← الثقات لابن حبان
الثقات لابن حبان
#38 مقبول 1 : 214 ☰ استخلاف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
A− A+

38 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ ° ، ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ° ، ثنا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ° ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ° ، قَالَ : كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْبَرَ ، وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ ، فَقَالَ : أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجَ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ ، أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ ، غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ " ، فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا : هَذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ

قَالَ أبو حاتم : لما كان من أمر عثمان ما كان ، قعد علي في بيته ، وأتاه الناس يهرعون إليه ، كلهم يقولون : أمير المؤمنين علي ! حتى دخلوا عليه داره ، وقالوا : نبايعك ، فإنه لا بد من أمير ، وأنت أحق ، فقال علي : ليس ذلك إليكم ، إنما ذلك لأهل بدر ، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة ، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا يطلبون البيعة ، وهو يأبى عليهم ، فجاء الأشتر مالك بْن الحارث النخعي إلى علي ، فقال له : ما يمنعك أن تجيب هؤلاء إلى البيعة ، فقال : لا أفعل ، إلا عن ملإ وشورى ، وجاء أهل مصر فقالوا : ابسط يدك نبايعك ، فوالله لقد قتل عثمان ، وكان قتله لله رضى ، فقال علي : كذبتم ، والله ما كان قتله لله رضى لقد قتلتموه بلا قود ، ولا حد ، ولا غيره ؛ وهرب مروان فطلب فلم يقدر عليه ، فلما رأى ذلك علي منهم خرج إلى المسجد وصعد المنبر ، وحمد اللَّه ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : يأيها الناس ! رضيتم مني أن أكون عليكم أميرا ، فكان أول من صعد إليه المنبر طلحة فبايعه بيده ، وكان إصبع طلحة شلاء فرآه أعرابي يبايع فقال : يد شلاء ، وأمر لا يتم ، فتطير علي منها ، وقال : ما أخلفه أن يكون كذلك ، ثم بايعه الزبير ، وسعد ، وأصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم بلغ عليا أن سعدا ، وابن عمر ، ومحمد بْن مسلمة يذكرون هنات ، فقام علي خطيبا فحمد اللَّه ، وأثنى عليه فقال : أيها الناس ! إنكم بايعتموني على ما بايعتم عليه أصحابي ، فإذا بايعتموني فلا خيار لكم علي ، وعلى الإمام الاستقامة ، وعلى الرعية التسليم ، وهذه بيعة عامة فمن ردها رغب عن دين المسلمين واتبع غير سبيلهم ، ولم تكن بيعته إياي فلتة ، وليس أمري وأمركم واحدا أريد اللَّه ، وتريدونني لأنفسكم ، وأيم اللَّه لأنصحن الخصم ، ولأنصفن المظلوم . وقد أكثر الناس في قتل عثمان ، فمنهم من قد زعم أنه قتل ظالما ، ومنهم من قد زعم أنه قتل مظلوما ، وكان الإكثار في ذلك على طلحة ، والزبير ، قالت قريش : أيها الرجلان ! إنكما قد وقعتما في ألسن الناس في أمر عثمان فيما وقعتما فيه ، فقام طلحة في الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه وصلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم قال : أيها الناس ! ما قلنا في عثمان أمس إلا نقول لكم فيه اليوم مثله أنه خلف الدنيا بالتوبة ، ومال عليه قوم فقتلوه ، وأمره إلى اللَّه . ثم قام الزبير فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم قال : يأيها الناس ! إن اللَّه اختار من كل شيء شيئا ، واختار من الناس محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، واختار من الشهور رمضان ، وأنزل فيه القرآن ، وفرض فيه الصيام ، واختار من الأيام يوم الجمعة فجعله عيدا لأهل الإسلام ، واختار من البلدان هذين الحرمين مكة والمدينة ، فجعل بمكة البيت الحرام وجعل بالمدينة حرم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وجعل ما بين قبره ومنبره ، روضة من رياض الجنة ، واختار من الشورى التسليم ، كما اختار هذه الأشياء ، فأذهبت الشورى بالهوى ، والتسليم بالشك ، وقد تشاورنا فرضينا عليا ، وأما إن قتل عثمان فأمره إلى اللَّه . فلما رأى علي اختلاف الناس في قتل عثمان صعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ! أقبلوا علي بأسماعكم وأبصاركم ، إن الناس بين حق وباطل ، فلئن علا أمر الباطل لقديما ما فعل ، وإن يكن الحق قد غاب فعل ، وإني أخاف أن أكون أنا وأنتم قد أصبحنا في فتنة وما علينا فيها إلا الاجتهاد ، الناس اثنان وثلاثة لا سادس لهم : ملك طار بجناحيه ، أو نبي أخذ اللَّه بيده ، أو عامل مجتهد ، أو مؤمل يرجو ، أو مقصر في النار ؛ وإن اللَّه أدب هذه الأمة بأدبين : بالسيف والسوط ، لا هوادة عند السلطان فيهما ، فاستتروا واستغفروا اللَّه فأصلحوا ذات بينكم . ثم نزل وعمد إلى بيت المال ، وأخرج ما فيه ، وفرقه على المسلمين ، ثم بعث إلى سعد بْن أبي وقاص ، وعبد اللَّه بْن عمر ، ومحمد بْن مسلمة ، فقال : لقد بلغني عنكم هنات ، فقال سعد : صدقوا لا أبايعك ، ولا أخرج معك حيث تخرج حتى تعطيني سيفا يعرف المؤمن من الكافر ، وقال له ابْن عمر : أنشدك اللَّه والرحم ! أن تحملني على ما لا أعرف ، والله لا أبايع حتى يجتمع المسلمون على من جمعهم اللَّه عليه ، وقال مُحَمَّد بْن مسلمة : إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرني إذا اختلف أصحابه ، ألا أدخل فيما بينهم ، وأن أضرب بسيفي صخر أحد ، فإذا انقطع ، أقعد في بيتي حتى يأتيني يد خاطئة أو منية قاضية ، وقد فعلت ذلك . ثم دعا علي أسامة بْن زيد ، وأراده على البيعة ، فقال أسامة : أما البيعة ، فإنني أبايعك أنت أحب الناس إلي ، وآثرهم عندي ، وأما القتال فإني عاهدت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا اللَّه . فلما رآهم علي مختلفين ، قال : أخرجوني من هذه البيعة ، واختاروا لأنفسكم من أحببتم فسكتوا ، وقاموا ، وخرجوا ، فدخل عليه المغيرة بْن شعبة ، فقال : يا أمير المؤمين ! إني مشير عليك بخلال ثلاث ، فافعل أيها شئت ، فقال : ما هي يا أعور ؟ فقال : إني أرى من الناس بعض التثاقل فيك ، فأرى أن تأتي بجمل ظهر فتركبه ، وتركض في الأرض هاربا من الناس ، فإنهم إذا رأوا ذلك منك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك ، وخيولا ، ثم ركضوا في أثرك حتى يدركوك حيث ما كنت ، ويقلدوك هذا الأمر على اجتماع منهم شئت أو أبيت ، فإن لم تفعل هذا فأقر معاوية على الشام كله ، واكتب إليه كتابا بذلك تذكر فيه من شرفه وشرف آبائه ، وأعلمه أنك ستكون له خيرا من عمر ، وعثمان ، واردد عمرو بْن العاص على مصر ، واذكر في كتابك شرفه وقدمه ، فإنه رجل يقع الذكر منه موقعا ، فإذا ثبت الأمر أذنت لهما حينئذ في القدوم عليك تستخبرهما ، عن البلاد ، والناس ، ثم تبعث بعاملين ، وتقرهما عندك ؛ فإن أبيت ، فاخرج من هذه البلاد فإنها ليست ببلاد كراع وسلاح . فقال علي : أما ما ذكرت من فراري من الناس ، فكيف أفر منهم ، وقد بايعوني ، وأما أمر معاوية ، وعمرو بْن العاص فلا يسألني اللَّه عن إقرارهما ساعة واحدة في سلطاني ، وما كنت متخذ المضلين عضدا سورة الكهف آية 51 ، وأما خروجي من هذه البلاد إلى غيرها ، فإني ناظر في ذلك ، فخرج من عنده المغيرة ، ثم عاد وهو عازم على الخروج إلى الشام ، واللحوق بمعاوية ، فقال له : يا أمير المؤمنين ! أشرت عليك بالأمس في رأيي بمعاوية وعمرو إن الرأي أن تعاجلهم بالنزع فقد عرف السامع من غيره ، وتستقبل أمرك ، ثم خرج من عنده . فلقيه ابْن عباس خارجا ، وهو داخل ، فلما انتهى إليه ، قال : رأيت المغيرة خارجا من عندك فيم جاءك ؟ قال : جاءني أمس برأي ، واليوم برأي ، وأخبره بالرأيين ، فقال ابْن عباس : أما أمس فقد نصحك ، وأما اليوم فقد غشك ، قال فما الرأي ؟ قال ابن عباس : كان الرأي قبل اليوم ، قال : على ذلك ، قال : كان الرأي أن تخرج إلى مكة حتى تدخلها دارا من دورها ، وتغلق عليك بابك فإن الناس لم يكونوا ليدعوك ، وإن قريشا كانت تضرب الصعب والذلول في طلبك لأنها لا تجد غيرك ، فأما اليوم فإن بني أمية يستحسنون الطلب بدم صاحبهم ، ويشبهون على الناس بأن يلزموك شعبة من أمره ، ويلطخونك من ذلك ببعض اللطخ ، فهم علي بالنهوض إلى الشام ليزور أهلها ، وينظر ما رأي معاوية ، وما هو صانع فجاءه أبو أيوب الأنصاري فقال له : يا أمير المؤمنين ! لو أقمت بهذه البلاد لأنها الدرع الحصينة ، ومهاجرة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وبها قبره ، ومنبره ، ومادة الإسلام ، فإن استقامت لك العرب ، كنت فيها كمن كان ، وإن تشعب عليك قوم رميتهم بأعدائهم ، وإن ألجئت حينئذ إلى المسير سرت ، وقد أعذرت ، فقال علي : إن الرجال والأموال بالعراق ، ولن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا ؛ ثم أخذ بما أشار عليه أبو أيوب الأنصاري ، وعزم على المقام بالمدينة ، وبعث العمال على الأمصار ، فبعث عثمان بْن حنيف على البصرة أميرا ، وعمارة بْن حسان بْن شهاب على الكوفة ، وعبيد اللَّه بْن عباس على اليمن ، وقيس بْن سعد على مصر ، وسهل بْن حنيف على الشام . فأما سهل بْن حنيف ، فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيه خيل من أهل الشام ، فقالوا له : من أنت ؟ قال : أمير ، قالوا : على أي شيء ؟ قال : على الشام ، قالوا : إن كان عثمان بعثك فحي هلا بك ، وإن كان بعثك غيره فارجع ، قال : ما سمعتم بالذي كان ، قالوا : بلى ، ولكن ارجع إلى بلدك ، فرجع إلى علي ، وإذا القوم أصحاب . وأما قيس بْن سعد فإنه انتهى إلى أيلة فلقيه طلائع فقالوا له : من أنت ؟ فقال : أنا من الأصحاب الذين قتلوا وشردوا من البلاد ، فأنا أطلب مدينة آوي إليها ، فقالوا : من أنت ؟ قال : أنا قيس بْن سعد بْن عبادة ، فقالوا : امض بنا ، فمضى قيس حتى دخل مصر ، وأظهر لهم حاله ، وأخبرهم أنه ولي على مصر ، فافترق عليه أهل مصر فرقا : فرقة دخلت في الجماعة وبايعت ، وفرقة أمسكت واعتزلت ، وفرقة قالت : إن قيد من قتله عثمان فنحن معه وإلا فلا ؛ فكتب قيس بْن سعد بجميع ما رأى من أهل مصر إلى علي . وأما عبيد اللَّه بْن عباس ، فإنه خرج منطلقا إلى اليمن لم يعانده أحد ، ولم يصده عنها صاد حتى دخلها فضبطها لعلي . وأما عمارة بْن حسان بْن شهاب ، فإنه أقبل عامدا إلى الكوفة حتى إذا كان بزبالة لقيه طليحة بْن خويلد الأسدي ، وهو خارج إلى المدينة يطلب دم عثمان ، فقال طليحة : من أنت ؟ قال : أنا عمارة بْن حسان بْن شهاب ، قال : ما جاء بك ؟ قال : بعثت إلى الكوفة أميرا ، قال : ومن بعثك ؟ قال : أمير المؤمنين علي ، قال : الحق بطيتك ، فإن القوم لا يريدون بأميرهم أبي موسى الأشعري بدلا ، فرجع عمارة إلى علي ، وأخبره الخبر ، وأقام طليحة بزبالة . وأما عثمان بْن حنيف ، فإنه مضى يريد البصرة ، وعليها عَبْد اللَّه بْن عامر بْن كريز ، وبلغ أهل البصرة قتل عثمان ، فقام ابْن عامر فصعد المنبر وخطب ، وقال : إن خليفتكم قتل مظلوما ، وبيعته في أعناقكم ، ونصرته ميتا كنصرته حيا ، واليوم ما كان أمس ، وقد بايع الناس عليا ، ونحن طالبون بدم عثمان فأعدوا للحرب عدتها ، فقال له حارثة بْن قدامة : يا ابْن عامر ! إنك لم تملكنا عنوة ، وقد قتل عثمان بحضرة المهاجرين والأنصار ، وبايع الناس عليا فإن أقرك أطعناك ، وإن عزلك عصيناك ، فقال ابن عامر : موعدك الصبح ، فلما أمسى تهيأ للخروج ، وهيأ مراكبه وما يحتاج إليه ، واتخذ الليل جملا يريد المدينة ، واستخلف عَبْد اللَّه بْن عامر الحضرمي على البصرة ، فأصبح الناس يتشاورون في ابْن عامر ، وأخبروا بخروجه ، فلما قدم ابْن عامر المدينة أتى طلحة ، والزبير ، فقالا له : لا مرحبا بك ولا أهلا ، تركت العراق والأموال وأتيت المدينة خوفا من علي ، ووليتها غيرك ، واتخذت الليل جملا ، فهلا أقمت حتى يكون لك بالعراق فئة ، قال ابْن عامر : فأما إذا قلتما هذا فلكما علي مائة ألف سيف وما أردتما من المال . ثم أتت أم كلثوم بنت علي أباها ، وكانت تحت عمر بْن الخطاب ، فقالت له : إن عَبْد اللَّه بْن عمر رجل صالح ، وأنا أتكفل ما يجيء منه لك ، فلما كان من قدوم ابْن عامر المدينة جاء ابْن عمر إليها ، فقال : يا أماه ! إنك قد كفلت في ، وأنا أريد الخروج إلى العمرة الساعة ، ولست بداخل في شيء يكرهه أبوك غير أني ممسك حتى يجتمع الناس ، فإن شئت فأذني ، وإن شئت فابعثيني إلى أبيك ، قالت : لا ، بل اذهب في حفظ اللَّه ، وتحت كنفه ؛ فانطلق ابْن عمر معتمرا . فلما أصبح الناس أتوا عليا ، فقالوا : قد حدث البارحة حدث هو أشد من طلحة ، والزبير ، ومعاوية ، قال علي : وما ذاك ؟ قالوا : خرج ابْن عمر إلى الشام فأتى على السوق ، وجعل يعد طلابا ليرد ابْن عمر ، فسمعت أم كلثوم بذلك ، فركبت بغلتها ، حتى أتت أباها ، فقالت : إن الأمر على غير ما بلغك ، وحدثته بما ذكر لها ابْن عمر ، فطابت نفس علي بذلك ، فما انصرفوا من السوق حتى جاءهم بعض القدام من العمرة ، وأخبروه أنهم رأوا ابْن عمر ، وآخر معه على حمارين محرمين بكساءين . ثم كتب علي إلى معاوية : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من عَبْد اللَّه علي أمير المؤمنين ، إلى معاوية بْن أبي سفيان ، سلام عليك ، فإني أَحْمَد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو أما بعد ، فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان وما اجتمع الناس عليه من بيعتي ، فادخل في السلام كما دخل الناس ، وإلا فأذن بحرب كما يؤذن أهل الفرقة ، والسلام . وبعث كتابه مع سبرة الجهني ، والربيع بْن سبرة ، فلما قدم سبرة بكتاب علي ودفعه إلى معاوية ، جعل يتردد في الجواب مدة ، فلما طال ذلك عليه دعا معاوية رجلا من عبس يدعى قبيصة ، فدفع إليه طومارا مختوما عنوانه " من معاوية بْن أبي سفيان إلى علي بْن أبي طالب " ، وقال له : إذا دخلت المدينة ، فاقبض على أسفل الطومار ، وأبرزه ، وأوصاه بما يقول ، وبعثه مع سبرة رسول علي ؛ فقدما المدينة ، فرفع العبسي الطومار كما أمر معاوية ، فخرج الناس ينظرون إليه ، وعلموا حينئذ أن معاوية معترض معاند ، فلما دخلا على علي دفع إليه العبسي الطومار ، ففض عن خاتمه فلم يجد في جوفه شيئا ، فقال لسبرة : ما وراءك ؟ قال : تركت قوما لا يرضون إلا بالقود ، وقد تركت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان ، فقال علي : أمني يطلبون دم عثمان ؟ ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على الكوفة : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من عَبْد اللَّه علي أمير المؤمنين إلى عَبْد اللَّه بْن قيس الأشعري ، سلام عليك ، فإني أَحْمَد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان ، وما اجتمع الناس عليه من بيعتي ، فادخل فيما دخل فيه الناس ، ورغب أهل ملكك في السمع والطاعة ، واكتب إلي بما كان منك ومنهم إن شاء اللَّه ، والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته . وبعث الكتاب مع معبد الأسلمي ، فلما قدم معبد الكوفة دعا أبو موسى الأشعري الناس إلى طاعة علي ، فأجابوه طائعين ، وكتب إلى علي بْن أبي طالب : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، لعبد اللَّه علي أمير المؤمنين من عَبْد اللَّه بْن قيس ، سلام عليك ، فإني أَحْمَد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، ودعوت من قبلي المسلمين فسمعوا وأطاعوا ، والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته . ودفع كتابه إلى معبد ، وكانت عائشة خرجت معتمرة ، فلما قضت عمرتها نزلت على باب المسجد ، واجتمع إليها الناس ، فقالت : أيها الناس ! إن الغوغاء من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول بالأمس ظلما ، واستحلوا البلد الحرام ، وسفكوا الدم الحرام ، فقال عَبْد اللَّه بْن عامر : ها أنا ذا أول طالب بدمه ؟ فكان أول من انتدب لذلك ، ولما كثر الاختلاف بالمدينة ، استأذن طلحة ، والزبير عليا في العمرة ، فقال لهما : ما العمرة تريدان ؟ وقد قلت لكما قبل بيعتكما لي : أيكما شاء بايعته ، فأبيتما إلا بيعتي ، وقد أذنت لكما فاذهبا راشدين ، فخرجا إلى مكة ، وتبعهما عَبْد اللَّه بْن عامر بْن كريز ، فلما لحقهما قال لهما : ارتحلا فقد بلغتما حاجتكما ، فاجتمعوا مع عائشة بمكة وبها جماعة من بني أمية ، ثم جمع معاوية أهل الشام على محاربة علي والطلب بالقود من دم عثمان ، واحتال في قيس بْن سعد بْن عبادة ، وكان واليا على مصر ، وكتب إلى علي كتابا يمرغ فيه معاوية ، فلما قرأ علي الكتاب عزل قيسا ، وولي عليها مُحَمَّد بْن أبي بكر . وخرج قسطنطين بْن هرقل بالمراكب يريد المسلمين فسلط اللَّه عليهم ريحا قاصفا فغرقهم ، ونجا قسطنطين بْن هرقل حتى انتهى إلى سقلية ، فصنعت الروم حماما ، فلما دخله قتلوه فيه ، وقالوا له : قتلت رجالنا . ثم حج بالناس عَبْد اللَّه بْن عباس أمره علي على الحج ، فلما انصرف أجمع طلحة والزبير على المسير بعائشة ، فقال طلحة : ما لنا أمر أبلغ في استمالة الناس إلينا من شخوص ابْن عمر معنا ، وكان من أمره في عثمان وخلافه له على ما يعلمه من يعلمه ، فأتاه طلحة ، فقال : يا أبا عَبْد الرحمن ، إن عائشة قصدت الإصلاح بين الناس فاشخص معنا فإن لنا بك أسوة ، فقال ابْن عمر : أتخدعونني لتخرجوني كما تخرج الأرنب من جحرها ؟ إن الناس إنما يخدعون بالوصيف والوصيفة ، والدنانير والدراهم ، ولست من أولئك ، قد تركت هذا الأمر عيانا ، وأنا أدعي إليه في عافية ، فاطلبوا لأمركم غيرى ، فقال طلحة : يغني اللَّه عنك . وقدم يعلى بْن أمية من اليمن ، وقد كان عاملا عليها ، بأربعمائة من الإبل ، فدعاهم إلى الحملان ، فقال له الزبير : دعنا من إبلك هذه ، ولكن أقرضنا من هذا المال ، فأعطاه ستين ألف دينار ، وأعطى طلحة أربعين ألف دينار ، فتجهزوا وأعطوا من خف معهم . فلما دخلت السنة السادسة والثلاثون تشاوروا في مسيرهم ، فقال الزبير : عليكم بالشام ، بها الأموال والرجال ، وقال ابْن عامر : البصرة ، فإن غلبتهم عليها فلكم الشام ، إن معاوية قد سبقكم إلى الشام ، وهو ابن عم عثمان ، وإن البصرة لي بها صنائع ، ولأهلها في طلحة هوى ، وكانت عائشة تقول : نقصد المدينة ، فقالوا لها : يا أم المؤمنين ! دعي المدينة فإن من معك لا يقرنون لتلك الغوغاء ، واشخصي معنا إلى البصرة ، فإن أصلح اللَّه هذا الأمر كان الذي نريد ، وإلا فقد بلغنا ويقضى اللَّه فيه ما أحب ، وكلموا حفصة ابنة عمر أن تخرج معهم ، فقالت : رأيي تبع لرأي عائشة ، فأتاها عَبْد اللَّه بْن عمر فناشدها اللَّه أن تخرج ، فقعدت ، وبعث إلى عائشة أن أخي حال بيني وبين الخروج ، فقالت : يغفر اللَّه لابن عمر . ثم نادى منادي طلحة والزبير من كان عنده مركب وجهاز ، وإلا فهذا جهاز ومركب ؛ فحملوا على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب ، وكانوا نحو ألف نفس ، وتجهزوا بالمال ، وشيعهم نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان كلهن بمكة حاجات إلا أم سلمة ، فإنها سارت إلى المدينة ، فلما بلغوا ذات عرق ، ودعت أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبكين وبكى الناس ، فما رأوا بكاء أكثر من ذلك اليوم ، وسمي يوم النحيب ، وجعلن يدعون على قتلة عثمان الذين سفكوا في حرم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدم الحرام ، ثم انصرفن ، ومضت عائشة وهي تقول : اللهم إنك تعلم أني لا أريد إلا الإصلاح فأصلح بينهم ! . وبعثت أم الفضل حين خرجت عائشة ومن معها من مكة إلى علي رجلا من جهينة ، قالت : اقتل في كل مرحلة بعيرا ، وعلى ثمنه وهذه مائة دينار وكسوة ، وكتبت معه أما بعد ، فإن طلحة ، والزبير ، وعائشة خرجوا من مكة يريدون البصرة . فقدم المدينة ، وأعطى عليا الكتاب ، فدعى علي مُحَمَّد بْن أبي بكر ، فقال له : ألا ترى إلى أختك خرجت مع طلحة ، والزبير ؟ فقال مُحَمَّد بْن أبي بكر : إن اللَّه معك ولن يخذلك ، والناس ناصروك . ثم قام علي فحمد اللَّه ، وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس ! تهيئوا للخروج إلى قتال أهل الفرقة ، فإني سائر إن شاء اللَّه ، إن اللَّه بعث رسولا صادقا بكتاب ناطق ، وأمر واضح لا يهلك عنه إلا هالك ، وإن في سلطان اللَّه عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم ، وقد قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن الإسلام ليأرز إلى المدينة ، كما تأرز الحية إلى جحرها " ، انهضوا إلى هؤلاء الذين يريدون تفريق جماعتكم ، لعل اللَّه يصلح بكم ذات البين . وبعث علي الحسن بْن علي ، وعمار بْن ياسر إلى الكوفة ، لاستنفارهم ، فلما قدموا الكوفة ، قام أبو موسى الأشعري في الناس ، وكان واليا عليها ، وأخبرهم بقدوم الحسن واستنفاره إياهم إلى أمير المؤمنين على إصلاح البين . وقدم زيد بْن صوحان من عند عائشة معه كتابان من عائشة إلى أبي موسى والي الكوفة ، وإذا في كل كتاب منهما : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من عائشة أم المؤمنين ، إلى عَبْد اللَّه بْن قيس الأشعري ، سلام عليك ، فإني أَحْمَد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإنه قد كان من قتل عثمان ما قد علمت ، وقد خرجت مصلحة بين الناس ، فمر من قبلك بالقرار في منازلهم والرضا بالعافية حتى يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين ، فإن قتلة عثمان فارقوا الجماعة وأحلوا بأنفسهم البوار ، فلما قرأ الكتابين ، وثب عمار بْن ياسر فقال : أمرت عائشة بأمر ، وأمرنا بغيره ، أمرت أن تقر بيتها ، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة ، فهو ذا تأمرنا بما أمرت ، وركبت ما أمرنا به ، ثم قال : هذا ابن عم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاخرجوا إليه ، ثم انظروا في الحق ومن الحق معه . ثم قام الحسن بْن علي فقال : يا أيها الناس ! أجيبوا دعوة أميركم ، وسيروا إلى إخوانكم ، لعل اللَّه يصلح بينكم . ثم قام هند بْن عمرو البجلي فقال : إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا ابنه ، فاتبعوا قوله وانتهوا إلى أمره . فقام حجز بْن عدي الكندي فقال : أيها الناس ! أجيبوا أمير المؤمنين ، وانفروا خفافًا وثقالا بأموالكم وأنفسكم . ثم قال الحسن : أيها الناس ! إني غاد ، فمن شاء منكم فليخرج معي على الظهر ، ومن شاء فليخرج في الماء ، فأجابوه ، وخرج معه تسعة آلاف نفس ، بعضهم على البر وبعضهم على الماء ، وساروا حتى بلغوا ذا قار ، وخرج علي من المدينة مع ستمائة رجل ، وخلف على المدينة سهل بْن حنيف ، فالتقى هو وابنه الحسن مع من خرج معه من الكوفة بذي قار ، فخرجوا جميعا إلى البصرة ، ولم يدخل على الكوفة ، وكتب إلى المدينة إلى سهل بْن حنيف أن يقدم عليه ويولي على المدينة أبا حسن المازني ، والتقى مع طلحة والزبير وعائشة بالجلحاء على فرسخين من البصرة وذلك لخمس خلون من جمادى الآخرة ، وكان علي كثير ما يقول : يا عجب كل العجب من جمادى ورجب ! فكان من أمرهم ما كان . وقتل ابن جرموز الزبير ثم أتى عليا يخبره ، فقال علي : سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " قاتل ابن صفية بالنار " ، فقال ابن جرموز : إن قتلنا معكم فنحن في النار ، وإن قاتلناكم فنحن في النار ، ثم بعج بطنه بسيفه فقتل نفسه . وأما طلحة فرماه مروان بْن الحكم بسهم من ورائه ، فأثبته فيه وقتله ، وحمله إلى البصرة فمات بها ، فقبر طلحة بالبصرة ، وقتل الزبير بوادي السباع ؛ وكان كعب بْن سور قد علق المصحف في عنقه ثم يأتي هؤلاء فيذكرهم ، ويأتي هؤلاء فيذكرهم حتى قتل . وكان علي ينادي مناديه : " لا تقتل مدبرًا ، ولا تذفف على جريج ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن طرح السلاح فهو آمن " ، ولم يقتل بعد آن واحدًا . فلما اطمأن الناس بعث علي بعائشة مع نساء من أهل العراق إلى المدينة ، وأقام بالبصرة خمسة عشر يومًا ثم خرج إلى الكوفة ، وولى على البصرة عَبْد اللَّه بْن عباس ، وولى الولاة في البلدان ، وكتب إلى المدن بالقرار والطاعة . ثم إن أبا مسلم الخولاني قال لمعاوية : على ما تقاتل عليا وهو ابن عم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وله من القدم والسابقة ما ليس لك ، وإنما أنت رجل من الطلقاء ؟ فقال له معاوية : أجل ، والله ما نقاتل عليًا ، وأنا لست أدعي في الإسلام مثل الذي له ، ولكن أقاتله على دم أمير المؤمنين عثمان بْن عفان ، وأنا أطلبه بدمه ، فقال أبو مسلم : إني استخبر لك عن ذلك ؛ فركب راحلته وانتهي إلى الكوفة ، ثم نزل عن راحلته وأتى عليا ماشيا والناس عنده ، ولا يعرفه أحد ، فقال : من قتل عثمان ؟ فقال علي : اللَّه قتل عثمان وأنا معه ، فخرج أبو مسلم ولم يتكلم ، ومضى حتى انتهى إلى راحلته فركبها ، ولحق بالشام فانتهي إلى معاوية وهو يثقل ، فقيل له : هذا أبو مسلم قد جاء ، فعانقه معاوية وسأله عن سفره ، وخاف أن يكون قد جاء بشيء مما يكره ، فقال أبو مسلم : والله لتقاتلن عليا أو لنقاتلنه ، فإنه قد أقر بقتل أمير المؤمنين عثمان ، فقام معاوية فرحًا وصعد المنبر ، واجتمع إليه الناس ، وحمد اللَّه وأثني عليه ، وقام أبو مسلم خطيبًا وحرض الناس على قتال علي ؛ فصح خروج أهل الشام قاطبة على علي وطلبهم إياه بدم عثمان . ثم إن حجر بْن الأدبر قدم على علي فقال : يا أمير المؤمنين ! الجماعة العدد والمال مع الأشعث بْن قيس بآذربيجان ، فابعث إليه فليقدم ، فكتب إليه علي : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من عَبْد اللَّه علي أمير المؤمنين إلى الأشعث بْن قيس ، أما بعد ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقدم وأحمل ما غللت من المال . فكتب إليه الأشعث بْن قيس : أما بعد ، فقد جاءني كتابك بأن أقدم عليك وأحمل ما غللت من مال اللَّه ، فما أنت وذاك ، والسلام " ، ثم قال الأشعث : واللَّه ! لأدعنه بحال مضيعة ، ولأفسدن عليه الكوفة ، فقال حجر بْن الأدبر : يا أمير المؤمنين ! ابعثني إلى الأشعث بْن قيس فإن أعرف به وأرفق ، وإن هو خوشن لم يجب أحدًا ، قال له علي : سر إليه ! فسار حجر إليه ، فأدركه بشهرزور ، فقال له حجر : يا أبا مُحَمَّد ! أنشدك اللَّه أن تأتي معاوية وتدع ابن عم رَسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال الأشعث : أو ما سمعت كتابه إلي ؟ فقال حجر : إنك إن أتيت معاوية أقبلنا جميعًا إلى الشام ، وأنشدك اللَّه ! ألا نظرت إلى أيتام قومك وأيامهم ؟ فإني لا آمن يفتضحوا غدًا ، قال : فما تريد يا حجر ؟ قال : تنحدر معي إلى الكوفة ، فإنك شيخ العرب وسيدها والمطاع في قومك ، وسيصبر إليك الأمر ، فلم يزل به حجر حتى قال : ليصرفوا صدور الركائب إلى الكوفة ، فتقدم على علي فسر علي بمجيئه فقال : مرحبًا وأهلا بأبي مُحَمَّد على عجلته ، فقال : أمير المؤمنين ! إن هذا ليس بيوم عتاب ، ثم أقام علي بالكوفة . وحج بالناس عَبْد اللَّه بْن عباس بأمر علي ولاه . فلما دخلت السنة السابعة والثلاثون كتب معاوية إلى علي بْن أبي طالب : أما بعد ، فإن اللَّه اصطفي محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول إلى خلقه ، واختار له من المسلمين أعوانًا ، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، كان أفضلهم في الإسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة بعده وخليفة خليفته والخليفة المظلوم المقتول ، رحمة اللَّه عليهم ، وقد ذكر لي أنك تنتفي من دمه ، فإن كنت صادقًا فأمكنا ممن قتله حتى نقتله به ، ونحن أسرع إليك إجابة وأطوعهم طاعة ، وإلا فإنه ليس لك ولا لأحد من أصحابك عندنا إلا السيف ، والذي لا إله غيره ، لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال حتى يقتلهم اللَّه أو تلحق أرواحنا بعثمان والسلام . فكتب إليه : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من عَبْد اللَّه علي أمير المؤمنين إلى معاوية بْن أبي سفيان ، أما بعد ، فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك يذكر فيه محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما أنعم اللَّه عليه من الهدى ، والحمد لله على ذلك ، وأما ما ذكرت في ذكر الخلفاء فلعمري إن مقامهم في الإسلام كان عظيمًا ، وإن المصاب بهم لجرح عظيم في الإسلام ، وأما ما ذكرت من قتلة عثمان فإني قد نظرت في هذا الأمر فلم يسعني دفعهم إليك ، وقد كان أبوك أتاني حين ولى الناس أبا بكر ، فقال لي : يا علي ! أنت أحق الناس بهذا الأمر بعد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهات يدك حتى أبايعك ، فلم أفعل مخافة الفرقة في الإسلام ، فأبوك أعرف بحقي منك . فإن كنت تعرف من حقي ما كان يعرفه أبوك فقد قصدت رشدك ، وإن لم تفعل فسيغني اللَّه عنك ، والسلام . فلما قرأ معاوية الكتاب تهيأ هو ومن معه على المسير إلى علي ، ثم سار يريد العراق ، وسار علي من العراق ، وصلى الظهر بين القنطرة والجسر ركعتين ، وبعث على مقدمته شريح بْن هانئ وزياد بْن النضر بْن مالك ، أمر أحدهما أن يأخذ على شط دجلة والآخر على شط الفرات ، معهما أكثر من عشرة آلاف نفس ، واستخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري ، ثم أخذ على طريق الفرات وجعل يقول : إذا سمعتموني أقول " قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فهو كما أقول : وإذا لم أقل قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنما الحرب خدعة . فالتقى علي وأهل الشام بصفين لسبع من المحرم ، فقام علي خطيبًا في الناس فقال : الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض ، وإن أبرم أمرًا لم ينقضه الناقضون ، مع أن لله ، وله الحمد ، لو شاء لم يختلف اثنان من خلقه ، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره ، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ سورة البقرة آية 253 ، وقد ساقتنا وهؤلاء المقادير حتى جمعت بيننا في هذا المكان ، فنحن من ربنا بمنظر ومستمع ، ولو شاء اللَّه لجعل الانتقام ، وكان منه التغيير حتى يتبين أهل الباطل ويعلم أهل الحق أين مصيره ، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة هي دار القرار لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا سورة النجم آية 31 الآية ، إنكم تلقون عدوكم غدًا فأطيلوا الليلة القيام ، وأكثروا فيها تلاوة القرآن ، وسلوه النصر ، وعليكم بالجد والحزم وكونوا صادقين . ثم قعد فوثب الناس إلى سيوفهم يهيئونها ، وإلى رماحهم يثقفونها ، وإلى نبالهم يريشونها ، ثم جعل علي مقدمته شريح بْن هانئ الحارثي والأشتر ، وعلى الميمنة الأشعث بْن قيس ، وعلى الميسرة عَبْد اللَّه بْن عباس ، وعلى الرجالة عَبْد اللَّه بْن ورقاء ، وعلى الساقة زياد بْن النضر ، وعلى ميمنة الرجالة سليمان بْن صرد الخزاعي . ثم قام معاوية خطيبًا في أهل الشام واجتمع الناس فقال : الحمد لله الذي دنا في علوه وعلا في دنوه ، وظهر وبطن فارتفع فوق كل منظر أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا ، يقضي فيفصل ، ويقدر فيغفر ، ويفعل ما يشاء ، وإذا أراد أمرًا أمضاه ، وإذا عزم على أمر قضاه ، لا يؤامر أحدًا فيما يملك ، ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ، والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا ، ثم كانت من قضاء اللَّه أن ساقتنا المقادير إلى هذه الرقعة من الأرض ، ولقت بيننا وبين أهل العراق ، فنحن من اللَّه بمنظر ومستمع ، وقد قال اللَّه : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا سورة البقرة آية 253 الآية ، فانظروا يا أهل الشام ! فإنما تلقون غدًا العدو فكونوا على إحدى ثلاث خلال : إما قوما تطلبون ما عند اللَّه بقتالكم قومًا بغوا عليكم ، وإما قوما تطلبون بدم الخليفة عثمان فإنه خليفتكم وصهر نبيكم ، وإما قومًا تدفعون عن نسائكم وذرايكم ، وعليكم بتقوى اللَّه والصبر الجميل ، نسأل اللَّه لنا ولكم النصر ، فأجابه أهل الشام : طب نفسًا ، نموت معك ونحيا معك . ثم جعل معاوية أبا الأعور عمرو بْن سفيان السلمي على مقدمته ، وحبيب بْن مسلمة الفهري على ميمنته ، ويسر بْن أرطأة على ميسرته ، ومسلم بْن عقبة على رجالة العسكر ؛ فلما كان الغد اقتتلوا قتالا شديدًا ، فحجز بينهم الليل حتى قاتلوا ثلاث أيام ؛ فقتل من أصحاب علي بالمبارزة : هاشم بْن عتبة بْن أبي وقاص ، وعمار بْن ياسر ، وعبد اللَّه بْن بديل بْن ورقاء ، وعمار بْن حنظلة الكندي ، وبشر بْن زهير ، ومالك بْن كعب العامري ، طالب بْن كلثوم الهمداني ، والمرتفع بْن وضاح الزبيدي ، وشريح بْن طارق البكري ، وأسلم بْن يزيد الحارثي ، والحارث بْن اللجاج الحكمي ، وعائذ بْن كريب الهلالي ، وواصل بْن ربيعة الشيباني ، وعائذ بْن مسروق الهمداني ، ومسلم بْن سعيد الباهلي ، ومحارب بْن ضرار المرادي ، وسليمان بْن الحارث الجعفي ، وشرحبيل بْن يزيد الحضرمي . وقتل من أصحاب معاوية في المبارزة : شرحبيل بْن منصور ، وعبد الرزاق بْن خالد العبسي ، وشريح بْن الحارث الكلابي ، وصالح بْن المغيرة الجمحي ، وحريث بْن الصباح الحميري ، والحارث بْن وداعة الحميري ، وروق بْن الحارث العكي ، والمطاع بْن المطلب القيني ، وجلهمة بْن هلال الكلبي ، والوضاح بْن أزهر السكسكي ، ووازع بْن سلامان الغساني ، والمهاجر بْن حنظلة الجعفي ، وعبد اللَّه بْن جرير العكي ، ومالك بْن وديعة القرشي ، سوى من قتل من الفريقين من غير براز . ولما قتل عمار أتى عَبْد اللَّه بْن عمرو معاوية فقال : قتل عمار ، فقال عمرو بْن العاص : قتل عمار ! فما سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " ، فقال معاوية : أنحن قتلناه ! إنما قتله أهل العراق خمسة وعشرون ألفًا ، ومن أهل الشام خمسة وأربعون ألفًا . فلما اشتد البلاء بالفريقين ، وكثر بينهم القتلى ، قال عمرو بْن العاص لمعاوية : إن هذا الأمر لا يزداد إلا شدة ، فهل لك إلى أمر لا يزداد القوم به إلا فرقة ، إن أعطونا اختلفوا وإن منعونًا اختلفوا ؟ فقال معاوية : ما هو ؟ فقال : المصاحف نرفعها وندعوهم بما فيها ، فإنهم لا يقاتلون إلا على ما قد علمت ، فقال معاوية : افعل ما رأيت . فأمر بالمصاحف فرفعت في الرماح ثم جعلوا ينادون : ندعوكم إلى كتاب اللَّه والحكم بما فيه ، فسر الناس به وكرهوا القتال ، وأجابوا إلى الصلح ، وأنابوا إلى الحكومة ، وقالوا لعلي : إن القوم يدعونك إلى الحق وإلى كتاب اللَّه ، فإن كرهن ذلك فنحن إذًا مثلهم ، فقال علي : ويحكم ! ما ذلك يريدون ولا يفعلون ، ثم مشى الناس بعضهم إلى بعض وأجابوا الصلح والحكومة ، وتفرقوا إلى دفن قتلاهم ، ولم يجد علي بدا من أن يقبل الحكومة لما رأى من أصحابه ، فحكم أهل الشام عمرو بْن العاص ، وأراد علي أن يحكم ابن عباس فقال الأشعث بْن قيس وهو يومئذ سيد الناس : لا يحكم في هذا الأمر رجلان من قريش ، ولا افترق الفريقان على هذا الجمع على حكومة بعد أن كان من القتال بينهما ما كان إلا وأحد الحكمين منا ، وتبعه أهل اليمن على ذلك ، ثم قال الأشعث : لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري . وكتبوا بينهم كتابي الصلح : " بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما تقاضي عليه علي بْن أبي طالب ومعاوية بْن أبي سفيان ، قاضي علي على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين ، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعته من المسلمين أنا ننزل على حكم اللَّه وكتابه ، فما وجد الحكمان في كتاب اللَّه فهما يتبعانه ، وما لم يجدا في كتاب اللَّه فالسنة العادلة تجمعهما ، وهما آمنان على أموالهما وأنفسهما وأهاليهما ، والأمة أنصار لهما على الذي يقضيان عليه ، وعلى المؤمنين والمسلمين ، والطائفتان كلتاهما عليهما ، عهد اللَّه وميثاقه أن يفيا بما في هذه الصحيفة ، على أن بين المسلمين الأمن ووضع السلاح ، وعلى عَبْد اللَّه بْن قيس وعمرو بْن العاص عهد اللَّه وميثاقه ليحكما بين الناس بما في هذه الصحيفة ، على أن الفريقين جميعًا يرجعان سنة ، فإذا انقضت السنة إن أحبا أن يردا ذلك ردًا ، وإن أحبا زادا فيهما ما شاء اللَّه ، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة " . وشهد على الصحيفة فريق عشرة أنفس ، فشهد من أصحاب : الأشعث بْن قيس ، وعبد اللَّه بْن عباس ، وسعيد بْن قيس الهمداني ، وحجر بْن الأدبر الكندي ، وعبد اللَّه بْن الطفيل العامري ، وعبد اللَّه بْن محل العجلي ، ووقاء بْن سمي البجلي ، وعقبة بْن زيد الأنصاري ، ويزيد بْن حجية التيمي ، ومالك بْن أوس الرحبي . وشهد من أهل الشام : أبو الأعور السلمي ، وحبيب بْن مسلمة الفهري ، والمخارق بْن الحارث الزبيدي ، وعلقمة بْن يزيد الحضرمي ، وسبيع بْن يزيد الحضرمي ، وزمل بْن عمرو العذري ، ويزيد بْن الحر العبسي ، وحمزة بْن مالك الهمداني ، وعَبْد الرحمن بْن خالد بْن الوليد ، وعتبة بْن أبي سفيان . وكتب يوم الأربعاء سنة سبع وثلاثين . فانصرف علي بمن معه من أهل العراق ، وانصرف معاوية بمن معه إلى الشام ، فقال عَبْد اللَّه بْن وهب الحرمي ، وكان من أصحاب علي : لا حكم إلا لله ، فقال علي : هذه كلمة حق أريد بها باطل ؛ فلما دخل علي الكوفة خرج من كان يقول : لا حكم إلا لله ، ونزلوا بحروراء وهم قريب من اثني عشر ألفًا ، فسموا الحرورية ، ومناديهم ينادي : أمير القتال شبث بْن ربعي التميمي ، والأمر بعد الفتح شورى ، والبيعة لله . ومات خباب بْن الأرت بالكوفة . فخرج علي من صفين ، وولى علي سهل بْن حنيف فارس ، فأخرجه أهل فارس ، فوجه زيادا فرضوا وصالحوه وأدوا إليه الخراج . ثم إن الخوارج اجتمعت على زيد بْن حصين وقالوا له : أنت سيدنا وشيخنا وعامل عمر بْن الخطاب على الكوفة ، تول أمرنا ، وجهروا به ، فقال : ما كنت لأفعلها ؛ فلما أبى عليهم ذلك ذهبوا إلى يزيد بْن عاصم المحاربي فعرضوا عليه أمرهم فأبى عليهم ذلك ، ثم ذهبوا إلى سعد بْن وائل التيمي فأبى عليهم ، فأتوا عَبْد اللَّه بْن وهب الراسبي واجتمعوا عنده بقرب النهروان ، وخرج إليهم علي في جمعية ، فلما أتاهم حمد اللَّه وأثني عليه ثم قال : إنكم أيها القوم قد علمتم وعلم اللَّه أني كنت للحكومة كارهًا حتى أشرتم علي بها وغلبتموني عليها والله بيني وبينكم شهيد ، ثم كتبنا بينا وبينهم كتابًا وأنتم على ذلك من الشاهدين ، فقالت طائفة من القوم : صدقت ، ورجعوا إلى الجماعة ، وبقيت طائفة منهم على قولهم ، فقال علي : هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا سورة الكهف آية 103 ، منهم أهل النهروان ورب الكعبة . ثم انهم عبروا الجسر إلى علي ليحاربوه ، فلما عبروا الجسر نادي علي في العسكر : استقبلوهم ، فاستقبلوهم والتقطوهم بالرماح ، فكان مع علي جمعية يسيرة ، إنما جاء على أن يردهم بالكلام ، وقد كانت الخوارج قريبًا من خمسة آلاف ، فلما فرغوا من قتلهم قال علي : اطلبوا لي المخدع ، فطلبوه فلم يجدوه ، فقال : اطلبوا المخدع ، فوالله ما كذبت ولا كُذِبت ، ثم دعا ببلغته البيضاء فركبها وجعل يقلب القتلى حتى أتى على فضاء الأرض فقال : قلبوا هؤلاء ، فإذا هم برجل ليس له ساعد ، بين جنبيه ثدي فيه شعرات إذا مدت امتدت ، وإذا تركت قلصت ، فقال علي : اللَّه أكبر ، سمعت رسول اللَّه يقول : " يخرج قوم فيهم رجل مخدع اليد " ، ولولا أن تنكلوا عن العمل لأنبأتكم بما وعد اللَّه الذين يقاتلونهم على لسان مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم حج بالناس عَبْد اللَّه بْن عباس . فلما دخلت السنة الثامنة والثلاثون اجتمعوا لميعادهم مع الحكمين بأذرح ، وحضر فيهم من أهل المدينة سعد بْن أبي وقاص ، وعبد اللَّه بْن الزبير ، وابن عمر ، ولم يخرج علي بنفسه ، ووافى معاوية في أهل الشام وكان بينه وبين أبي موسى الشعري ما كان ، وافترق الناس ورجعوا إلى أوطانهم ، وندم عَبْد اللَّه بْن عمر على حضوره أذرح ، فأحرم من بيت المقدس تلك السنة ورجع إلى مكة . واستشار معاوية أصحابه في مُحَمَّد بْن أبي بكر ، وكان واليًا على مصر ، فأجمعوا على المسير إليه ، فخرج عمرو بْن العاص في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي ومعاوية بْن حديج ، فالتقوا بالمسناة وقاتلوا قتالا شديدًا ، وقتل كنانة بْن بشر بْن عتاب التجيني ، وانهزم مُحَمَّد بْن أبي بكر وقاتل حتى قتل ، وقد قيل : إنه أدخل في جوف حمار ميت ، ثم أحرق بالنار . فلما بلغ عليًا سرور معاوية بقتله قال : لقد حزنا عليه بقدر سرورهم بقتله ، ثم ولى علي الأشتر على مصر . ومات صهيب بْن سنان . فلما بلغ معاوية خبر مسير الأشتر إلى مصر قال : إنه ليأتي وعامة أهل مصر أهل اليمن وهو يماني ، وكتب إلى دهقان بالعريش : إن احتلت في الأشتر فلك علي أن أخرج خراجك عشرين سنة ، فقدم الأشتر على امرأة من حمير يقال لها ليلي بنت النعمان ، فتطلف له الدهقان وسأله : أي الشراب أحب إليك ؟ قال : العسل ، قال : عندي عسل من عسل برقة لم ير مثله ، ثم قدمه إليه فسقته منه ، فمات من ساعته . فبلغ ذلك معاوية فقال : إن لله جنودًا في العسل . ومات صفوان ابن بيضاء في رمضان وكان قد شهد بدرًا ، ومات سهل بْن حنيف بالكوفة وصلى عليه . وحج بالناس قثم بْن العباس . فلما دخلت السنة التاسعة والثلاثون استعمل علي يزيد بْن حجية التميمي على الري ، ثم كتب إليه بعد مدة أن أقدم ، فقدم على علي فقال له : أين ما غللت من مال اللَّه ؟ قال : ما غللت ، فخفقه بالدرة خفقات وحبسه في داره ، فلما كان في بعض الليالي قرب يزيد البواب وما حله ، ولحق بالرقة وأقام بها حتى أتاه إذن معاوية ، فلما بلغ عليا لحوقه معاوية قال : اللهم إن يزيد أذهب بمال المسلمين ولحق بالقوم الظالمين ، اللهم ، فاكفنا مكره وكيده . ثم وجه معاوية خيلا فيهم الضحاك بْن قيس الفهري ، وسفيان بْن عوف الدابري ، فأغار سفيان على الأنبار وفيها مسلحة لعلي ، فلما بلغ عليا خروجهم خرج من بيته والناس في المسجد ، فلما رأوه صاحوا ، قال : اسكتوا اسكتوا ، فلما سكتوا قال : شاهت الوجوه ! شاهت الوجوه ! إن قلت : نعم ، قلتم : لا ، وإن قلت : لا ، قلتم : نعم ، إن استنفرتكم في الحر قلتم : الحر شديد ، فإذا جاء الشتاء نفرنًا ، وإذا جاء الشتاء واستنفرتكم قلتم : البرد شديد ، وإذا كان الصيف نفرنًا ، إن عدوكم يجد من الهناء ما تجدون ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع ، وددت أن لي بجماعتكم ألف فارس . ثم بعث معاوية بسر بْن أرطاة ، أحد بني عامر بْن لؤي ، في جيش من أهل الشام إلى المدينة وعليها أبو أيوب الأنصاري ، فهرب منه أبو أيوب ولحق عليا بالكوفة ، ولم يقاتله أحد بالمدينة حتى دخلها ، فصعد منبر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل ينادي : يا أهل المدينة ! والله لولا ما عهد إلى أمير المؤمنين معاوية ما تركت فيها محتلمًا إلا قتلته ، فبايع أهل المدينة معاوية ، وأرسل إلى بني سلمة : ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بْن عَبْد اللَّه ، فدخل جابر بْن عَبْد اللَّه على أم سلمة وقال : يا أماه ! إني خشيت على دمي ، وهذه بيعة ضلالة ، فقالت : أرى أن تبايع ، فخرج جابر بْن عَبْد اللَّه فبايع بسر بْن أرطاة لمعاوية كارهًا ، ثم خرج بسر حتى أتى مكة ، فخافه أبو موسى الأشعري وكان والي لعلي ، وتنحى عن مكة حتى دخلها ، ثم مضى إلى اليمن وعليها عبيد اللَّه بْن عباس بْن عَبْد المطلب عامل علي ، فلما سمع به عبيد اللَّه هرب ، واستخلف على اليمن عَبْد اللَّه بْن عَبْد المدان ، وكانت ابنته تحت عبيد اللَّه بْن عباس ، فلما قدم بسر اليمن قتل عبد الله بْن عَبْد المدان ، وأخذ ابنين لعبيد اللَّه بْن عباس بْن عَبْد المطلب ، من أحسن الصبيان ، صغيرين كأنهما درتان ، ففعل بهما ما فعل . فلما حضر الموسم بعث علي على الحج عَبْد اللَّه بْن عباس ، وبعث معاوية يزيد بْن شجرة الرهاوي ، فاجتمعا بمكة وتنازعا ، وأبى كل واحد منهم أن يسلم لصاحبه إقامة الحج ، فاجتمع الناس على شيبة بْن عثمان بْن أبي طلحة ، فحج الناس شيبة بْن عثمان . فلما دخلت السنة الأربعون وبلغ الخبر عليًا بما فعل بسر بْن أرطاة باليمن وما كان من أمر بني عبيد اللَّه بْن عباس بْن عَبْد المطلب خطبهم وقال : لقد خفت أن يظهر مولى القوم عليكم ، ما يظهرون عليكم بأن يكونوا بالحق أولى منكم ، ولكن بصلحهم في بلادهم وفسادكم في بلادكم ، واجتماعهم على باطلهم ، وتفركم عن حقكم ، وأدائهم الأمانة وخيانتكم ، والله والله لو استعملت فلانًا لخان وغدر ، ثلاثًا ! ولو بعثه معاوية لم يخنه ولا غدره ، اللهم ، قد مللتهم وملوني ، وسئمتهم وسئموني ، وكرهتهم كرهوني ، فأرحني منهم وأرحم مني ، وأبدلني بمن هو خير لي منهم وأبدلهم بمن هو شر لهم مني . ثم كان قتل علي بْن أبي طالب . وكان السبب في ذلك أن عَبْد الرحمن بْن ملجم المرادي أبصر امرأة من بني تيم الرباب يقال لها قطام ، وكانت من أجمل أهل زمانها ، وكانت ترى رأي الخوارج ، فولع بها فقالت : لا أتزوج بك إلا على ثلاثة آلاف وقتل علي بْن أبي طالب ، فقال لها : لك ذلك ، فتزوجا وبنى بها ، فقالت له : يا هذا ، قد عرفت الشرط ، فخرج عَبْد الرحمن بْن ملجم ومعه سيف مسلول حتى أتى مسجد الكوفة ، وخرج علي من داره وأتى المسجد وهو يقول : أيها الناس ! الصلاة الصلاة ! أيها الناس ! الصلاة الصلاة ! . وكانت تلك ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان ، فصادفه عَبْد الرحمن بْن ملجم من خلفه ثم ضربه بالسيف ضربة من قرنه إلى جبهته ، وأصاب السيف الحائط فثلم فيه ، ثم ألقى السيف من يده ، وأقبل الناس عليه فجعل ابن ملجم يقول للناس : إياكم والسيف فإنه مسموم ! وقد سمه شهرًا ، فأخذوه ، ورجع علي بْن أبي طالب إلى داره ، ثم أدخل عليه عَبْد الرحمن بْن ملجم ، فقالت أم كلثوم بنت علي : يا عدو اللَّه ! قتلت أمير المؤمنين ، فقال : لم أقتل إلا أباك ، فقالت : إني لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين من بأس ، فقال عَبْد الرحمن بْن ملجم : فلم تبكين إذا ؟ فوالله سممته شهرًا ! فإن أخلفني أبعده اللَّه وأسحقه ، فقال علي : احبسوه وأطيبوا طعامه وألينوا فراشه ، فإن أعش فعفو أو قصاص ، وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين . فمات علي بْن أبي طالب غداة يوم الجمعة ، فأخذ عَبْد اللَّه بْن جعفر ، والحسن بْن علي ، ومحمد ابن الحنفية عَبْد الرحمن بْن ملجم ، فقطعوا يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم ، ثم كحلوا عينيه بملمول محمى ، ثم قطعوا لسانه وأحرقوه بالنار ، وكان لعلي يوم مات اثنتان وستون سنة ، وكانت خلافته خمس سنين وثلاثة أشهر . واختلفوا في موضع قبره ولم يصح عندي شيء من ذلك فأذكره ، وقد قيل : إنه دفن بالكوفة في قصر الإمارة عند مسجد الجماعة ، وهو ابن ثلاث وستين . ثم قام الحسن بعد دفن أبيه خطيبًا في الناس فحمد اللَّه وأثني عليه ثم قال : والله لقد مات فيكم رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون ، لقد كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليبعثه بالبعث ويعطيه الراية فما يرجع حتى يفتح الله عليه ، يقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، ولا ترك بيضاء ولا صفراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادمًا . وكان لعلي بْن أبي طالب خمسة وعشرون ولدًا ، من الولد : الحسن ، والحسين ، ومحسن ، وأم كلثوم الكبرى ، وزينب الكبرى ، وهؤلاء الخمسة من فاطمة بنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان له من غيرها : مُحَمَّد بْن علي ، وعبيد اللَّه ، وعمر ، وأبو بكر ، ويحيى ، وجعفر ، والعباس ، وعبد اللَّه ، ورقية ، ورملة ، وأم الحسن ، وأم كلثوم الصغرى ، وزينب الصغرى ، وجمانة ، وميمونة ، وخديجة ، وفاطمة ، وأم الكرام ، وأم سلمة ، ورضي اللَّه عنهم أجمعين .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد