهم ، فلما أتاه كتاب أبي بكر ، قال خالد : هذا عمل الأعيسر ابن أم شملة ، يعني عمر بْن الخطاب حسدني أن يكون فتح العراق على يدي ، فسار خالد أهل القوة من الناس ، ورد الضعفاء من النساء إلى المدينة ، وأمر عليهم عمير بْن سعد الأنصاري ، واستخلف على من أسلم بالعراق من ربيعة وغيرهم المثني بْن حارثة الشيباني . فلما بلغ خالد بمن معه عين التمر أغار على أهلها فأصاب منهم ، ورابط حصنًا بها فيه مقاتله لكسرى حتى استنزلهم ، وضرب أعناقهم ، وسبى منهم سبايا كثيرة ، وكان من تلك السبايا أبو عمرو والد عَبْد الأعلى بْن أبي عمرة ، ويسار جد مُحَمَّد بْن إسحاق ، وحمران بْن أبان مولى عثمان ، وأبو عبيدة مولى المعلى ، وخير مولى أبي داود الأنصاري ، وأبو عَبْد اللَّه مولى زهرة . فأراد خالد الميسر والتمس دليلا فدل على رافع بْن عميرة فقال له خالد : انطلق بالناس ، فقال له رافع : إنك لا تطيق ذلك بالجنود والأثقال ، والله إن الراكب المفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها إلا مغررًا ، إنها لخمس ليال جياد ولا يصاب فيها ماء مع مضلتها ، قال له خالد : ويحك ! ألا بد لي منها ؟ إنه قد أتاني من الأمير عزمه بذلك ، فمر بأمرك ، فقال رافع : استكثروا من الماء ، من استطاع منكم أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل ، فإنها المهالك إلا ما دفع اللَّه ، فتأهب المسلمون وسار خالد بمن معه ، فلما بلغوا آخر يوم من المفازة قال خالد لرافع بْن عميرة : ويحك يا رافع ! ما عندك ؟ قال : أدركت الري إن شاء اللَّه ؛ فلما دنا من العلمين قال رافع للناس : انظروا هل ترون شجيرة من عوسج كعقدة الرجل ؟ فلم يروا شيئًا ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! هلكتم والله إذًا وهلكت ! انظروا فاطلبوها ، فطلبوا فوجدوها قد قطعت وبقي منها بقية ، فلما رآها المسلمون كبروا وكبر رافع بْن عميرة ثم قال : احفروا في أصلها ، فحفروا فاستخرجوا عينًا فشربوا حتى روي الناس ، ثم اتصل بعد ذلك خالد فقال رافع : فوالله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة ، وردتها مع أبي غلام ، فلما بلغ لخالد والمسلمون إلى سوى أغار على أهله وهم بهراء قبيل الصبح وإذا جماعة منهم يشربون الخمر في جفنة لهم قد اجتمعوا عليها ومغنيهم يقول : ألا عللاني قبل جيش أبي بكر لعل منايانا قريب ولا ندري فقتلهم خالد بْن الوليد وقتل مغنيهم وسال دمه في تلك الجفنة ، ثم سار خالد حتى أغار على غسان بمرج راهط حتى نزل على قناة بصرى وعليها أبو عبيدة بْن الجراح ، وشرحبيل ابن حسنة ، ويزيد بْن أبي سفيان ؛ وخرج خالد بْن سعيد بْن العاص بمرج الصفر في يوم مطير يستمطر فيه ، فتعاوى عليه أعلاج الروم فقتلوه ، واجتمع خالد بْن الوليد ، وشرحبيل ابن حسنة ، ويزيد بْن أبي سفيان معهم حتى صالحته بصرى على الجزية وفتحها اللَّه للمسلمين ، فكانت تلك أول مدينة فتحت بالشام ، ثم ساروا جميعًا إلى فلسطين مددًا لعمرو بْن العاص مقيم بالعربات من غور فلسطين ، وسمع الروم باجتماع المسلمين لعمرو بْن العاص فانكشفوا عن جلق إلى أجنادين ، وأجنادين ، بلد بين الرملة وبيت جبرين من أرض فلسطين ، وسار المسلمون وكان الأمراء أربعة والناس أرباعًا إلا عمرو بْن العاص كان يزعم أنه جميعهم . . . فلما اجتمعت العساكر وتدانت ، بعث صاحب الروم رجلا عربيًا ليأتي بخبر المسلمين ، فخرج الرجل ودخل مع المسلمين ، فيها يومًا وليلة لا ينكر ، ثم أتى الروم فقالوا له : ما وراءك ؟ فقال : أما بالليل فرهبان ، وأما بالنهار ففرسان ، ولو سرق ابن ملكهم قطعوه يده ، ولو زنى رجموه ، لإقامة الحق فيهم . ثم تزاحف الناس فاقتتلوا قتالا شديدًا ، فقال صاحبهم لهم : لقوا رأسي في ثوب ، قالوا له : ولم ؟ قال : يوم موقف البئيس لا أحب أن أره ، ما رأيت في الدنيا أشد منه ، وكانت الهزيمة على الروم ؛ فلقد قتل صاحبكم وإنه لملفف في ثوبه ، وكان لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ، فقتل بأجنادين من المسلمين : نعيم بْن عَبْد اللَّه النحام ، وهشام بْن العاصي بْن وائل ، وعمرو بْن عكرمة ، والطفيل بْن عمرو الدوسي ، وعبد اللَّه بْن عمرو حليف لهم ، وجندب بْن عمرو بْن حممة الدوسي ، وضرار بْن الأزور ، وطليب بْن عمرو بْن وهب ، ومسلمة بْن هشام بْن المغيرة ، وهبار بْن سفيان بْن الأسود ، والحارث بْن الحارث ، والحجاج بْن الحارث ، وقيس بْن صخرة ، ونعيم بْن عامر .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا محمد بن المتوكل القرشي وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد