36 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الدَّقَّاقُ بِالْمِصِّيصَةِ ° ، ثنا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ° ، ثنا هَارُونُ بْنُ زِيَادٍ الْحِنَّائِيُّ ° ، ثنا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرِ ° ، عَنْ حُمَيْدٍ ° ، عَنْ أَنَسٍ ° ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ "
قَالَ أبو حاتم : فلما حانت منية أبي بكر رحمة اللَّه عليه اغتسل قبلها يوم الإثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يومًا باردًا فحم خمسة عشر يومًا حتى قطعته العلة عن حضور الصلاة ، وكان يأمر عمر بْن الخطاب أن يصلي بالناس ، وكان الناس يعودونه وهو في منزله الذي أقطع له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجاه دار عثمان بْن عفان اليوم ، فبينا هو في ليلة من الليالي عند نسائه أسماء بنت عميس وحبيبة بنت خارجة بْن زيد بْن أبي زهير وبناته : أسماء ، وعائشة ، وابنه عَبْد الرحمن بْن أبي بكر ، إذ قالت عائشة : أتريد أن تعهد إلى الناس عهدًا ؟ قال : نعم ، قالت : فبين للناس حتى يعرفوا الوالي بعدك ، قال : نعم ، قالت عائشة : إن أولى الناس بهذا الأمر بعدك عمر . وقال عَبْد الرحمن بْن أبي بكر : إن قريشا تحت ولاية عثمان بْن عفان ، وتبغض ولاية عمر لغلظه ، فقال أبو بكر : نعم الوالي عمر ! وما هو بخير أن يلي أمر أمة مُحَمَّد ، أما إنه لا يقوى عليهم غيره ، إن عمر رآني لينًا فاشتد ، ولو كان واليا للان لأهل اللين ، واشتد على أهل الريب ؛ فلما أصبح دعا نفرًا من المهاجرين والأنصار يستشيرهم في عمر ، منهم عثمان بْن عفان ، وعبد الرحمن بْن عوف ، وسعد بْن أبي وقاص ، وسعيد بْن زيد ، فقال لعبد الرحمن بْن عوف : يا أبا مُحَمَّد ! أخبرني عن عمر ، فقال : يا خليفة رسول اللَّه ! هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل ولكن فيه غلظة ، فقال لعبد الرحمن بْن عوف : ذلك لأنه رآني لينًا فاشتد ، ولو آل إليه الأمر لترك كثيرًا مما هو عليه اليوم ، إني إذا غضبت على الرجل أراني الرضا عنه وإذا لنت له أراني الشدة عليه ، لا تذكر يا أبا مُحَمَّد مما ذكرت لك شيئًا ، قال : نعم . ثم دعا عثمان بْن عفان فقال : يا أبا عَبْد اللَّه ! أخبرني عن عمر ، فقال : أنت أخبر به ، فقال أبو بكر : فعلي ذلك ، قال : إن علمي أن سريرته خير من علانيته ، وأن ليس فينا مثله ، قال : يرحمك اللَّه يا أبا عَبْد اللَّه ! لا تذكر مما ذكرت لك شيئًا ، قال : أفعل ، فقال له أبو بكر : لو تركته ما عدوتك ، وما أدري لعلي تاركه ، والخيرة له أن لا يلي أمركم ، ولوددت أن خلو من أمركم ، وأني كنت فيمن مضى من سلفكم ، ثم قال لعثمان : اكتب : هذا ما عهد عليه أبو بكر بْن أبي قحافة إلى المسلمين ، أما بعد ، ثم أغمي عليه فذهب عنه فكتب عثمان : أما بعد ، فقد استخلفت عليكم عمر بْن الخطاب ولمآ خيرًا ، ثم أفاق أبو بكر فقال : اقرأ علي ، فقرأ عليه ذكر عمر ، فكبر أبو بكر فقال : جزاك اللَّه عن الإسلام خيرًا ، ثم رفع أبو بكر يديه فقال : اللهم وليته بغير أمر نبيك ، ولم أرد بذلك إلا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به ، وقد حضر من أمري ما قد حضر ، فاجتهدت لهم الرأي فوليت عليهم خيرهم لهم ، وأقواهم عليهم ، وأحرصهم على رشدهم ، ولم أرد محاماة عمر ، فاجعله من خلفائك الراشدين ، يتبع هدى نبي الرحمة وهدى الصالحين بعده ، وأصلح له رعيته ، وكتب هذا العهد إلى الشام إلى المسلمين إلى أمراء الأجناد أن قد وليت عليكم خيركم ولم آل لنفسي ولا للمسلمين خيرًا . وأوصى أن تغسله أسماء بنت عميس ، ثم نادى عمر بْن الخطاب فقال له : إني مستخلفك على أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يا عمر ! إن لله حقًا في الليل لا يقبل في النهار ، وحقًا في النهار لا يقبله في الليل ، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة ، يا عمر ! إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه غير الحق أن يكون ثقيلا ، يا عمر ! إنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل ، وحق لميزان لا يوضع فيه غير الباطل أن يكون خفيفًا ، يا عمر ! إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة ، وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبًا راهبًا ، فلا ترغب رغبة فتتمنى على اللَّه فيها ما ليس لك ، ولا ترهب رهبة تلقى فيها يديك ، يا عمر ! إنما ذكر اللَّه أهل النار بأسوأ أعمالهم ردًا عليهم ما كان من خير ، فإذا ذكرتهم قلت : لأرجو أن لا أكون منهم ، وإنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان من سيء ، فإذا ذكرتهم قلت : أي عمل من أعمالهم أعمل ، فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من الحاضر من الموت ، ولست بمعجزه . وتوفي أبو بكر رضي اللَّه عنه ليلة الإثنين لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة ، وله يوم مات اثنتان وستون سنة ، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنان وعشرون يومًا ، وكان مرضه خمس عشرة ليلة ، وغسلته أسماء بنت عميس ، وكفن في ثلاثة أثواب ، ونزل في قبره عمر بْن الخطاب ، وعثمان بْن عفان ، وطلحة بْن عبيد اللَّه ، وعبد الرحمن بْن أبي بكر ، ودفن ليلا بجنب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأراد ابن عمر أن ينزل قبر أبي بكر مع أبيه فقال له عمر : قد كفيت . وكان أبو قحافة بمكة فسمع الهائعة فقال : ما هذا ؟ فقيل : مات ابنك ، فقال : رزء جليل ، فإلى من عهد ؟ قالوا : لعمر ، قال : صاحبه ، وورثه أبو قحافة السدس ، وكان من عمال أبي بكر يوم توفي عتاب بْن أسيد على مكة ، وعثمان بْن أبي العاص على الطائف ، والعلاء بْن الحضرمي على البحرين ، ويعلى بْن أمية على خولان ، ومهاجر بْن أبي أمية على صنعاء ، وزياد بْن لبيد على حضرموت ، وعمرو بْن العاص على فلسطين ، وعلى الشام أربعة نفر من الأجناد : خالد بْن الوليد ، وأبو عبيدة بْن الجراح ، وشرحبيل ابن حسنة ، ويزيد بْن أبي سفيان ، ومات أبو كبشة مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في اليوم الذي دفن فيه أبا بكر . ثم قام عمر بْن الخطاب في الناس خطيبًا وهي أول خطبة خطبها بعدما استخلف ، فحمد اللَّه وأثني عليه بما هو أهله ثم قال : أيها الناس ! إني لا أعلمكم من نسي شيئًا تجهلونه ، أنا عمر بْن الخطاب وقد علمتهم من هيئتي وشأني ، وإن بلاء اللَّه عندي في الأمور كلها حسن ، وقد فارقني رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عني راض بحمد اللَّه ، لم يجد علي في شيء من خلقي وأنا أسعد الناس بذلك إن شاء اللَّه ، وقمت لخليفته من بعده بحق الطاعة وأحسنت له المؤازرة ، ولم أحرص على القيام عليكم كالذي حرص علي ، ولكن خليفتكم المتوفي أوصى إلي بالخلافة عليكم برضى منكم ، وآلوه الهمة ، ذلكم وإياكم ، ولولا الذي أرجو أن يأجرني اللَّه في قيامي عليكم لم أقم عليكم ولنحيته عن نفسي ووليته غيري ، وقد كنت أرى فيكم أمورًا على عهد نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كدت أكرها ، ويسوءني منكم ، فقد رأيتم تشددي فيها ، والأمر الذي أمر به من فوقي ، أريد طاعة اللَّه وإقامة الدين فأطعتكم ، قد علمتهم ، أو من علم ذلك منكم ، أني قد كنت أفعل ذلك وليس لي عليكم من سلطان وأكن أهن في شيء منه ، وقد ولاني اللَّه اليوم أمركم ، ولقد علمت أني أنفع بحضرتكم لكم . فإني أسأل ربي أن يعينني عليه وأن يحرسني عندما بقي كما حرسني عند غيره ، وأن يلقنني العقل في قسمكم كالذي أمر به ، ثم إني مسلم وعبد من عبيده ضعيف إلا ما أعان اللَّه ، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء اللَّه ، وإنما العظمة لله ليس للعباد منها شيء ، فلا يقولن أحد منكم : إن عمر بْن الخطاب تغير لما ولي أمر المسلمين ، فمن ظلمته مظلمة فإني أعطيه الحق من نفسي وأتقدم عليكم وأبين لكم أمري . أيما رجل كانت له حاجة إلى أمير المؤمنين أو ظلم بمظلمة أو عتب علينا من حق فليؤذني ، فإنما أنا امرؤ منكم ، ولم يحملني سلطاني الذي أنا عليه أن أتعظم عليكم ، وأغلق بابي دونكم ، وأترك مظالمكم بينكم ، وإذا منع اللَّه أهل الفاقة منكم اليوم شيئًا . . بعد اليوم فإنما هو فيء اللَّه الذي أفاءه عليكم ، لست وإن كنت أمير المؤمنين . . . ولن أخفي إبقاء ، إن كان بيني وبين أحد منكم خصومة أقاضيه إلى أحدكم ثم أقنع بالذي يقضي بيننا فأعلموا ذاك ، وإنكم قوم مسلمون على شريعة الإسلام ، ثم عليكم بتقوي اللَّه في سركم وعلانيتكم وحرماتكم التي حرم اللَّه عليكم من دمائكم وأموالكم وأعراضكم ، وأعطوا الحق من أنفسكم ، ولا يحملن بعضكم بعضا إلى أن يوقع إلى السلطان شأنه ، فليستعد بي فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة ، من منع من نفسه حقا واجبًا عليه أو استحل من دماء المسلمين وأعراضهم وأبشارهم فأنا أقتص منه وإن كان يدلي إلى بقرابة قريبة ، ثم إنكم ، معشر العرب ، في كثير منكم جفاء في الدين وخرق في الأمور إلا من عصمه اللَّه برحمة ، وإني قد جعلت بسبيل أمانة عظيمة أنا مسئول عنها . وإنكم أيها الناس ! لن تغنوا عني من اللَّه شيئا ، وإني حثيث على صلاحكم ، عزيز على ما عنتم ، حريص على معافاتكم وإقامة أموركم ، وإنكم إناء من حصل في سبيل اللَّه ، عامتكم أهل بلد لا زرع فيها ولا ضرع إلا ما جاء اللَّه به إليه ، وإن اللَّه قد وعدكم كرامة كبيرة ودنيا بسيطة لكم ، وإني مسئول عن أمانتي وما أنا فيه ، ولا أستطيع ما بعد منها إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للشاهد والغائب ، ولست أجعل أمانتي والتوقير للمسلمين ، أولئك أحق بها ممن سواهم ؛ اللهم صل على مُحَمَّد عبدك ورسولك ، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته . ولما ورد كتاب أبي بكر الشام على أمراء الأجناد باستخلاف عمر بايعوه وأطاعوه ، ثم ساروا إلى فحل من أرض الأردن وقد اجتمع بها الروم والمسلمون عليهم الأمراء الأربعة وخالد بْن الوليد على مقدمة الناس ، فلما نزلت الروم بيسان بثقوا أنهارها وهي أرض سبخة فكانت وحلة فغشيها المسلمون ولم يعلموا بما فعلت الروم ، فزلقت فيها خيولهم ، ثم سلمهم اللَّه ، والتوقا هم والروم بفحل فاقتتلوا فهربت الروم ودخل المسلمون فحلا ، وانكشفت الروم إلى دمشق ، وغنم المسلمون غنائم كثيرة . وكتب خالد بْن الوليد إلى عمر أن الناس قد اجترءوا على الشراب ، فاستشار عمر أصحابه عليا وعثمان والزبير وسعدًا ، فقال علي : إذا شرب سكر ، وإذا شرب افترى ، وإذا افترى فعليه ثمانون ، فأثبت عمر الحد ثمانين . ثم كانت وقعة الجسر ، وذلك أن المثنى بْن حارثة الشيباني قدم على عمر بْن الخطاب من العراق وقال : يا أمير المؤمنين ! إنا بأرض فارس قد نلنا منهم واجترأنا عليهم ومعي من قومي جماعة ، فابعث معي ناسًا من المجاهدين والأنصار يجاهدون في سبيل اللَّه ، فقام عمر بْن الخطاب فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم دعا الناس إلى الجهاد ورغبهم فيه وقال : إنكم أيها الناس ! قد أصبحتم في دار غير مقام بالحجاز ، وقد وعدكم اللَّه على لسان نبيه كنوز كسرى وقيصر ، فسيروا إلى أرض فارس ، فسكت الناس لما ذكرت فارس ، فقام أبو عبيد بْن مسعود الثقفي فقال : يا أمير المؤمنين ! أنا أول من انتدب من الناس ، حتى اجتمعوا وأجمعوا على الميسر . ثم قال : يا أمير المؤمنين ! اجتمع الناس ، أمر عليهم رجلا من المهاجرين أو من الأنصار ، فقال : لا أومر عليهم إلا أوائل من انتدب منهم ، فأمر أبا عبيد فقال : إنه لم يمنعني أن استعمل عليهم سليط بْن قيس إلا أنه رجل فيه عجلة إلى القتال ، فأخاف أن يوقع الناس موقعًا يهلككم ، فاستشره ؛ ثم سار أبو عبيد مع المثنى بْن حارثة الشيباني والمسلمون معهما حتى إذا انتهى إلى بلاد قومه قام معه ربيعة فسار بهم ، وسار أبو عبيد بالناس حتى نزلوا باليمن وفيها مصلحة الأعاجم ، فاقتتلوا بها قتالا شديدًا ، فانهزمت العجم . ثم بعث أبو عبيد بمن معه من المسلمين فالتقيا ، فاقتتلوا فهزم الجالنوس وأصحابه ، ودخل أبو عبيد باروسما حصنًا لهم ، ونزل هو وأصحابه فيه . ثم بعث الأعاجم ذا الحاجب وكان رئيس الأعاجم رستم ، فلما بلغ أبا عبيد مسيرهم إليه انحاز بالناس حتى عبر الفرات في المروحة ، وأقبلت الأعاجم حتى نزلت خلف الفرات ، ثم إن أبا عبيد حلف ليقطعن إليهم الفرات ، فناشده سليط بْن قيس وقال : أنشدك اللَّه في المسلمين في تدخلهم هذا المدخل ! فإن العرب تفر وتكر ، فاجعل للناس مجالا ! فأبى أبو عبيد وقال : جبنت والله يا سليط ! قال : والله ما جبنت ، ولكن قد أشرت عليك بالرأي ، فاصنع بما بد لك ، فعمد أبو عبيد إلى الجسر الذي عقد له ابن صلوبا ، فعبر عليه المسلمون فلما التقوا شد عليهم الفيل ، فلما رأى أبو عبيد ما يصنع الفيل قال : هل لهذه الدابة من مقتل ؟ قالوا : نعم ، إذا قطع مشفرها ماتت ، فشد على الفيل فضرب مشفره فبرك عليه الفيل فقتله ، وهرب المسلمون منهزمين فسبقهم عَبْد اللَّه بْن مرثد الخعمي إلى الجسر فقطعه ، فقال له الناس : لم فعلت هذا ؟ قال : لتقاتلوا عن أميركم . ولما قتل أبو عبيد أخذ الراية المثنى بْن حارثة فانحازوا ورجعت الفرس ، ونزل المثنى به حارثة أليّس وتفرق الناس فلحقوا بالمدينة ، فأول من قدم المدينة بخبر الناس عَبْد اللَّه بْن حصين الخطمي ، فجزع المسلمون من المهاجرين والأنصار بالفرار ، وكان عمر يقول : لا تجزعوا ! أن فئتكم إنما انحزتم إلي . وكان ممن قتل بالجسر : أبو عبيد بْن مسعود الثقفي ، وابنه جبر بْن أبي عبيد ، وأسعد بْن سلامة ، وسلمة بْن أسلم بْن حريش ، والحارث بْن عدي بْن مالك ، والحارث بْن مسعود بْن عبدة ، ومسلم بْن أسلم ، وخزيمة بْن أوس ، وأنيس بْن أوس بْن عتيك بْن عامر ، وعمر بْن أبي اليسر ، وسلمة بْن قيس ، وزيد بز سراقة بْن كعب ، والمنذر بْن قيس ، وضمرة بْن غزية بْن عمرو ، وسهل بْن عتيك ، وثعلبة بْن عمرو بْن محصن ؛ وحج بالناس عمر بْن الخطاب السنة الرابعة عشرة . فلما دخلت السنة الرابعة عشر سار المسلمون إلى دمشق وخالد بْن الوليد على مقدمة الناس ، وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له باهان بدمشق ، فعزل عمر بْن الخطاب خالد بْن الوليد وأمر أبا عبيدة بْن الجراح على جميع الناس ، فاستحى أبو عبيدة أن يقري خالد الكتاب وقال : أصبر حتى يفتح اللَّه دمشق ، فاقتتلوا قتالا شديدًا وانهزم الروم وتحصنوا ، فرابطها المسلمون حتى فتحت صلحًا ، وأعطوا الجزية ، وكان قد أخذ الأبواب عنوة ، وجرى الصلح على يدي خالد ، وكتب الكتاب ، ولحق باهان بهرقل ، وكان ذلك في رجب ، ومدة حصاره دمشق ستة أشهر ؛ فلما فرغ المسلمون من دمشق أقرأ أبو عبيدة خالدًا الكتاب ، فانصراف خالد إلى المدينة ، وقد قيل : إن الصلح جرى على يدي أبي عبيدة . ثم خرج عمر على الناس فقال : إني وجدت من عبيد اللَّه ابني ريح شراب وإني سائل عنه ، فإن كان مسكرًا جلدته ، قال السائب بْن يزيد : فشهدته بعد ذلك يحده ، وكان الذي حده عَبْد الرحمن بْن عَبْد ، ثم ضرب أبا محجن الثقفي ، وربيعة بْن أمية بْن خلف المخزومي ، وحدهم في الخمر . ثم أمر عمر من كان بالبلدان التي افتتحت أن يصلوا فيها التراويح في شهر رمضان ، وصلى بالناس المدينة كذلك . ثم قدم جرير بْن عَبْد اللَّه البجلي من اليمن على عمر في ركب من بجلية فقال لهم عمر : إنكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق ، فسيروا إليهم وأنا أخرج لكم من كان منكم في قبائل العرب ، قالوا : نفعل يا أمير المؤمنين ! فأخرج إليهم قيسًا وكندة وعرينة ، وأمر عليهم جرير بن عَبْد اللَّه البجلي ، فسار بهم إلى الكوفة ، فلما بلغ قريبا من المثنى بْن الحارثة كتب له المثنى : أقبل إلي إنما أنت لي مدد ، فكتب إليه جرير : إني لست فاعلا إلا أن يأمرني بذلك أمير المؤمنين ، أنت أمير وأنا أمير . ثم سار جرير بنحو الجسر فلقيه مهران بْن باذان عند النخيلة فاقتتلوا قتالا شديدًا ، وشد المنذر بْن حسان على مهران فطعنه فوقع عن دابته ، واقتحم عليه جرير بْن عَبْد اللَّه فاحتز رأسه ، فاشتركا جميعًا في سلبه . ثم إن عمر بْن الخطاب أمر سعد بْن أبي وقاص على العراق ومعه ستة آلاف رجل ، وكتب إلى المثنى بْن حارثة وجرير بْن عَبْد اللَّه أن اجتمعا إلى سعد ، فسار سعد بالمسلمين ، وسار المنذر وجرير إليه ، حتى نزل سعد بشراف وشتا بها واجتمع إليه الناس ، وتزوج سعد امرأة المثنى سلمى بنت حفصة ؛ ثم حج بالناس عمر بْن الخطاب . فلما دخلت السنة الخامسة عشرة كان فيها وقعة اليرموك ، وذلك أن الروم سار بهم هرقل حتى أنطاكية ومعه من المستعربة لخم وجذام وبلقين وبلي وعاملة وغسان ، ومن معه من أهل أرمينية بشر كثير ، فأقام بأنطاكية ، وسار أبو عبيدة بْن الجراح في المسلمين إليهم في أربعة وعشرين ألفًا ، وكان الروم مائة ألف ، فالتقوا باليرموك فاقتتلوا قتالا شديدًا حتى كانت نساء قريش يضربن بالسيوف ، وكان أبو سفيان بْن حرب تحت راية ابنه يزيد ، فجعل ينادي في المعركة : يا نصر اللَّه اقترب ! حتى أنزل اللَّه نصره وهزم الروم ، فقتل من الروم ومن معه من أهل أرمينية والمستعربة سبعون ألفًا ، وقتل اللَّه الصقلار وباهان رئيسين لهم . ثم بعث أبو عبيدة بْن الجراح عياض بْن غنم في طلبهم ، فسلك الأعماق حتى بلغ ملطية ، فصالح أهلها على الجزية ، فسمع هرقل بذلك فبعث إلى ملطية فساق من فيها من المقاتلة وأمر بها فأحرقت . وكان ممن قتل باليرموك من المسلمين : عمرو بْن سعيد بْن العاص ، وأبان بْن سعيد بْن العاص ، وعبد اللَّه بْن سفيان بْن عَبْد الأسد ، وسعيد بْن الحارث بْن قيس . ولما حسر عن سعيد بْن أبي وقاص الشتاء سار بالمسلمين يريد القادسية ، وكتب إلى عمر بْن الخطاب رضي اللَّه عنه يستمد ، فبعث إليه عمر المغيرة بْن شعبة في أربعمائة رجل مددًا لسعد من المدينة ، وكتب إلى أبي عبيدة بْن الجراح أن أمد سعدًا بألف رجل من عندك ، ففعل أبو عبيدة ذلك وأمر عليهم عياض بْن غنم الفهري ، وسمع بذلك رستم ، فخرج بنفسه مع من عنده من الأعاجم يريد سعدًا ؛ وحج عمر بالناس . فلما كانت السنة السادسة عشرة أراد عمر بْن الخطاب أن يكتب التأريخ ، فاستشار أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، منهم من قال : من النبوة ، ومنهم من قال : من الهجرة ، ومنهم من قال : من الوفاة ، فأجمعوا على الهجرة ، وكتب التاريخ لسنة ست عشرة من الهجرة . فلما وصل إلى سعد بْن أبي وقاص المغيرة بْن شعبة سار بالمسلمين إلى رستم حتى نزل قادس قرية إلى جنب العذيب ، وأقبل رستم في ستين ألفًا من الجموع ممن أحصى في ديوانه سوى التبع والرقيق حتى نزل القادسية وبينهم وبين المسلمين جسر القادسية ، وسعد في منزله وجع قد خرج به قرح شديد ، فبعث رستم إلى سعد أن أبعث إلى رجلا جلدًا أكلمه ، فبعث إليه المغيرة بْن شعبة ، ففرق المغيرة رأسه أربع فرق ثم عقص شعره ولبس برديه ، وأقبل حتى انتهى إلى رستم من وراء الجسر مما يلي العراق والمسلمون من الناحية الأخرى مما يلي الحجاز . فلما دخل عليه المغيرة ، قال له رستم : إنكم معشر العرب ! كنتم أهل شقاء وجهد وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد ، فأكلتم من طعامنا ، وشربتم من شرابنا ، واستظللتم بظلالنا ، فذهبتم فدعوتم أصحابكم وجئتم تؤذوننا ، وإنما مثلكم مثل رجل له حائط من عنب فرأى فيه أثر ثعلب فقال : وما بثعلب واحد ! فانطلق ذلك الثعلب حتى دعا الثعالب كلها إلى ذلك الحائط ، فلما اجتمعن فيه جاء صاحب الحائط فرآهن ، فسد الحجر الذي دخلن منه ، ثم قتلهن جميعًا ، وأنا أعلم إنما حملكم على هذا ، معشر العراب ، الجهد الذي أصابكم ، فارجعوا عنا عامكم هذا ، فإنكم شغلتمونا عن عمارة بلادنا نحن نوقر لكم ركائبكم قمحا وتمرًا ونأمر لكم بكسوة فارجعوا عنا ، فقال المغيرة بْن شعبة : لا يذكر منا جهد إلا وقد كنا في مثله أو أشد ، أفضلنا في أنفسنا عيشًا الذي يقتل ابن عمه ويأخذ ماله فيأكله ، نأكل الميتة والدم والعظام ، فلم نزل على ذلك حتى بعث اللَّه فينا نبينا وأنزل عليه الكتاب ، فدعانا إلى اللَّه وإلى ما بعثه به ، فصدقه به منا مصدق وكذبه به منا مكذب ، فقاتل من صدقه من كذبه حتى دخلنا في دينه من بين موقن ومقهور حتى استبان لنا أنه صادق وأنه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأمرنا أن نقاتل من خالفنا ، وأخبرنا أنه من قتل منا على ذلك فله الجنة ، ومن عاش ملك وظهر على من خالفه ، ونحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله وبرسوله وتدخل في ديننا ، فإن فعلت كانت لك بلادك ، ولا يدخل عليك فيها إلا من أحببت ، وعليك الزكاة والخمس ، وإن أبيت ذلك فالجزية ، وإن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم اللَّه بينا وبينك . قَالَ له رستم : ما كنت أظن أن أعيش حتى أسمع هذا منكم معشر العرب ! لا أمسي غدًا حتى أفرغ منكم وأقتلكم كلكم ، ثم أمر بالمعبر أن يسكر فبات ليلته يسكر بالزرع والقصب والتراب حتى أصبح وقد تركه جسرًا ، وعبأ سعد بْن أبي وقاص الجيش ، فجعل خلاد بْن عرفطة على جماعة الناس ، وجعل على الميمنة جرير بْن عبد اللَّه البجلي ، وعلى الميسرة قيس بْن مكشوح المرادي ، وزحف إليهم رستم وزحف إليه المسلمون ، وكان سعد في الحصن ، معه أبو محجن الثقفي محبوس ، حبسه سعد في شرب الخمر ، فاقتتل المسلمون قتالا شديدًا والخيول تجول ، وكان مع سعد أم ولده فقال لها أبو محجن وسعد في رأس الحصن ينظر إلى الجيش كيف يقاتلون : أطلقيني ولك عهد اللَّه وميثاقه لئن لم أقتل لأرجعن إليك حتى تجعلي الحديد في رجلي ، فأطلقته وحملته على فرس لسعد بلقاء وخلت سبيله ، فجعل أبو محجن يشد على العدو ويكر وسعد ينظر فوق الحصن يعرف فرسه وينكره . وكان عمرو بن معد يكرب مع المسلمين فجعل يحرض الناس على القتال ويقول : يا معشر المسلمين ! كونوا أسودًا ، إن الفارسي تيس ، وكان في الأعلاج رجل لا يكاد يسقط له نشابة فقيل لعمرو بْن معد يكرب : يا أبا ثور ! اتق ذلك الفارسي فإنه لا تسقط له نشابة ، فقصد نحوه وجاءه الفارسي ورماه بنشابة ، فأصابت ترسه وحمل عليه عمرو فاعتنقه وذبحه ، فاستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب ويلمقا من ديباج ، وحمل رستم على المسلمين فقصده هلال بْن علقمة التميمي ، فرماه رستم بنشابة فأصاب قدمه فشكها إلى ركاب سرجه ، وحمل عليه هلال بْن علقمة فضربه فقتله وأحتز رأسه ، وولت الفرس واتبعتهم المسلمون يقتلونهم ، فلما رأى أبو محجن الهزيمة رجع إلى القصر وأدخل رجليه في قيده ، فلما نزل سعد من رأس الحصن رأى فرسه قد عرفت فعرف أنها قد ركبت ، فسأل أم ولده عن ذلك ، فأخبرته خبر أبي محجن فخلى سبيله ؛ ونهض سعد بالمسلمين خلفهم وانتهى الفرس إلى دير قرة فنزل عليهم سعد بالمسلمين ووافى عياض بْن غنم في مدده من أهل الشام وهم ألف رجل فأسهم له سعد ولأصحابه من المسلمين مما أصابوا بالقادسية ، وكان الناس قد أجبنوا سعدًا وقالوا : أجبنت عن محاربة الأعداء ، فاعتذر إلى الناس وأراهم ما به من القروح في فخذيه حتى سكت الناس . ثم انهزم الفرس من دير قرة إلى المدائن ، وحملوا ما معهم من الذهب والفضة والحرير والديباج والسلاح وخلوا ما سوى ذلك ، فبعث سعد خالد بْن عرفطة في طلبهم معه أصحابه ، وأردفه بعياض بْن غنم في أصحابه ، وجعل على مقدمة الناس هاشم بْن عتبة بْن أبي وقاص ، وعلى ميمنتهم جرير بْن عَبْد اللَّه البجلي ، وعلى ميسرتهم زهرة بْن حوية التميمي ، وتخلف عنهم بنفسه لما به من الوجع ، ثم أفاق سعد من وجعه وبرئ واتبع الناس بمن معه من المسلمين فأدركهم دون دجلة على بهرسير ، فطلبوا المخاضة فلم يهتدوا لها ، فقال علج من أهل المدائن لسعد : أنا أدلكم على مخاضة تدركونهم قبل أن يمنعوا السير ، فخرج بهم على مخاضة ، فكان أول من خاض المخاضة هاشم بْن عتبة بْن أبي وقاص في رجله ، فلما جاز تبعه خيله ، ثم أحاز عياض بْن غنم بخيله ، ثم تتابع الناس فخاضوا حتى جاوزوا ، ويقال : إن تلك المخاضة لم تعرف إلى الساعة ، فبلغ المسلمون إلى ساباط طويل مظلم ، وخشوا أن يكون فيه كمين للعدو فأخذوا يتجابنون ، فكان أول من دخله بجيشه هشام بْن عتبة بْن أبي وقاص ، فلما جاز لاح للناس بسيفه فعرفوا أنه ليس فيه شيء يخافونه ، ثم أجاز خالد بْن عرفطة بخيله ، ثم لحق سعد بالناس حتى انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من الفرس ، وكانت بها وقعة جلولاء وهز اللَّه الفرس وأصاب المسلمون بها من الغنائم أكثر مما أصابوا بالقادسية . وكتب سعد إلى عمر بْن الخطاب يخبر بفتح اللَّه على المسلمين ، فكتب إليه عمر أن قف مكانك ولا تطلب غير ذلك ، فكتب إليه سعد إنما هي سربة أدركناها والأرض بين أيدينا ، فكتب إليه عمر : أقم مكانك ولا تتبعهم ، وأعد للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد ، ولا تجعل بيني وبين المسلمين بحرًا ، فنزل سعد بالأنبار فاجتووها وأصابهم بها الحمى ، فكتب إلى عمر يخبره بذلك ، فكتب إلى سعد : أن لا يصلح العرب إلا حيث صلح البعير والشاء في منابت العشب ، فانظره فلاة إلى جنب بحر فأنزل المسلمين بها واجعلها دار هجرة ، فسار سعد حتى نزل بكويفة فلم يوافق الناس الكون بها من كثرة الذباب والحمى ، فبعث سعد بْن حنيف فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم ، فنزلها سعد بالناس وخط مسجدها ، واختط فيها للناس الخطط وكوّف الكوفة ، واستعمل سعد على المدائن رجلا من كندة يقال له شرحبيل بْن السمط . ثم كتب عمر إلى سعد : أن ابعث إلى أرض الهند ، يريد البصرة ، جندًا لينزلوها ؛ فبعث إليها سعد عتبة بْن غزوان في ثمانمائة رجل حتى نزلها ، وهو الذي بصر البصرة واختط المنازل وبنى مسجد الجامع بالقصب ، وكان فتح البصرة صلحًا . وافتتح عتبة بْن غزوان الأبلة والفرات وميسان ، ومن سبي ميسان والد الحسن ، وأرطبان جد ابن عون . ثم خرج عتبة حاجا ، وأمر المغيرة بْن شعبة أن يصلي بالناس إلى أن يرجع ، فحج ورجع ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى البصرة ، فأقر عمر المغيرة بْن شعبة على الصلاة ، وولد عَبْد الرحمن بْن أبي بكرة بالبصرة ، وهو أول مولود ولد بها . وخرج عمر بْن الخطاب ، وخلف عثمان بْن عفان على المدينة ، فلما قدم الشام نزل بالجابية فقام فيها خطيبا لهم ، ثم أراد عمر الرجوع إلى الحجاز ، فقال له رجل من اليهود : يا أمير المؤمنين ! لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح اللَّه عليك إيلياء ، فبينا عمر كذلك إذ نظر إلى كردوس خيل مقبل ، فلما دنوا من المسلمين سلوا السيوف ، فقال عمر : هم قوم يستأمنون فآمنوهم ، فأقبلوا وإذا هم أهل إيلياء فصالحوه على الجزية ، وفتحوها له ، وكتب لهم عمر كتاب عهد بذلك ، ورجم بالجابية امرأة أقرت على نفسها بالزنى . ثم رجع إلى المدينة ، ودون لهم الديوان ، وغرب أبا محجن الثقفي إلى باضع ، وتزوج عمر صفية بنت أبي عبيد على مهر أربعمائة درهم ، وحج بالناس عمر استخلف على المدينة زيد بْن ثابت . فلما دخلت السنة السابعة عشرة كتب عمر إلى البلدان بمواقيت الصلاة ، ووضع ما بين مكة والمدينة مياها للسابلة ، واتخذ دارا بالمدينة ، وجهل فيها الدقيق والسويق للمنقطع والضيف إذا نزل . وولى عمر المغيرة على البصرة فسار المغيرة إلى الأهواز فصالحوه على ألفي ألف درهم ، وثمانمائة ألف درهم ، ثم ارتدوا فغزاهم بعد ذلك أبو موسى الأشعري إلى أن افتتحها ، يقال : عنوة ، وقد قيل : صلحا . وبعث أبو عبيدة بْن الجراح عمرو بْن العاص إلى قنسرين فصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية ، وافتتح سائر أرض قيصر عنوة ، ويقال : إن في هذه السنة افتتح أبو موسى الأشعري الرهاء ، وسميساط صلحا . ثم أراد عمر الخروج إلى الشام فخرج حتى إذا بلغ سرغ لقيه أمراء الأجناد : أبو عبيدة بْن الجراح ، ويزيد بْن أبي سفيان ، وشرحبيل بْن حسنة ، وأخبروه أن الأرض وبية ، فقال عمر لابن عباس : اجمع إلى المهاجرين الأولين فجمعهم له ، واستشارهم فاختلفوا عليه ، فمنهم القائل خرجت لوجه تريد فيه اللَّه والدار الآخرة ، ولا نرى أن نصدك عنه . ومنهم من يقول : لا نرى أن تقدم عليه ، وتقدم الناس ؛ فلما اختلفوا عليه قال : قوموا عني ، ثم جمع الأنصار ، واستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين ، فلما اختلفوا عليه ، قال : قوموا عني ، ثم جمع مهاجرة الفتح ، فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان قالوا جميعا : ارجع بالناس ! فإنه بلاء وفناء ، فقال عمر لابن عباس : أخبر الناس أن أمير المؤمنين يقول : إني مصبح على ظهر ، فأصبحوا عليه ؛ فأصبح عمر على ظهر ، وأصبح الناس عليه فقال : أيها الناس ! إني راجع فارجعوا ، فقال له أبو عبيدة بْن الجراح : يا أمير المؤمنين ! أفرارا من قدر اللَّه ؟ قال : نعم ، نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه ، لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ، أرأيت لو أن رجلا هبط واديا له عدوتان : إحداهما خصبة ، والأخرى جدبة ، أليس يرعى من يرعى الجدبة بقدر اللَّه ، ويرعى من يرعى الخصبة بقدر اللَّه ؟ ثم خلا به بناحية دون الناس ، فبينا الناس على ذلك إذ لحقهم عَبْد الرحمن بْن عوف ، وكان متخلفا ولم يشهد معهم يومهم بالأمس ، فقال : ما شأن الناس ؟ فأخبره الخبر ، فقال : عندي من هذا علم ، فقال عمر : ما عندك ؟ فقال : سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد ، فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه لا يخرجنكم إلا ذلك " ، فقال عمر : فلله الحمد فانصرفوا أيها الناس ! فانصرف بهم ، ورجع أمراء الأجناد إلى أعمالهم . ثم اعتمر عمر في رجب ، وأمر بتوسيع المسجد ، وتجديد أنصاب الحرم ، وتزوج بمكة بنت حفص بْن المغيرة ، فأخبر أنها عاقر فطلقها قبل أن يدخل بها ، وأقام بمكة عشرين ليلة ، ورجع إلى المدينة . وبعث أبو عبيدة خالد بْن الوليد فغلب على أرض البقاع فصالحه أهل بعلبك ، ثم خرج أبو عبيدة يريد حمص ، وقدم خالدا أمامه ، فقاتلوا قتالا شديدا ، ثم هزمت الروم حتى دخلوا مدينتهم فحاصرهم المسلمون ، فسألوه الصلح عن أموالهم وأنفسهم وكنائسهم ، فصالح المسلمون حمص على مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار ، وأخذ سائر مدائن حمص عنوة . وبعد موت عتبة بْن غزوان والي البصرة ، أمر عمر على البصرة أبا موسى الأشعري ، وكان المغيرة على الصلاة بها فشهد أبو بكرة ، وشبل بْن معبد البجلي ، ونافع بْن كلدة ، وزياد على المغيرة بما شهدوا ؛ فبعث عمر إلى أبي موسى الأشعري أن أشخص إلي المغيرة ففعل ذلك أبو موسى . ثم تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بْن أبي طالب ، وهي من فاطمة ، ودخل بها في شهر ذي القعدة ، ثم حج واستخلف على المدينة زيد بْن ثابت . فلما دخلت السنة الثامنة عشرة أصاب الناس مجاعة شديدة فاستسقى لهم عمر وأخذ يد العباس وقال : اللهم إنا نستسقي بعم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فما زال العباس قائما إلى جنبه وعيناه تهملان ، وعمر يلح في الدعاء حتى سقوا ؛ فسميت هذه السنة سنة الرمادة ، وأجرى عمر الأقوات على المسلمين ، وكان يرزق الضعفاء القوت ، ونهى عن الحكرة حاطبا وغيره . وكان طاعون عمواس ، فتفانى الناس فيه ، فكتب عمر إلى أبي عبيدة : إنك أنزلت الناس أرضا عميقة ، فارفعهم إلى أرض مرتفعة ، فسار أبو عبيدة بالناس حتى نزل بالجابية ، ثم قام أبو عبيدة خطيبا ، فقال : أيها الناس ! إن هذا الوجع رحمة ربكم ، ودعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم ، وإن أبا عبيدة يسأل اللَّه أن يقسم له منه حظه ، فمات من يومه ، واستخلف على الناس معاذ بْن جبل فقام معاذ خطيبا بعده فقال : أيها الناس ! إن هذا الوجع رحمة ربكم ، ودعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم ، إن معاذا يسأل اللَّه أن يقسم له حظه ثم لأهل بيته ، فطعن ابنه عَبْد الرحمن بْن معاذ فمات ، ثم طعن معاذ في راحته فكان يقبل ظهر كفه ، وكان يقول : ما أحب أن لي بما فيك من الدنيا شيئا ، ثم مات واستخلف على الناس عمرو بْن العاص فقام فيهم خطيبا ، فقال : أيها الناس ! إن هذا الوجع إذا وقع يشتعل اشتعال النار ، فارتفعوا عنه في الجبال . فمات في طاعون عمواس يزيد بْن أبي سفيان ، والحارث بْن هشام بْن المغيرة ، وسهيل بْن عمرو ، وعتبة بْن سهيل . فلما بلغ عمر بْن الخطاب موت أبي عبيدة بْن الجراح ، ويزيد بْن أبي سفيان أمر معاوية بْن أبي سفيان على جند دمشق وخراجها ، وأمر شرحبيل ابْن حسنة على جند الأردن ، وخراجها ، وغرّب عمر بْن ربيعة بْن أمية إلى خيبر ، ولحق بأرض الروم وتنصر ، فلم يغرب عمر بعد ذلك في رجلا شيء من عمله . ولاعن عمر بين رجل وامرأته ، ورجم ساحرا بالبقيع ، ثم حج عمر بالناس ، فلما قدم بمكة أخر المقام مقام إبراهيم ، وكان ملصقا بالبيت ، في موضعه الذي هو فيه اليوم ، ورجع إلى المدينة . فلما دخلت السنة التاسعة عشرة كتب عمر إلى سعد بْن أبي وقاص أن ابعث من عندك جندا إلى الجزيرة ، وأمر عليهم أحد الثلاثة : خالد بْن عرفطة ، أو هاشم بْن عتبة بْن أبي وقاص ، أو عياض بْن غنم ؛ فلما قرأ سعد الكتاب قال : لم يؤخر أمير المؤمنين عياض بْن غنم آخر الثلاثة ؟ إلا أن له فيه هوى فولاه جيشا ، وبعث معه عمر بْن سعد وعثمان بْن أبي العاص ، فخرج عياض بْن غنم إلى الجزيرة ونزل بجنده على الرهاء ، وصالح أهلها على الجزيرة ، وصالحت حرّان حين صالحه الرهاء ، ووجه عياض عمر بْن سعد إلى رأس العين ، وسار بنفسه في بقية الناس إلى دارا ونصيبين ، فنزل عليهما حتى افتتحهما ، ثم افتتح الموصل ، صالحه عليها أهلها . وزاد عمر في مسجد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، زاد فيه من ناحية دار مروان ، وأدخل فيه دار العباس ، وسوى أعمدته ، وسقفه . وبعث سعد جرير بْن عَبْد اللَّه البجلي إلى حلوان فافتتحها عنوة ، وافتتح هاشم بْن عتبة ماسبذان عنوة . وفي هذه السنة فتح أبو موسى جنديسابور والسوس صلحا ، ثم أمر عمر أبا موسى بجرير بْن عَبْد اللَّه فافتتحوا رامهرمز صلحا ، ثم سار أبو موسى إلى التستر حتى فتحها ، وافتتح قم وقاشان . ثم افتتح معاوية بْن أبي سفيان قيسارية ، والرملة وما بينهما ، فأقره عمر عليهما ؛ وحج بالناس عمر ، وفي هذه السنة افتتحت تكريت . فلما دخلت سنة عشرين رجفت المدينة بالزلزلة . وشكى أهل الكوفة سعدا ، وزعموا أنه لا يحسن يصلي ، فاستقدمه عمر وسأله ، فقال : إني أركن في الأوليين ، وأحذف في الآخرتين ، فقال : كذاك الظن فيك يا أبا إسحاق . ثم عزل عمر قدامة بْن مظعون عن البحرين ، ودخل أبو بحرية الكندي عَبْد اللَّه بْن قيس بلاد الروم وأغار ، وهو أول من دخلها ، وافتتح مصر والإسكندرية عمرو بْن العاص عنوة ، وقد فتحت سنة إحدى وعشرين ، وغنم بها غنائم كثيرة ، ثم رجع ، فلما بلغ بلهيب ، قرية من قرى الريف ، أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بْن العاص أني قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم : فارس والروم ، فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علي من السبي فعلت ، فبعث إليه عمرو بْن العاص إن من ورائي أميرا لا أستطيع أن أنفذ أمرا دونه ، فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عني حتى أكتب إليه بالذي عرضت علي فعلت ، فإن قبل ذلك قبلته ، وإن أمرني بغير ذلك مضيت لأمره ، فقال : نعم ؛ فكتب عمرو إلى عمر ، فكتب إليه عمر : أما بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أن صاحب الإسكندرية عرض عليك الجزية على أن ترد عليه ما أصبت من سبي أرضه ، ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلي من فيئ يقسم ثم كأنه لم يكن ، فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية على أن تخيروا من في أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومهم ، فمن اختار الإسلام فهو من المسلمين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه ، وأما من تفرق من سبيهم فبلغ المدينة ومكة واليمن ، فإنا لا نقدر على ردهم ، فلا نحب أن نصالحهم على ما لا نفي به . فبعث عمرو بْن العاص إلى صاحب الإسكندرية يعلمه بالذي كتب أمير المؤمنين ، فقال : قد قبلت ؛ فجمعوا ما بأيديهم من السبي ، واجتمعت النصارى ، فكانوا يخيرون الرجل بين الإسلام والنصرانية ، فإن اختار الإسلام كبر المسلمون وانحاز إليهم ، وإن اختار النصرانية نخرت النصارى ثم حازوه إليهم ، ووضعوا عليهم الجزية . ثم كتب عمرو بْن العاص إلى عمر : أما بعد يا أمير المؤمنين ! فإنا قدرنا على البحر ، وإن شئت أن تركبه ركبت . فكتب إليه عمر : أن صف لي كيف حاله وحال من ركبه ؟ فكتب إليه عمرو بْن العاص : أنه خلق شديد يحل فيه خلق ضعيف ، دود على عود ، إن استمسك به فزع ، وإن خر غرق . فكتب إلى عمرو بْن العاص : ما كان اللَّه ليسألني عن أمري من المسلمين الذين حملتهم فيه ، لا حاجة لنا به . وتوفي بلال بْن رباح مؤذن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدمشق ، ودفن في المقبرة عند باب الصغير ؛ ثم أخرج عمر يهود الحجاز من نجران إلى الكوفة ، وقال : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " لئن عشت لأخرجن اليهود من جزيرة العرب " ، ثم قال لهم : من كان له منكم عهد من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فليأت بعهده حتى ننفذه ، ومن لم يكن له عهد فإني أجليه ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " أقركم ما أقركم اللَّه ، وقد أذن اللَّه بإجلائكم " ، إلا أن يأتي رجل منكم بعهد أو بينة من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أقره فأقره ، وقد فعلتم بمظهر بْن رافع الحارثي ما فعلتم ؛ وذلك أن مظهر بْن رافع خرج بأعلاج له من الشام حتى إذا كان بخيبر دخل قوم من اليهود ، وأعطوا غلمانه السلاح ، وحرضوهم على قتله فقتلوه ، فأجلى عمر اليهود من الحجاز ، وقسم خيبر على ثمانية عشر سهما . ثم بعث إلى فدك أبا حبيبة الحارثي ، ومضى إلى وادي القرى ، وأنفذ ظعن خيبر ، ووادي القرى على ما كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سماها ، إلا أنه فرقها وصارت في أيدي أهلها تباع وتورث ، بدأ بأزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففرض لكل امرأة منهن اثني عشر ألفا ، وفرض لأهل بدر صبيهم وحليفهم ومولاهم خمسة آلاف خمسة آلاف ، وفرض للأنصار صبيهم وحليفهم ومولاهم أربعة آلاف أربعة آلاف . ثم مات أسيد بْن حضير في شعبان ، ودفن بالبقيع . ومات هرقل ملك الروم ، وأقعد مكانه قسطنطين ؛ ثم أغارت الحبشة على أهل بلجة فأصابوهم ، وقدم الصريخ على عمر ، فبعث علقمة بْن مجزز المدلجي في عشرين مركبا إلى الحبشة ، فأغاروا عليهم ؛ ولم يحمل بعدها مسلما في البحر . ثم عزل عمر أبا موسى عن البصرة ، وولاها عثمان بْن أبي العاص وأمرهما أن يطاوعا ، فنزل عثمان توج ومصرها ، وبعث سوار بْن همام العبدي إلى سابور فقتل بعقبة الطين . ثم ماتت زينب بنت جحش زوجة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسأل عمر : من يغسلها ؟ فقالت أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نحن نغسلها ، فغسلناها وصلى عليها عمر ، وكبر أربعا ، فلما أتى بسريرها أمر عمر بثوب فمد على قبرها ، وأمر أسامة بْن زيد ، وابن أخيها مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن جحش ، ومحمد بْن طلحة بْن عبيد اللَّه فدخلوا قبرها ولحدوا لها ، وقام عمر على قبرها حتى سوى عليها ، ورش على قبرها الماء ثم انصرف . وحج عمر بالناس . فلما دخلت السنة الحادية والعشرون مات خالد بْن الوليد بحمص ، وأوصى إلى عمر بْن الخطاب . ثم كان فتح نهاوند وأميرها النعمان بْن مقرن ، وذلك أن أهل الري ، وأصبهان ، وهمذان ، ونهاوند تعاقدوا وتعاهدوا ، وقالوا : إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نبي العرب الذي أقام لها دينها مات ، وإن ملكهم من بعده ملك يسيرا ، يعني أبا بكر ، ثم هلك ، وإن عمر قد طال ملكه ومكثه وتأخر أمره حتى جيش إليكم الجيوش في بلادكم ، وليس بمنقطع عنكم حتى تسيروا إليهم في بلادهم فتقتلوهم ، فلما بلغ الخبر أهل الكوفة من المسلمين كتبوا إلى عمر ، فلما أخذ عمر الصحيفة مشى بها إلى منبر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو باك ، وجعل ينادي : أين المسلمون ؟ أين المهاجرون والأنصار ؟ من ههنا من المسلمين ؟ فلم يزل ينادي حتى امتلأ عليه المسجد رجالا ، ثم صعد المنبر فحمد اللَّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد أيها الناس ! فإن الشيطان قد جمع لكم جموعا كثيرة ، وأقبل بها عليكم ، ألا وإن أهل الري وأصبهان ، وأهل همذان ، وأهل نهاوند أمم مختلفة ألوانها ، وأديانها ، ألا وإنهم تعاقدوا وتعاهدوا على أن يسيروا إليكم فيقتلوكم ، ألا وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام ، ألا فأشيروا علي برأيكم ، فقام طلحة بْن عبيد اللَّه فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد يا أمير المؤمنين ! فقد حنكتك البلايا ، وعجمتك التجارب ، وقد ابتليت يا أمير المؤمنين واختبرت ، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء اللَّه لك إلا عن خيار ، وأنت يا أمير المؤمنين ميمون النقيبة ، مبارك الأمر ، فمرنا نطع ، وادعنا نجب ، واحملنا نركب ، فأثنى عمر على طلحة خيرا ، ثم جلس . فقام عثمان بْن عفان فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ! إني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيسيرون إليك من شامهم ، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيرون من يمنهم ، وتسير أنت بمن معك من أهل هذين الحرمين إلى هذين المصرين ، فإنك لو فعلت ذلك كنت أنت الأعز والأكبر ، وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام ، وأثنى عليه عمر فجلس ، فقام علي بْن أبي طالب فحمد اللَّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد يا أمير المؤمنين ! فإنك إن تكتب إلى أهل الشام أن يسيروا إليك من شامهم ، إذًا تسير الروم إلى ذراريهم فتسبيهم ، وإن تكتب إلى أهل اليمن أن يسيروا إليك من يمنهم ، إذًا تسير الحبشة إلى ذراريهم فتسبيهم ، وإن سرت أنت بمن معك من أهل هذين الحرمين إلى هذين المصرين إذًا والله انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأكنافها ، وكان والله يا أمير المؤمنين من تخلف وراءك من العورات والعيالات أهم إليك مما بين يديك من العجم ، والله يا أمير المؤمنين ! لو أن العجم نظروا إليك عيانا ، إذًا لقالوا : هذا عمر هذا إريس العرب ، وكان والله أشد لحربهم وجرأتهم عليك ، وأما ما كرهت من مسير هؤلاء القوم ، فإن اللَّه أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما كره ، وأما ما ذكرت من كثرتهم ، فإنا كنا ما نقاتل مع نبينا بالكثرة ، ولكنا نقاتل معه بالنصرة من السماء ، وأنا أرى يا أمير المؤمنين رأيا من تلقاء نفسي ، رأيي أن تكتب إلى أهل البصرة ، فيفترقوا على ثلاث فرق : فرقة تقيم في أهل عهودهم بأن لا ينتقضوا عليهم ، وفرقة تقيم من ورائهم في ذراريهم ، وفرقة تسير إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم ؛ فطبق عمر ، ثم أهل مكبرا يقول : اللَّه أكبر اللَّه أكبر ! هذا رأي هذا رأي ، كنت أحب أن أتابع صدق ابْن أبي طالب ، لو خرجت بنفسي لنقضت على الأرض من أقطارها ، ولو أن العجم نظروا إلي عيانا ما زالوا عن العرص حتى يقتلوني أو أقتلهم ، أشر علي يا علي بْن أبي طالب برجل أوليه هذا الأمر ، قال : ما لي ولهم ! هم أهل العراق وفدوا عليك ، ورأوك ، ورأيتهم ، وتوسمتهم ، وأنت أعلمنا بهم ، قال عمر : إن شاء اللَّه لأولين الراية غدا رجلا يكون لأول أسنة يلقاها ، وهو النعمان بْن مقرن المزني ؛ ثم دعا عمر السائب بْن الأقرع الكندي فقال : يا سائب ! أنت حفيظ على الغنائم بأن تقاسمها ، فإن اللَّه أغنم هذا الجيش شيئا فلا تمنعوا أحدا حقا هو له ، ثكلتك أمك يا سائب ! وإن هذا الجيش هلك فاذهب عني في عرض الأرض ، فلا أنظر إليك بواحدة ، فإنك تجيئني بذكر هذا الجيش ، كلما رأيتك . ثم كتب إلى أهل الكوفة : سلام عليكم ، أما بعد فقد استعملت عليكم النعمان بْن مقرن المزني ، فإن قتل النعمان ، فعليكم حذيفة بْن اليمان العبسي ، فإن قتل حذيفة فعليكم عَبْد اللَّه بْن قيس الأشعري أبو موسى ، فإن قتل أبو موسى فعليكم جرير بْن عَبْد اللَّه البجلي ، فإن قتل جرير فعليكم المغيرة بْن شعبة الثقفي ، فإن قتل المغيرة فعليكم الأشعث بْن قيس الكندي . ثم كتب عمر إلى النعمان بْن مقرن : فإن في جندك رجلين : عمرو بْن معد يكرب المدحجي ، وطليحة بْن خويلد الأسدي ؛ فأحضرهما وشاورهما في الحرب ، وإياك أن توليهما عملا ، فإن كل صانع أعلم بصناعته . فلما ورد عليه الكتاب سار بالناس ، فالتقى المسلمون والمشركون بنهاوند ، فأقبل المشركون يحمون أنفسهم وخيولهم ثلاثا ، ثم نهض إليهم المسلمون يوم الأربعاء ، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى ، وفشت الجرحى والصرعى في الفريقين جميعا ، ثم حجز بينهما الليل ، ورجع الفريقان إلى عسكريهما ، وبات المسلمون ولهم أنين من الجراحات ، يعصبون بالخرق ويبكون حول مصاحفهم ، وبات المشركون في معازفهم وخمورهم . ثم غدوا يوم الخميس فاقتتل المشركون وقاتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى ، وفشت الجرحى في الفريقين جميعا ، ثم حجز بينهما الليل ، ورجع الفريقان إلى عسكريهما ، وبات المسلمون لهم أنين من الجراحات يعصبون بالخرق ويبكون حول مصاحفهم ، وبات المشركون في معازفهم وخمورهم . ثم غدا النعمان بْن مقرن يوم الجمعة ، وكان رجلا قصيرا أبيض ، على برذون أبيض ، قد أعلم بالبياض فجعل يأتي راية راية يحرضهم على القتال ويقول : اللَّه اللَّه في الإسلام أن تخذلوه ، فإنكم باب بين المسلمين وبين المشركين ، فإن كسر هذا الباب دخلوا على المسلمين ، يا أيها الناس ! إني هازّ لكم الراية مرة فليتعاهد الرجل الخيل في حزمها وأعنتها ، ألا ! وإني هازّ لكم الثانية فلينظر كل رجل منكم إلى موقف فرسه ، ومضرب رمحه ، ووجه مقاتله ، ألا ! وإني هاز لكم الثالثة ومكبر ، فكبروا اللَّه واذكروه ، ومستنصر ، فاستنصروه ، ألا ! فحامل ، فاحملوا . فقال رجل : قد سمعنا مقالتك ، وحفظنا وصيتك ، فأخبرنا بأي النهار يكون ذلك حتى يكونوا على آلة وعدة ، قال النعمان : ليس يمنعني أن يكون ذلك من أول النهار إلا شيء شهدته من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كان إذا غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل بالقتال حتى تزول الشمس ، وتهب الرياح ، ويطيب القتال ، وتحضر الصلاة ، وينزل النصر من السماء مع مواقيت الصلاة في الأرض ؛ فمكث المسلمون ينظرون إلى الراية ، ويراعونها حتى إذا زالت الشنس عن كبد السماء ، هز النعمان الراية هزة ، فانتزعوا المخالي عن الخيول ، وقرطوها الأعنة ، وأخذوا أسيافهم بأيمانهم ، والأترسة بشمائلهم ، وصلى كل رجل منهم ركعتين يبادر بهما . ثم هز النعمان الراية ثانيا ، فوضع كل رجل منهم رمحه بين أذني فرسه ، ولزمت الرجال منهم نحور الخيل ، وجعل كل رجل يقول لصاحبه : أي فلان ! تنح عني لأوطئك بفرسي ، إني أرى وجه مقاتلي ، إني غير راجع إن شاء اللَّه حتى أقتل أو يفتح اللَّه علي ، ثم هز الثالثة فكبر ، فجعل الناس يكبرون الأول فالأول الأدنى فالأدنى ، وقذف اللَّه الرعب في قلوب المشركين حتى أن أرجلهم كانت تخفق في الركب ، فلم يستطع منهم أحد أن يوتر قوسه ، ثم ولوا مدبرين . وحمل النعمان ، وحمل الناس ، فكان النعمان أول قتيل قتل من المسلمين جاءه سهم فقتله ، فجاء أخوه معقل بْن مقرن فغطى عليه بردا له ، ثم أخذ الراية ، وإنها لتنضح دما من دماء من قتله بها النعمان قبل أن يقتل ، فهزم اللَّه المشركين وفتح على المسلمين ، وبايع الناس لحذيفة بْن اليمان ، فجمع السائب بْن الأقرع الغنائم كأنها الآكام ، فجاءه دهقان من دهاقينهم فقال : هل لك أن تؤمنني على دمي ودم أهل بيتي ودم كل ذي رحم لي وأدلك على كنز عظيم ؟ قال : نعم ، قال : خذوا المكاتل والمعاول فامشوا ، فمشوا معه حتى انتهى إلى مكان ، قال : احفروا ، فحفروا فإذا هم بصخرة ، قال : اقلعوها ، فقلعوا فإذا هم بسفطين من فصوص يضيء ضوءها كأنها شهب تتلألأ ، فأعطى السائب كل ذي حق حقه من الغنائم ، وحمل السفطين حتى قدم بهما على عمر ؛ فلما نظر عمر إلى السائب ولى باكيا ، ثم أقبل يقول يا سائب ! ويحك ! ما وراءك ؟ ما فعلت ؟ ما فعل المسلمون ؟ قال السائب : خير يا أمير المؤمنين ! هزم اللَّه المشركين وفتح للمسلمين ، قال : ويحك يا سائب ! والله ما أتت ليلة بعد ليلة بات فيها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبينا ميتا مثل البارحة ! لا والله ما بت البارحة إلا تقديرا ! فما فعل النعمان بْن مقرن ؟ قال : استشهد يا أمير المؤمنين ! فبكى عمر ، ثم قال : يرحم اللَّه النعمان ثلاثا ! ثم قال : مه ! قال : لا والذي أكرمك بالخلافة وساقها إليك ! ما قتل بعد النعمان أحد نعرفه ، فبكى عمر بكاء شديدا ، ثم قال : الضعفاء لكن اللَّه أكرمهم بالشهادة وساقها إليهم ، أدفنتم إخوانكم ؟ لعلكم غلبتم على أجسادهم ، وخليتم بين لحومهم والكلاب والسباع ، أخشى أن يكونوا أصيبوا بأرض مضيعة ، قال السائب : هون عليك يا أمير المؤمنين ! فقد أكرمهم اللَّه بالشهادة وساقها إليهم ، ثم قال عمر : أعطيت كل ذي حق حقه ، فقال : نعم ، فنفض عمر رداءه ، ثم ولى باكيا ، فأخذ السائب بطرف ردائه ثم قال : اجلس يا أمير المؤمنين ! فإن لي إليك حاجة ، قال : وما حاجتك ؟ ألم تخبرني أنك أعطيت كل ذي حق حقه ؟ قال : بلى ، قال : فما حاجتك إلي ؟ فأبدى له عن السفطين فصوصهما كأنها شهب تتلألأ ، فقال عمر : ما هذا ؟ فأخبره السائب خبر الدهقان ، فصعد فيها بصره وخفضه ، ثم قال : ادع لي عليا ، وعبد الرحمن بْن عوف ، وابن مسعود ، وعبد اللَّه بْن الأرقم ؛ فلما اجتمعوا عنده ، قال السائب : لم يكن لي هم إلا أن أنفلت من عمر ، فركبت راحلة لي وأتيت الكوفة ، فوالله ما جفت بردعة راحلتي حتى أتاني كتاب عمر : عزمت عليك إن كنت قاعدا لا قمت ، وإن كنت قائما لا قعدت إلا على راحلتك ، ثم العجل العجل ! فقلت للرسول : هل كان في الإسلام حدث ؟ قال : لا ، قلت : فما حاجته إلي ؟ قال : لا أدري ؛ فركبت راحلتي حتى أتيت عمر ، فلما نظر إلي أقبل على بدرته يضربني بها حتى سبقته إلى غيره وهو يقول ما لي ولك يابْن أم مليكة ، أعن ديني تفارقني أم النار توردني ؟ ، قلت : دعني عنك يا أمير المؤمنين ! لا تقتلني غما ، قال عمر : فإنك لما خرجت من عندي فأويت إلى فراشي جاءني ملائكة من عند ربي في جوف الليل ، فرموني بسفطين هذين ، فإذا حملتهما ، فإذا نار توقد على جنبي ، فجعلت أتأخر وجعلوا يدفعونني إليهما ، حتى تعاهدت ربي في هذا إن هو تركني حتى أصبح لأقسمن على من أفاء اللَّه عليه ، أخرج بهما من عندي ، لا حاجة لي بهما . . . . . بعها بعطية المقاتلة والذرية ، فإن لم تصب إلا عطية أحد الفريقين فبع ثم اقسمهما على من أفاء اللَّه عليه ، والله لئن شكا المسلمون قبل أن تقسم بينهم لأجعلنك نكالا لمن بعدك ؛ قال السائب : فخرجت بهما من عنده ، حتى قدمت الكوفة ، فأخرجتهما إلى الزحمة ، فأبديت عنهما فلاح ضوءهما كأنهما شهب تتلألأ ، فجعل لا يأتي عليهما قوم إلا صفقوا تعجبا منهما ، حتى أتاني عمرو بْن حريث ، فلما نظر إليهما استامني بهما ، فقلت : بعطية المقاتلة والذرية ، فما كلمني حتى صفق على يدي وأوجبت له البيع ، فخرج بهما إلى الحيرة فباع أحدهما بعطية المقاتلة والذرية ، واستفضل الآخر ربحا ، فكان أول شيء اعتقله بالكوفة مالا . ثم سار المغيرة بالمسلمين إلى مدينة أذربيجان فصالحه أهلها على ثمانمائة ألف درهم في كل سنة ، ثم غزا حذيفة بْن اليمان الدينور فافتتحها عنوة ، وكانت قبل ذلك فتحت لسعد فانتقضت ، ثم غزا حذيفة ماء سندان فافتتحها عنوة ، وكانت قبل ذلك فتح لسعد فانتقضت ، ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة . ثم ولى عمر عمار بْن ياسر الكوفة على الصلاة والحرب ، وعبد اللَّه بْن مسعود على بيت المال ، وعثمان بْن حنيف على مساحة الأرض ، فشكا أهل الكوفة عمارا وقالوا : رجل لا يعلم ، فاستعفى عمار ، ودعا عمر جبير بْن مطعم خاليا ليوليه الكوفة ، وقال له : لا تذكره لأحد ، فبلغ المغيرة بْن شعبة أن عمر قد خلا بجبير بْن مطعم ، فرجع إلى امرأته وقال لها : اذهبي إلى امرأة جبير بْن مطعم ، فاعرضي عليها متاع السفر ، فأتتها فعرضت عليها ، فاستعجمت عليها ، ثم قالت : ائتيني به ، فلما استيقن المغيرة بذلك جاء إلى عمر ، وقال : بارك اللَّه لك فيمن وليت ، وأخبره أنه ولى جبير بْن مطعم ، فقال عمر : لا أدرى ما أصنع فولى المغيرة بْن شعبة الكوفة ، فلم يزل عليها إلى أن مات عمر . ثم مضى عمرو بْن العاص إلى برقة طرابلس ففتحها ، وصالح أهل برقة على اثني عشر ألف دينار ، وبعث عقبة بْن نافع الفهري ، فافتتح لعمر زويلة بالصلح ، وكان بين برقة وزويلة صلح للمسلمين . وحج عمر بالناس ، واستخلف على المدينة زيد بْن ثابت . فلما دخلت السنة الثانية والعشرين فتح المغيرة بْن شعبة آذربيجان صلحا على ثمانمائة ألف درهم ، ودخل معاوية أرض الروم الصائفة في عشرة آلاف ، ثم اعتمر عمر وساق معه عشر بدنات ، ونحرها في منحر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومعه من الصحابة : عبادة بْن الصامت ، وأبو ذر ، وأبو أيوب ، وشداد بْن أوس ، وكان نافع بْن عَبْد الحارث عامله على مكة ، فتلقاه نافع ، فقال عمر : من خلفت على أهل الوادي ؟ فقال : ابن رجل من الموالي ، قال عمر : أمولى أيضا ؟ قال : يا أمير المؤمنين ! إنه قارئ للقرآن ، عالم بالفرائض ، فقال عمر : سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " إن اللَّه عز وجل يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع به آخرين " . فلما دخلت السنة الثالثة والعشرون ، فتح معاوية عسقلان صلحا ، وقد قيل : إن الذي فتح في هذه السنة فتحها قرظة بْن كعب الأنصاري لعمر ، ولا يصح عندي . ثم كان غزوة إصطخر الأولى ، وذلك أن عثمان بْن أبي العاص أقام يتوج ؛ وتوفي قتادة بْن النعمان الظفري فصلى عليه عمر ، ونزل حفرته أخوه لأمه أبو سعيد الخدري ، ومحمد بْن مسلمة ، والحارث بْن خزمة . ثم حج بالناس عمر ، وأذن لأزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحججن معه ، فبينا هو بالأبطح إذ أقبل راكب يسأل عن عمر فدل عليه ، فلما رآه بكى وجعل يقول : جزى اللَّه خيرا من أمير وباركت يد اللَّه في ذاك الأديم الممزق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها بوائج في أكمامها لم تفتق أبعد قتيل بالمدينة أظلمت له الأرض تهتز العضاه بأسوق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق فما كنت أخشى أن تكون وفاته بكفي سبنتي أزرق العين مطرق وكان جبير بْن مطعم يقول : بينا أنا واقف مع عمر بعرفات إذ قال رجل : يا خليفة اللَّه ! فقال رجل خلفي : قطع اللَّه لحيتك ! والله لا يقف أمير المؤمنين بعد هذا العام أبدا ، قال جبير : فالتفت فإذا هو رجل من لهب ، ولهب بطن من الأزد ، وبينا نحن نرمى الجمار ، وإذا رمى إنسان فأصاب رأس عمر فشجه ، فقال رجل خلفي : قطع اللَّه لحيتك ! ما أرى أمير المؤمنين إلا سيقتل ، قال جبير : فالتفت فإذا هو ذلك اللهبي . ثم رجع عمر من مكة إلى المدينة ، وقام في الناس ، فقال : إني رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرتين ، ولا أراه إلا لحضور أجلى . ثم خرج يوما إلى السوق وهو متكئ على يد عَبْد اللَّه بْن الزبير إذ لقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بْن شعبة ، فقال لعمر : ألا تكلم مولاي أن يضع عني من خراجي ؟ قال : وكم خراجك ؟ قال : دينار ، قال : ما أفعل ، إنك لعامل وإن هذا لشيء يسير ، ثم قال له عمر : ألا تعمل لي رحى ؟ قال : بلي ، فلما ولى عمر قال أبو لؤلؤة : أعمل لك رحى يتحدث بها من بين المشرق والمغرب ، قال ابن الزبير : فوقع في قلبي قوله ذلك . فلما كان وقت النداء بالفجر خرج عمر إلى الصلاة ، وذلك يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة ، واضطجع له أبو لؤلؤة ، فقام عمر فجعل يقول بين الصفوف : فاستووا استووا ، فلما كبر طعنه أبو لؤلؤة ثلاث طعنات في وتينه ، فقال عمر : قتلني الخبيث ! ثم أخذ بيد عَبْد الرحمن فقدمه فصلى عَبْد الرحمن بالناس الصبح ، وقرأ : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ، وَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ، ثم دخل عَبْد الرحمن على عمر ، وعنده علي ، وعثمان ، وسعد ، وابن عباس ، فقال : يا ابن عباس ! من قتلني ؟ قال : أبو لؤلؤة ، قال عمر : الحمد لله الذي لم يجعل موتى برجل يدعي الإسلام ، ثم سكت عمر كالمطرق ، فقالوا : ألا ننبه للصلاة ؟ فقيل : الصلاة يا أمير المؤمنين ! فقال : نعم ، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة . ثم صلى وجرحه يثعب دما ، ثم أقبل على علي فقال : اتق اللَّه يا علي إن وليت من أمور الناس شيئا ! فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس ، وأنت يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا ، فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ، وأنت يا زبير ، ويا سعد إن وليتما من أمر الناس ، فلا تحملن أقاربكما على رقاب الناس ، ثم قال : إني نظرت في أمر الناس ، فلم أر عندهم شقاقا إلا أن يكون فيكم ، وإن الأمر إلى الستة نفر : عثمان ، وعلي ، وعبد الرحمن ، وسعد ، وطلحة ، والزبير ، فتشاوروا ثلاثا ، وكان طلحة غائبا في مال له ، فقال عمر : إني مصرت لكم الأمصار ، ودونت لكم الدواوين ، وإني تركتكم على الواضحة ، إنما أتخوف أحد رجلين : إما رجل يرى أنه أحق بالملك من صاحبه فيقاتله ، أو رجل يتأول القرآن في كتاب اللَّه الشيخ والشيخة إذا زنيا ، فارجموهما البتة نكالا من اللَّه والله عزيز حكيم ، ألا فلا تهلكوا عن آية الرجم ، فقد رجم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورجمنا معه ، ولولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب اللَّه لكتبتها بيدي فقد قرأناها بكتاب اللَّه ؛ ثم دعا بكتاب بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عَبْد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى الخليفة من بعدي : سلام عليك ، فإني أَحْمَد اللَّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإني أوصيك بتقوى اللَّه وبالمهاجرين الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ سورة الحشر آية 8 الآية ، فتعرف فضيلتهم وتقسم عليهم فيئهم ، وأوصيك بـ " الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ سورة الحشر آية 9 " الآية ، فهؤلاء الأنصار تعرف فضلهم وتقسم عليهم فيئهم ، وأولئك الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا سورة الحشر آية 10 الآية . وخرج أبو لؤلؤة على وجهه يريد البقيع ، وطعن في طريقه اثنى عشر رجلا ، فخرج خلفه عبيد اللَّه بْن عمر ، فرأى أبا لؤلؤة ، والهرمزان ، وجفينة وكان نصرانيا ، وهم يتناجون بالبقيع ، فسقط منهم خنجر له رأسان ، ونصابه في وسطه ، فقتل عبيد اللَّه أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة ثلاثتهم ، فجرى بين سعد بْن أبي وقاص وبين عبيد اللَّه في شأن جفينة ملاحاة ، وكذلك بين علي بْن أبي طالب وبينه في شأن الهرمزان ، حتى قال علي بْن أبي طالب إن وليت من هذا الأمر شيئا قتلت عبيد اللَّه بالهرمزان . ثم أرسل عمر إلى عائشة يستأذنها في أن يدفن مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر ، فأذنت له ، فقال عمر : أنا أخشى أن يكون ذلك لمكان السلطان مني فإذا مت فاغسلوني فكفنوني ، ثم قفوا بي على بيت عائشة ، وقولوا : أيلج عمر ؟ فإن قالت : نعم ، فأدخلوني ، وإن أبت ، فادفنوني بالبقيع . ثم أرسل عمر فجيء بلبن فشربه فخرج من جرحه فعلم أنه الموت ، فقال لعبد اللَّه بْن عمر : انظر ما علي من الدين فاحسبه ؟ فقال : ستة وثمانون ألفا ، فقال : إن وفي لها مال آل عمر فأدها عني من أموالهم ، وإلا فسل بني عدي بْن كعب ، فإن لم تف من أموالهم فسل قريشا ولا تعدهم إلى غيرهم ، وأدها عني . فتوفي عمر رضي اللَّه تعالى عنه ، وله خمسة وستون سنة ، وفعل به ما أمر فأذنت له عائشة ، وصلى عليه صهيب ، ودخل حفرته عثمان بْن عفان ، وعبد اللَّه بْن عمر ، وكانت الخلافة عشر سنين ، وستة أشهر ، وأربع ليال . وكان له من العمال وقت ما توفي على الكوفة : المغيرة بْن شعبة ، وعلى البصرة : أبو موسى ، وعلى حمص أعمالها : عمير بْن سعد الضمري ، وعلى دمشق : معاوية بْن أبي سفيان ، وعلى صنعاء : يعلى بْن منية ، وعلى الجند : عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعة ، وعلى الطائف : سفيان بْن عَبْد اللَّه الثقفي ، وعلى مكة : نافع بْن عَبْد الحارث ، وعلى مصر : عمرو بْن العاص رحمهم اللَّه تعالى أجمعين آمين .