← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#2872 17 : 282 ☰ حديث ثالث عشر لعبد الله بن أبي بكر
A− A+

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ° ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ ° ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ° ، يَقُولُ : " خِلالٌ مِنْ خِلالِ الْجَاهِلِيَّةِ : الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ ، وَالنِّيَاحَةُ " ، وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ ، قَالَ سُفْيَانُ : يَقُولُونَ : إِنَّهَا الاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ

فذكروا هذه الأحاديث ، ومثلها وقالوا : قد نهى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النياحة ، وحرمها ، ولعَنِ النائحة والمستمعة . قَالُوا : وقد قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا سورة التحريم آية 6 ، وَقَالَ : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ سورة طه آية 132 ، فواجب عَلَى كل مسلم أن يعلم أهله ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم ، ويأمرهم به ، وواجب عَلَيْهِ أن ينهاهم عَنْ كل ما لا يحل لهم ، ويوقفهم عَلَيْهِ ، ويمنعهم منه ، ويعلمهم ذلك كله لقول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا سورة التحريم آية 6 قَالُوا : فإذا علم الرجل المسلم ما جاء عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النياحة عَلَى الميت ، والنهي عنها ، والتشديد فيها ، ولم ينه عَنْ ذلك أهله ، ونيح عَلَيْهِ بعد ذلك ، فإنما يعذب بما نيح عَلَيْهِ ؛ لأنه لم يفعل ما أمر به من نهي أهله عَنْ ذلك ، وأمره إياهم بالكف عنه ، وإذا كَانَ ذلك كذلك ، فإنما يعذب بفعل نفسه وذنبه ، لا بذنب غيره ، وليس فِي ذلك ما يعارض قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى سورة الأنعام آية 164 ، وكان ما رواه عُمَر ، وابن عُمَر ، والمغيرة ، وغيرهم صحيح المعنى غير مدفوع ، وبالله التوفيق . وقال المزني بلغني أنهم كانوا يوصون بالبكاء عليهم ، أو بالنياحة ، أو بهما ، وهي معصية ، ومن أمر بها ، فعملت بعده كانت له ذنبا ، فيجوز أن يزاد بذنبه عذابا ، كما قَالَ الشافعي لا بذنب غيره . قَالَ أَبُو عُمَر : أما البكاء بغير نياح ، فلا بأس به عند جماعة العلماء ، وكلهم يكرهون النياحة ، ورفع الصوت بالبكاء ، والصراخ . والفرق فِي ذلك عندهم بين ، بين ذلك ما مضى فِي هذا الباب من الآثار فِي النياحة ، ولطم الخدود ، وشق الجيوب ، مع قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ بكى عَلَى ابنه " تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب " . رواه ثابت ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ° ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ حِينَئِذٍ : أَتَبْكِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنْتَ تَنْهِي عَنِ الْبُكَاءِ ؟ فَقَالَ : " إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين صوت لَهْوٍ ، وَلَعِبٍ ، وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ نِعْمَةٍ ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ , لَطْمِ وُجُوهٍ ، وَشَقِّ جُيُوبٍ ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ ، وَهَذَا رَحْمَةٌ ، وَمَنْ لا يُرْحَمْ لا يُرْحَمْ . يَا إِبْرَاهِيمُ ، لَوْلا أَنَّهُ وَعْدُ صِدْقٍ ، وَقَوْلُ حَقٍّ ، وَأَنَّ أُخْرَانَا يَلْحَقُ أُولانَا ، لَحَزِنَّا عَلَيْكَ حُزْنًا أَشَدَّ مِنْ هَذَا ، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ، تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبُّ " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ ، أَظُنُّهُ ابْنَ بَعْضَ بَنَاتِهِ أَتَى بِهِ ، وَنَفْسَهُ تُقَعْقِعُ ، فَجَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ ، وَدَمِعَتْ عَيْنَاهُ وَفَاضَتْ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : " إِنَّهَا رَحْمَةٌ يَضَعَهَا اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ " . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ° ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي جَنَازَةٍ ، فَبَكَتِ امْرَأَةٌ ، فَصَاحَ بِهَا عُمَرُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهَا يَا عُمَرُ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ " رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ° ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ° ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَزْرَقِ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي حديث جَابِر بْن عتيك ما يدل عَلَى أن الرخصة فِي البكاء ، إنما هي قبل أن تفيض النفس ، فإذا فاضت ومات لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه : " دعوهن ما دام عندهن ، فإذا وجب فلا تبكين باكية " ، وسنذكر هذا الحديث فِي موضعه من كتابنا هذا إن شاء اللَّه . وهذه الأحاديث كلها تدل عَلَى أن البكاء غير النياحة ، وأن النهي إنما جاء فِي النياحة ، لا فِي بكاء العين ، وبالله العصمة والتوفيق ، لا شريك لَهُ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد