39 أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى ° بِالْمَوْصِلِ ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ الْجَوْهَرِيُّ ° ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ ° ، عَنْ سَفِينَةَ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " الْخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً ، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا " ، قَالَ : أَمْسِكْ خِلافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ ، وَعُمَرَ عَشْرًا ، وَعُثْمَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، وَعَلِيٍّ سِتًّا . قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ : فَقُلْتُ لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ : سَفِينَةُ الْقَائِلُ أَمْسِكْ ؟ قَالَ : نَعَمْ
قَالَ أبو حاتم : ولى أهل الكوفة بعد علي بْن أبي طالب الحسن بْن علي ، ولما اتصل الخبر بمعاوية ، ولى أهل الشام معاوية بْن أبي سفيان ، واسم أبي سفيان صخر بْن حرب بْن أمية بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مناف ، وأم معاوية هند بنت عتبة بْن ربيعة بْن عَبْد شمس ، فكان معاوية نافذ الأمور بالشام ، والأردن ، وفلسطين ، ومصر ، وكان الحسن بْن علي يمشى الأمور بالعراق إلى أن دخلت سنة إحدى وأربعين ، فاحتال معاوية في الحسن بْن علي وتلطف له ، وخوفه هراقه دماء المسلمين ، وهتك حرمهم ، وذهاب أموالهم إن لم يسلم الأمر لمعاوية ، فاختار الحسن ما عند اللَّه على ما في الدنيا ، وسلم الأمر إلى معاوية يوم الإثنين لخمس ليال بقين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ، واستوى الأمر لمعاوية حينئذ ، وسميت هذه السنة سنة الجماعة ، وبقي معاوية في إمارته تلك إلى أن مات يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين ، وقد قيل : إن معاوية مات للنصف من رجب من هذه السنة ، وكان له يوم توفي ثمان وسبعون سنة وصلى عليه ابْن قيس الفهري ، وقد قيل : إن يزيد بْن معاوية هو الذي صلى عليه ، وكانت مدة معاوية تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر واثنتين وعشرين ليلة ، وكان معاوية يخضب بالحناء والكتم ، وكان نقش خاتمه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وقبره بدمشق خارج باب الصغير في المقبرة ، محوط عليه ، قد زرته مرارا عند قصري رمادة أبي الدرداء . يزيد بْن معاوية أبو خالد . ثم تولى يزيد بْن معاوية بْن أبي سفيان يوم الخميس من شهر رجب في اليوم الذي مات فيه أبوه ، وكنية يزيد أبو خالد ، وكان ليزيد بْن معاوية يوم ولي أربع وثلاثون وشهر ، كانت أمه ميسون بنت بحدل بْن أنيف بْن ولجة بْن قنافة الكلبي ؛ وكان نقش خاتمه آمنت بالله مخلصا . ولما بايع أهل الشام يزيد بْن معاوية واتصل الخبر بالحسين بْن علي جمع شيعته واستشارهم ، وقالوا : إن الحسن لما سلم الأمر لمعاوية سكت وسكت معاوية ، فالآن قد مضى معاوية ونحب أن نبايعك فبايعته الشيعة ، ووردت على الحسين كتب أهل الكوفة من الشيعة يستقدمونه إياها ، فأنفذ الحسين بْن علي مسلم بْن عقيل إلى الكوفة لأجل البيعة على أهلها ، فخرج مسلم بْن عقيل من المدينة معه قيس بْن مسهر الصيداوي يريدان الكوفة ، ونالهما في الطريق تعب شديد ، وجهد جهيد ، لأنهما أخذا دليلا تنكب بهما الجادة ، فكاد مسلم بْن عقيل أن يموت عطشا ، إلى أن سلمه اللَّه ودخل الكوفة ، فلما نزلها دخل دار المختار بْن أبي عبيد ، واختلفت إليه الشيعة يبايعونه أرسالا ، ووالي الكوفة يومئذ النعمان بْن بشير ، ولاه يزيد بن معاوية الكوفة . ثم تحول مسلم بْن عقيل من دار المختار إلى دار هانئ بْن عروة ، وجعل الناس يبايعونه في دار هانئ ، حتى بايع ثمانية عشر ألف رجل من الشيعة ، فلما اتصل الخبر بيزيد بْن معاوية أن مسلما يأخذ البيعة بالكوفة للحسين بْن علي كتب يزيد بْن معاوية إلى عبيد اللَّه بْن زياد ، وهو إذ ذلك بالبصرة ، وأمره بقتل مسلم بْن عقيل أو بعثه إليه ، فدخل عبيد اللَّه بْن زياد الكوفة حتى نزل القصر ، واجتمع إليه أصحابه ، وأخبر عبيد اللَّه بْن زياد أن مسلم بْن عقيل في دار هانئ بْن عروة ، فدعا هانئا وسأله فأقر به ؛ فهشم عبيد اللَّه وجه هانئ بقضيب كان في يده حتى تركه وبه رمق . ثم ركب مسلم بْن عقيل في ثلاثة آلاف فارس يريد عبيد اللَّه بْن زياد ، فلما قرب من قصر عبيد اللَّه نظر فإذا معه مقدار ثلاثمائة فارس فوقف يلتفت يمنة ويسرة ، فإذا أصحابه يتخلفون عنه حتى بقي معه عشرة أنفس ، فقال : يا سبحان اللَّه ! غرنا هؤلاء بكتبهم ثم أسلمونا إلى أعدائنا هكذا ، فولى راجعا ، فلما بلغ طرف الزقاق التفت فلم ير خلفه أحدا ، وعبيد اللَّه بْن زياد في القصر متحصن يدبر في أمر مسلم بْن عقيل ، فمضى مسلم بْن عقيل على وجهه وحده ، فرأى امرأة على باب دارها فاستسقاها ماء وسألها مبيتا ، فأجابته إلى ما سأل وبات عندها ، وكانت للمرأة ابْن ، فذهب الابن وأعلم عبيد اللَّه بْن زياد أن مسلما في دار والدته ، فأنفذ عبيد اللَّه بْن زياد إلى دار المرأة مُحَمَّد بْن الأشعث بْن قيس في ستين رجلا من قيس ، فجاءوا حتى أحاطوا بالدار فجعل مسلم يحاربهم عن نفسه ، حتى كل ومل ، فآمنوه فأخذوه وأدخلوه على عبيد اللَّه فأصعد القصر ، وهو يقرأ ويسبح ويكبر ، ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا حتى دفعنا إلى ما دفعنا إليه ، ثم أمر عبيد اللَّه بضرب رقبة مسلم بْن عقيل ، فضرب رقبة مسلم بْن عقيل بكير بْن حمران الأحمري على طرف الجدار فسقطت جثته ، ثم أتبع رأسه جسده ، ثم أمر عبيد اللَّه بإخراج هانئ بْن عروة إلى السوق ، وأمر بضرب رقبته في السوق . ثم بعث عبيد اللَّه بْن زياد برأسي مسلم بْن عقيل بْن أبي طالب ، وهانئ بْن عروة مع هانئ بْن أبي حية الوداعي ، والزبير بْن الأروح التميمي إلى يزيد بْن معاوية . فلما بلغ الحسين بْن علي الخبر بمصاب الناس بمسلم بْن عقيل خرج بنفسه يريد الكوفة ، وأخرج عبيد اللَّه بْن زياد عمر بْن سعد إليه ، فقاتله بكربلاء قتالا شديدا ، حتى قتل عطشانا ، وذلك يوما عاشوراء يوم الأربعاء سنة إحدى وستين ، وقد قيل : إن ذلك اليوم كان يوم السبت ، والذي قتل الحسين بْن علي هو سنان بْن أنس النخعي ، وقتل معه من أهل بيته في ذلك اليوم العباس بْن علي بْن أبي طالب ، وجعفر بْن علي بْن أبي طالب ، وعبد اللَّه بْن علي بْن أبي طالب الأكبر ، وعبد اللَّه بْن الحسن بْن علي بْن أبي طالب ، والقاسم بْن الحسن بْن علي بْن أبي طالب ، وعون بْن عَبْد اللَّه بْن جعفر بْن أبي طالب ، ومحمد بْن عَبْد اللَّه بْن جعفر بْن أبي طالب ، وعبد اللَّه بْن عقيل بْن أبي طالب ، ومحمد بْن أبي سعيد بْن عقيل بْن أبي طالب ، واستصغر علي بْن الحسين بْن علي فلم يقتل ، انفلت في ذلك اليوم من القتل لصغره ، وهو والد مُحَمَّد بْن علي الباقر ، واستصغر في ذلك اليوم أيضا عمرو بْن الحسن بْن علي بْن أبي طالب ، فلم يقتل لصغره ، وجرح في ذلك اليوم الحسن بْن الحسن بْن علي بْن أبي طالب جراحة شديدة حتى حسبوه قتيلا ، ثم عاش بعد ذلك ، وقتل في ذلك اليوم سليمان مولى الحسن بْن علي بْن أبي طالب ، ومنجح مولى الحسين بْن علي بْن أبي طالب ، وقتل في ذلك اليوم الخلق من أولاد المهاجرين ، والأنصار ، وقبض على عَبْد اللَّه بْن بقُطر رضيع الحسين بْن علي بْن أبي طالب في ذلك اليوم ، وقيل حمل إلى الكوفة ، ثم رمى به من فوق القصر ، أو قيد فانكسرت رجله فقام إليه رجل من أهل الكوفة ، وضرب عنقه . وكانت أم الحسين بْن علي بْن أبي طالب فاطمة الزهراء بنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأم العباس بْن علي بْن أبي طالب أم البنين بنت حزام بْن خالد بْن ربيعة ، والعباس يقال له : السقاء ، لأن الحسين طلب الماء في عطشه وهو يقاتل فخرج العباس وأخوه واحتال حمل إداوة ماء ودفعها إلى الحسين ، فلما أراد الحسين أن يشرب من تلك الإداوة جاء سهم فدخل حلقه فحال بينه وبين ما أراد من الشرب ، فاحترشته السيوف حتى قتل ، فسمي العباس بْن علي السقاء لهذا السبب ، وكانت والدة جعفر بْن علي بْن أبي طالب ، وعبد اللَّه بْن علي بْن أبي طالب الأكبر ليلى بنت أبي مرة بْن عروة بْن مسعود بنت معتب ، وكانت أم عَبْد اللَّه بْن الحسين بْن علي بْن أبي طالب الرباب بنت القاسم بْن أوس بْن عدي بْن أوس بْن جابر بْن كعب ، وكانت أم القاسم بْن الحسن بْن علي بْن أبي طالب أم ولد ، وكانت أم عون بْن عَبْد اللَّه بْن جعفر بْن أبي طالب جمانة بنت المسيب بْن نجبة بْن ربيعة ، وكانت أم مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن جعفر بْن عقيل بْن أبي طالب أم ولد ، وكانت أم عَبْد اللَّه بْن مسلم بْن عقيل بْن أبي طالب رقية بنت علي بْن أبي طالب ، وكانت أم الحسن بْن الحسن بْن علي بْن أبي طالب خولة بنت منظور بْن زيان الفزاري ، وكانت أم عمرو بْن الحسن بْن علي بْن أبي طالب أم ولد ، وقد قيل : إن أبا بكر بْن علي بْن أبي طالب قتل في ذلك اليوم ، وأمه ليلى بنت مسعود بْن خالد بْن مالك بْن ربعي ، والذي تولى في ذلك اليوم حز رأس الحسين بْن علي بْن أبي طالب شمر بْن ذي الجوشن . ثم أنفذ عبيد اللَّه بْن زياد رأس الحسين بْن علي إلى الشام مع أسارى النساء والصبيان من أهل بيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، على أقتاب مكشفات الوجوه والشعور ، فكانوا إذا نزلوا منزلا أخرجوا الرأس من الصندوق ، وجعلوه في رمح وحرسوه إلى وقت الرحيل ، ثم أعيد الرأس إلى الصندوق ، ورحلوا فبينا هم كذلك إذ نزلوا بعض المنازل ، وإذا فيه دير راهب فأخرجوا الرأس على عادتهم وجعلوه في الرمح وأسندوا الرمح إلى الدير ، فرأى الديراني بالليل نورا ساطعا من ديره إلى السماء فأشرف على القوم ، وقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن أهل الشام ، قال : وهذا رأس من هو ؟ قالوا : رأس الحسين بْن علي ، قال : بئس القوم أنتم والله ! لو كان لعيسى ولد لأدخلناه أحداقنا ، ثم قال : يا قوم ! عندي عشرة آلاف دينار ورثتها من أبي وأبي من أبيه ، فهل لكم أن تعطوني هذا الرأس ليكون عندي الليلة ، وأعطيكم هذه العشرة آلاف دينار ؟ قالوا : بلى ، فأحضر إليهم الدنانير ، فجاءوا بالنقاد ووزنت الدنانير ونقدت ، ثم جعلت في جراب وختم عليه ثم أدخل الصندوق ، وشالوا إليه الرأس ، فغسله الديراني ، ووضعه على فخذه ، وجعل يبكى الليل كله عليه . فلما أن أسفر عليه الصبح ، قال : يا رأس ! لا أملك إلا نفسي وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه ، وأن جدك رسول اللَّه فأسلم النصراني ، وصار مولى للحسين ، ثم أحضر الرأس إليهم ، فأعادوه إلى الصندوق ورحلوا ، فلما قربوا من دمشق قالوا : نحب أن نقسم تلك الدنانير ، لأن يزيد إن رآها أخذها منا ، ففتحوا الصندوق ، وأخرجوا الجراب بختمه وفتحوه ، فإذا الدنانير كلها قد تحولت خزفا ، وإذا على جانب من الجانبين من السكة مكتوب : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ سورة إبراهيم آية 42 ، وعلى الجانب الآخر وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ سورة الشعراء آية 227 ، قالوا : قد افتضحنا والله ، ثم رموها في بردى نهر لهم ، فمنهم من تاب من ذلك الفعل لما رأى ، ومنهم من بقي على إصراره ، وكان رئيس من بقي على ذلك الإصرار سنان بْن أنس النخعي . ثم أركب الأسارى من أهل بيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النساء والصبيان أقتابا يابسة مكشفات الشعور ، وأدخلوا دمشق كذلك ، فلما وضع الرأس بين يدي يزيد بْن معاوية جعل ينقر ثنيته بقضيب كان في يده ويقول : ما أحسن ثناياه ! . قد ذكرت كيفية هذه القصة وباليتها في أيام بني أمية وبني العباس في كتاب الخلفاء ، فأغنى عن إعادة مثلها في هذا الكتاب لاقتصارنا على ذكر الخلفاء الراشدين منهم في أول هذا الكتاب . وقد بعث يزيد بْن معاوية مسلم بْن عقبة المزني إلى المدينة لست ليال بقين من ذي الحجة سنة ست وستين ، فقتل مسلم بْن عقبة بالمدينة خلقا من أولاد المهاجرين والأنصار ، واستباح المدينة ثلاثة أيام نهبا وقتلا ، فسميت هذه الوقعة وقعة الحرة . وتوفي يزيد بْن معاوية بحوارين قرية من قرى دمشق لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سننة أربع وستين وهو يومئذ بْن ثمان وثلاثين ، وقد قيل : إن يزيد بْن معاوية سكر ليلة وقام يرقص فسقط على رأسه وتناثر دماغه فمات . وصلى عليه ابنه معاوية بْن يزيد ، وكان نقش خاتم يزيد آمنت بالله مخلصا وقبره بدمشق .