← الأم للشافعي
الأم للشافعي
#2072 مقبول 7 : 324 ☰ باب إبطال الاستحسان
A− A+

2054 أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° , عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ° , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ° , عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ° , عَنْ أَبِي قَيْسٍ ° مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ° , أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ : " إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " .

قَالَ يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ , فَقَالَ : هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا مَعْنَى هَذَا ؟ قِيلَ : مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ إذَا اجْتَهَدَ فَجَمَعَ الصَّوَابَ بِالِاجْتِهَادِ وَصَوَابَ الْعَيْنِ الَّتِي اجْتَهَدَ كَانَ لَهُ حَسَنَتَانِ , وَإِذَا أَصَابَ الِاجْتِهَادَ وَأَخْطَأَ الْعَيْنَ الَّتِي أَمَرَ يَجْتَهِدُ فِي طَلَبِهَا كَانَتْ لَهُ حَسَنَةٌ , وَلَا يُثَابُ مَنْ يُؤَدِّي فِي أَنْ يُخْطِئَ الْعَيْنَ وَيُحْسِنُ مَنْ يُؤَدِّي أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتُ ، مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ صَوَابَ الْعَيْنِ فِي حَالٍ , فَإِنْ قِيلَ : ذَمَّ اللَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ , قِيلَ : الِاخْتِلَافُ وَجْهَانِ , فَمَا أَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا اتِّبَاعُهُ وَلَا لَهُمْ مُفَارَقَتُهُ , فَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَلِكَ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَالَّذِي لَا يَحِلُّ الِاخْتِلَافُ فِيهِ , فَإِنْ قَالَ : فَأَيْنَ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ سورة البينة آية 4 ، فَمَنْ خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَوْ سُنَّةً قَائِمَةً فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْخِلَافُ , وَلَا أَحْسَبُهُ يَحِلُّ لَهُ خِلَافَ جَمَاعَةِ النَّاسِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِمْ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ , وَمَنْ خَالَفَ فِي أَمْرٍ لَهُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، فَذَهَبَ إلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَلَائِلُ ، لَمْ يَكُنْ فِي مِنْ خِلَافٍ لِغَيْرِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ حِينَئِذٍ كِتَابًا نَصَّا وَلَا سُنَّةً قَائِمَةً وَلَا جَمَاعَةً وَلَا قِيَاسًا ، بِأَنَّهُ إنَّمَا نَظَرَ فِي الْقِيَاسِ فَأَدَّاهُ إلَى غَيْرِ مَا أَدَّى صَاحِبَهُ إلَيْهِ الْقِيَاسُ , كَمَا أَدَّاهُ فِي التَّوَجُّهِ لِلْبَيْتِ بِدَلَالَةِ النُّجُومِ إلَى غَيْرِ مَا أَدَّى إلَيْهِ صَاحِبَهُ , فَإِنْ قَالَ : وَيَكُونُ هَذَا فِي الْحُكْمِ ؟ قِيلَ : نَعَمْ , فَإِنْ قِيلَ : فَمِثْلُ هَذَا إذَا كَانَ فِي الْحُكْمِ دَلَالَةٌ عَلَى مَوْضِعِ الصَّوَابِ , قِيلَ : قَدْ عَرَفْنَاهَا فِي بَعْضِهِ , وَذَلِكَ أَنْ تَنْزِلَ نَازِلَةٌ تَحْتَمِلُ أَنْ تُقَاسَ ، فَيُوجَدَ لَهَا فِي الْأَصْلَيْنِ شَبَهٌ , فَيَذْهَبُ ذَاهِبٌ إلَى أَصْلٍ وَالْآخَرُ إلَى أَصْلٍ غَيْرِهِ فَيَخْتَلِفَانِ , فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يُوجَدُ السَّبِيلُ إلَى أَنْ يُقِيمَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ حُجَّةً فِي بَعْضِ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ ؟ قِيلَ : نَعَمْ , إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ تُنْظَرَ النَّازِلَةُ , فَإِنْ كَانَتْ تُشْبِهُ أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ فِي مَعْنًى وَالْآخَرَ فِي اثْنَيْنِ صُرِفَتْ إلَى الَّذِي أَشْبَهَتْهُ فِي الِاثْنَيْنِ دُونَ الَّذِي أَشْبَهَتْهُ فِي وَاحِدٍ , وَهَكَذَا إذَا كَانَ شَبِيهًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ أَكْثَرَ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَثِّلْ مِنْ هَذَا شَيْئًا , قِيلَ : لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ فِي أَنْ لَا دِيَةَ لِلْعَبْدِ يُقْتَلُ خَطَأً مُؤَقَّتَةً إلَّا قِيمَتَهُ , فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إلَى أَنْ تَكُونَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَعَلَى مَنْ قَتَلَهُ , وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ إلَى أَنَّهُ إنْ زَادَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ نَقَصَهَا مِنْ عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ , وَقَالَ : لَا أَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ حُرٍّ , وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : نَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ أَحْرَارٍ , فَإِذَا كَانَ ثَمَنُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا صَاحِبُهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا أَنَّهَا ثَمَنُهُ , وَكَذَلِكَ إذَا زَادَتْ عَلَى دِيَةِ أَحْرَارٍ أَخَذَهَا سَيِّدُهُ ، كَمَا تُقْتَلُ لَهُ دَابَّةٌ تَسْوَى دِيَاتِ أَحْرَارٍ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ كَانَ ، وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمَشْرِقِيِّينَ : أَمْرًا لَا يَجُوزُ الْخَطَأُ فِيهِ لِمَا وَصَفْتُ , ثُمَّ عَادَ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ ، فَقَالَ : يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَآخُذُ الْأَحْرَارَ بِالْعَبِيدِ ، وَلَا يَقْتَصُّ الْعَبْدُ مِنْ حُرٍّ ، وَلَا مِنَ الْعَبْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ , فَقُلْتُ لِبَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ : وَلِمَ قَتَلْتُمُ الْعَبْدَ وَالْأَعْبُدَ بِالْعَبْدِ قَوَدًا , وَلَمْ تُقَيِّدُوا الْعَبْدَ مِنَ الْعَبْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ؟ قَالَ مِنْ أَصْلِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ فِي الْعَبِيدِ : إذَا قُتِلُوا خَطَأً أَنَّ فِيهِمْ أَثْمَانَهُمْ ، وَأَثْمَانُهُمْ كَالدَّوَابِّ وَالْمَتَاعِ , فَقُلْنَا : لَا نَقْصَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَمْوَالٌ , فَقُلْتُ لَهُمْ : أَفَيُقَاسُ الْقِصَاصُ عَلَى الدِّيَاتِ وَالْأَثْمَانِ ، أَمِ الْقِصَاصُ مُخَالِفٌ لِلدِّيَاتِ وَالْأَثْمَانِ ؟ فَإِنْ كَانَ يُقَاسُ عَلَى الدِّيَاتِ فَلَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا قَتَلْتَ عَبْدًا يَسْوَى أَلْفَ دِينَارٍ بِعَبْدِ يَسْوَى خَمْسَةَ دَنَانِيرَ , وَقَتَلْتَ بِهِ عَبِيدًا كُلُّهُمْ ثَمَنُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ , وَلَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا حِينَ قَتَلْتَ بَعْضَ الْعَبِيدِ بِبَعْضٍ ، وَأَنْتَ تُمَثِّلُهُمْ بِالْبَهَائِمِ وَالْمَتَاعِ , وَأَنْ لَا تَقْتُلُ بَهِيمَةً بِبَهِيمَةٍ لَوْ قَتَلَتْهَا , فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ الدِّيَاتِ أَصْلٌ وَالدِّيَاتُ عِبْرَةٌ ؛ لِأَنَّكَ تَقْتُلُ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ وَدِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ , فَلَمْ تَذْهَبْ مَذْهَبًا بِتَرْكِكَ الْقِصَاصَ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، إذَا قَتَلْتَ الْعَبْدَ بِالْعَبْدِ كَانَ أَنْ يَتْلَفَ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ أَقَلَّ , وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهُمْ مَعَ مَا يَلْزَمُكَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ , قَالَ : وَمَا يَلْزَمُنِي بِقَوْلِي هَذَا ؟ قُلْتُ : أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى مَنْ قَتَلَ الْحُرَّ مِنَ الْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عَلَيْهِ فَرْضُ اللَّهِ وَلَهُ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ , وَلَا تَزْعُمُ هَذَا فِيمَنْ قَتَلَ بَعِيرًا أَوْ حَرَقَ مَتَاعًا , وَتَزْعُمُ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ حَلَالًا وَحَرَامًا وَحُدُودًا وَفَرَائِضَ ، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْبَهَائِمِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ عَلَى عِبَادِهِ حُكْمَيْنِ ؛ حُكْمًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ أنْ أثَابَهُمْ وَعَاقَبَهُمْ عَلَى مَا أَسَرُّوا كَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِيمَا أَعْلَنُوا , وَأَعْلَمَهُمْ إقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَبَيَّنَهَا لَهُمْ ، أَنَّهُ عَلِمَ سَرَائِرَهُمْ وَعَلِمَ عَلَانِيَتَهُمْ , فَقَالَ : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى سورة طه آية 7 , وَقَالَ : يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ سورة غافر آية 19 ، وَخَلْقُهُ لَا يَعْلَمُونَ إلَّا مَا شَاءَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَحَجَبَ عِلْمَ السَّرَائِرِ عَنْ عِبَادِهِ وَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلًا ، فَقَامُوا بِأَحْكَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ , وَأَبَانَ لِرُسُلِهِ وَخَلْقِهِ أَحْكَامَ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا أَظْهَرُوا , وَأَبَاحَ دِمَاءَ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْ خَلْقِهِ , فَقَالَ : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ سورة التوبة آية 5 ، وَحَرَّمَ دِمَاءَهُمْ إنْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ , فَقَالَ : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ سورة الأنفال آية 39 , وَقَالَ : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً سورة النساء آية 92 , وَقَالَ : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ سورة النساء آية 93 ، فَجَعَلَ حِينَئِذٍ دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ مُبَاحَةً وَقِتَالَهُمْ حَتْمًا وَفَرْضًا عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُظْهِرُوا الْإِيمَانَ , ثُمَّ أَظْهَرَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ , فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ مَا يُخْفُونَ خِلَافَ مَا يُعْلِنُونَ , فَقَالَ : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ سورة التوبة آية 74 , وَقَالَ : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ سورة التوبة آية 95 ، مَعَ مَا ذَكَرَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لِنَبِيِّهِ قَتْلَهُمْ إذَا أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ , وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَاكَحَةَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مُوَارَثَتَهُمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَرَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَإِذَا قالوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " , وَقَالَ الْمِقْدَادُ : أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَنَّ مُشْرِكًا قَاتَلَنِي فَقَطَعَ يَدِي , ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَأَسْلَمَ , أَفَأَقْتُلُهُ ؟ قَالَ : " لَا تَقْتُلْهُ " , وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ سورة النور آية 6 , قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ سورة النور آية 8 ، الْآيَةَ . فَحَكَمَ بِالْأَيْمَانِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ يَعْلَمُ مِنَ الْمَرْأَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْأَجْنَبِيُّونَ , وَدَرَأَ عَنْهُ وَعَنْهَا بِهَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ , وَحَكَمَ فِي الرَّجُلِ يَقْذِفُ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَنْ يُحَدَّ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى مَا قَالَ , وَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ بِنَفْيِ زَوْجِهَا وَقَذْفِهَا بِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ ؛ يَعْنِي الْوَلَدَ , أَسْحَمَ أَدْعَجَ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ ، فَلَا أَرَاهُ إلَّا صَدَقَ " ، وَتِلْكَ صِفَةُ شَرِيكٍ الَّذِي قَذَفَهَا بِهِ زَوْجُهَا ، وَزَعَمَ أَنَّ حَبَلَهَا مِنْهُ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحِرَةٌ ، فَلَا أَرَاهُ إلَّا كَذَبَ عَلَيْهَا " , وَكَانَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ صِفَةَ زَوْجِهَا ، فَجَاءَتْ بِهِ يُشْبِهُ شَرِيكَ ابْنَ السَّحْمَاءِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ اللَّهُ " ؛ أَيْ : لَكَانَ لِي فِيهِ قَضَاءٌ غَيْرُهُ , يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ , لِبَيَانِ الدَّلَالَةِ بِصِدْقِ زَوْجِهَا , فَلَمَّا كَانَتِ الدَّلَالَةُ لَا تَكُونُ عِنْدَ الْعِبَادِ إحَاطَةً دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إبْطَالِ كُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ إحَاطَةً عِنْدَ الْعِبَادِ مِنَ الدَّلَائِلِ ، إنْ لَمْ يُقِرُّوا بِهِ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْتَنِعْ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ تَقُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُؤْخَذَ لَا يُؤْخَذُ بِدَلَالَةٍ , وَطَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدٍ يَزِيدَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ , ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَهُ مَا أَرَادَ إلَّا وَاحِدَةً وَرَدَّهَا عَلَيْهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : لَمَّا كَانَ كَلَامُهُ مُحْتَمِلًا لَأَنْ لَمْ يُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ , كَمَا حَكَمَ اللَّهُ فِيمَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي الدُّنْيَا ، فَيَنْكِحُ الْمُؤْمِنَاتِ وَيُوَارِثُ الْمُؤْمِنِينَ , وَأَعْلَمَ بِأَنَّ سَرَائِرَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَا أَظْهَرُوا , وَأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ طَلَاقَ الْبَتَّة أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِبْتَاتَ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ مِنَ الطَّلَاقِ , وَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ , فَقَالَ : إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ ، فَجَعَلَ يُعَرِّضُ بِالْقَذْفِ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ ؟ " قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : " مَا أَلْوَانُهَا " , قَالَ : حُمْرٌ , قَالَ : " فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : " فَأَنَّى أَتَاهُ ؟ " قَالَ : لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقُ , قَالَ : " وَلَعَلَّ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ " , وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِحَدٍّ وَلَا لِعَانٍ ؛ إذْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْقَذْفِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ أَرَادَ قَذْفًا ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى سَامِعِهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَذْفَ ، مَعَ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتَ ، مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالظَّنِّ , وَإِنْ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ دَلَائِلُ قَرِيبَةٌ فَلَا يَحْكُمُ إلَّا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْبَيِّنَةِ تَقُومُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ إقْرَارٍ مِنْهُ بِالْأَمْرِ الْبَيِّنِ , وَكَمَا حَكَمَ اللَّهُ أَنَّ مَا أَظْهَرَ فَلَهُ حُكْمُهُ ، كَذَلِكَ حَكَمَ أَنَّ مَا أَظْهَرَ فَعَلَيْهِ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَ الدَّمَ بِالْكُفْرِ , وَإِنْ كَانَ قَوْلًا فَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْعِبَادِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ إلَّا بِالظَّاهِرِ لَا بِالدَّلَائِلِ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد العزيز بن محمد الدراوردي وهو صدوق حسن الحديث ، رجاله رجال البخاري عدا عبد العزيز بن محمد الدراوردي روى له البخاري مقرونًا بغيره ومحمد بن إدريس الشافعي روى له البخاري تعليقًا
شجرة الإسناد