← الأغاني لأبي الفرج الأصفه…
الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني
#11 11 ☰ ذكر عدى بن زيد ونسبه وقصته ومقتله
A− A+

11 أَخْبَرَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَعْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الصَّبَّاحِ , عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْكَلْبِيِّ , عَنْ أَبِيهِ , وَالشَّرَفِيِّ بْنِ الْقُطَامِيِّ , قَالا : " مَرَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لَمَّا وَلاهُ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ بِدَيْرِ هِنْدٍ , فَنَزَلَهُ وَدَخَلَ عَلَى هِنْدِ بِنْتِ النُّعْمَانِ بَعْدَ أَنِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا , فَأَذِنَتْ لَهُ وَبَسَطَتْ لَهُ مِسْحًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَتْ لَهُ : مَا جَاءَ بِكَ ؟ قَالَ : جِئْتُكِ خَاطِبًا , قَالَتْ : وَالصَّلِيبِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ فِيَّ خَصْلَةً مِنْ جَمَالٍ أَوْ شَبَابٍ رَغَّبَتْكَ فِيَّ لأَجَبْتُكَ , وَلَكِنَّكَ أَرَدْتَ أَنْ تَقُولَ فِي الْمَوَاسِمِ : مَلَكْتُ مَمْلَكَةَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَنَكَحْتُ ابْنَتَهُ , فَبِحَقِّ مَعْبُودِكَ أَهَذَا أَرَدْتَ ؟ قَالَ : أَيْ وَاللَّهِ , قَالَتْ : فَلا سَبِيلَ إِلَيْهِ , فَقَامَ الْمُغِيرَةُ وَانْصَرَفَ , وَقَالَ فِيهَا : أَدْرَكْتُ مَا مَنَّيْتُ نَفْسِي خَالِيًا لِلَّهِ دَرُّكِ يَابْنَةَ النُّعْمَانِ فَلَقَدْ رَدَدْتِ عَلَى الْمُغِيرَةِ ذِهْنَهُ إِنَّ الْمُلُوكَ نَقِيَّةُ الأَذْهَانِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : إِنَّ الْمُلُوكَ بَطِيَّةُ الإِذْعَانِ يَا هِنْدُ حَسْبُكِ قَدْ صَدَقْتِ فَأَمْسِكِي فَالصِّدْقُ خَيْرُ مَقَالَةِ الإِنْسَانِ

وقد روى عن ابن الكلبي غير علي بن الصباح في هند أنها كانت تهوى زرقاء اليمامة , وأنها أول امرأة أحبت امرأة في العرب , فإن الزرقاء كانت ترى الجيش من مسيرة ثلاثين ميلا , فغزا قوم من العرب اليمامة فلما قربوا من مسافة نظرها , قَالُوا : كيف لكم بالوصول مع الزرقاء ؟ فاجتمع رأيهم على أن يقتلعوا شجرا تستر كل شجرة منها الفارس إذا حملها , فقطع كل واحد منهم بمقدار طاقته وساروا بها , فأشرفت كما كانت تفعل فَقَالَ لها قومها : ما ترين يا زرقاء ؟ وذلك في آخر النهار , قالت : أرى شجرا يسير , فَقَالُوا : كذبت أو كذبتك عينك , واستهانوا بقولها , فلما أصبحوا صبحهم القوم , فاكتسحوا أموالهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأخذوا الزرقاء فقلعوا عينها فوجدوا فيها عروقا سوداء , فسئلت عنها , فقالت : إني كنت أديم الاكتحال بالإثمد فلعل هذا منه , وماتت بعد ذلك بأيام , وبلغ هندا خبرها فترهبت , ولبست المسوح وبنت ديرا يعرف بدير هند إلى الآن , فأقامت فيه حتى ماتت وروى ابن حبيب عن ابن الأعرابي , أن النعمان لما حبس عديا أكرهه في أمرها على طلاقها , ولم يزل به حتى طلقها , قَالَ ابن حبيب وذكر عدي بن زيد صهره هذا للنعمان في قصائده وكان زوج أخته , هكذا العلماء من أهل الحيرة , وقالت : رواة العرب : إنه كان زوج ابنته هند , فمن ذلك قوله في قصيدته التي أوله : أبصرت عيني عشاء ضوء نار فَقَالَ فيها : أجل نعمى ربها أولكم ودنوي كان منكم واصطهاري نحن كنا قد علمتم قبلها عمد البيت وأوتاد الإصار أَخْبَرَنِي مُحَمَّد قَالَ : حَدَّثَنَا إبراهيم بن فهد , قَالَ : حَدَّثَنَا خليفة ابن خياط شباب العصفري , قَالَ : حَدَّثَنَا هشام بن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنِي يحيى بن أيوب البجلي , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي , قَالَ : سمعت جدي جرير بن عبد الله , يقول : وأخبرني به عمي , قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عبيد الله , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن يزيد بن زياد الكلبي أَبُو عبد الله , قَالَ : حَدَّثَنِي معروف بن خربوذ , عن يحيى بن أيوب , عن أبي زرعة بن عمرو , قَالَ : سمعت جدي جرير بن عبد الله ولفظ هذا الخبر لأَحْمَد بن عبيد الله وروايته أتم , قَالَ : كان سبب تنصر النعمان , وكان يعبد الأوثان قبل ذلك , وقال أَحْمَد بن عبيد الله في خبره النعمان بن المنذر الأكبر , ,أنه كان قد خرج يتنزه بظهر الحيرة ومعه عدي بن زيد فمر على المقابر من ظهر الحيرة , ونهرها , فَقَالَ له عدي بن زيد : أبيت اللعن أتدري ما تقول هذه المقابر , قَالَ : لا وقال أَحْمَد بن عبيد الله في خبره : فَقَالَ له تقول : أيها الركب المخبون على الأرض المجدون كما أنتم كنا وكما نحن تكونون وقال الصولي في خبره : فَقَالَ له تقول : كنا كما كنتم حينا فغيرنا دهر فسوف كما صرنا تصيرونا قَالَ : فانصرف وقد دخلته رقة , فمكث بعد ذلك يسيرا , ثم خرج خرجة أخرى فمر على تلك المقابر ومعه عدي , فَقَالَ له : أبيت اللعن , أتدري ما تقول هذه المقابر ؟ قَالَ : لا , قَالَ : فإنها تقول : من رآنا فليحدث نفسه أنه موف على قرن زوال وصروف الدهر لا يبقى لها ولما تأتي به صم الجبال رب ركب قد أناخوا عندنا يشربون الخمر بالماء الزلال والأباريق عليها فدم وجياد الخيل تردي في الجلال عمروا دهرا بعيش حسن آمني دهرهم غير عجال ثم أضحوا عصف الدهر بهم وكذاك الدهر يودي بالرجال وكذاك الدهر يرمي بالفتى في طلاب العيش حالا بعد حال قَالَ الصولي في خبره وهو الصحيح : فرجع النعمان فتنصر , وقال أَحْمَد بن عبيد الله في خبره عن الزيادي الكلبي : فرجع النعمان من وجهه وقال لعدي : ائتني الليلة إذا هدأت الرجل لتعلم حالي , فأتاه فوجده قد لبس المسوح وتنصر وترهب وخرج سائحا على وجهه فلا يدرى ما كانت حاله , فتنصر ولده بعده , وبنوا البيع والصوامع , وبنت هند بنت النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر الدير الذي بظهر الكوفة , ويقال له : دير هند , فلما حبس كسرى النعمان الأصغر أباها , ومات في حبسه ترهبت هند ولبست المسوح وأقامت في ديرها مترهبة , حتى ماتت فدفنت فيه . قَالَ مؤلف هذا الكتاب : إنما ذكرت الخبر الذي رواه الزيادي على ما فيه من التخليط لأني إذا أتيت بالقصة ذكرت كل ما يروى في معناها . وهو خبر مختلط , لأن عدي بن زيد إنما كان صاحب النعمان بن المنذر , وهو المحبوس والنعمان الأكبر لا يعرفه عدي ولا رآه الذي صحبه عدي كما ذكر ابن زياد , وقد ذكرت نسب النعمان آنفا , ولعل هذا النعمان الذي ذكره عم النعمان بن المنذر الأصغر بن المنذر الأكبر , والمتنصر السائح على وجهه ليس عدي بن زيد أدخله في النصرانية , وكيف يكون هو المدخل له في النصرانية وقد ضربه مثلا للنعمان في شعره لما حبسه مع من ضربه مثلا له من الملوك السالفة . حَدَّثَنَا بخبر ذلك الملك جعفر بن مُحَمَّد الفريابي , وأَحْمَد بن عبد العزيز ابن الجعد الوشاء , قالا : حَدَّثَنَا إسحاق بن البهلول الأنباري , قَالَ : حَدَّثَنَا أبي البهلول ابن حسان التنوخي , قَالَ : حَدَّثَنِي إسحاق بن زياد من بني سامة بن لؤي , عن شبيب بن شيبة , عن خالد بن صفوان بن الأهتم , قَالَ : أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد أهل العراق , قَالَ : فقدمت عليه وقد خرج بقرابته وحشمه وغاشيته وجلسائه , فنزل في أرض قاع صحصح منيف أفيح , في عام قد بكر وسميه , وتتابع وليه , وأخذت الأرض فيه زينتها على اختلاف ألوان نبتها من نور ربيع مونق فهو في أحسن منظر , وأحسن مختبر , وأحسن مستمطر بصعيد كأن ترابه قطع الكافور , قَالَ : وقد ضرب له سرادق من حبرة كان يوسف بن عمر صنعه له باليمن , فيه فسطاط فيه أربعة أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها , وعليه دراعة من خز أحمر مثلها عمامتها , وقد أخذ الناس مجالسهم , قَالَ : فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إلي شبه المستنطق لي فقلت : أتم الله عليك يا أمير المؤمنين نعمه , وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدا , وعاقبة ما يؤول إليه حمدا وأخلصه لك بالتقى , وكثره لك بالنماء , ولا كدر عليك منه ما صفا , ولا خالط سروره بالردى , فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة ومستراحا , إليك يقصدون في مظالمهم , ويفزعون في أمورهم , وما أجد شيئا يا أمير المؤمنين هو أبلغ في قضاء حقك , وتوقير مجلسك , وما من الله جل وعز علي به من مجالستك من أن أذكرك نعم الله عليك , وأنبهك لشكرها , وما أجد في ذلك شيئا هو أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك , فإن أذن أمير المؤمنين أخبرته به , قَالَ : فاستوى جالسا وكان متكئا , ثم قَالَ : هات يابن الأهتم , قَالَ : قلت يا أمير المؤمنين , إن ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامك هذا إلى الخورنق والسدير في عام قد بكر وسميه , وتتابع وليه , وأخذت الأرض فيه زينتها على اختلاف ألوان نبتها في ربيع مونق , فهو في أحسن منظر , وأحسن مختبر , بصعيد كأن ترابه قطع الكافور , وقد كان أعطي فتاء السن مع الكثرة والغلبة والقهر , فنظر فأبعد النظر , ثم قَالَ لجلسائه : لمن مثل هذا ؟ هل رأيتم مثل ما أنا فيه ؟ وهل أعطي أحد مثل ما أعطيت ؟ قَالَ : وعنده رجل من بقايا حملة الحجة , والمضي على أدب الحق ومنهاجه , قَالَ : ولم تخل الأرض من قائم لله بحجة في عباده , فَقَالَ : أيها الملك , إنك سألت عن أمر أفتأذن في الجواب عنه , قَالَ : نعم , قَالَ : أرأيت هذا الذي أنت فيه , أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا , وهو زائل عنك وصائر إلى غيرك كما صار إليك , قَالَ : كذلك هو , قَالَ : فلا أراك إلا عجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا وتغيب عنه طويلا , وتكون غدا بحسابه مرتهنا , قَالَ : ويحك , فأين المهرب وأين المطلب ؟ قَالَ : إما أن تقيم في ملكك فتعمل فيه بطاعة الله ربك على ما ساءك وسرك وأومضك وأرمضك , وإما أن تضع تاجك , وتخلع أطمارك , وتلبس أمساحك , وتعبد ربك حتى يأتيك أجلك , قَالَ : فإذا كان السحر فاقرع علي بابي فإني مختار أحد الرأيين وربما , قَالَ : إحدى المنزلتين , فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا يعصى , وإن اخترت فلوات الأرض , وقفر البلاد كنت رفيقا لا يخالف , قَالَ : فقرع عليه عند السحر بابه , فإذا هو قد وضع تاجه وخلع أطماره ولبس أمساحه وتهيأ للسياحه فلزما والله الجبل حتى أتاهما أجلهما , وهو حيث يقول عدي بن زيد أخو بني تميم : أيها الشامت المعير بالدهر أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم من ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى الملوك أنو شيروان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذا أشرف يوما وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسدير فارعوى قلبه فَقَالَ وما غبطه حي إلى الممات يصير ثم بعد الفلاح والملك والأمة أرتهم هناك القبور ثم صاروا كأنهم ورق جف فألوت به الصبا والدبور قَالَ فبكى والله هشام حتى أخضل لحيته , وبل عمامته وأمر بنزع أبنيته , وبنقلان قرابته وأهله وحشمه وغاشيته من جلسائه ولزم قصره , فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان , فَقَالُوا : ما أردت إلى أمير المؤمنين , أفسدت عليه لذته , ونغصت عليه مأدبته , فَقَالَ : إليكم عني فإني عاهدت الله عز وجل ألا أخلو بملك إلا ذكرته الله عز وجل فأما خبر الحضر وصاحبه , والخورنق وصاحبه , والخورنق وصاحبه , فإني أذكر خبرهما هاهنا لأنه مما يحسن ذكره بعقب هذه الأخبار ولا يستغنى عنه , والشيء يتبع الشيء . أخبرني بخبره إبراهيم عن أبيه , عن شعيب , عن سيف , وأَخْبَرَنِي به الحسن بن علي , قَالَ : حَدَّثَنَا الحارث بن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سعد , عن الواقدي , وأَخْبَرَنِي به علي بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين , عن السكري , عن مُحَمَّد بن حبيب , عن ابن الأعرابي , عن المفضل بن سلمه الضبي , وهشام بن الكلبي , عن أبيه , وإسحاق بن الجصاص , عن الكوفيين , أن الحضر كان قصرا بحيال تكريت بين دجله والفرات , وأن أخا الحضر الذي ذكره عدي بن زيد هو الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح من بني تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعه , وأمه جبهلة امرأة من بني تزيد بن حلوان أخي سليح بن حلوان , وكان لا يعرف إلا بأمه هذه , وكان ملك تلك الناحية وسائر أرض الجزيرة , وكان معه من بني الأجرام , ثم من بني العبيد بن الأجرام وسائر قبائل قضاعة ما لا يحصى , وكان ملكه قد بلغ الشأم , فأغار الضيزن فأصاب أختا لسابور ذي الأكتاف , وفتح مدينة نهر شير وفتك فيهم , فَقَالَ في ذلك عمرو بن السليح بن حدي بن الدها بن غنم بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة : لقيناهم بجمع من علاف وبالخيل الصلادمة الذكور فلاقت فارس منا نكالا وقتلنا هرابذ شهرزور دلفنا للأعاجم من بعيد بجمع مِ الجزيرة كالسعير قَالُوا : ثم إن سابور ذا الأكتاف جمع لهم وسار إليهم , فأقام على الحضر أربع سنين لا يستغل منهم شيئا , ثم إن النضيرة بنت الضيزن عركت , أي حاضت , فأخرجت إلى الربض , وكانت من أجمل أهل دهرها , وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن , وكان سابور من أجمل أهل زمانه , فراها وراته , وعشقها وعشقته , فأرسلت إليه : ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي , قَالَ : أحكمك وأرفعك على نسائي , وأخصك بنفسي دونهن , قالت : عليك بحمامة مطوقة ورقاء , فاكتب في رجليها بحيض جارية بكر تكون زرقاء , ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فتتداعى المدينة , وكان ذلك طلسمها لا يهدمها إلا هو , ففعل وتأهب لهم , وقالت له أنا أسقي الحرس الخمر , فإذا صرعوا فاقتلهم وادخل المدينة , ففعل فتداعت المدينة , وفتحها سابور عنوة , فقتل الضيزن يومئذ , وأباد بني العبيد , وأفنى قضاعة الذين كانوا مع الضيزن فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم , وأصيب قبائل حلوان وانقرضوا ودرجوا , فَقَالَ في ذلك عمرو بن آلة وكان مع الضيزن : ألم يحزنك والأنباء تنمي بما لاقت سراة بني العبيد ومصرع ضيزن وبني أبيه وأحلاس الكتائب من تزيد أتاهم بالفيول مجللات وبالأبطال سابور الجنود فهدم من أواسي الحضر صخرا كأن ثقاله زبر الحديد قَالَ : فأخرب سابور المدينة واحتمل النضيرة بنت الضيزن , فأعرس بها بعين التمر , فلم تزل ليلتها تتضور من خشانة في فرشها وهي من حرير محشو بالقز , فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هي ورقة آس ملتصقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها , قَالَ : وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها , فَقَالَ لها سابور : ويحك , بأي شيء كان أبوك يغذيك ؟ قالت : بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفوة الخمر , فَقَالَ وأبيك لأنا أحدث عهدا بمعرفتك , وآثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين , ثم أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه , ثم استركضه فقطعها قطعا , فذلك قول الشاعر : أقفر الحضر من نضيرة فالمرباع منها فجانب الثرثار قَالُوا : وكان الضيزن صاحب الحضر يلقب الساطرون , وقال غيرهم : بل الساطرون صاحب الحضر كان رجلا من أهل باجرمى والله أعلم أي ذلك كان . هذا خبر صاحب الحضر الذي ذكره عدي وأما صاحب الخورنق : فهو النعمان بن الشقيقة , وهو الذي ساح على وجهه فلم يعرف له خبر , والشقيقة أمه بنت أبي ربيعة بن زهر بن شيبان . وهو النعمان ابن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الضخم اللخمي , وهو صاحب الخورنق , فذكر ابن الكلبي في خبره الذي قدمنا ذكره , ورواية علي بن الصباح إياه عنه أنه كان سبب بنائه الخورنق أن يزدجرد بن سابور كان لا يبقى له ولد , فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء والأسقام , فدل على ظهر الحيرة , فدفع ابنه بهرام جور بن يزدجرد إلى النعمان بن الشقيقة , وكان عامله على أرض العرب , وأمره بأن يبني الخورنق مسكنا له ولابنه وينزله إياه معه , وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب . وكان الذي بنى الخورنق رجلا , يقال له : سنمار فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله , فَقَالَ : لو علمت أنكم توفوني أجرتي وتصنعون بي ما أستحقه , لبنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت , فَقَالُوا : وإنك لتبني ما هو أفضل منه ولم تبنه , ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق , وقال في بعض الروايات : أنه قَالَ له : إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هدم تداعى القصر أجمع , فَقَالَ له : أما والله لا تدل عليه أحدا أبدا ثم رمي به من أعلى القصر , فقالت : الشعراء في ذلك أشعارا كثيرة منها قول أبي الطمحان القيني : جزاء سنمار جزوها وربها وباللات والعزى جزاء المكفر ومنها قول سليط بن سعد : جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمار وقال عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي , وكان أهدى إلى الحارث بن مارية الغساني أفراسا , ووفد إليه فأعجب به واختصه , وكان للملك ابن مسترضع في بني عبد ود من كلب فنهشته حية فظن الملك أنهم اغتالوه , فَقَالَ لعبد العزى : جئني بهؤلاء القوم , فَقَالَ : هم قوم أحرار ليس لي عليهم فضل في نسب ولا فعل , فَقَالَ : لتأتيني بهم أو لأفعلن وأفعلن , فَقَالَ له : رجونا من حبائك أمرا حال دونه عقابك , ودعا ابنيه شراحيل , وعبد الحارث , فكتب معهما إلى قومه : جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء سنمار وما كان ذا ذنب سوى رصه البنيان عشرين حجة يعلي عليه بالقراميد والسكب وهي أبيات , قَالَ : فقتله النعمان , وكان أمره قد عظم وجعل معه كسرى كتيبتين : إحداهما يقال لها : دوسر وهي لتنوخ , والأخرى الشهباء : وهي للفرس , وكانتا أيضا تسميان القبيلتين , وكان يغزو بهما بلاد الشأم , وكل من لم يدن له من العرب , فجلس يوما يشرف من الخورنق فأعجبه ما رأى من ملكه . ثم ذكر باقي خبره مثل ما ذكره خالد بن صفوان لهشام من مخاطبة الواعظ وجوابه وما كان من اختياره السياحة وتركه ملكه . أَخْبَرَنِي الحسن بن علي , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القاسم بن مهرويه , قَالَ : حَدَّثَنِي عبد الله بن عمرو , قَالَ : ذكر ابن حمزة , عن مشايخه , أن النعمان بن المنذر لما نعي إلى النابغة الذبياني وحدث بما صنع به كسرى , قَالَ : طلبه من الدهر طالب الملوك , ثم تمثل : من يطلب الدهر تدكه مخالبه والدهر بالوتر ناج غير مطلوب ما من أناس ذوي مجد ومكرمة إلا يشد عليهم شدة الذيب حتى يبيد على عمد سراتهم بالنافذات من النبل المصاييب إني وجدت سهام الموت معرضة بكل حتف من الآجال مكتوب وفي سائر قصائد عدي بن زيد التي كتب بها إلى النعمان يستعطفه ويعتذر إليه أغان منها صوت لم أر مثل الفتيان في غبن الأيام ينسون ما عواقبها ينسون إخوانهم ومصرعهم وكيف تعتاقهم مخالبها ماذا ترجي النفوس من طلب الخير وحب الحياة كاربها تظن أن لن يصيبها عنت الدهر وريب المنون صائبها ويروى عقب الدهر , يقول : الأيام تغبن الناس فتخدعهم وتختلهم مثل الغبن في البيع . وتعتاقهم تحبسهم , يقال : اعتاقه واعتقاه . وكاربها : هاهنا غامها , وهو في موضع آخر القريب منها , يقال كربه الأمر وكرثه وبهضه وغنظه إذا غمه , الغناء في هذه الأبيات لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة وفيها رمل بالبنصر , نسبه حبش ودنانير إلى حنين , ونسبه الهشامي , وابن المكي إلى الهذلي , ومنها : صوت يا لبيني أوقدي النارا إن من تهوين قد حارا رب نار بت أرمقها تقضم الهندي والغارا عندها ظبي يؤرثها عاقد في الجيد تقصارا عروضه من المديد حار يحير هنا : ضل , وحار في موضع آخر : رجع والغار : شجر طيب الريح , والغار أيضا شجر السوس والغار الغيرة ويؤرثها : يوقدها ويكثر حطبها . والتقصار : المخنقة , الغناء لحنين خفيف ثقيل , عن إسحاق . وفيه خفيف رمل يقال إنه لعريب أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بن مزيد بن أبي الأزهر , قَالَ : حَدَّثَنَا حماد بن إسحاق , وأخبرنا به يحيى بن علي , عن داود بن مُحَمَّد , عن حماد بن إسحاق , عن أبيه , عن ابن عائشة , عن يونس النحوي , قَالَ : مات رجل من جند أهل الشأم عظيم القدر له فيهم عز وعدد , فحضر الحجاج جنازته , وصلى عليه وجلس على قبره , وقال : لينزل إليه بعض إخوانه , فنزل نفر منهم , فَقَالَ أحدهم وهو يسوي عليه : رحمك الله أبا قنان , إن كنت ما علمت لتجيد الغناء , وتسرع رد الكأس , ولقد وقعت في موضع سوء لا تخرج منه والله إلى يوم القيامة , قَالَ : فما تمالك الحجاج أن ضحك , وكان لا يكثر الضحك في جد ولا هزل . فَقَالَ له : أهذا موضع هذا لا أم لك , فَقَالَ : أصلح الله الأمير , فرسه حبيس في سبيل الله لو سمعه الأمير وهو يغني : يا لبينى أوقدي النارا إن من تهوين قد حارا لانتشر الأمير على سعنة , وكان الميت يلقب بسعنة , فَقَالَ : إنا لله أخرجوه من القبر , ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم يا أهل قَالَ : وكان سعنة هذا الميت من أوحش خلق الله كلهم صورة وأذمهم قامة . فلم يبق أحد حضر القبر إلا استفرغ ضحكا . ومنها من قصيدة التي أولها : لمن الدار تعفت بخيم صوت وثلاث كالحمامات بها بين مجثاهن توشيم الحمم أسأل الدار وقد أنكرتها عن حبيبي فإذا فيها صمم ويروى : توشيم العجم , والتوشيم أراد به آثار الوقود قد صار فيها كالوشم . والثلاث يعني الأثافي التي تنصب عليها القدر , الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن عمرو وابن المكي وفيه لحكم لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس , وهذه القصيدة التي أولها : لمن الدار تعفت بخيم أصبحت غيرها طول القدم ما تبين العين من آياتها غير نؤي مثل خط بالقلم وبعده : وثلاث كالحمامات بها بين مجثاهن توشيم الحمم وعلى هذا خفض قوله وثلاث كالحمامات , ومنها قوله : كفى غير الأيام للمرء وازعا صوت بنات كرام لم يربن بضرة دمى شرقات بالعبير روادعا يسارقن مِ الأستار طرفا مفترا ويبرزن من فتق الخدور الأصابعا بنات كرام موضعه نصب وهو يتبع ما قبله وينصب به , وهو قوله : وأصبي ظباء في الدمقس خواضعا بنات كرام هكذا في القصيدة على تواليها , وقد يجوز رفعه على الابتداء , ويروى : بضرة وبضرة جمعا بالضم والفتح . والدمى : الصور واحدتها دمية . الغناء في هذين البيتين لابن قندح ثقيل أول بالبنصر عن عمرو , وذكر الهشامي أنه لمُحَمَّد ابن إسحاق بن عمرو بن بزيع , وذكر حبش أنه لإبراهيم . ومنها : صوت أرقت لمكفهر بات فيه بوارق يرتقين رؤوس شيب تروح المشرفية في ذراه ويخلو صفحة الذيل القشيب والمكفهر والمكرهف : السحاب المتوالي المتراكب . والشيب : السحائب التي فيها سواد وبياض شبهها بالرؤوس الشيب , وقال قوم : بل شيب : جبل معروف . شبه البرق في السحاب بلمعان السيوف , ورواه ابن الأعرابي : ويجلو صفح دخدار قشيب , وقال الدخدار : الثوب المصون , وهو أعجمي معرب أصله تخت دار . والقشيب الجديد . الغناء لعريب ثقيل أول بالبنصر , ومنها من قصيدة التي أولها : أيا طال ليلي والنهار صوت ألا من مبلغ النعمان عني علانية فقد ذهب السرار بأن المرء لم يخلق حديدا ولا هضبا توقاه الوبار ولكن كالشهاب فثم يخبو وحادي الموت عنه ما يحار فهل من خالد إما هلكنا وهل بالموت ياللناس عار الهضب : الجبل . الوبار : جمع وبر . والشهاب : السراج . ويخبو يطفأ الغناء لبابويه ثقيل أول بالبنصر , عن حبش , والهشامي . ومنها : صوت ألا من مبلغ النعمان عني فبينا المرء أغرب إذ أراحا أطعت بني بقيلة في وثاقي وكنا في حلوقهم ذباحا منحتهم الفرات وجانبيه وتسقينا الأواجن والملاحا الغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى , عن إسحاق , ومنها : صوت من لقلب دنف أو معتمد قد عصى كل نصيح ومفد لست إن سلمى نأتني دارها سامعا فيها إلى قول أحد المعتمد : الذي عمده الوجع يعمده عمدا . غناه ابن محرز ولحنه خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى النصر عن إسحاق , وفيه لمالك خفيف ثقيل أخر بالوسطى عن عمرو . وذكر يونس أن فيه لمالك لحنا , ولسنان الكاتب لحنا وهو ثقيل أول بالوسطى عن حبش , ومنها صوت أروح أرواح مودع أم بكور لك فاعمد لأي حال تصير ويقول العداة أودى عدي وعدي بسخط رب أسير أيها الشامت المعير بالدهر أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيام بل أنت جاهل مغرور يريد : أرواح نودعك فيه أم بكور ؟ أيهما تريد ؟ فاعمد للذي تصير إليه من أمر آخرتك . والموفور : الذي لم تصبه نوائب الدهر . الغناء لحنين من كتاب يونس ولم يذكر طريقته , وذكر حماد بن إسحاق , عن أبيه , أن حنينا غناه خالدا القسري أيام حرم الغناء , فرق له , وقال : عن ولا تعاشر سفيها ولا معربدا . والخبر في ذلك يذكر في أخبار حنين . ومما يغنى فيه أيضا من شعر عدي : صوت ألا يا ربما عز خليلي فتهاونت ولو شئت على مقدرة مني لعاقبت ولكن سرني أن يعلموا قدري فأقلعت ألا لا فاسألوا الفتية ما قَالُوا وقد قمت الغناء لسياط رمل عن الهشامي , وفيه ليحيى المكي خفيف ثقيل نسبه إلى مالك , وليس له . ولعريب في البيتين الأولين ثقيل أول . وبعدهما بيت ليس من الشعر وهو : ولكن حبيبي جل عندي فتغافلت ومما يغنى فيه شعره : صوت تعرف أمس من لميس الطلل مثل الكتاب المدارس الأحول الذي قد درس فلا يقرأ : أنعم صباحا علقم بن عدي أثويت اليوم أم ترحل قد رحل الفتيان عيرهم واللحم بالغيطان لم ينشل إذ هي تسبي الناظرين وتجلو واضحا كالأقحوان رتل الرتل : المستوي البنية . عذبا كما ذقت الجني من التفاح مسقيا ببرد الطل هكذا يغنى : والذي قاله عدي : يسقيه برد الطل . الغناء لحنين رمل بالوسطى عن عمرو . أَخْبَرَنِي الحسين بن يحيى , عن حماد , عن أبيه , عن ابن الكلبي , أن عمرو بن امرئ القيس المكنى بأبي سريح , وعلقمة بن عدي , وقيل : علقم بن عدي بن كعب , وعمرو بن هند , خرجوا إلى الصيد فأتوا قصر ابن مقاتل , فمكثوا فيه يتصيدون , فزعموا أن علقمة بن عدي تبع حمارا فصرعه والشمس لم تطلع , ثم لحق آخر فطعنه فانقصف الرمح فيه ومر به فرسه يركض , فجال به العير فضربه فأصاب صدره فقتله , وقيل : إن الرمح المنقصف دخل في صدره فقتله , وذلك في أيام الربيع , وكان عدي بن زيد معهم وإليه قصدوا , وكان نازلا في قصر ابن مقاتل , فَقَالَ : عدي هذه القصيدة يرثيه بها

السند · the isnād, in order
ابن أبي سعد←علي بن الصباح←هشام بن←أبيه←والشرفي بن القطامي←المغيرة بن شعبة←النعمان←جرير بن عبد الله←عبد الله بن عمرو←عمرو←عمرو
→ prev #11 / 454 next ←