أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فَنْجَوَيْهِ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ ° ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلُّوَيْهِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنِ ابْنِ سَمْعَانَ ° ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° " أَنَّ فِرْعَوْنَ إِنَّمَا سُمِّيَ : ذَا الأَوْتَادِ ، لأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ ، وَهِيَ امْرَأَةُ خَازِنِ فِرْعَوْنَ حِزْبِيلَ ، وَكَانَ مُؤْمِنًا كَتَمَ إِيمَانَهُ مِائَةَ سَنَةٍ ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ مَاشِطَةً تَمْشُطُ بِنْتَ فِرْعَوْنَ ، فَبَيْنَمَا هِيَ ذَاتَ يَوْمٍ تَمْشُطُ رَأْسَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ إِذْ سَقَطَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا ، فَقَالَتْ : تَعِسَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ . فَقَالَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ : وَهَلْ لَكِ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُ أَبِي ؟ فَقَالَتْ : إِلَهِي وَإِلَهُ أَبِيكِ ، وَإِلَهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ . فَقَامَتْ فَدَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا وَهِيَ تَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ قَالَتْ : الْمَاشِطَةُ امْرَأَةُ خَازِنِكَ تَزْعَمُ أَنَّ إِلَهَكَ وَإِلَهَهَا وَإِلَهَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : صَدَقَتْ . فَقَالَ لَهَا : وَيْحَكِ ، اكْفُرِي بِإِلَهِكِ ، وَأَقِرِّي بِأَنِّي إِلَهُكِ . قَالَتْ : لا أَفْعَلُ . فَمَدَّهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَوْتَادٍ ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلَيْهَا الْحَيَّاتِ ، وَالْعَقَارِبَ ، وَقَالَ لَهَا اكْفُرِي بِاللَّهِ ، وَإِلا عَذَّبْتُكُ بِهَذَا الْعَذَابِ شَهْرَيْنِ . فَقَالَتْ لَهُ : وَلْو عَذَّبْتَنِي سَبْعِينَ شَهْرًا مَا كَفَرْتُ بِاللَّهِ . وَكَانَ لَهَا ابْنَتَانِ فَجَاءَ بِابْنَتِهَا الْكُبْرَى فَذَبَحَهَا عَلَى قُرْبٍ مِنْهَا ، وَقَالَ لَهَا : اكْفُرِي بِاللَّهِ ، وَإِلا ذَبَحْتُ الصُّغْرَى عَلَى قَلْبِكِ . وَكَانَتْ رَضِيعًا ، فَقَالَتْ : لَوْ ذَبَحْتَ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ عَلَى فِيَّ مَا كَفَرْتُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَتَى بِابْنَتِهَا الصُّغْرَى فَلَمَّا اضْطَجَعَتْ عَلَى صَدْرِهَا وَأَرَادَ ذَبْحَهَا ، جَزَعَتِ الْمَرْأَةُ ، فَأَطْلَقَ اللَّهُ لِسَانَ ابْنَتِهَا فَتَكَلَّمَتْ ، وَهِيَ مِنَ الأَرْبَعَةِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا أَطْفَالا ، فَقَالَتْ : يَا أُمَّاهُ لا تَجْزَعِي فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَنَى لَكِ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ، اصْبِرِي فَإِنَّكِ تُفْضِينَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ . فَذُبِحَتْ ، فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ مَاتَتْ ، فَأَسْكَنَهَا اللَّهُ الْجَنَّةَ . قَالَ : وَبَعَثَ فِي طَلَبِ زَوْجِهَا حِزْبِيلَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ، فَقِيلَ لِفَرْعَوْنَ : إِنَّهُ قَدْ رُئِيَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فِي جَبَلِ كَذَا ، فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ فِي طَلَبِهِ فَانْتَهَيَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي ، وَيَلِيهِ صُفُوفٌ مِنَ الْوَحْشِ خَلْفَهُ يُصَلُّونَ ، فَلَمَّا رَأَيَا ذَلِكَ انْصَرَفَا ، فَقَالَ حِزْبِيلُ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كَتَمْتُ إِيمَانِي مِائَةَ سَنَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيَّ أَحَدٌ ، فَأَيُّمَا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ كَتَمَ عَلَيَّ فَاهْدِهِ إِلَى دِينِكَ ، وَأَعْطِهِ مِنَ الدُّنْيَا سُؤْلَهُ ، وَأَيُّمَا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ أَظْهَرَ عَلَيَّ فَعَجِّلْ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَاجْعَلْ مَصِيرَهُ فِي الآخِرَةِ إِلَى النَّارِ ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلانِ إِلَى فِرْعَوْنَ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَاعْتَبَرَ وَآمَنَ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَخْبَرَ فِرْعَوْنَ بِالْقِصَّةِ عَلَى رُءُوسِ الْمَلأِ ، فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ : وَهَلْ كَانَ مَعَكَ غَيْرُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فُلانٌ . فَدَعَا بِهِ ، فَقَالَ : أَحَقٌّ مَا يَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ : لا ، مَا رَأَيْتُ مِمَّا قَالَ شَيْئًا ، فَأَعْطَاهُ فِرْعَوْنُ وَأَجْزَلَ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ صَلَبَهُ . قَالَ : وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يُقَالُ لَهَا : آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ ، فَرَأَتْ مَا صَنَعَ فِرْعَوْنُ بِالْمَاشِطَةِ ، فَقَالَتْ : وَكَيْفَ يَسَعُنِي أَنْ أَصْبِرَ عَلَى مَا يَأْتِي فِرْعَوْنُ ، وَأَنَا مُسْلِمَةٌ ، وَهُوَ كَافِرٌ ؟ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ تُؤَامِرُ نَفْسَهَا إِذْ دَخَلَ عَلَيْهَا فِرْعَوْنُ ، فَجَلَسَ قَرِيبًا مِنْهَا ، فَقَالَتْ : يَا فِرْعَوْنُ ، أَنْتَ شَرُّ الْخَلْقِ وَأَخْبَثُهُمْ ، عَمَدْتَ إِلَى الْمَاشِطَةِ فَقَتَلْتَهَا . قَالَ : فَلَعَلَّ بِكِ الْجُنُونَ الَّذِي كَانَ بِهَا ؟ قَالَتْ : مَا بِي مِنْ جُنُونٍ ، وَإِنَّ إِلَهِي وَإِلهَهَا ، وَإِلَهَكَ ، وَإِلَهَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ . فَمَزَّقَ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا وَضَرَبَهَا ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبَوْيَهَا فَدَعَاهُمَا ، فَقَالَ لَهُمَا : أَلا تَرَيَانِ أَنَّ الْجُنُونَ الَّذِي كَانَ بِالْمَاشِطَةِ أَصَابَهَا ؟ قَالَتْ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ وَرَبَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا : يَا آسِيَةُ ، أَلَسْتِ مِنْ خَيْرِ نِسَاءِ الْعَمَالِيقِ ، وَزَوْجُكِ إِلَهُ الْعَمَالِيقِ ؟ قَالَتْ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ حَقًّا ، فَقُولا لَهُ : أَنْ يُتَوِّجَنِي تَاجًا تَكُونُ الشَّمْسُ أَمَامَهُ ، وَالْقَمَرُ خَلْفَهُ ، وَالْكَوَاكِبُ حَوْلَهُ . فَقَالَ لَهُمَا فِرْعَوْنُ : اخْرُجَا عَنِّي . فَمَدَّهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَوْتَادٍ يُعَذِّبُهَا ، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهَا بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ لِيُهَوِّنَ عَلَيْهَا مَا يَصْنَعُ بِهَا فِرْعَوْنُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ، قَالَت : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ سورة التحريم آية 11 . فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهَا ، وَأَسْكَنَهَا الْجَنَّةَ .

الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ { 11 } فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ { 12 } فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ { 13 } إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ { 14 } فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ { 15 } وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ { 16 } كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ { 17 } سورة الفجر آية 11-17 . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ سورة الفجر آية 11 يعني : عادا ، وثمود ، وفرعون ، عملوا فِي الأرض بالمعاصي وتجبروا . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ { 12 } فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ { 13 } سورة الفجر آية 12-13 قَالَ قتادة : يعني : لونا من العذاب صبه عليهم . قَالَ أهل المعاني : هذا عَلَى الاستعارة ، لأن السوط عندهم غاية العذاب ، فجرى ذلك لكل نوع من العذاب . وَقَالَ الزجاج : جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ سورة الفجر آية 14 قَالَ ابْن عباس : يعني : بحيث يرى ، ويسمع ، ويبصر . قَالَ الكلبي : عَلَيْهِ طريق العباد لا يفوته أحد . قَالَ مقاتل : ممر الناس عَلَيْهِ ، والمرصاد والمرصد : الطريق . وقيل : مرجع الخلق إِلَى حكمه وأمره ، وإليه مصيرهم . وقال الْحَسَن ، وعكرمة : يرصد أعمال بني آدم . والمعنى : أنه لا يفوته شيء من أعمال العباد كما لا يفوت من هو بالمرصاد . وقال السدي : أرصد اللَّه النار عَلَى طريقهم حَتَّى يهلكهم . فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ سورة الفجر آية 15 امتحنه ، رَبُّهُ سورة الفجر آية 15 بالنعمة ، فَأَكْرَمَهُ سورة الفجر آية 15 بالمال ، وَنَعَّمَهُ سورة الفجر آية 15 بما وسع عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ سورة الفجر آية 15 بما أعطاني . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ سورة الفجر آية 16 بالفقر ، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ سورة الفجر آية 16 قرأ أَبُو جَعْفَر ، وابن عامر : فقدر بتشديد الدال ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، وهما لغتان ، أي : ضيق عَلَيْهِ رزقه ، وقيل : قَدَرَ بمعنى : قتر وأعطاه قدر ما يكفيه . فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ سورة الفجر آية 16 أذلني بالفقر ، وهذا يعني به : الكافر ، تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ فِي الدنيا ، وقلته . قَالَ الكلبي ، ومقاتل : نزلت فِي أمية بْن خلف الجمحي الكافر . فرد اللَّه عَلَى من ظن أن سعة الرزق إكرام ، وأن الفقر إهانة ، فقال : كَلَّا سورة الفجر آية 17 لم أبتله بالغنى لكرامته ، ولم أبتله بالفقر لهوانه ، فأخبر أن الإكرام والإهانة لا تدور عَلَى المال وسعة الرزق ، ولكن الفقر والغنى بتقديره ، فيوسع عَلَى الكافر لا لكرامته ، ويقدر عَلَى المؤمن لا لهوانه ، إنما يكرم المرء بطاعته ، ويهينه بمعصيته . قرأ أهل الحجاز ، والبصرة : أكرمني ، و أهانني بإثبات الياء فِي الوصل ، ويقف ابْن كثير ، ويعقوب : بالياء ، والآخرون يحذفونها وصلا ووقفا . بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ سورة الفجر آية 17 قرأ أهل البصرة : يكرمون ، و يحضون و يأكلون و يحبون بالياء فيهن ، وقرأ الآخرون بالتاء . لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ : لا تحسنوا إِلَيْهِ ، وقيل : لا تعطونه حقه . قَالَ مقاتل : كان قدامة بْن مظعون يتيما فِي حجر أمية بْن خلف ، وكان يدفعه عَن حقه . وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ { 18 } وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا { 19 } وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا { 20 } كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا { 21 } وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا { 22 } وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى { 23 } سورة الفجر آية 18-23 . وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ سورة الفجر آية 18 أي : لا تأمرون بإطعامه ، وقرأ أَبُو جَعْفَر ، وأهل الكوفة : تَحَاضُّونَ سورة الفجر آية 18 بفتح الحاء ، وألف بعدها ، أي : لا يحض بعضكم بعضا عَلَيْهِ . وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ سورة الفجر آية 19 أي : الميراث ، أَكْلا لَمًّا سورة الفجر آية 19 شديدا ، وهو أن يأكل نصيبه ، ونصيب غيره ، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ، ولا الصبيان ، ويأكلون نصيبهم . قَالَ ابْن زيد : الأكل اللم : الذي يأكل كل شيء يجده ، لا يسأل عنه أحلال هو أم حرام ؟ ويأكل الذي لَهُ ولغيره ، يقال : لممت عَلَى الخوان ، إذا أتيت ما عَلَيْهِ فأكلته . وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا سورة الفجر آية 20 أي : كثيرا ، يعني : جمع المال ، وتولعون به ، يقال : جم الماء فِي الحوض ، إذا كثر واجتمع . كَلَّا سورة الفجر آية 17 ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر ، وقال مقاتل : أي لا يفعلون ما أمروا به في اليتيم ، وإطعام المسكين . ثم أخبر عَن تلهفهم عَلَى ما سلف منهم حين لا ينفعهم ، فقال عز من قائل : إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا سورة الفجر آية 21 مرة بعد مرة ، وكسر كل شيء عَلَى ظهرها من جبل وبناء ، وشجر ، فلم يبق عَلَى ظهرها شيء . وَجَاءَ رَبُّكَ سورة الفجر آية 22 قَالَ الْحَسَن : جاء أمره وقضاؤه . وقَالَ الكلبي : ينزل . وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا سورة الفجر آية 22 قَالَ عطاء : يريد : صفوف الملائكة ، وأهل كل سماء صف عَلَى حدة . قَالَ الضحاك : أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة ، كانوا صفا مختلطين بالأرض ، ومن فيها يكون سبع صفوف . وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ سورة الفجر آية 23 قَالَ عَبْد اللَّه بْن مسعود ، ومقاتل فِي هذه الآية : جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها ، لَهَا تغيظ وزفير حَتَّى تنصب عَلَى يسار العرش . يَوْمَئِذٍ سورة الفجر آية 23 يعني : يوم يجاء بجهنم ، يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ سورة الفجر آية 23 يتعظ ويتوب الكافر ، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى سورة الفجر آية 23 قَالَ الزجاج : يظهر التوبة ، ومن أين لَهُ التوبة ؟ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي { 24 } فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ { 25 } وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ { 26 } يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ { 27 } ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً { 28 } سورة الفجر آية 24-28 . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي سورة الفجر آية 24 أي : قدمت الخير ، والعمل الصالح لحياتي فِي الآخرة ، أي : لآخرتي التي لا موت فيها . فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ { 25 } وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ { 26 } سورة الفجر آية 25-26 قرأ الكسائي ، ويعقوب : لا يعذب ، ولا يوثق بفتح الذال والثاء ، عَلَى معنى : لا يعذب أحد فِي الدنيا ، كعذاب اللَّه يومئذ ، ولا يوثق كوثاقه أحد يومئذ . قيل : هو رجل بعينه ، وهو أمية بْن خلف ، يعني : لا يعذب كعذاب هذا الكافر أحد ، ولا يوثق كوثاقه أحد . وقرأ الآخرون بكسر الذال والثاء ، أي : لا يعذب أحد فِي الدنيا كعذاب اللَّه الكافر يومئذ ، ولا يوثق كوثاقه أحد ، يعني : لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ اللَّه فِي العذاب ، والوثاق : وهو الإسار فِي السلاسل والأغلال . قوله عز وجل : يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ سورة الفجر آية 27 إِلَى ما وعد اللَّه ، المصدقة بما قَالَ اللَّه ، قَالَ مجاهد : الْمُطْمَئِنَّةُ التي أيقنت أن اللَّه تعالى ربها ، وصبرت جأشا لأمره وطاعته . وقال الْحَسَن : المؤمنة الموقنة . وقال عطية : الراضية بقضاء اللَّه تعالى . وقال الكلبي : الأمنة من عذاب اللَّه . وقيل : المطمئنة بذكر اللَّه ، بيانه قوله : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ سورة الرعد آية 28 . واختلفوا فِي وقت هذه المقالة ، فقال قوم : يقال لَهَا ذلك عند الموت ، فيقال لَهَا : ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ سورة الفجر آية 28 إِلَى اللَّه ، رَاضِيَةً سورة الفجر آية 28 بالثواب ، مَرْضِيَّةً سورة الفجر آية 28 عنك . وقال الْحَسَن : إذا أراد اللَّه قبضها اطمأنت إِلَى اللَّه ، ورضيت عَن اللَّه ، ورضي اللَّه عنها . قَالَ عَبْد اللَّه بْن عمرو : إذا توفي العبد المؤمن أرسل اللَّه عز وجل ملكين إليه ، وأرسل إِلَيْهِ بتحفة من الجنة ، فيقال لَهَا : اخرجي يَا أيتها النفس المطمئنة ، اخرجي إِلَى روح وريحان ، وربك عنك راض . فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد فِي أنفه ، والملائكة عَلَى أرجاء السماء ، يقولون : قد جاء من الأرض روح طيبة ، ونسمة طيبة . فلا تمر بباب إلا فتح لَهَا ، ولا بملك إلا صلى علهيا حَتَّى يؤتى بها الرحمن ، فتسجد ، ثم يقال لميكائيل : اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين . ثم يؤمر فيوسع عَلَيْهِ قبره سبعون ذراعا عرضه ، وسبعون ذراعا طوله ، وينبذ لَهُ الريحان ، وإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره ، وإن لم يكن جعل لَهُ نوره مثل الشمس فِي قبره ، ويكون مثله مثل العروس ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إِلَيْهِ . وإذا توفي الكافر أرسل اللَّه إِلَيْهِ ملكين ، وأرسل قطعة من بجاد أنتن من كل نتن ، وأخشن من كل خشن ، فيقال : يَا أيتها النفس الخبيثة ، اخرجي إِلَى جهنم وعذاب أليم ، ورب عليك غضبان . وقال أَبُو صالح ، فِي قوله : ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً سورة الفجر آية 28 قَالَ : هذا عند خروجها من الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة ، قيل : فَادْخُلِي فِي عِبَادِي { 29 } وَادْخُلِي جَنَّتِي { 30 } سورة الفجر آية 29-30 . وقال آخرون : إنما يقال لَهَا ذلك عند البعث ، يقال : ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ سورة الفجر آية 28 أي : إِلَى صاحبك وجسدك ، فيأمر اللَّه الأرواح أن ترجع إِلَى الأجساد . وهذا قول عكرمة ، وعطاء ، والضحاك ، ورواية العوفي ، عَن ابْن عباس ، وقَالَ الْحَسَن : معناه ارجعي إِلَى ثواب ربك وكرامته ، راضية : عَن اللَّه بما أعد لَكِ ، مرضية : رضي عنها ربها . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي { 29 } وَادْخُلِي جَنَّتِي { 30 } سورة الفجر آية 29-30 . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي سورة الفجر آية 29 أي : مع عبادي في جنتي ، وقيل : فِي جملة عبادي الصالحين المطيعين المصطفين ، نظيره : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ سورة النمل آية 19 . وَادْخُلِي جَنَّتِي سورة الفجر آية 30 وقال بعض أهل الإشارة : يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ سورة الفجر آية 27 إِلَى الدنيا ارْجِعِي سورة الفجر آية 28 إِلَى اللَّه بتركها . والرجوع إِلَى اللَّه هو سلوك الآخرة . وقال سَعِيد بْن جبير : مات ابْن عباس رضي الله عنهما بالطائف ، فشهدت جنازته ، فجاء طائر لم نر عَلَى صورة خلقه فدخل نعشه ، ثم لم ير خارجا منه ، فلما دفن تليت هذه الآية عَلَى شفير القبر ، ولم ندر من قرأها : يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ { 27 } ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً { 28 } فَادْخُلِي فِي عِبَادِي { 29 } وَادْخُلِي جَنَّتِي { 30 } سورة الفجر آية 27-30 .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
أبو سعيد الشريحي←أبو إسحاق الثعلبي←ابن فنجويه←مخلد بن جعفر←الحسن بن علويه←إسماعيل بن عيسى←إسحاق بن بشر←ابن سمعان←عطاء←ابن عباس
شجرة الإسناد