18 أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَرَأْتُ عَلَيْهِ ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 . قَالَتْ عَائِشَةُ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ، فَإِذَا طَعَنَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ حَلَّتْ " ، وَقَالَ بِمِثْلِ مَعْنَى قَوْلِهَا ، زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَغَيْرُهُمَا
وَقَالَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْأَقْرَاءُ : الْحَيْضُ ، فَلَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ " . ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ حُجَّةَ الْقَوْلَيْنِ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا ، أَنْ يَأْمُرَهُ بِرَجْعَتِهَا وَحَبْسِهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَعْنِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ سورة الطلاق آية 1 ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْعِدَّةَ الطُّهْرُ دُونَ الْحَيْضِ . وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 ، وَلَا مَعْنَى لِلْغُسْلِ ، لِأَنَّ الْغُسْلَ رَابِعٌ . وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحَيْضَ هُوَ : أَنْ يُرْخِيَ الرَّحِمُ الدَّمَ حَتَّى يَظْهَرَ ، وَالطُّهْرَ هُوَ : أَنْ يَقْرِيَ الرَّحِمُ الدَّمَ فَلَا يَظْهَرُ . فَالْقَرْءُ : الْحَبْسُ لَا الْإِرْسَالُ ، فَالطُّهْرُ إِذَا كَانَ يَكُونُ وَقْتًا أَوْلَى فِي اللِّسَانِ ، بِمَعْنَى الْقَرْءِ لِأَنَّهُ حَبْسُ الدَّمِ ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِهِ . !204 أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِجَازَةً ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ سورة البقرة آية 228 الْآيَةَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَكَانَ بَيِّنًا فِي الْآيَةِ بِالتَّنْزِيلِ ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُطَلَّقَةِ أَنْ تَكْتُمَ مَا فِي رَحِمِهَا مِنَ الْمَحِيضِ ، فَقَدْ يَحْدُثُ لَهُ ، عِنْدَ خَوْفِهِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا ، رَأْيٌ فِي نِكَاحِهَا ، أَوْ يَكُونُ طَلَاقُهُ إِيَّاهَا أَدَبًا لَهَا ، ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْحَمْلَ مَعَ الْمَحِيضِ ، لِأَنَّ الْحَمْلَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ، فَإِذَا سَأَلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ : أَحَامِلٌ هِيَ ؟ أَوْ هَلْ حَاضَتْ ؟ فَهِيَ عِنْدِي لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَكْتُمَهُ وَلَا أَحَدًا رَأَتْ أَنْ يُعْلِمَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهَا وَلَا أَحَدٌ يُعْلِمُهُ إِيَّاهُ ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ لَوْ أَخْبَرَتْهُ بِهِ . ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ : وَلَوْ كَتَمَتْهُ بَعْدَ الْمَسْأَلَةِ الْحَمْلَ وَالْأَقْرَاءَ ، حَتَّى خَلَتْ عِدَّتُهَا كَانَتْ عِنْدِي آثِمَةً بِالْكِتْمَانِ إِذْ سُئِلَتْ وَكَتَمَتْ ، وَخِفْتُ عَلَيْهَا الْإِثْمَ إِذَا كَتَمَتْ ، وَإِنْ لَمْ تُسْأَلْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا جَعَلَهَا لَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها " . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَهُوَ مَنْقُوْلٌ فِي كِتَابِ الْمَبْسُوطِ ، وَالْمَعْرِفَةِ !205 وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : سَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعِدَدِ : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 ، فَلَمْ يَعْلَمُوا مَا عِدَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا قَرْءَ لَهَا ؟ وَهِيَ الَّتِي لَا تَحِيضُ ، وَالْحَامِلُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ سورة الطلاق آية 4 ، فَجَعَلَ عِدَّةَ الْمُؤْيَسَةِ ، وَالَّتِي لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، وَقَوْلُهُ : إِنِ ارْتَبْتُمْ سورة الطلاق آية 4 ، فَلَمْ تَدْرُوا مَا تَعْتَدُّ غَيْرُ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ، وَقَالَ : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ سورة الطلاق آية 4 " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، يُشْبِهُ مَا قَالُوا !206 وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا سورة الأحزاب آية 49 ، وَكَانَ بَيِّنًا فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا عِدَّةَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ أَنْ تُمَسَّ ، وَأَنَّ الْمَسِيسَ هُوَ : الْإِصَابَةُ ، وَلَمْ أَعْلَمْ خِلَافًا فِي هَذَا ، وَذَكَرَ الْآيَاتِ فِي الْعِدَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : فَكَانَ بَيِّنًا فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ يَوْمِ يَقَعُ الطَّلَاقُ ، وَتَكُونُ الْوَفَاةُ " !207 وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ سورة البقرة آية 240 . قَالَ الشَّافِعِيُّ : حَفِظْتُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ ، وَأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ مَعَ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ، وَأَنَّ وَصِيَّةَ الْمَرْأَةِ مَحْدُودَةٌ بِمَتَاعِ سَنَةٍ ، وَذَلِكَ : نَفَقَتُهَا ، وَكِسْوَتُهَا ، وَسَكَنُهَا ، وَأَنْ قَدْ حُظِرَ عَلَى أَهْلِ زَوْجِهَا إِخْرَاجُهَا ، وَلَمْ يُحْظَرْ عَلَيْهَا أَنْ تَخْرُجَ ، قَالَ : وَكَانَ مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهَا بِالْمَتَاعِ إِلَى الْحَوْلِ وَالسُّكْنَى مَنْسُوخَةٌ ، يَعْنِي بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ . وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَثْبَتَ عَلَيْهَا عِدَّةً : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، لَيْسَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا ، وَلَا النِّكَاحُ قَبْلَهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَكُونُ أَجَلُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا بَعُدَ أَوْ قَرُبَ ، وَيَسْقُطُ بِوَضْعِ حَمْلِهَا عِدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ " . وَلَهُ فِي سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يُسْكِنُوهَا ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَدْ مَلَكُوا الْمَالَ دُونَهُ ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ عَطَاءٍ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ !208 أَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمُطَلَّقَاتِ : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ سورة الطلاق آية 1 ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْفَاحِشَةُ : أَنْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِ زَوْجِهَا ، فَيَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُخَافُ الشِّقَاقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ ، فَإِذَا فَعَلَتْ حَلَّ لَهُمْ إِخْرَاجُهَا ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنْزِلُوهَا مَنْزِلًا غَيْرَهُ " ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ !209 أَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ سورة النساء آية 23 ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأُمَّ ، وَالْأُخْتَ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَاحْتَمَلَ تَحْرِيمُهُمَا مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، إِذْ ذَكَرَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْأُمِّ ، وَالْأُخْتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَأَقَامَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ مُقَامَ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ مِنَ النَّسَبِ ، أَنْ تَكُونَ الرَّضَاعَةُ كُلُّهَا تَقُومُ مُقَامَ النَّسَبِ ، فَمَا حَرُمَ بِالنَّسَبِ حَرُمَ بِالرَّضَاعَةِ مِثْلُهُ ، وَبِهَذَا نَقُوْلُ : بِدَلَالَةِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْقِيَاسِ عَلَى الْقُرْآنِ ، وَالْآخَرُ ، أَنْ يَحْرُمَ مِنَ الرَّضَاعِ الْأُمُّ وَالْأُخْتُ ، وَلَا يَحْرُمَ سِوَاهُمَا . ثُمَّ ذَكَرَ دَلَالَةَ السُّنَّةِ لَمَّا اخْتَارَ مِنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : والرَّضَاعُ اسْمٌ جَامِعٌ يَقَعُ عَلَى الْمَصَّةِ ، وَأَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى كَمَالِ إِرْضَاعِ الْحَوْلَيْنِ ، وَيَقَعُ عَلَى كُلِّ رَضَاعٍ ، وِإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، فَاسْتَدْلَلْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بَعْضُ الْمُرْضِعِينَ دُونَ بَعْضٍ . لَا مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ رَضَاعٍ ، وَجَعَلَ نَظِيرَ ذَلِكَ آيَةَ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ ، وَآيَةَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ ، وَذَكَرَ الْحُجَّةَ فِي وُقُوعِ التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ ، وَاحْتَجَّ فِي الْحَوْلَيْنِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ سورة البقرة آية 233 ، ثُمَّ قَالَ : فَجَعَلَ عَزَّ وَجَلَّ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ، وَقَالَ : فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا سورة البقرة آية 233 ، يَعْنِي : وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ، فَدَلَّ إِرْخَاصُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي فِصَالِ الْمَوْلُودِ عَنْ تَرَاضِي وَالِدَيْهِ وَتَشَاوُرِهِمَا قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى فِصَالِهِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا بِالنَّظَرِ لِلْمَوْلُودِ مِنْ وَالِدَيْهِ ، أَنْ يَكُونَا يَرِيَانِ فِصَالَهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ خَيْرًا مِنْ إِتْمَامِ الرَّضَاعِ لَهُ لِعِلَّةٍ تَكُونُ بِهِ ، أَوْ بِمُرْضِعِهِ ، وَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ رَضَاعَ غَيْرِهَا ، وَمَا أَشْبَهُ هَذَا . وَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ غَايَةً ، فَالْحُكْمُ بَعْدَ مُضِيِّ الْغَايَةِ فِيهِ ، غَيْرُهُ قَبْلَ مُضِيِّهَا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 ، فَحُكْمُهُنَّ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ غَيْرُ حُكْمِهِنَّ فِيهَا ، وَقَالَ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ سورة النساء آية 101 ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْصُرُوا مُسَافِرِينَ ، وَكَانَ فِي شَرْطِ الْقَصْرِ لَهُمْ بِحَالٍ مَوْصُوفَةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ فِي غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ غَيْرُ الْقَصْرِ " !210 أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا سورة النساء آية 3 ، قَالَ : وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا سورة النساء آية 3 يَدُلُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، عَلَى أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ ، وَقَوْلُهُ : أَلَّا تَعُولُوا سورة النساء آية 3 ، أَيْ لَا يَكْثُرَ مَنْ تَعُولُوا إِذَا اقْتَصَرَ الْمَرْءُ عَلَى وَاحِدَةٍ ، وَإِنْ أَبَاحَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْهَا " !211 أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ ، أَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ اللُّغَوِيُّ ، صَاحِبُ ثَعْلَبٍ فِي كِتَابِ يَاقُوتَةِ الصِّرَاطِ ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَلَّا تَعُولُوا سورة النساء آية 3 ، أَيْ أَنْ لَا تَجُورُوا ، وَتَعُولُوا : تَكْثُرُ عِيَالُكُمْ " وَرَوَيْنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا يَكْثَرَ مَنْ تَعُولُونَهُ . !212 أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمُطَلَّقَاتِ : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ سورة الطلاق آية 6 ، وَقَالَ : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ سورة الطلاق آية 6 ، قَالَ : فَكَانَ بَيِّنًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا فِي الْمُطَلَّقَةِ لَا يَمْلِكُ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَمَرَ بِالسُّكْنَى عَامًا ، ثُمَّ قَالَ فِي النَّفَقَةِ : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ سورة الطلاق آية 6 ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصِّنْفَ الَّذِي أَمَرَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى ذَوَاتِ الْأَحْمَالِ مِنْهُنَّ ، صِنْفٌ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى أَنْ لَا نَفَقَةَ عَلَى غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَحْمَالِ مِنْهُنَّ ، لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ لِمُطَلَّقَةٍ بِصِفَةٍ نَفَقَةٌ ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَفَقَةٌ لِمَنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ صِفَتِهَا مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ ، وَلمَّا لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الَّتِي يَمْلِكُ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا فِي مَعَانِي الْأَزْوَاجِ ، كَانَتِ الْآيَةُ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ " . وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِهِ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ !213 أَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 233 ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى سورة الطلاق آية 6 ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَفِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانُ أَنَّ الْإِجَارَاتِ جَائِزَةٌ عَلَى مَا يَعْرِفُ النَّاسُ ، إِذْ قَالَ اللَّهُ : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ سورة الطلاق آية 6 ، وَالرَّضَاعُ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ صَبِيٌّ أَكْثَرَ رَضَاعًا مِنْ صَبِيٍّ ، وَتَكُونُ امْرَأَةٌ أَكْثَرَ لَبَنًا مِنَ امْرَأَةٍ ، وَيَخْتَلِفُ لَبَنُهَا ، فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ ، فَتَجُوزُ الْإِجَارَتُ عَلَى هَذَا ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهِ أَقْرَبُ مِمَّا يُحِيطُ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ هَذَا ، وَتَجُوزُ الْإِجَارَاتُ عَلَى خِدْمَةِ الْعَبْدِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا ، وَتَجُوزُ فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَعْرِفُ النَّاسُ قِيَاسًا عَلَى هَذَا ، قَالَ : وَبَيَانُ أَنَّ عَلَى الْوَالِدِ نَفَقَةَ الْوَلَدِ دُونَ أُمِّهِ مُتَزَوِّجَةً أَوْ مُطَلَّقَةً ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ عَلَى الْمِيرَاثِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّ وَارِثَةٌ ، وَفَرْضُ النَّفَقَةِ وَالرَّضَاعِ عَلَى الْأَبِ دُونَهَا " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ سورة البقرة آية 233 ، مِنْ أَنْ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا لَا أَنَّ عَلَيْهَا الرَّضَاعَ ، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْإِمْلَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ رَضَاعُ وَلَدِهَا كَانَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ ، إِلَّا إِنْ شَاءَتْ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ شَرِيفَةً أَوْ دَنِيَّةً ، أَوْ مُوسِرَةً أَوْ مُعْسِرَةً ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى سورة الطلاق آية 6 ، وَزَادَ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ ، فَقَالَ : وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِجَارَةَ فِي كِتَابِهِ ، وَعَمِلَ بِهَا بَعْضُ أَنْبِيَائِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ سورة القصص آية 26 ، الْآيَةَ . فَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ حِجَجًا مُسَمَّاةً يَمْلِكُ بِهَا بُضْعَ امْرَأَةٍ ، فَدَلَّ عَلَى تَجْوِيزِ الْإِجَارَةِ ، وَعَلَى أَنْ لَا بَأْسَ بِهَا عَلَى الْحِجَجِ إِذَا كَانَ عَلَى الْحِجَجِ اسْتَأْجَرَهُ ، وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى غَيْرِ حِجَجٍ فَهُوَ تَجْوِيزُ الْإِجَارَةِ بِكَلِّ حَالٍ ، وَقَدْ قِيلَ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .