2053 أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° , عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ° ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ ° , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ ، وَلَا شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ إلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ ، وَإِنَّ الرَّوْحَ الْأَمِينَ قَدْ أَلْقَى فِي رَوْعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ " .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ قِيلَ : مَا لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا إنَّمَا أَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فِي رَوْعِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، فَكَانَ وَحْيًا إلَيْهِ , وَقِيلَ : جَعَلَ اللَّهُ إلَيْهِ لِمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أَنْ يُسِنَّ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَقَدْ أَلْزَمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمُ الْخِيرَةَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِيمَا سَنَّ لَهُمْ وَفَرَضَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا الْحُجَّةُ فِي قَبُولِ مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ؟ قِيلَ : لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لِلُّزُومِ جَمَاعَتِهِمْ مَعْنًى إلَّا لُزُومَ قَوْلِ جَمَاعَتِهِمْ ، وَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ جَمَاعَتَهُمْ لَا تَجْهَلُ كُلُّهَا حُكْمًا لِلَّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ الْجَهْلَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي خَاصٍّ , وَأَمَّا مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ الْجَهْلُ , فَمَنْ قَبِلَ قَوْلَ جَمَاعَتِهِمْ فَبِدَلَالَةِ سنة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَرَأَيْتَ مَا لَمْ يَمْضِ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا يُوجَدُ النَّاسُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ , فَأَمَرْتُ بِأَنْ يُؤْخَذَ قِيَاسًا عَلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ، أَيُقَالُ لِهَذَا : قُبِلَ عَنِ اللَّهِ ؟ قِيلَ : نَعَمْ , قُبِلَتْ جُمْلَتُهُ عَنِ اللَّهِ , فَإِنْ قِيلَ : مَا جُمْلَتُهُ ؟ قِيلَ : الِاجْتِهَادُ فِيهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , فَإِنْ قِيلَ : أَفَيُوجَدُ فِي الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَنْ مَا وَصَفْتُ ؟ قِيلَ : نَعَمْ , نَسَخَ اللَّهُ قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَفَرَضَ عَلَى النَّاسِ التَّوَجُّهَ إلَى الْبَيْتِ , فَكَانَ عَلَى مَنْ رَأَى الْبَيْتَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهِ بِالْعِيَانِ , وَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ الْبَيْتُ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , فَكَانَ الْمُحِيطُ بِأَنَّهُ أَصَابَ الْبَيْتَ بِالْمُعَايَنَةِ ، وَالْمُتَوَجِّهُ قَصَدَ الْبَيْتَ مِمَّنْ غَابَ عَنْهُ ، قَابِلَيْنِ عَنِ اللَّهِ مَعًا التَّوَجُّهَ إلَيْهِ , وَأَحَدُهُمَا عَلَى الْإِحَاطَةِ وَالْآخَرُ مُتَوَجِّهٌ بِدَلَالَةٍ ، فَهُوَ عَلَى إحَاطَةٍ مِنْ صَوَابِ جُمْلَةِ مَا كُلِّفَ ، وَعَلَى غَيْرِ إحَاطَةٍ كَإِحَاطَةِ الَّذِي يَرَى الْبَيْتَ مِنْ صَوَابِ الْبَيْتِ , وَلَمْ يُكَلَّفِ الْإِحَاطَةَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ قِيلَ : فبمَ يُتَوَجَّهُ إلَى الْبَيْتِ ؟ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ سورة الأنعام آية 97 , وَقَالَ : وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ سورة النحل آية 16 . وَكَانَتِ الْعَلَامَاتُ جِبَالًا يَعْرِفُونَ مَوَاضِعَهَا مِنَ الْأَرْضِ , وَشَمْسًا وَقَمَرًا وَنَجْمًا ، مِمَّا يَعْرِفُونَ مِنَ الْفَلَكِ , وَرِيَاحًا يَعْرِفُونَ مَهَابَّهَا عَلَى الْهَوَاءِ ، تَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ , فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ طَلَبَ الدَّلَائِلِ عَلَى شَطْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَقَالَ : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ سورة البقرة آية 150 ، وَكَانَ مَعْقُولًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْمُرُهُمْ بِتَوْلِيَةِ وُجُوهِهِمْ شَطْرَهُ ، بِطَلَبِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهِ ، لَا بِمَا اسْتَحْسَنُوا ، وَلَا بِمَا سَنَحَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى أَوْهَامِهِمْ بِلَا دَلَالَةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ قَضَى أَنْ لَا يَتْرُكَهُمْ سُدًى , وَكَانَ مَعْقُولًا عَنْهُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَوَجَّهُوا شَطْرَهُ ، وَغَيَّبَ عَنْهُمْ عَيْنَهُ ، أَنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ أَنْ يَتَوَجَّهُوا حَيْثُ شَاءُوا ، لَا قَاصِدِينَ لَهُ بِطَلَبِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ سورة الطلاق آية 2 , قَالَ : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ سورة البقرة آية 282 ، فَكَانَ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَقْبَلُوا إلَّا عَدْلًا فِي الظَّاهِرِ , وَكَانَتْ صِفَاتُ الْعَدْلِ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفَةً , وَقَدْ وَصَفْتهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , وَقَدْ يَكُونُ فِي الظَّاهِرِ عَدْلًا وَسَرِيرَتُهُ غَيْرُ عَدْلٍ , وَلَكِنَّ اللَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ مَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُمُ السَّبِيلَ إلَى عَمَلِهِ , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إذا كَانَ يُمْكِنُ إلَّا أَنْ يَرُدُّوا مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ خِلَافُ الْعَدْلِ عِنْدَهُمْ , وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ خِلَافُ الْعَدْلِ خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، مِنَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ الْعَدْلُ , وَلَكِنْ كُلِّفُوا أَنْ يَجْتَهِدُوا عَلَى مَا يَعْلَمُونَ مِنَ الظَّاهِرِ الَّذِي لَمْ يُؤْتَوْا أَكْثَرَ مِنْهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ سورة المائدة آية 95 ، فَكَانَ مَعْقُولًا عَنِ اللَّهِ فِي الصَّيْدِ النَّعَامَةُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ وَحِمَارُهُ وَالثَّيْتَلُ وَالظَّبْيُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْأَرْنَبُ وَالْيَرْبُوعُ وَغَيْرُهُ , وَمَعْقُولًا أَنَّ النَّعَمَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ، وَفِي هَذَا مَا يَصْغُرُ عَنِ الْغَنَمِ وَعَنِ الْإِبِلِ وَعَنِ الْبَقَرِ ، فَلَمْ يَكُنِ الْمِثْلُ فِيهِ فِي الْمَعْقُولِ ، وَفِيمَا حَكَمَ بِهِ مَنْ حَكَمَ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، إلَّا أَنْ يَحْكُمُوا فِي الصَّيْدِ بِأَوْلَى الْأَشْيَاءِ شَبَهًا مِنْهُ مِنَ النَّعَمِ , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إذْ كَانَ الْمِثْلُ يَقْرُبُ قُرْبَ الْغَزَالِ مِنَ الْعَنْزِ وَالضَّبُعِ مِنَ الْكَبْشِ ، أَنْ يُبْطِلُوا الْيَرْبُوعَ مَعَ بُعْدِهِ مِنْ صَغِيرِ الْغَنَمِ , وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا كَمَا أَمْكَنَهُمُ الِاجْتِهَادُ , وَكُلُّ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَأَشْبَهُ لِهَذَا تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْقِيَاسِ ، وَحَظْرِ أَنْ يُعْمَلَ بِخِلَافِهِ مِنَ الِاسْتِحْسَانِ ؛ لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ أَمْرَ اللَّهِ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا طَلَبَهُ بِالسَّبِيلِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ , وَمَنْ قَالَ : أَسْتَحْسِنُ لَا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَلَا عَنْ أَمْرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يَقْبَلْ عَنِ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ مَا قَالَ ، وَلَمْ يَطْلُبْ مَا قَالَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَلَا بِحُكْمِ رَسُولِهِ , وَكَانَ الْخَطَأُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا بَيَّنَّا ، بِأَنَّهُ قَدْ قَالَ : أَقُولُ وَأَعْمَلُ بِمَا لَمْ أُومَرْ بِهِ وَلَمْ أُنْهَ عَنْهُ ، وَبِلَا مِثَالٍ عَلَى مَا أُمِرْتُ بِهِ وَنُهِيتُ عَنْهُ , وَقَدْ قَضَى اللَّهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ ، فَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا إلَّا مُتَعَبِّدًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى سورة القيامة آية 36 ، إنَّ مَنْ حَكَمَ أَوْ أَفْتَى بِخَبرٍ لَازِمٍ أَوْ قِيَاسٍ عَلَيْهِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَحَكَمَ وَأَفْتَى مِنْ حَيْثُ أُمِرَ , فَكَانَ فِي النَّصِّ مُؤَدَّيَا مَا أُمِرَ بِهِ نَصًّا , وَفِي الْقِيَاسِ مُؤَدِّيًا مَا أُمِرَ بِهِ اجْتِهَادًا , وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ لِرَسُولِهِ , فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ رَسُولِهِ , ثُمَّ الِاجْتِهَادِ ، فَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ : " بِمَ تَقْضِي ؟ " ، قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ , قَالَ : " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ " , قَالَ : بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ " , قَالَ : أَجْتَهِدُ , قَالَ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، وَقَالَ : " إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " . فَأَعْلَمَ أَنَّ لِلْحَاكِمِ الِاجْتِهَادَ , وَالْمَقِيسَ فِي مَوْضِعِ الْحُكْمِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَنِ اسْتَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ بِلَا خَبَرٍ لَازِمٍ وَلَا قِيَاسٍ عَلَيْهِ كَانَ مَحْجُوجًا ، بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : أَفْعَلُ مَا هَوِيتُ وَإِنْ لَمْ أُومَرْ بِهِ مُخَالِفٌ مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَكَانَ مَحْجُوجًا عَلَى لِسَانِهِ , وَمَعْنَى مَا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا , فَإِنْ قِيلَ : مَا هُوَ ؟ قِيلَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ رَخَّصَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعُقُولِ وَالْآدَابِ فِي أَنْ يُفْتِيَ ، وَلَا يَحْكُمَ بِرَأْيِ نَفْسِهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ أُمُورُ الْقِيَاسِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ لِتَفْصِيلِ الْمُشْتَبَهِ , فَإِذَا زَعَمُوا هَذَا قِيلَ لَهُمْ : وَلِمَ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْعُقُولِ الَّتِي تَفُوقُ كَثِيرًا مِنْ عُقُولِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْفُتْيَا ، أَنْ يَقُولُوا فِيمَا قَدْ نَزَلَ مِمَّا يَعْلَمُونَهُ مَعًا ، أَنْ لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ , وَهُمْ أَوْفَرُ عُقُولًا وَأَحْسَنُ إبَانَةً ، لِمَا قالوا مِنْ عَامَّتِكُمْ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : لِأَنَّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْأُصُولِ , قِيلَ لَكُمْ : فَمَا حُجَّتُكُمْ فِي عِلْمِكُمْ بِالْأُصُولِ ، إذَا قُلْتُمْ : بِلَا أَصْلٍ وَلَا قِيَاسٍ عَلَى أَصْلٍ ؟ هَلْ خِفْتُمْ عَلَى أَهْلِ الْعُقُولِ الْجَهَلَةِ بِالْأُصُولِ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْأُصُولَ ، فَلَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَقِيسُوا بِمَا لَا يَعْرِفُونَ , وَهَلْ أَكْسَبَكُمْ عِلْمُكُمْ بِالْأُصُولِ الْقِيَاسَ عَلَيْهِمْ أَوْ أَجَازَ لَكُمْ تَرْكَهَا ؟ فَإِذَا جَازَ لَكُمْ تَرْكَهَا جَازَ لَهُمُ الْقَوْلُ مَعَكُمْ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُخَالِفُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْقِيَاسِ عَلَيْهَا أَوِ الْخَطَإ , ثُمَّ لَا أَعْلَمُهُمْ إلَّا أَحْمَدَ عَلَى الصَّوَابِ إنْ قالوا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مِنْكُمْ ، لَوْ كَانَ أَحَدٌ يُحْمَدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثَالًا فَتَرَكُوهُ ، وَأَعْذُرُ بِالْخَطَإِ مِنْكُمْ ، وَهُمْ أَخْطَئُوا فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ , وَلَا أَعْلَمُكُمْ إلَّا أَعْظَمَ وِزْرًا مِنْهُمْ ، أَتَرَكْتُمْ مَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي لَا تَجْهَلُونَ , فَإِنْ قُلْتُمْ : فَنَحْنُ تَرَكْنَا الْقِيَاسَ عَلَى غَيْرِ جَهَالَةٍ بِالْأَصْلِ , قِيلَ : فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَأَنْتُمْ خَالَفْتُمُ الْحَقَّ عَالِمِينَ بِهِ , وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ مَا إنْ جَهِلْتُمُوهُ لَمْ تَسْتَأْهِلُوا أَنْ تَقُولُوا فِي الْعِلْمِ ، وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ وَاسِعًا لَكُمْ تَرْكُ الْقِيَاسِ وَالْقَوْلِ بِمَا سَنَحَ فِي أَوْهَامِكُمْ وَحَضَرَ أَذْهَانَكُمْ ، وَاسْتَحْسَنَتْهُ مَسَامِعُكُمْ حُجِجْتُمْ بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْقُرْآنِ , ثُمَّ السُّنَّةِ ، وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ مِنْ أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِعِلْمٍ , وَمَا لَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ تَدَاعَى عِنْدَهُ رَجُلَانِ فِي ثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ تَبَايَعَاهُ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ إذَا كَانَ مُشْكِلًا أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ , وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ ، فَيَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَدَاعَيَا فِيهِ ، هَلْ هُوَ عَيْبٌ , فَإِنْ تَطَالَبَا قِيمَةَ عَيْبٍ فِيهِ وَقَدْ فَاتَ سَأَلَهُمْ عَنْ قِيمَتِهِ , فَلَوْ قَالَ أَفْضَلُهُمْ دِينًا وَعِلْمًا : إنِّي جَاهِلٌ بِسُوقِهِ الْيَوْمَ ، وَإِنْ كُنْتُ عَالِمًا بِهَا قَبْلَ الْيَوْمِ , وَلَكِنِّي أَقُولُ فِيهِ ، لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ بِجَهَالَتِهِ بِسُوقِ يَوْمِهِ ، وَقَبِلَ قَوْلَ مَنْ يَعْرِفُ سُوقَ يَوْمِهِ ، وَلَوْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُ سُوقَ يَوْمِهِ , فَقَالَ : إذَا قِسْتَ هَذَا بِغَيْرِهِ مِمَّا يُبَاعُ وَقَوَّمْتَهُ عَلَى مَا مَضَى ، وَكَانَ عَيْبَهُ دَلَّنِي الْقِيَاسُ عَلَى كَذَا , وَلَكِنِّي أَسْتَحْسِنُ غَيْرَهُ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ اسْتِحْسَانَهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُقَالُ : إنَّهُ قِيمَةُ مِثْلِهِ فِي يَوْمِهِ , وَكَذَلِكَ هَذَا فِي امْرَأَةٍ أُصِيبَتْ بِصَدَاقٍ فَاسِدٍ , يُقَالُ : كَمْ صَدَاقُ مِثْلِهَا فِي الْجَمَالِ وَالْمَالِ وَالصَّرَاحَةِ وَالشَّبَابِ وَاللُّبِّ وَالْأَدَبِ ؟ فَلَوْ قِيلَ : مِائَةُ دِينَارٍ ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ أَنْ نَزِيدَهَا دِرْهَمًا أَوْ نَنْقُصَهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ , وَقَالَ لِلَّذِي يَقُولُ : أَسْتَحْسِنُ أَنْ أَزِيدَهَا أَوْ أَنْقُصَهَا ، لَيْسَ ذَلِكَ لِي وَلَا لَكَ ، وَعَلَى الزَّوْجِ صَدَاقُ مِثْلِهَا , وَإِذَا حَكَمَ بِمِثْلِ هَذَا فِي الْمَالِ الَّذِي نَقَلَ رَزِيَّتَهُ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَسَعْ فِيهِ الِاسْتِحْسَانَ ، وَأَلْزَمَ فِيهِ الْقِيَاسَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ ، وَلَمْ يَجْهَلْ لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ قِيَاسًا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا يَقِيسُونَ عَلَيْهِ ، فَحَلَالُ اللَّهِ وَحَرَامُهُ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَعَظِيمِ الْأُمُورِ أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَ الْحُكَّامَ وَالْمُفْتِينَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَفَرَأَيْتَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي فِي النَّازِلَةِ : لَيْسَ فِيهَا نَصُّ خَبَرٍ وَلَا قِيَاسٍ , وَقَالَ : أَسْتَحْسِنُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ جَائِزًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْتَحْسِنَ خِلَافَهُ ، فَيَقُولُ كُلُّ حَاكِمٍ فِي بَلَدٍ وَمُفْتٍ بِمَا يَسْتَحْسِنُ ، فَيُقَالُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِضُرُوبٍ مِنَ الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا , فَإِنْ كَانَ هَذَا جَائِزًا عِنْدَهُمْ فَقَدْ أَهْمَلُوا أَنْفُسَهُمْ ، فَحَكَمُوا حَيْثُ شَاءُوا , وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ , وَإِنْ قَالَ الَّذِي يَرَى مِنْهُمْ تَرْكَ الْقِيَاسِ : بَلْ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُ مَا قُلْتُ , قِيلَ لَهُ : مَنْ أَمَرَ بِطَاعَتِكَ حَتَّى يَكُونَ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُكَ ؟ أَوَرَأَيْتَ إِنِ ادَّعَى عَلَيْكَ غَيْرُكَ هَذَا ، أَتُطِيعُهُ أَمْ تَقُولُ : لَا أُطِيعُ إلَّا مَنْ أُمِرْتَ بِطَاعَتِهِ ؟ فَكَذَلِكَ لَا طَاعَةَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ , وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ لِمَنْ أَمَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ بِطَاعَتِهِ , وَالْحَقُّ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِاتِّبَاعِهِ ، وَدَلَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ نَصًّا أَوِ اسْتِنْبَاطًا بِدَلَائِلَ , أَوَرَأَيْتَ إذْ أَمَرَ اللَّهُ بِالتَّوَجُّهِ قِبَلَ الْبَيْتِ وَهُوَ مُغَيَّبٌ عَنِ الْمُتَوَجِّهِ , هَلْ جَعَلَ لَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ بِطَلَبِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهِ ؟ أَوَرَأَيْتَ إذَا أَمَرَ بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا يَقْبَلَ غَيْرَهَا ، هَلْ يَعْرِفُ الْعَدْلَ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا بِطَلَبِ الدَّلَائِلِ عَلَى عَدْلِهِ ؟ أَوَرَأَيْتَ إذَا أَمَرَ بِالْحُكْمِ بِالْمِثْلِ فِي الصَّيْدِ ، هَلْ أَمَرَ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا بِأَنْ يَحْكُمَ بِنَظَرِهِ ؟ فَكُلُّ هَذَا اجْتِهَادٌ وَقِيَاسٌ , أَوَرَأَيْتَ إذَا أَمَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْحُكْمِ ، يَكُونُ مُجْتَهِدًا عَلَى غَيْرِ طَلَبِ عَيْنٍ , وَطَلَبُ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاتِّبَاعِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ الْقِيَاسُ ؛ لِأَنَّ مُحَالًا أَنْ يُقَالَ : اجْتَهِدْ فِي طَلَبِ شَيْءٍ مَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ بِاحْتِيَالِهِ , وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ طَالِبًا لِشَيْءٍ مَنْ سَنَحَ عَلَى وَهْمِهِ أَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ مِنْهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنَّهُ لَيَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْقِيَاسِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْتُ وَفِي بَعْضِهِ مَا قَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ , وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى لِي وَلِجَمِيعِ خَلْقِهِ التَّوْفِيقَ , وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَ وَلَا لِلْوَالِي أَنْ يَدَعَ أَحَدًا , وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ أَحَدًا إلَّا مَتَى يَجْمَعُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا عِلْمَ الْكِتَابِ وَعِلْمَ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ خَاصِّهِ وَعَامِّهِ وَأَدَبِهِ , وَعَالِمًا بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَعَالِمًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ ، عَاقِلًا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُشْتَبَهِ وَيَعْقِلُ الْقِيَاسَ , فَإِنْ عَدِمَ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ قِيَاسًا , وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِالْأُصُولِ غَيْرَ عَاقِلٍ لِلْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ الْفَرْعُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ : قِسْ ، وَهُوَ لَا يَعْقِلُ الْقِيَاسَ , وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا لِلْقِيَاسِ ، وَهُوَ مُضَيِّعٌ لِعِلْمِ الْأُصُولِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لَهُ : قِسْ عَلَى مَا لَا تَعْلَمْ , كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : قِسْ لِأَعْمًى ، وَصَفْتُ لَهُ : اجْعَلْ كَذَا عَنْ يَمِينِكَ , وَكَذَا عَنْ يَسَارِكَ ، فَإِذَا بَلَغْتَ كَذَا فَانْتَقِلْ مُتَيَامِنًا ، وَهُوَ لَا يُبْصِرُ مَا قِيلَ لَهُ : يَجْعَلُهُ يَمِينًا وَيَسَارًا ، أَوْ يُقَالُ : سِرْ بِلَادًا وَلَمْ يَسِرْهَا قَطُّ وَلَمْ يَأْتِهَا قَطُّ , وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا عِلْمٌ يَعْرِفُهُ ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ فِيهَا قَصْدُ سَمْتٍ يَضْبِطُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرُ فِيهَا عَنْ غَيْرِ مِثَالٍ قَوِيمٍ , وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِعَالِمٍ بِسُوقِ سِلْعَةٍ مُنْذُ زَمَانٍ ثُمَّ خَفِيَتْ عَنْهُ سَنَةً ، أَنْ يُقَالَ لَهُ : قَوِّمْ عَبْدًا مِنْ صِفَتِهِ كَذَا ؛ لِأَنَّ السُّوقَ تَخْتَلِفُ ، وَلَا لِرَجُلٍ أَبْصَرَ بَعْضَ صِنْفٍ مِنَ التِّجَارَاتِ ، وَجَهِلَ غَيْرَ صِنْفِهِ , وَالْغَيْرُ الَّذِي جَهِلَ لَا دَلَالَةٌ عَلَيْهِ بِبَعْضِ عِلْمِ الَّذِي عَلِمَ قُوِّمَ كَذَا , كَمَا لَا يُقَالُ لِبَنَّاءٍ : انْظُرْ قِيمَةَ الْخِيَاطَةِ ، وَلَا لِخَيَّاطٍ انْظُرْ قِيمَةَ الْبِنَاءِ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ حَكَمَ وَأَفْتَى مَنْ لَمْ يَجْمَعْ مَا وَصَفْتُ , قِيلَ : فَقَدْ رَأَيْتُ أَحْكَامَهُمْ وَفُتْيَاهُمْ ، فَرَأَيْتُ كَثِيرًا مِنْهَا مُتَضَادًّا مُتَبَايِنًا , وَرَأَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يُخَطِّئُ صَاحِبَهُ فِي حُكْمِهِ وَفُتْيَاهُ , وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَعَانُ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَرَأَيْتَ مَا اجْتَهَدَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُونَ كَيْفَ الْحَقُّ فِيهِ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قِيلَ : لَا يَجُوزُ فِيهِ عِنْدَنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِيهِ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّهُ إلَّا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَحْكَامَهُ وَاحِدٌ لِاسْتِوَاءِ السَّرَائِرِ وَالْعَلَانِيَةِ عِنْدَهُ , وَأَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَوَاءٌ , فَإِنْ قِيلَ : مَنْ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ ، فَيَقِيسَ عَلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ، هَلْ يَخْتَلِفُونَ وَيَسَعُهُمُ الِاخْتِلَافُ ؟ أَوْ يُقَالُ لَهُمْ إِنِ اخْتَلَفُوا : مُصِيبُونَ كُلُّهُمْ أَوْ مُخْطِئُونَ ، أَوْ لِبَعْضِهِمْ مُخْطِئٌ وَبَعْضُهُمْ مُصِيبٌ ؟ قِيلَ : لَا يَجُوزُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِنِ اخْتَلَفُوا إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَذَهَبَ مَذْهَبًا مُحْتَمَلًا أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَخْطَأَ مُطْلَقًا , وَلَكِنْ يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : قَدْ أَطَاعَ فِيمَا كُلِّفَ ، وَأَصَابَ فِيهِ ، وَلَمْ يُكَلَّفْ عِلْمَ الْغَيْبِ الَّذِي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَثِّلْ لِي مِنْ هَذَا شَيْئًا , قِيلَ : لَا مِثَالَ أَدَلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْغَيْبِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاسْتِقْبَالِهِ , فَإِذَا اجْتَهَدَ رَجُلَانِ بِالطَّرِيقَيْنِ ، عَالِمَانِ بِالنُّجُومِ وَالرِّيَاحِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، فَرَأَى أَحَدُهُمَا الْقِبْلَةَ مُتَيَامِنًا مِنْهُ , وَرَأَى أَحَدُهُمَا الْقِبْلَةَ مُنْحَرِفَةً عَنْ حَيْثُ رَأَى صَاحِبُهُ ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ يَرَى , وَلَا يَتْبَعَ صَاحِبَهُ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى غَيْرِ مَا أَدَّى صَاحِبَهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ , وَلَمْ يُكَلَّفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَوَابَ عَيْنِ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ ، وَقَدْ أَدَّى مَا كُلِّفَ مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ بِالدَّلَائِلِ عَلَيْهِ , فَإِنْ قِيلَ : فَيَلْزَمُ أَحَدَهُمَا اسْمُ الْخَطَإ , قِيلَ : أَمَّا فِيمَا كُلِّفَ فَلَا , وَأَمَّا خَطَأُ عَيْنِ الْبَيْتِ فَنَعَمْ ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَا يَكُونُ فِي جِهَتَيْنِ , فَإِنْ قِيلَ : فَيَكُونُ مُطِيعًا بِالْخَطَإِ , قِيلَ : هَذَا مِثْلُ جَاهِدٍ يَكُونُ مُطِيعًا بِالصَّوَابِ لِمَا كُلِّفَ مِنَ الِاجْتِهَادِ ، وَغَيْرَ آثِمٍ بِالْخَطَإِ ؛ إذْ لَمْ يُكَلَّفْ صَوَابَ الْمَغِيبِ الْعَيِّنِ عَنْهُ , فَإِذَا لَمْ يُكَلَّفْ صَوَابَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَطَأٌ ، مَا لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ صَوَابَ عَيْنِهِ , فَإِنْ قِيلَ : أَفَتَجِدُ سُنَّةً تَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتُ ؟ قِيلَ : نَعَمْ .