79 فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَلْبُونَ ° ، عَنْ الشَّيْخِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ ° إِجَازَةً ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ ° ، وَأَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ ° ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ ° ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ جَدِّهِ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَاقْتُلُوهُ ، وَمَن سَبَّ أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ "
وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح أمر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم " بقَتْل كَعْب بن الأشْرَف " وَقَوْلُه : " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ " ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً ، دُونَ دَعْوَة بخلاف غَيْرِه مِن المشركين وعلل بأذاه لَه ، فدل أَنّ قتله إياه لغير الإشراك بَل للأذى ، وَكَذَلِك قتل أَبَا رافع ، قَال البراء : وَكَان يؤذي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ويعين عَلَيْه ، وَكَذَلِك " أَمْرُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَجَارِيَتَيْهِ اللَّتَيْنِ كَانَتْ تُغَنِّيَانِ بِسَبِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . وَفِي حَدِيث آخَر ، أَنّ رَجُلًا كَان يَسُبُّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فَقَال : " مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي ؟ فَقَالَ خَالِدٌ : أَنَا ، فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ " . وَكَذَلِك أمَر بِقَتْل جَمَاعَة من كَان يُؤْذِيه مِن الكُفَّار وَيسبُّه كالنَّضْر بن الحَارِث ، وَعُقْبَة بن أَبِي مُعَيْط وعَهِد بِقَتْل جَمَاعَة مِنْهُم قَبْل الْفَتْح وَبَعْدَه فَقُتِلُوا إلَّا من بادَر بإسْلَامِه قَبْل القُدْرَة عَلَيْه وَقَد رَوَى البَزّار عَن ابن عَبَّاس أَنّ عُقْبَة بن أَبِي مُعَيْط نادى : يَا مَعَاشِر قُرَيْش مَا لِي أُقْتَل من بَيْنِكُم صَبْرًا ؟ فَقَال لَه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " بِكُفْرِكَ وَافْتِرَائِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَذَكَرَ عَبْد الرَّزَّاق ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم سَبَّهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : " مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ : أَنَا ، فَبَارَزَهُ فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ " ، وَرُوي أيضًا أَنّ امْرَأة كَانَت تَسُبُّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فَقَال : " مَنْ يَكْفِينِي عَدُوَّتِي ؟ فَخَرَجَ إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلهَا " ، وَرُوي أَنّ رَجُلًا كَذَب عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فَبَعَث عليًّا ، والزُّبَيْر إيله ليَقتلاه ، وَرَوَى ابن قانِع ، أَنّ رَجُلًا جاء إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فَقَال : يَا رَسُول اللَّه سَمِعْت أَبِي يَقُول فيك قولًا قَبيحًا فَقَتَلْتُه ، فَلَم يشُقّ ذَلِك عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وَبَلَغ الْمُهَاجِر بن أَبِي أُمَيَّة أَمِير الْيَمَن ، لأبي بَكْر رَضِي اللَّه عَنْه ، أَنّ امْرَأة هناك فِي الرّدّة غَنَّت بِسَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه فَقَطَع يَدَهَا وَنَزَع ثَنِيّتَهَا ، فبَلَغ أَبَا بَكْر رَضِي اللَّه عَنْه ذَلِك ، فَقَال لَه : لَوْلَا مَا فَعَلْت لأمَرْتُك بِقَتْلِهَا لِأَنّ حَدّ الْأَنْبِيَاء لَيْس يشبه الحُدُود ، وَعَن ابن عَبَّاس ، هَجَت امْرَأة من خَطْمَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فَقَالَ : " مَنْ لِي بِهَا ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا " فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ " ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَسُبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَشْتُمُهُ فَقَتَلَهَا ، وَأَعْلَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَأَهْدَرَ دَمَهَا ، وَفِي حَدِيث أَبِي بَرْزَة الأسلمي كُنْت يَوْمًا جَالِسًا عِنْد أَبِي بَكْر الصّدّيق فَغَضب عَلَى رَجُل مِن الْمُسْلِمِين ، وَحَكَى الْقَاضِي إِسْمَاعِيل وَغَيْر وَاحِد مِن الْأَئِمَّة فِي هَذَا الْحَدِيث أنه سَبّ أَبَا بكر . وَرَوَاه النَّسَائِي . كأتيت أَبَا بَكْر وَقَد أغلظ لرجل فرد عَلَيْه ، قَال : فَقُلْت : يَا خليفة رَسُول اللَّه دعني أضرب عنقه ، فَقَال : اجلس فليس ذَلِك لأحد إلَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، قَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن نصر وَلَم يُخَالِف عَلَيْه أَحَد ، فَاسْتَدَلّ الْأَئِمَّة بَهَذَا الْحَدِيث عَلَى قَتْل من أغْضَب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِكُلّ مَا أغْضَبه أو آذاه أَو سَبّه ، وَمِن ذَلِك كِتَاب عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز إِلَى عَامِله بِالكُوفَة وَقَد استشَارَه فِي قَتْل رَجُل سَبّ عُمَر رَضِي اللَّه عَنْه ، فَكَتَب إليْه عُمَر : أنَّه لَا يَحِلّ قَتْل امْرِئ مُسْلِم بسَبّ أحد مِن النَّاس إلَّا رَجُلًا سَبّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَمَن سَبَّه فَقَد حَلّ دَمُه ، وَسَأل الرَّشيد ، مالِكًا فِي رَجُل شَتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وَذَكَر لَه أَنّ فُقَهَاء الْعِرَاق افْتَوْه بِجَلْدِه ، فَغَضب مَالِك وَقَال : يَا أَمِير الْمُؤْمِنين مَا بَقَاء الْأُمَّة بَعْد شَتْم نَبِيّهَا ؟ من شَتَم الْأَنْبِيَاء قُتِل وَمِن شَتَم أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم جُلِد ، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل : كذا وَقَع فِي هَذِه الحكاية ، رواها غَيْر وَاحِد من أَصْحَاب مناقب مَالِك ، ومؤلفي أخباره ، وَغَيْرِهِم ، وَلَا أدري من هَؤْلَاء الفقهاء بالعراق الَّذِين أفتوا الرشيد بِمَا ذَكَر ، وَقَد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله ولعلهم مِمَّن لَم يشهر بعلم أو من لَا يوثق بفتواه أو يميل بِه هواه ، أو يَكُون مَا قاله يحمل عَلَى غَيْر السب فيكون الخِلَاف ، هَل هُو سَبّ أو غَيْر سَبّ ، أو يَكُون رجع وتاب عَن سبه فَلَم يقله لمالك عَلَى أصله ، وَإِلَّا فالإجماع عَلَى قَتْل من سَبَّه كَمَا قَدّمْنَاه ، وَيَدُل عَلَى قَتْلِه من جِهَة النّظَر وَالاعتْبَار أَنّ من سَبَّه أو تَنَقّصَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَقَد ظَهَرَت عَلَامَة مَرَض قَلْبِه وَبُرْهَان سَرّ طَويّتِه وَكُفْرِه ، ولهذا مَا حَكَم لَه كَثِير مِن الْعُلمَاء بالرَّدّة ، وَهِي رِوَايَة الشّامِيّين ، عَن مَالِك ، والأوْزَاعِيّ ، وقول الثَّوْرِيّ ، وأبي حنيفة ، وَالكوَفِيّين . والقول الآخر أنَّه دليل عَلَى الكُفْر ، فَيُقْتَل حَدًّا وإن لَم يُحْكَم لَه بالكُفْر إلَّا أَنّ يُكُون مُتَمَادِيًا عَلَى قَوْلِه غَيْر مُنْكِر لَه وَلَا مُقْلِع عَنْه فَهَذَا كافِر ، وَقَوْلُه إِمَّا صَرِيح كُفْر كالتّكْذِيب وَنَحْوِه ، أو من كَلِمَات الاسْتِهْزَاء وَالذَّمّ ، فاعْتِرَافُه بِهَا وَتَرَك تَوْبَتِه عَنْهَا دَلِيل اسْتِحْلالِه لِذَلِك وَهُو كُفْر أيْضًا ، فَهَذَا كَافِر بِلَا خِلَاف ، قَال اللَّه تَعَالَى فِي مِثْلِه : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ سورة التوبة آية 74 ، قَال أَهْل التَّفْسِير : هِي قَوْلُهُم إن كَان مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًا لَنَحْن شَرّ مِن الْحَمِير ، وَقِيل : بَل قَوْل بَعْضُهُم : مَا مثلنا ومِثْل مُحَمَّد إلَّا قَوْل القائل سَمّن كَلْبَك يأْكُلك و لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ سورة المنافقون آية 8 ، وَقَد قِيل : إنّ قائل مثل هَذَا إن كَان مُسْتَتِرًا بِه أَنّ حُكْمَه حُكْم الزَّنْدِيق يُقْتَل ، ولِأَنَّه قَد غَيّر دِينَه وَقَد قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ " ، ولأن لِحُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي الْحُرْمَة مَزِيَّة عَلَى أمَّتَه ، وَسَابّ الْحُرّ من أمَّتَه يُحَدّ ، فَكَانَت العُقُوبَة لِمَن سَبَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم القَتْل لِعَظِيم قَدْرِه وَشُفُوف مَنْزِلَتِه عَلَى غَيْرِه . فصل فَإِنّ قُلْت : فَلَم لَم يَقْتُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم اليَهُودِيّ ، الَّذِي قَال لَه : السَّام عَلَيْكُم وَهَذَا دُعَاء عَلَيْه ، وَلَا قَتَل الآخَر الَّذِي قَال لَه : إن هَذِه لَقِسْمَة مَا أُريد بِهَا وجْه اللَّه ، وَقَد تَأذّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم من ذَلِك ، وَقَال : قَد أُوذِي مُوسَى بأكْثَر من هَذَا فَصَبَر وَلَا قَتَل المُنَافِقِين الَّذِين كَانُوا يُؤْذُونه فِي أَكْثَر الأحْيَان ؟ فَاعْلَم وفقنا اللَّه وإيّاك ، أَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَان أَوَّل الْإِسْلَام يَسْتَألِف عَلَيْه النَّاس وَيُمَيّل قُلُوبَهُم وَيَمِيل إليْه وَيُحَبّب إِلَيْهِم الْإِيمَان وَيُزَيّنُه فِي قُلُوبِهِم وَيُدَارِئُهُم ، وَيَقُول لأصحابه : إنَّمَا بُعثْتُم مُيَسَرِين وَلَم تُبْعَثُوا مُنَفّرِين ، وَيَقُول : " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا " ، وَيَقُول : " لَا يَتَحَدَّثِ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ " ، وَكَان صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يُدَارِي الكُفّار والْمُنَافِقِين وَيُجْمل صُحْبَتَهُم وَيُغْضِي عَنْهُم ، وَيَحْتَمِل من أذَاهُم وَيَصْبِر عَلَى جَفَائهِم مَا لَا يَجُوز لَنَا الْيَوْم الصّبْر لَهُم عَلَيْه ، وَكَان يُرْفِقُهُم بالْعَطَاء . وَالإحْسَان وبذلك أمَرَه اللَّه تَعَالَى ، فَقَال تَعَالَى : وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ سورة المائدة آية 13 ، وَقَال اللَّه تَعَالَى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ سورة فصلت آية 34 ، وَذَلِك لِحَاجَة النَّاس لِلتَّألُّف أَوَّل الْإِسْلَام وَجَمْع الْكَلِمَة عَلَيْه ، فَلَمّا اسْتَقَرّ وَأظْهَرَه اللَّه عَلَى الدَّين كُلُّه قَتَل من قَدَر عَلَيْه واشْتَهَر أمْرُه ، كَفِعْلِه بابن خَطِل وَمِن عهد بِقَتْله يَوْم الْفَتْح ، وَمِن أمْكَنَه قَتْلُه غِيلَة من يَهُود وَغَيْرِهِم ، أَو غَلبَة مِمَّن لَم يُنْظِمْه قَبْل سِلْك صُحْبَتِه والانْخَراط فِي جُمْلة مُظْهِري الإيمَان بِه مِمَّن كَان يُؤْذِيه كَابْن الأشْرَف ، وأبي رافِع ، والنَّضْر ، وعُقْبَة . وَكَذَلِك نَدَر جمَاعَة سواهم ككعب بن زهير ، وَابْن الزبعري ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّن آذَاه حَتَّى ألْقَوْا بأيْدِيهِم ولَقُوه مسلمين ، وَبوَاطِن المنافقين مُسْتَتِرَة ، وَحُكْمُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى الظَّاهِر ، وأكْثَر تِلْك الكلمات إنَّمَا كَان يَقُولُهَا القَائِل مِنْهُم خُفْيَة ومع أمْثَالِه ، وَيَحْلِفُون عَلَيْهَا إذَا نُمِيَت وَيُنْكِرُونَهَا ، وَيَحْلِفُون بالله مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الكُفْر ، وَكَان مَع هَذَا يَطْمَع فِي فَيْأَتِهِم وَرُجُوعِهِم إِلَى الْإِسْلَام وَتَوْبَتِهِم ، فَيَصْبر صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى هَنَاتِهِم وَجَفْوَتِهِم كَمَا صَبَر أُولُوا العَزْم مِن الرُّسُل ، حَتَّى فاء كثير مِنْهُم باطنًا كَمَا فاء ظاهرًا وأخلص سرًا كَمَا أظهر جهرًا ونفع اللَّه بعد بكثير مِنْهُم ، وقام مِنْهُم ، للدين وزراء وأعوان وحماة وأنصار كَمَا جَاءَت بِه الْأَخْبَار ، وبهذا أجاب بَعْض أئمتنا رحمهم اللَّه عَن هَذَا السؤال قَال ولعله لَم يثبت عِنْدَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم من أقوالهم مَا رُفِع ، وَإِنَّمَا نَقَلَه الوَاحِد وَمِن لَم يَصِل رُتْبَة الشّهَادَة فِي هَذَا الْبَاب من صَبيّ أو عَبْد أَو امْرَأة وَالدّمَاء لَا تُسْتَبَاح إلَّا بِعَدْلَيْن ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَل أمْر اليَهُودِيّ فِي السَّلَام وَأَنَّهُم لَوَّوْا بِه ألْسِنَتَهُم وَلَم يُبَيّنُوه ، أَلَا تَرَى كَيْف نَبّهَت عَلَيْه عَائِشَة وَلَو كَان صَرّح بِذَلِك لَم تَنْفَرِد بِعِلْمِه ، ولهذا نَبّه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أصْحَابَه عَلَى فِعْلِهِم وَقِلّة صِدْقِهِم فِي فِعْلِهِم وَقِلّة صِدْقِهِم فِي سَلامِهِم وخيَانَتِهِم فِي ذَلِك ليًا بِأَلْسَنَتِهِم وطَعْنًا فِي الدين ، فَقَال : إنّ اليَهُود إذَا سَلّم أحدُهُم فَإنَّمَا يَقُول السَّام عَلَيْكُم ، فَقُولُوا : عَلَيْكُم ، وَكَذَلِك قَال بَعْض أصْحَابِنَا البَغْدَادِيّين : إنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لَم يَقْتُل الْمُنَافِقِين بِعِلْمِه فِيهِم ، وَلَم يَأْت أنَّه قامِت بينه لعى نِفَاقِهِم فلذلك تَرَكَهُم ، وأيضا فَإِنّ الأمر كَان سِرًّا وباطِنًا وَظَاهِرُهُم الْإِسْلَام والإيمان ، وإن كَان من أَهْل الذَّمّة بالعَهْد وَالجِوَار وَالنَّاس قَرِيب عَهْدُهُم بالْإِسْلَام لَم يَتَميّز بَعْد الخَبِيث مِن الطيب ، وَقَد شَاع عَن المَذْكُورِين فِي الْعَرَب كَوْن من يُتَّهَم بالنَّفَاق من جُمْلَة الْمُؤْمِنين وَصَحَابَة سَيّد الْمُرْسَلِين وَأنصار الدّين بحُكْم ظَاهِرِهم ، فلو قَتَلَهُم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِنفَاقِهِم وَمَا يَبْدُر مِنْهُم وَعِلْمِه بِمَا أسَرُّوا فِي أنْفُسِهِم لوَجَد المُنَفَّر مَا يَقُول وَلارْتَاب الشَّارِد وَأرْجَف المُعَانِد ، وَارْتَاع من صُحْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَالدُّخُول فِي الْإِسْلَام غَيْر وَاحِد ، وَلَزَعَم الزَّاعِم وَظَنّ الْعَدُوّ الظّالِم أَنّ الْقَتْل إنَّمَا كَان لِلْعَدَاوة وَطَلَب أخْذ التّرة ، وَقَد رَأَيْت مَعْنَي مَا حَرَرْتُه مَنْسُوبًا إِلَى مَالِك بن أَنَس رَحِمَه اللَّه ولذا قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " لَا يَتَحَدَّثِ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، وَقَالَ : أُولِئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ ، وَهَذَا بِخِلَافِ إِجْرَاءِ الأَحْكَام الظَّاهِرة عَلَيْهِم من حُدُود الزّنَى وَالْقَتل وَشبْهِه لِظُهُورِهَا وَاسْتِوَاء النَّاس فِي عِلْمِهَا ، وَقَد قَال مُحَمَّد بن المَوّاز : لَو أَظْهَر الْمُنَافِقُون نَفَاقَهُم لَقَتَلَهُم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وقاله الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن بن الْقَصّار ، وَقَال قَتَادَة فِي تَفْسِير قَوْلِه تَعَالَى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا { 60 } مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا { 61 } سُنَّةَ اللَّهِ سورة الأحزاب آية 60-62 الآيَة ، قَال : مَعْنَاه إذَا أظْهَرُوا النّفَاق ، وَحَكى مُحَمَّد بن مَسْلَمَة فِي المَبْسُوط عَن زَيْد بن أسْلَم ، أَنّ قَوْلَه تَعَالَى : يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ سورة التوبة آية 73 نَسَخَها مَا كَان قبلها ، وَقَال بَعْض مَشَايِخَنَا : لَعَلّ القَائِل هَذِه قِسْمَة مَا أُرِيد بِهَا وَجْه اللَّه وَقَوْلُه أعْدِل لَم يَفْهَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِنْه الطّعْن عَلَيْه وَالتَّهَمَة لَه ، وَإِنَّمَا رَآهَا من وَجْه الغَلَط فِي الرَّأْي وَأُمُور الدُّنْيَا وَالاجْتِهَاد فِي مَصَالِح أهْلِهَا فَلَم يَر ذَلِك سَبًّا وَرَأى أنَّه مِن الأذَى الَّذِي لَه العَفْو عَنْه والصّبْر عَلَيْه فلذلك لَم يُعَاقِبْه : وكَذَلِك يُقَال فِي اليَهُود : إِذ قَالُوا : السَّام عَلَيْكُم ، لَيْس فِيه صَرِيح سَبّ وَلَا دُعَاء إلَّا بِمَا لَا بُد مِنْه مِن الموت الَّذِي لَا بُد من لِحَاقِه جميع البَشَر ، وَقِيل : بَل المُرَاد تَسْأمُون دِينَكُم وَالسّأْم وَالسّآمة المَلَال ، وَهَذَا دُعَاء عَلَى سَآمة الدين لَيْس بِصَريح سَبّ ، ولهذا تَرْجَم الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث باب إذَا عَرَّض الذّمّيّ ، أَو غَيْرِه بِسَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، قَال بَعْض عُلَمَائِنَا : وَلَيْس هَذَا بِتَعْرِيض بالسّبّ ، وَإِنَّمَا هُو تَعْرِيض بالأذَى ، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل : قَد قَدَّمْنَا أَنّ الأذَى والسّبّ فِي حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم سَوَاء ، وَقَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن نَصْر مُجيبًا عَن هَذَا الْحَدِيث ببعض مَا تقدم ، ثُمّ قَال : وَلَم يَذْكُر فِي الْحَدِيث ، هَل كَان هَذَا اليَهُودِيّ من أَهْل العَهْد والذّمّة أَو الْحَرْب ، وَلَا يترك موجب الأدلة للأمر المحتمل والأولى فِي ذَلِك كُلُّه ، والأظهر من هذ الوجوه مقصد الاستئلاف والمداراة عَلَى الدين لعلهم يؤمنون وَلِذَلِك ترجم الْبُخَارِيّ عَلَى حَدِيث القسمة والخوارج باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر النَّاس عَنْه ، ولما ذكرنا مَعْنَاه عَن مَالِك وقررناه قَبْل ، وَقَد صبر لَهُم صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى سحره وسمه وَهُو أعظم من سبه إِلَى أَنّ نصره اللَّه عَلَيْهِم ، وأذن لَه فِي قتل من حينه مِنْهُم ، وإنزالهم من صياصيهم ، وقذف فِي قلوبهم الرعب ، وكتب عَلَى من شَاء من هُم الجلاء وأخرجهم من ديارهم وخرب بيوتهم بأيديهم وأيدي الْمُؤْمِنين ، وكاشفهم بالسب ، فَقَال : يَا إخوة القردة والخنازير ، وحكم فِيهِم سيوف الْمُسْلِمِين وأجلاهم من جوارهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم لتكون كلمة اللَّه هِي العليا وكلمة الَّذِين كفروا السفلى ، فَإِنّ قُلْت : فَقَد جاء فِي الْحَدِيث الصَّحِيح ، عَن عَائِشَة رضى اللَّه عَنْهَا ، أنَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ ، إِلَّا أَنْ تُنْهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ " فاعْلَم أَنّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أنَّه لَم يَنْتَقِم مِمَّن سَبَّه أَو آذَاه أَو كَذّبَه فَإِنّ هَذِه من حُرُمات اللَّه الَّتِي انْتَقَم لَهَا ، وَإِنَّمَا يَكُون مَا لَا يَنتَقِم مِنْه لَه فِيمَا تَعَلّق بِسُوء أدَب أَو مُعَامَلَة مِن القَوْل والفِعْل بالنّفْس وَالمَال مِمَّا ، لم يَقْصُد فاعِلُه بِه أذَاه ، لَكِن مِمَّا جُبِلَت عَلَيْه الأعراب مِن الجَفَاء وَالجَهْل أَو جابِل عَلَيْه البَشَر مِن السّفَه ، كَجَبْذ الْأَعْرَابِيّ إزَارَه حَتَّى أثّر فِي عُنُقِه ، وكرَفْع صَوْت الآخَر عِنْدَه ، وَكَجَحْد الْأَعْرَابِيّ شِرَاءَه مِنْه ، فَرَسَه الَّتِي شهد فِيهَا خزيمة وكما كَان من تظاهر زوجيه ، عَلَيْه وأشباه هَذَا مِمَّا يحسن الصفح عَنْه ، وَقَد قَال بَعْض علمائنا إنّ أذى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم حرام لَا يجوز بفعل مباح وَلَا غَيْرِه ، وَأَمَّا غَيْرِه فيجوز بفعل مباح مِمَّا يجوز للانسان فعله وَإِنّ تأذى بِه غَيْرِه ، واحتج بعموم قَوْلِه تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ سورة الأحزاب آية 57 ، بِقَوْلِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي حَدِيث فاطمة : " إِنَّهَا بِضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا أَلَا وَإِنِّي لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَلَكِنْ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا " ، أَو يَكُون هَذَا مِمَّا آذَاه بِه كَافِر رَجَا بَعْد ذَلِك إسلامه كَعَفْوه عَن اليهودي الَّذِي سحره ، وَعَن الْأَعْرَابِيّ الَّذِي أراد قتله ، وَعَن اليهودية الَّتِي سمته ، وَقَد قِيل : قتلها ، ومثل هَذَا مِمَّا يبلغه من أذى أَهْل الْكِتَاب والمنافقين ، فصفح عَنْهُم رجاء استئلافهم واستئلاف غَيْرِهِم كَمَا قررناه قَبْل وبالله التوفيق . فصل قَال الْقَاضِي : تقدم الْكَلَام فِي قَتْل القاصِد لِسَبّه وَالإزْرَاء بِه وَغَمْصِه بأيّ وَجْه كَان من مُمْكِن أَو مُحَال فَهَذَا وَجْه بَيْن لَا إشْكَال فِيه . الْوَجْه الثاني لَا حَقّ بِه فِي الْبَيَان وَالْجَلَاء وَهُو أن يَكُون الْقَائِل لَمّا قَال فِي جِهَتِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم غَيْر قَاصِد لِلسّبّ وَالْإزْرَاء وَلَا مُعْتِقَد لَه ، ولكنه تَكَلّم فِي جِهَتِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِكَلِمَة الْكُفْر من لَعْنِه أَو سَبَّه أَو تَكذيبِه أَو إضَافَة مَا لَا يَجُوز عَلَيْه ، أَو نَفْي مَا يَجِب لَه مِمَّا هُو فِي حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم نَقِيصَة ، مثل أَنّ يَنْسِب إليْه إتْيَان كَبِيرَة أَو مُداهَنَة فِي تبليغ الرّسَالة أَو فِي حُكْم بَيْن النَّاس ، أَو يَغُضّ من مَرْتبته أَو شَرَف نَسَبَه أَو وُفُور عِلْمِه أَو زُهْدِه ، أَو يُكَذّب بِمَا اشْتَهَر من أُمُور أخْبَر بِهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وتَوَاتَر الْخَبَر بِهَا عَن قصْد لِرَد خَبَرِه ، أَو يَأْتِي بِسَفَه مِن الْقَوْل أَو قَبِيح مِن الْكَلَام ونوع مِن السَّبّ فِي جِهَتِه وإن ظَهَر بِدَلِيل حَالِه أنَّه لَم يَعْتَمِد ذَمّه وَلَم يَقْصِد سَبَّه ، إِمَّا لِجَهَالَة حملته عَلَى مَا قاله أَو لِضَجِر أَو سُكْر أضْطَرّه إليْه أَو قِلّة مُرَاقَبَة وَضَبْط لِلسَانِه وعَجْرَفَة وَتَهَوُّر فِي كَلَامِه ، فَحُكْم هَذَا الْوَجْه حُكْم الْوَجْه الأوّل الْقَتْل دون تَلَعْثُم ، إِذ لَا يُعْذَر أَحَد فِي الْكُفْر بِالْجَهَالَة وَلَا بِدَعْوَى زَلَل اللسان وَلَا بِشَيْء مِمَّا ذكرناه إذَا كَان عقله فِي فطرته سليمًا ، إلَّا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وبهذا أفتى الأندلسيون عَلَى ابن حَاتِم فِي نَفْيه الزُّهْد عَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم تَعَالَى عليه وآله وسلم الَّذِي قَدّمْنَاه ، وَقَال مُحَمَّد بن سُحْنُون فِي المَأمُور يَسُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي أيْدِي العَدُوّ : يُقْتَل إلَّا أن يُعْلَم تَبَصُّرُه أَو إكْرَاهُه ، وَعَن أَبِي مُحَمَّد بن أَبِي زيد لَا يُعْذَر بدَعْوَى زَلَل اللسان فِي مثل هَذَا ، وَأفْتى أبو الحسن القابسيّ فِيمَن شَتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وآله وسلم فِي سُكْره يُقْتَل ، لِأَنَّه يُظَنّ بِه أنَّه يَعْتَقِد هَذَا ويَفْعَلُه فِي صَحْوِه ، وَأيْضًا فَإنَّه حَد لَا يُسْقِطُه السُّكْر كَالْقَذْف وَالْقَتْل وَسَائِر الحُدُود لِأَنَّه أدْخَلَه عَلَى نَفْسِه لِأَنّ ، من شَرِب الخَمْر عَلَى عِلْم من زَوَال عَقْلِه بِهَا وَإتْيَان مَا يُنْكَر مِنْه فَهُو كَالْعَامِد لَمّا يَكُون بِسَبَبِه ، وَعَلَى هذا ألْزَمْنَاه الطّلَاق وَالْعِتَاق وَالْقِصَاص وَالحُدُود وَلَا يُعْتَرَض عَلَى هَذَا بِحَدِيث حَمْزَة ، وَقَوْلُه للنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وهل أنْتُم إلَّا عُبَيْد أَبِي قَال فَعَرَف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وآله وسلم أنَّه ثمل فَانْصَرَف لِأَنّ الخَمْر كَانَت حِينَئِذ غَيْر مُحَرّمة فَلَم يَكُن فِي جِنَايَاتَها إثْم ، وَكَان حُكْم مَا يَحْدُث عَنْهَا مَعْفُوا عَنْه كَمَا يَحْدُث مِن النّوْم وَشُرْب الدّوَاء الْمَأْمُون . فصل الْوَجْه الثالث : أَنّ يقصد إِلَى تَكْذيبه فِيمَا قاله أَو أتى بِه أَو يَنْفِي نُبُوّتَه أَو رِسَالتَه أَو وُجُودَه أَو يَكْفُر بِه ، انْتَقَل بِقَوْلِه ذَلِك إلى دِين آخر غَيْر مِلّتِه أم لَا ؟ فَهَذَا كَافِر بإجْمَاع يَجِب قَتْلُه ثُمّ يُنْظَر ، فإن كَان مُصَرّحًا بِذَلِك كَان حُكْمُه أشْبَه بِحُكْم الْمُرْتَد وَقِوي الخِلَاف فِي اسْتِتَابِتِه ، وَعَلَى القَوْل الآخَر لَا تُسْقِط القَتْل عنه تَوْبَتُه لِحَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم إنّ كَان ذَكَرَه بِنقِيصَة فِيمَا قاله من كَذِب أَو غَيْرِه ، وَإِنّ كَان مُسَتَرًا بِذَلِك فَحُكْمُه حُكْم الزَّنْدِيق لَا تُسْقِط قَتْلَه التّوْبَة عِنْدَنَا كَمَا سَنُبَيّنُه ، قَال أَبُو حنيفة ، وأصحابُه : من بَرِيء من مُحَمَّد أَو كَذب بِه فَهُو مُرْتَد حَلَال الدَّم إلَّا أن يَرْجِع ، وَقَال ابن الْقَاسِم فِي المسلم ، إذَا قَال : إنّ مُحَمَّد لِيس بنبي أَو لَم يُرْسَل أَو لَم يُنْزَل عَلَيْه قُرْآن وَإِنَّمَا هُو شَيْء تَقَوّلَه : يُقْتَل ، وَقَال : وَمِن كَفَر بِرسول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وأنْكَرَه مِن الْمُسْلِمِين فَهُو بِمَنْزِلَة المُرْتَد وَكَذَلِك من أعْلَن بِتَكْذِيبه أنَّه كَالْمُرْتَد ، يُسْتَتَاب ، وَكَذَلِك قَال فِيمَن تَنَبّأ وزَعَم أه يُوحَى إليه وقاله سُحْنُون ، وَقَال ابن الْقَاسِم : دعا إِلَى ذَلِك أَو جهرًا وقال صْبَغ : وَهُو كَالْمُرْتَد لِأَنَّه قَد كَفَر بِكِتَاب اللَّه ، مَع الْفِرْيَة عَلَى اللَّه ، وَقَال أشْهَب فِي يَهُودِيّ تَنَبّأ أَو زَعَم أنَّه أُرْسل إِلَى النَّاس ، أَو قَال : بَعْد نَبِيكُم نَبِيّ أنَّه يُسْتَتَاب إنّ كَان مُعْلِنًا بِذَلِك فإن تَاب وَإِلَّا قُتِل ، وَذَلِك لِأَنَّه مُكَذّب للنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي قَوْلِه : لَا نَبِيّ بَعْدِي ، مفتر عَلَى اللَّه فِي دعواه عَلَيْه الرسالة والنبوة ، وَقَال مُحَمَّد بن سحنون : من شك فِي حرف مِمَّا جاء بِه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَن اله فَهُو كافر جاحد ، وَقَال : من كذب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَان حكْمُه عِنْد الْأُمَّة القتل ، وَقَال أَحْمَد بن أَبِي سُلَيْمَان صَاحِب سُحْنُون : من قَال إنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أسْوَد قُتِل ، لَم يَكُن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بأَسْوَد ، وَقَال نَحْوَه أَبُو عُثْمَان الْحدَّاد ، قَال : لَو قَال : إنَّه مات قَبْل أن يَلْتَحِي أَو أنَّه كَان بِتَاهَرْت وَلَم يَكُن بِتِهَامَة قتل ، لِأَنّ هَذَا نَفْي ، قَال حبيب بن ربيع ، تَبْدِيل صِفَتِه وَمَوَاضِعِه كُفْر والْمُظْهرُ له كافِر وَفِيه الاسْتِتَابَة وَالمُسِرّ لَه زِنْدِيق يُقْتَل دون اسْتِتَابَة . فصل الْوَجْه الرابع : أن يَأْتِي مِن الْكَلَام بِمُجْمَل وَيَلْفظ مِن القَوْل بِمُشْكِل يمكن حمله عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، أَو غَيْرِه ، أَو يُتَرَدّد فِي المُرَاد بِه من سَلَامِتِه مِن الْمَكْرُوه أَو شَرّه فَههُنَا مُتَرَدّد النَظَر ، وَحَيْرَة الْعِبَر ، وَمَظنَّه اخْتِلَاف المُجْتَهِدِين ، ووقفة اسْتِبْرَاء المُقَلّدِين لِيَهْلِك من هلك عَن بَيّنَة وَيَحْيَا من حَيّ عَن بَيّنَة ، فَمِنْهُم من غَلّب حُرْمَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَحَمى حِمى عِرْضِه فَجَسَر عَلَى الْقَتْل ، وَمِنْهُم من عَظّم حُرْمَة الدّم وَدَرَأ الحَد بالشّبْهَة لاحْتِمَال القَوْل ، وَقَد اخْتُلِف أئِمّتُنا فِي رَجُل أغْضَبَه غَريمُه ، فَقَال لَه : صلّ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فَقَال لَه : الطَّالِب لَا صَلَّى اللَّه عَلَى من صَلَّى عَلَيْه ، فَقِيل لِسُحْنُون : هَل هُو كَمَن شَتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَو شَتم الْمَلَائِكَة الَّذِين يُصَلُّون عَلَيْه ؟ قَال : لَا إذَا كَان عَلَى مَا وَصَفْت من الغَضَب لِأَنَّه لمك يَكُن مُضْمِرًا الشّتْم ، وَقَال أَبُو إِسْحَاق البَرْقِيّ ، وأصْبَغ بن الفَرَج : لَا يُقْتَل لِأَنَّه إنَّمَا شَتَم النَّاس وَهَذَا نَحْو قَوْل سُحْنُون ، لِأَنَّه لَم يَعْذِرْه بالغضَب فِي شَتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، ولكنه لَمّا احْتَمَل الْكَلَام عِنْدَه وَلَم تكن مَعَه قَرِينَة تَدُلّ عَلَى شَتْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَو شَتْم الْمَلَائِكَة صَلَوات اللَّه عَلَيْهِم ، وَلَا مُقَدّمَة يُحْمِل عَلَيْهَا كلامه بَل القرينة تدل عَلَى أَنّ مراده النَّاس غَيْر هَؤْلَاء ، لِأَجْل قَوْل الآخر لَه : صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فحمل قَوْله وسبه لِمَن يُصَلّي عَلَيْه الآن لأجْل أمْر الآخَر لَه بَهَذَا عِنْد غضبه ، هَذَا مَعْنَي قَوْل سُحْنُون ، وهو مطابق لعلة صاحبيه ، وذهب الحَارِث بن مسكين الْقَاضِي ، وَغَيْرُه فِي مثل هَذَا إِلَى القتل . وتوقف أَبُو الْحَسَن القابسيّ فِي قَتْل رَجُل ، قَال : كُلّ صَاحِب فُنْدُق قَرْنان وَلَو كَان نَبِيًّا مُرْسلًا فأمَر بِشَدّه بالقُيُود وَالتّضْيِيق عَلَيْه ، حَتَّى يُسْتَفْهَم البَيّنَة عَن جُمْلَة ألفَاظِه وَمَا يَدُلّ عَلَى مَقْصدِه ، هَل أرَاد أصْحَاب الفَنَادق الآن ؟ فَمَعْلُوم أنَّه لَيْس فِيهِم نَبِيّ مُرْسل فيكون أمْرُه أخفّ ، قَال : وَلَكِن ظَاهِر لَفْظِه العُمُوم لِكُلّ صَاحِب فُنْدُق مِن المُتَقَدّمِين وَالْمُتأخّرِين ، وَقَد كَان فِيمَن تَقدّم مِن الْأَنْبِيَاء والرُّسُل مِن اكْتَسَب الْمَال ، قَال : وَدَم المسلم لَا يُقْدَم عَلَيْه إلَّا بِأَمْر بَيْن ، وَمَا تُرَدّ إليْه التَّأْوِيلات لابد من إمْعان النَّظَر فِيه ، هَذَا مَعْنَي كلامه وحُكي عَن أَبِي مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد رَحِمَه ، اللَّه فِيمَن قَال : لَعَن اللَّه العَرَب ، وَلَعَن اللَّه بَنِي إِسْرَائِيل ، ولعن اللَّه بَنِي آدَم وَذَكَر أنَّه لَم يُرد الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا أرَدْت الظّالمِين مِنْهُم ، أَنّ عَلَيْه الأدَب بِقَدْر اجْتِهَاد السُّلْطَان وَكَذَلِك أفْتى ، فِيمَن قَال : لعن اللَّه من حرم المسكر ، وَقَال : لَم أَعْلَم من حَرّمَة ، وفيمن لَعَن حَدِيث لَا يَبَع حاضَر لِبَاد ولعن مَا جاء بِه أنَّه إنّ كَان يُعْذَر بالجَهل وعدم معرفة السُّنَن ، فَعَلَيْه الأدب الْوَجِيع ، وَذَلِك أَنّ هَذَا لَم يَقْصد بِظَاهِر حاله سَبّ اللَّه وَلَا سَبّ رَسُولِه ، وَإِنَّمَا لعن من حَرّمَه مِن النَّاس عَلَى نَحْو فَتْوى سُحْنُون وأصحابه فِي المَسْأَلَة المُتَقَدّمَة ، ومثل هَذَا مَا يَجْرِي فِي كَلَام سُفَهَاء النَّاس من قَوْل بَعْضُهُم لِبَعْض : يَا ابْن أَلْف خِنْزِير ، ويا ابن مِائَة كَلْب ، وَشِبْهِه من هُجْر القَوْل وَلَا شك أنَّه يَدْخل فِي مثل هَذَا العدد من آبائه وأجْدَادِه جَمَاعَة مِن الْأَنْبِيَاء ، وَلَعَلّ بَعْض هَذَا العَدَد مُنْقَطِع إِلَى آدَم عَلَيْه السَّلَام ، فَيَنْبَغِي الزّجْر عَنْه وتبيين مَا جهل قائله مِنْه وشدة الأدَب فِيه ، وَلَو علم أنَّه قَصَد سَبّ من فِي آبائِه مِن الْأَنْبِيَاء عَلَى علم لَقُتِل ، وَقَد يُضَيَّق القَوْل فِي نَحْو هَذَا ، لَو قَال لِرَجُل من ذُرّيّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَوْلًا قَبيحًا فِي آبائِه أَو من نَسْلِه أَو وَلَدِه عَلَى علم مِنْه أنَّه من ذُرّيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وَلَم تكن قَرِينَة فِي المَسْأَلَتَيْن تَقْتَضِي تَخْصِيص بَعْض آبائه وإخْرَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِمَّن سَبَّه مِنْهُم ، وَقَد رَأَيْت لأبي مُوسَى بن مَنَاس ، فِيمَن قَال لِرَجُل : لَعَنَك اللَّه إِلَى آدَم عَلَيْه السَّلَام أنَّه إن ثَبَت عَلَيْه ذَلِك قُتِل ، قَال الْقَاضِي وَفَّقَه اللَّه : وَقَد كَان اخْتَلَف شُيُوخُنَا ، فِيمَن قَال لِشَاهِد شَهِد عَلَيْه بِشَيْء ، ثُمّ قَال لَه تَتّهِمُنِي ؟ فَقَال لَه الآخَر : الْأَنْبِيَاء يُتّهَمون فَكَيْف أنْت ؟ فكان شَيْخُنَا أَبُو إِسْحَاق بن جَعْفَر يرى قَتْلَه لِبَشَاعَة ظَاهِر اللفظ ، وَكَان الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن مَنْصُور يتوقف عَن القَتْل لاحْتِمَال اللَّفْظ عِنْدَه أن يَكُون خَبَرًا عَمَّن اتّهَمَهُم مِن الْكُفَّار ، وَأفْتَى فِيهَا قاضِي قُرْطُبَة أَبُو عَبْد اللَّه بن الْحَاجّ بِنَحْو من هَذَا ، وَشَدَّد الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد تَصْفِيدَه وَأطَال سجْنَه ، ثُمّ اسْتحْلَفَه بَعْد عَلَى تَكْذِيب مَا شُهد بعه عَلَيْه إنّ دَخَل فِي شَهَادَة بَعْض من شهد بَعْض من شَهِد عَلَيْه وَهْن من أطْلَقَه ، وَشَاهَدْت شَيْخَنَا الْقَاضِي أَبَا عَبْد اللَّه بن عِيسَى أيام قَضَائِه أُتِيّ بِرَجُل هَاتَر رَجُلًا اسْمُه مُحَمَّد ، ثُمّ قَصَد إِلَى كَلْب فَضَرَبَه برجْلِه ، وَقَال لَه : قم يَا مُحَمَّد فَأنْكَر الرَّجُل أن يَكُون قَال ذَلِك ، وَشَهِد عَلَيْه لَفِيف مِن النَّاس فأمر بِه إِلَى السجن وتقصّى عَن حاله وهل يَصْحَب من يُسْتَرَاب بِدِينه ، فَلَمّا يَجد مَا يُقَوّى الرّيبَة باعْتِقَادِه ضَرَبَه بالسّوْط وأطْلُقه . فصل الْوَجْه الخامس أن لَا يَقْصِد نَقْصًا وَلَا يَذْكُر عَيْبًا وَلَا سَبًّا ، لكنه يَنْزَع بِذِكْر بَعْض أوْصَافِه أَو يَسْتَشْهِد بِبَعْض أَحْوَالِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم الْجَائزَة عَلَيْه فِي الدُّنْيَا عَلَى طَرِيق ضَرْب المثل والحجة لنفسه ، أو لغيره ، أو عَلَى التشبه بِه أَو عِنْد هضيمة نالته أو غضاضة لحقته ، لَيْس عَلَى طريق التأسي وطريق التحقيق بَل عَلَى مَقْصِد التَّرْفِيع لِنَفْسِه أَو لِغَيْرِه ، أَو عَلَى سَبِيل التّمْثِيل وعدم التّوْقِير لِنَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، أَو قَصْد الْهَزْل وَالتّنْذِير بِقَوْلِه ، كقول القائِل : إن قِيل فِي السُّوء ، فَقَد قِيل فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، أَو إن كُذّبْت فَقَد كُذّب الْأَنْبِيَاء ، أَو إن أذْنَبْت فَقَد أذْنَبُوا ، أَو أَنَا أسْلَم من ألْسِنَة النَّاس وَلَم يَسْلَم مِنْهُم أنبِيَاء اللَّه ورسله ، أَو قَد صَبَرْت كَمَا صَبَر أُولُو العَزْم أَو كَصَبْر أَيُّوب ، أَو قَد صَبَر نَبيّ اللَّه عَن عِدَاة وَحَلُم عَلَى أكْثَر مِمَّا صَبَرْت وكقول المتنبي : أَنَا فِي أُمَّة تَدَارَكَهَا اللَّه غَرِيب كَصَالِح فِي ثَمُود وَنَحْوَه من أشْعَار الْمُتَعَجْرِفِين فِي الْقَوْل الْمُتَسَاهِلِين فِي الْكَلَام ، كقول المَعَرّي : كُنْت مُوسَى وَافَتْه بِنْت شُعَيْب غَيْر أن لَيْس فِيكُمَا من فَقِير عَلَى أَنّ آخِر الْبَيْت شديد وَدَاخل فِي الإزْرَاء وَالتَّحْقِير بالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَتَفْصِيل حال غَيْرِه عَلَيْه ، وَكَذَلِك قَوْله : لَوْلَا انْقِطَاع الْوَحْي بَعْد مُحَمَّد قُلْنَا مُحَمَّد عَن أَبِيه بَدِيل هُو مِثْلُه فِي الْفَضْل إلَّا أنَّه لَم يَأْتِه بِرِسَالَة جِبْرِيل فَصَدْر البَيْت الثاني من هَذَا الفَصْل شَديد لِتَشْبِيهه غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي فَضْلِه بالنبي ، والعَجُز مُحْتَمِل لِوَجْهِين : أحَدُهُمَا أَنّ هَذِه الفضيلة نَقّصَت الْمَمْدُوح ، وَالآخَر اسْتِغْنَاؤُه عَنْهَا وَهَذِه أشَدّ ونحو مِنْه ، قَوْل الآخِر : وَإذَا مَا رُفِعَت رَاياتُه صَفّقَت بَيْن جَنَاحَي جَبْرِين وقول الآخَر من أَهْل العَصْر : فَرّ مِن الخُلْد وَاسْتَجَار بنا فَصَبَّر اللَّه قَلْب رضوان وكقول حسان المصيصي من شعراء الأندلس ، فِي مُحَمَّد بن عباد المعروف بالمعتمد ، ووزيره أَبِي بَكْر بن زيدون . كأن أَبَا بَكْر أَبُو بَكْر الرضا وحَسّان حَسَّان وَأنْت مُحَمَّد إِلَى أمثال هَذَا ، وَإِنَّمَا أكثرنا بشاهدها مَع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ، ولتساهل كثير مِن النَّاس فِي ولوج هَذَا الْبَاب الضنك ، واستخفافهم فادح هَذَا العبء ، وقلة علمهم بعظيم مَا فِيه مِن الوزر ، وكلامهم مِنْه بِمَا لَيْس لَهُم بِه علم وتحسبونه هينا وَهُو عِنْد اللَّه عظيم ، لَا سيما الشعراء ، وأشدهم فِيه تصريحًا ، وللسانه تسريحًا ابن هانئٍ الأندلسي ، وَابْن سُلَيْمَان المعري ، بَل قَد خرج كثير من كلامهما إِلَى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر ، وَقَد أجبنا عَنْه ، وغرضنا الآن الْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل الَّذِي سقنا أمثلته فَإِنّ هَذِه كلها وَإِنّ لَم تَتَضمن سبًّا وَلَا أضافت إِلَى الْمَلَائِكَة والأنبياء نَقْص ، وَلَسْت أعْنِي عَجُزَي بَيْتِي المَعَرّي ، وَلَا قَصَد قائِلُهَا إزْرَاء وَغَضًّا فَمَا وَقّر النُّبُوَّة وَلَا عَظّم الرسالة وَلَا عَزّر حُرْمَة الاصْطِفَاء وَلَا عَزّر حُظْوَة الكَرَامَة ، حَتَّى شَبّه من شَبّه فِي كَرَامَة نالَهَا أَو مَعَرَّة قَصَد الانْتِفَاء مِنْهَا ، أَو ضَرْب مثل لِتَطْيِب مَجْلِسِه أَو إغْلاء فِي وَصْف لِتَحْسِين كَلَامِه بمَن عَظّم اللَّه خَطَرَه وَشَرّف قَدْرَه وَألزَم تَوْقِيرَه وَبِره ونهى عَن جهر القَوْل لَه ورفع الصوت عِنْدَه ، فحق هَذَا إنّ دريء عَنْه القتل : الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعة مقاله ومقتضى قبح مَا نطق بِه ، ومألوف عادته لمثله أَو ندوره وقربنة كلامه أو ندمه عَلَى ما سبق مِنْه ، وَلَم يزل المتقدمون ينكرون مثل هَذَا مِمَّن جاء بِه ، وَقَد أنكر الرشيد عَلَى أَبِي نواس ، قَوْله : فإن يَك باقي سِحْر فِرْعَوْن فِيكُم فَإِنّ عَصَا مُوسَى بِكَفّ خَصِيب وَقَال لَه : يَا ابن اللّخْنَاء أنْت المُسْتَهْزِئ بِعَصَا مُوسَى ، وأمَر بإخْرَاجِه عَن عَسْكَرِه من لَيْلَتِه ، وَذَكَر القُتَيْبيّ أَنّ مِمَّا أُخِذ عَلَيْه أيْضًا وَكُفّر فِيه أَو قَارَب قَوْله فِي مُحَمَّد الْأَمِين وتَشْبِيهِه إيَاه بالنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، حَيْث قَال : تَنَازَع الأحْمَدَان الشّبْه فاشْتَبَهَا خَلْقا وَخُلقًا كَمَا قَد الشّراكَان وَقَد أنْكَرُوا عَلَيْه أيْضًا قَوْله : كَيْف لَا يُدْنِيك من أَمَل من رَسُول اللَّه من نَفَرِه لِأَنّ حَقّ الرَّسُول وَموجَب تعْظيمه وإنَافَة مَنْزلَتِه أن يُضَاف إليْه وَلَا يُضَاف ، فَالْحُكْم فِي أمْثَال هَذَا مَا بَسَطْنَاه فِي طَرِيق الْفُتْيَا ، وَعَلَى هَذَا المَنْهج جَاءَت فُتْيَا إمام مَذْهِبنَا مَالِك بن أَنَس رَحِمَه اللَّه وأصحابه ، فَفِي النّوَادِر من رِوَايَة ابن أَبِي مَرْيَم فِي رَجُل غَيْر رَجُلًا بالْفَقْر . فَقَال : تُعَيّرُونِي بالْفَقْر وَقَد رَعَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم الغَنَم . فَقَال مَالِك : قَد عَرّض بِذِكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي غَيْر مَوْضِعه أرى أَنّ يُؤَدّب ، قَال : وَلَا يَنْبَغِي لأهل الذُّنُوب إذَا عُوتِبُوا ، أَنّ يَقُولُوا : قَد أخْطَأت الْأَنْبِيَاء قبْلَنَا ، وَقَال عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز لِرجل : " أنْظُر لَنَا كَاتِبًا يَكُون أبُوه عَرَبيًّا ، فَقَال كَاتِب لَه : قَد كَان أَبُو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَافِرًا ، فَقَال : جَعَلْت هَذَا مثلا ، فعَزَلَه ، وَقَال : لَا تَكْتُب لِي أبدًا " ، وَقَد كَرِه سُحْنُون أن يُصَلَّى عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عِنْد التَّعَجُّب إلَّا عَلَى طَرِيق الثَّوَاب وَالاحْتِسَاب تَوْقِيرًا لَه وَتَعْظِيمًا ، كَمَا أمرنا اللَّه ، وسئل القابسي ، عَن رَجُل ، قَال لرجل قبيح : كَأنَّه وجه نكير ، ولرجل عبوس : كَأنَّه وجه مَالِك الغضبان ، فَقَال : أَي شَيْء أراد بَهَذَا ونكير أَحَد فتاني القبر وهما ملكان ، فَمَا الَّذِي أراد أروع دل عَلَيْه حِين رآه من وجهه أم عاف النظر إليْه لدمامة خلقه ، فَإِنّ كَان هَذَا فَهُو شديد لِأَنَّه جرى مجرى التحقير والتهوين فَهُو أشد عقوبة وَلَيْس تصريح بالسب للملك وأنما السب واقع عَلَى المخاطب ، وَفِي الأدب بالسوط والسجن نَكال لِلسُّفَهَاء ، قَال : " وَأَمَّا ذَاكِر مَالِك خازن النَّار فَقَد جفا الَّذِي ذَكَرَه عِنْد مَا أنكر حاله من عُبُوس الآخَر إلَّا أَنّ يَكُون المُعَبّس لَه يَد فَيُرْهَب بِعبْسَتِه ، فَيُشَبّهَه الْقَائِل عَلَى طريق الذّمّ لهذا فِي فعله ولزومه فِي ظلمه صفة مَالِك الْمُلْك المطيع لربه فِي فعله ، فَيَقُول : كَأنَّه لله يَغْضَب غَضَب مَالِك فيَكُون أخفّ ، وماكان يَنْبَغِي لَه التعرض لمثل هذا ، ولو كَان أَثْنَى عَلَى العبوس بعبسته ، واحتج بِصِفَة مَالِك كَان أشَد وَيُعَاقَب الْمُعَاقَبَة الشَّدِيدَة ، وَلَيْس فِي هَذَا ذَم لِلْمَلَك ولو قَصَد ذَمّه لقُتِل ، وَقَال أَبُو الْحَسَن أيضا فِي شابّ معروف بالْخَيْر ، قَال لِرَجُل شَيْئًا ، فَقَال لَه الرجل : اسْكُت فإنك أمَّيّ . فَقَال الشابّ : ألْيس كَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أُمّيًّا فَشُنّع عَلَيْه مَقَالُه وَكَفّرَه النَّاس ، وَأشْفَق الشَّابّ مِمَّا قَال وَأظْهَر النّدَم عَلَيْه ، فَقَال أَبُو الْحَسَن : أَمَّا إطْلَاق الْكُفْر عَلَيْه فَخَطَأ لكنه مُخْطِئ فِي اسْتِشْهَادِه بَصِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وكَوْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أُمّيّا آيَة لَه وَكَوْن هَذَا أُمّيّا نَقِيصَة فِيه وَجَهَالَة ، وَمِن جَهَالتِه احْتِجَاجُه بِصِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، لكنه إذَا اسْتَغْفَر وتَاب واعْتَرَف وَلَجَأ إِلَى اللَّه فَيُتْرَك ، لِأَنّ قَوْله لَا يَنْتَهي إِلَى حد الْقَتْل وَمَا طَرِيقُه الأدب ، فَطَوع فاعله بالذم عَلَيْه يوجب الكف عَنْه ، ونزلت أيْضًا مسألة استفتى فِيهَا بَعْض قُضاة الأندلس شيخنا الْقَاضِي أَبَا مُحَمَّد بن مَنْصُور رَحِمَه اللَّه ، فِي رَجُل تنقصه آخر بِشَيْء ، فَقَال لَه : إنَّمَا تريد نقضي بقولك ، وَأَنَا بِشْر وجميع البشر يلحقهم النقص حَتَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إِذ لَم يقصد السب ، وَكَان بَعْض فُقَهَاء الأندلس أفتى بقتله . فصل الْوَجْه السادس ، أَنّ يَقُول القائل ذَلِك حاكيا ، عن غَيْرِه وَآثِرًا لَه عَن سِوَاه ، فَهَذَا يُنْظَر فِي صُورَة حِكَايَتِه وَقِرينَة مَقَالَتِه ، وَيَخْتَلف الحُكْم باختلاف ذَلِك عَلَى أربعة وُجُوه : الْوُجُوب ، وَالنّدْب ، والكَرَاهَة ، والتّحْرِيم ، فإن كَان أخْبَر بِه عَلَى وَجْه الشّهَادَة وَالتّعْرِيف بقائله والإنكار والإعلام بِقَوْلِه والتّنْفِير مِنْه والتّجْرِيح لَه ، فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي امْتِثَالُه وَيُحْمد فاعِلُه ، وَكَذَلِك إن حَكاه فِي كِتَاب أو فِي مجلس عَلَى طريق الرَّد لَه والنَّقْض عَلَى قائله والفُتْيَا بِمَا يَلْزَمُه ، وَهَذَا مَا يَجِب وَمِنْه مَا يُسْتَحَب بحسَب حَالَات الحاكي لِذَلِك وَالمَحْكي عَنْه ، فإن كان القائل لِذَلِك مِمَّن تَصَدّى لأن يُؤْخذ عَنْه الْعِلْم أو رِواية الحديث أَو يُقْطَع بحُكْمِه أَو شَهَادَتِه أَو فُتْيَاه فِي الحُقُوق ، وَجَب عَلَى سَامِعِه الإشادَة بِمَا سُمع مِنْه وَالتّنْفِير للنَّاس عَنْه والشهادة عَلَيْه بِمَا قاله ، ووجب عَلَى من بلغه ذَلِك من أئِمَّة الْمُسْلِمِين إنكاره وبيان كفره وفساد قَوْله بقطع ضرره عَن الْمُسْلِمِين وقيامًا بحقّ سَيّد الْمُرْسَلِين ، وَكَذَلِك إن كَان مِمَّن يعظ العَامّة أَو يُؤدّب الصّبْيَان فَإِنّ من هَذِه سَرِيرَتُه ليؤمن عَلَى إلقاء ذَلِك فِي قلوبهم ، فيتأكد فِي هَؤْلَاء الإيجاب لحق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ولحق شريعته ، وَإِنّ لَم يَكُن القائِل بِهَذِه السّبيل فالْقِيَام بحَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَاجِب وَحِمَايَة عِرْضِه مُتَعَيّن وَنُصْرَتُه عَلَى الأذى حَيًّا وَميتًا مُسْتَحقّ عَلَى كُلّ مُؤْمِن ، لكنه إذا قَام بَهَذَا من ظَهَر بِه الْحَقّ وَفُصِلَت بِه القَضِيّة وبان بِه الأمْر سَقَط عَن الباقي الفَرْض وَبَقِي الاسْتِحْبَاب فِي تكْثِير الشَّهَادَة عَلَيْه وعَضْد التّحْذِير مِنْه ، وَقَد أجْمَع السّلَف عَلَى بَيَان حال المُتّهَم فِي الْحَدِيث فَكَيْف بِمِثْل هَذَا ، وَقَد سُئِل أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد عَن الشّاهِد يَسْمع مثل هَذَا فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى ، أيَسعُه أن لَا يُؤَدّي شَهَاتَه ، قَال : إن رَجا نَفَاذ الحُكْم بِشهادته فليشهد ، وَكَذَلِك إن عَلِم أَنّ الْحَاكِم لَا يَرَى القتل بِمَا شهد بِه ويرى الاستتابه والأدب فليشهد ويلزمه ذَلِك ، وَأَمَّا الإباحة لحكاية قَوْله لغير هذين المقصدين فلَا أرى لَهَا مدخلًا فِي هَذَا الْبَاب ، فليس التفكه بعرض رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم والتمضمض بسوء ذكره ، لأحد لَا ذاكرًا وَلَا آثرا لغير غرض شرعي بمباح وَأَمَّا للأغراض المتقدمة فمتردد بَيْن الإيجاب والاستحباب ، وَقَد حكى اللَّه تَعَالَى مقالات المفترين عَلَيْه وَعَلَى رسله فِي كِتَابِه عَلَى وجه الإنكار لقولهم ، والتحذير من كفرهم ، والوعيد عليه ، والرد عليهم بِمَا تلاه اللَّه عَلَيْنَا فِي محكم كِتابِه ، وَكَذَلِك وَقَع من أمثاله فِي أحاديث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم الصحيحة عَلَى الوجوه المتقدمة ، وأجمع السلف والخلف من أئِمَّة الهدى عَلَى حكايات مقالات الكفرة والملحدين فِي كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس وينقضوا شبهها عَلَيْهِم ، وَإِنّ كَان وَرَد لأحمد بن حَنْبَل إنكار لبعض ، هَذَا عَلَى الحَارِث بن أسد فقد صنع أَحْمَد مِثْلُه فِي رده عَلَى الجهمية والقائلين بالمخلوق ، وَهَذِه الوجوه الشائعة الحكاية عنها فَأَمَّا ذكرها عَلَى غَيْر هَذَا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه عَلَى وجه الحكايات والأسمار والطرف ، وأحاديث النَّاس ومقالاتهم فِي الغث والسمين ، ومضاحك المجان ونوادر ، السخفاء ، والخوض فِي قِيل وَقَال وَمَا لَا يَعْنِي ، فكل هَذَا ممنوع وبعضه أشد فِي المنع والعقوبة من بَعْض ، فَمَا كَان من قائله الحاكي لَه عَلَى غَيْر قصد أو معرفة بمقدار مَا حكاه ، أَو لَم تكن عادته أَو لَم يَكُن الْكَلَام مِن البشاعة حَيْث هُو ، ولَم يظهر عَلَى حاكيه استحسنًا واستصوابه زُجر عَن ذَلِك ونهي عَن العودة إليْه ، وَإِنّ قوم ببعض الأدب فَهُو مستوجب لَه ، وَإِنّ كَان لفظه من البشاعة حَيْث هُو كَان الأدب أشد ، وَقَد حكي أَنّ رجلًا سَأل مالكًا عَمَّن يَقُول الْقُرْآن مخلوق . فَقَال مَالِك : كافر فاقْتلُوه . فَقَال : إنما حكيته عَن غَيْرِي ، فَقَال مَالِك : إنَّمَا سمعناه مِنْك ، وَهَذَا من مَالِك رَحِمَه اللَّه عَلَى طريق الزجر والتغليظ بدليل أنَّه لَم ينفذ قتله ، وَإِنّ اتهم هَذَا الحاكي فِيمَا حَكاه أنه اختلفه ونسبه إِلَى غَيْرِه ، أو كَانَت تِلْك عادة له أَو ظهر استحسانه لِذَلِك ، أَو كَان مولعًا بِمِثْلِه والاستخفاف لَه ، أو التحفظ لمثله وطلبه ورواية أشْعَار هجوه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وسبه ، فَحُكْم هَذَا حُكَم السَّابّ نَفْسِه يُؤَاخَذ بِقَوْلِه وَلَا تَنْفَعُه نسْبَتُه إِلَى غَيْرِه ، فَيُبَادَر بَقَتْلِه وَيُعَجّل إلى الْهَاوِيَة أُمَّه ، وَقَد قَال أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بن سَلَام : فِيمَن حَفِظ شَطْر بَيْت مِمَّا هُجِي بِه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَهُو كُفْر ، وَقَد ذَكَر بَعْض من أَلْف فِي الإجْمَاع إجْمَاع الْمُسْلِمِين عَلَى تَحْرِيم رِوَايَة مَا هُجِي بِه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وكِتَابَتِه وَقِرَاءَتِه ، وَتَرْكِه مَتَى وُجِد دُون محْو ، وَرَحِم اللَّه أسْلَافَنَا المُتّقِين المُتَحَرّزين لِدِينِهِم فَقَد أسْقَطُوا من أحاديث المغازي والسير مَا كَان هَذَا سَبِيلَه ، وَتَرَكُوا روايَتَه إلَّا أشْيَاء ذَكَروهَا يَسِيرَة وَغَيْر مُسْتَبْشَعَة عَلَى نَحْو الْوُجُوه الأوّل ، لِيُرُوا نِقْمَة اللَّه من قائِلِهَا وأخْذَه المُفْتَرِي عَلَيْه بِذَنْبِه ، وَهَذَا أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بن سَلَام رَحِمَه اللَّه قَد تحرى فِيمَا اضطر إِلَى الاستشهاد بِه من أهاجي أشعار الْعَرَب فِي كتبه ، فكنى عَن اسم المهجو بوزن اسْمُه استبراء لدينه وتحفظًا مِن المشاركة فِي ذم أَحَد بروايته أَو نشره ، فكيف بِمَا يتطرق إِلَى عرض سَيّد البشر صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم . فصل الْوَجْه السابع أَنّ يذكر مَا يجوز عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَو يختلف فِي جوازه عَلَيْه ، وَمَا يطرأ من الأمور البشرية بِه ، ويمكن إضافتها إليه ، أو يذكر مَا امتحن بِه وصبر فِي ذات اللَّه عَلَى شدته من مقاساة أعدائه وأذاهم لَه ، ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وَمَا لقيه من بؤس زمنه ومر عَلَيْه من معاناة عيشته ، كُلّ ذَلِك عَلَى طريق الرّوَايَة ومذاكرة الْعِلْم ومعرفة مَا صحت مِنْه العصمة للأنبياء وَمَا يجوز عَلَيْهِم ، فَهَذَا فن خارج عَن هَذِه الفنون الستة إِذ لَيْس فِيه غمص وَلَا نقص وَلَا أزراء وَلَا استخفاف لَا فِي ظاهر اللَّفْظ وَلَا فِي مقصد اللافظ لَكِن يجب أَنّ يَكُون الْكَلَام فِيه من أَهْل الْعِلْم وفهماء طلبة الدين مِمَّن يفهم مقاصده ويحققون فوائده ، ويجنب ذَلِك من عساه لَا يفقه أَو يخشى بِه فتنته ، فَقَد كره بَعْض السلف تعليم النّسَاء سورة يُوسُف لَمّا انطوت عَلَيْه من تِلْك القصص لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن ، فَقَد قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، مخبرًا عن نفسه باستيجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال : " مَا مِنْ نَبِيٍّ وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ " وَأَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهَذَا لَا غَضَاضَةَ فِيهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لِمَنْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِهِ بِخِلافِ مَنْ قَصَدَ بِهِ الْغَضَاضَةَ وَالتَّحْقِيرَ ، بَل كَانَت عادة جميع الْعَرَب ، نَعَم فِي ذَلِك لأنبياء حكمة بالغة وتدريج لله تَعَالَى عَزّ وَجَلّ ، لَهُم إِلَى كرامته وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خليقته بِمَا سبق لهم من الكرامة فِي الأزل ومتقدم الْعِلْم ، وَكَذَلِك قَد ذَكَر اللَّه يتمه وعيلته عَلَى طريق المنة عَلَيْه والتعريف بكرامته لَه ، فذكر الذاكر لَهَا عَلَى وجه تعريف حاله ، والخَبَر عَن مُبْتَدَئِه ، والتّعجُّب من مَنِح اللَّه قِبَلَه ، وعَظِيم مِنّتِه عِنْدَه لَيْس فِيه غَضَاضَة بَل فِيه دَلَالَة عَلَى نُبُوَّتِه وصحَّة دَعْوَتِه ، إِذ أظْهَرَه اللَّه تَعَالَى بَعْد هَذَا عَلَى صَنَادِيد الْعَرَب وَمِن نَاوأَه من أشْرَافِهِم ، وَنَمى أمْرُه حَتَّى قَهَرَهُم وَتَمَكّن من مِلْك مَقَالِيدِهِم وَاسْتِباحَه مَمَالك كثير مِن الْأُمَم غَيْرِهِم ، بإظْهَار اللَّه تَعَالَى لَه ، وتأييده بنصره ، وبالمؤمنين وألف بَيْن قُلُوبِهِم ، وإمْدَادِه بِالْمَلَائِكَة الْمُسَوّمِين ، وَلَو كَان ابن مُلْك أَو ذا أشْياع متقدمين ، لحسب كثير مِن الجهال أَنّ ذَلِك موجب ظهوره ، ومقتضى علوه ، ولهذا قَال هرقل حِين سَأَل أَبَا سُفْيَان عَنْه له فِي آبائه من مُلْك ؟ ثُمّ قَال : وَلَو كَان فِي آبائه مُلْك لَقلنا رَجُل يَطْلُب مُلْك أبيه ، وَإذَا الْيُتْم من صِفَتِه وإحْدَى عَلَامَاتِه فِي الْكُتُب الْمُتَقَدّمَة ، وأخْبَار الْأُمَم السّالِفة ، وَكَذَا وَقَع ذِكْرُه في كِتَاب أرْميَاء ، وبهذا وصَفَه ابن ذِي يَزَن عبد المُطلب ، وَبَحيرًا لأبي طَالِب ، وَكَذَلِك إذَا وُصِف بأنَّه أُمّيّ كَمَا وصَفَه اللَّه فهي مِدْحَة لَه وَفَضِيلَة ثَابِتَة فِيه وَقَاعِدَة مُعْجِزَتُه إذ معجزته الْعُظمَى مِن الْقُرْآن العَظِيم إنَّمَا هِي مُتَعَلقَة بِطَريق المَعَارِف وَالْعُلُوم ، مَع مَا مُنَح صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَفُضَّل بِه من ذَلِك كَمَا قَدّمْنَاه فِي القِسْم الأول ، وَوُجُود مثل ذَلِك من رَجُل لَم يَقْرأ وَلَم يَكْتُب وَلَم يُدارِس وَلَا لُقّن مُقْتَضَى العَجَب وَمُنْتَهَى الْعِبَر وَمُعْجِزَة الْبَشَر ، وَلَيْس فِي ذَلِك نَقيصَة ، إِذ المطلوب مِن الكِتَابَة والقراءة المَعْرفَة وَإِنَّمَا هِي آلة لَهَا وَوَاسِطَة مُوَصّلة إِلَيْهَا غَيْر مُرَادَة فِي نَفْسِهَا ، فَإِذَا حَصَلَت الثَّمْرَة وَالمَطْلُوب اسْتُغْنِي عَن الْوَاسِطَة وَالسّبَب ، وَالْأُمّيَّة فِي غَيْرِه نَقِيصَة لِأَنّهَا سَبَب الْجَهَالَة وَعُنْوَان الْغَبَاوَة ، فَسُبْحَان من بايَن أمْرَه من أمْر غَيْرِه وَجَعَل شَرَفَه فِيمَا فِيه محطة سواه وحياته فِيمَا فِيه هلاك من عداه ، هَذَا شَقّ قلبه وإخْرَاج حُشْوَتِه كَان تَمَام حَيَاتِه وَغَايَة قوة نفسه وثبات روعه ، وَهُو فِيمَن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه وهلم جَرّا ، إِلَى سائر مَا رُوِي من أخباره وسيره ، وتقلله مِن الدُّنْيَا وَمِن الملبس والمطعم والمركب ، وتواضعه ومهنته نفسه فِي أمُورِه وَخِدْمَة بَيْتِه زُهْدًا وَرَغْبَة عَن الدُّنْيَا ، وَتَسْوِيَة بَيْن حَقِيرِهَا وَخَطِيرِهَا لِسُرْعَة فَنَاء أُمُورِها ، وتَقَلُّب أحْوَالِهَا كُلّ هَذَا من فَضَائِلِه وَمآثِرِه وَشَرَفه كَمَا ذَكَرْنَاه ، فَمَن أوْرَد شَيْئًا مِنْهَا موردة وقصد بِهَا مقصده كَان حَسَنًا ، وَمِن أوْرَد ذَلِك عَلَى غَيْر وَجْهِه وعُلِم مِنْه بِذلِك سُوء قَصْدِه لَحِق بالفُصُول الَّتِي قَدَّمْنَاهَا ، وَكَذَلِك مَا وَرَد من أخْبَارِه وأخْبَار سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فِي الْأَحَادِيث مِمَّا فِي ظَاهِرِه إشْكال يَقْتَضِي أُمُورًا لَا تَلِيق بِهِم بِحَال وَتَحْتَاج إِلَى تأوِيل وَتَرَدُّد احْتمال ، فَلَا يَجِب أن يُتَحَدّث مِنْهَا إلَّا الصَّحِيح ، وَلَا يُرْوَى مِنْهَا إلَّا المَعْلُوم الثّابِت ، وَرَحِم اللَّه مَالكًا فلقد كَرَه التَّحَدُّث بمِثْل ذَلِك مِن الْأَحَادِيث المُوهِمَة لِلتَّشْبيه وَالمُشْكلة الْمَعْنَى ، وَقَال : مَا يَدْعُو النَّاس إِلَى التَّحَدُّث بِمِثْل هَذَا . فَقِيل لَه : إنّ ابن عَجْلان يُحَدَّث بِهَا . فَقَال : لَم يَكُن مِن الفُقَهَاء وَلَيْت النَّاس وَافَقُوه عَلَى تَرْك الْحَدِيث بِهَا وَسَاعَدوه عَلَى طَيّهَا ، فأكْثَرُهَا لَيْس تَحْتَه عَمَل ، وَقَد حُكِي عَن جَمَاعَة مِن السَّلَف بَل عَنْهُم عَلَى الْجُمْلَة ، أَنَّهُم كَانُوا يَكْرَهُون الْكَلَام فِيمَا لَيْس تَحْتَه عَمَل ، وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أوْرَدَهَا عَلَى قْوم عَرَب يَفْهَمُون كَلَام الْعَرَب عَلَى وَجْهِه وَتَصَرفَاتِهِم فِي حَقِيقَتِه وَمَجَازِه وَاسْتِعَارَتِه وَبَلِيغِه ، وَإيجَازِه فَلَم تَكُن فِي حَقَّهَم مُشْكِلَة ، ثُمّ جاء من غَلَبَت عَلَيْه العُجْمَة وَدَاخَلَتْه الْأُمّيَّة فَلَا يَكاد يَفْهَم من مَقَاصِد الْعَرَب إلَّا نَصَّها وَصَرِيحَهَا ، وَلَا يَتَحَقَّق إشَارَاتِهَا إِلَى غَرَض الإيجَاز ووحْيِهَا وَتَبْلِيغَهَا وَتَلْويحِهَا ، فَتَفَرّقُوا فِي تأويلهَا أَو حَمْلِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا شَذر مَذَر ، فمنهم من آمَن بِه وَمِنْهُم من كَفَر ، فَأَمَّا مَا لَا يَصِحّ من هَذِه الْأَحَادِيث فَوَاجِب أن لَا يُذْكَر مِنْهَا شَيْء فِي حَقّ اللَّه وَلَا فِي حَقّ أنْبِيَائِه ، وَلَا يُتَحَدّث بِهَا وَلَا يُتَكَلَّف الْكَلَام عَلَى مَعَانِيهَا ، وَالصَّوَاب طَرْحُهَا وَتَرْك الشُّغْل بِهَا إلَّا أن تُذْكَر عَلَى وَجْه التّعْرِيف بِأنَّهَا ضَعِيفَة الْمَقَاد وَاهِيَة الإِسْنَاد ، وَقَد أنْكَرَ الأشْيَاخ عَلَى أَبِي بَكْر بن فُورَك تَكَلُّفَه فِي مُشْكِلِه الْكَلَام عَلَى أحاديث ضَعِيفَة مَوْضُوعَة لَا أصْل لَهَا أَو مَنْقُولَة عَن أَهْل الكِتَاب الَّذِين يَلْبِسُون الْحَقّ بالبَاطِل ، كَان يَكْفِيه طَرْحُهَا وَيُغْنِيه عَن الْكَلَام عَلَيْهَا التَّنْبِيه عَلَى ضَعْفهَا ، إِذ المَقْصُود بِالْكَلَام عَلَى مُشْكل مَا فِيهَا إزَالَة اللّبْس بِهَا وَاجْتِثَاثُهَا من أَصْلهَا ، وَطَرْحُهَا أكْشَف لِلَّبْس وأشْفَى للنَّفْس . فصل ومما يَجِب عَلَى المُتَكَلَّم فِيمَا يَجُوز عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَمَا لَا يَجُوز وَالذَّاكِر من حَالاتِه ، مَا قَدّمْنَاه فِي الفَصْل قَبْل هَذَا عَلَى طَرِيق المُذَاكَرَة والتعْلِيم أن يَلْتَزِم فِي كَلَامِه عِنْد ذَكْرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وذِكْر تِلْك الأَحْوَال الْوَاجِب من تَوْقِيرِه وَتَعْظِيمِه ، وَيُرَاقب حَال لِسَانِه وَلَا يُهْمِلَه وَتَظْهَر عَلَيْه عَلَامات الأَدَب عِنْد ذِكْرِه ، فَإِذَا ذَكَر مَا قاساه مِن الشَّدَائِد ظَهَرَ عليه الإشْفَاق والارْتِمَاض والغَيْظ عَلَى عَدُوّه ، وَمَوَدَّة الفِدَاء لِلنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لَو قَدَر عَلَيْه ، وَالنُّصرَة لَو أمْكَنَتْه ، وَإذَا أخَذ فِي أبْوَاب العِصْمَة وَتَكَلّم عَلَى مَجَاري أعْمَالِه وأقْوَالِه تَحَرَّى أحَسَن اللَّفْظ وَأدَب الْعِبَارَة مَا أَمْكَنَه ، وَاجْتَنَب بَشِيع ذَلِك وَهَجَر مِن الْعَبَارَة مَا يَقْبُح كَلْفَظَة الْجَهْل وَالكَذِب وَالمَعْصِيَة ، فَإِذَا تَكَلّم فِي الأَقْوَال ، قَال : هَل يَجُوز عَلَيْه الْخُلْف فِي القَوْل وَالْإِخبار بِخِلَاف مَا وَقَع سَهْوًا أَو غَلَطًا وَنَحْوَه مِن الْعِبَارَة ؟ وَيَتَجَنَّب لَفْظَة الكَذِب جُمْلَة وَاحَدَة ، وَإذَا تَكَلّم عَلَى الْعِلْم ، قَال : هَل يَجُوز أن لَا يَعْلَم إلَّا مَا علم ، وهل يُمْكِن أن لَا يَكُون عِنْدَه علم من بَعْض الأشْيَاء حَتَّى يُوحَى إليْه ، وَلَا يَقُول بِجَهْل لِقُبْح اللَّفْظ وَبَشَاعَتِه ، وَإذَا تكمل فِي الأفْعَال ، قَال : هَل يَجُوز منه الْمُخَالَفَة فِي بَعْض الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي وَمُوَاقَعَة الصَّغَائِر ، فَهُو أوْلَى وآدب من قَوْلِه هَل يَجُوز أن يَعْصِي أَو يُذْنِب أَو يَفْعَل كذا وكذا من أنْواع المَعَاصِي ، فهذا من حَقّ تَوْقِيرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَمَا يَجِب لَه من تَعْزِير وَإعْظَام ، وَقَد رَأَيْت بَعْض الْعُلمَاء لَم يَتَحَفّظ من هَذَا فَقُبّح مِنْه وَلَم أَسْتَصْوب عِبارَتَه فِيه ، وَوَجَدْت بَعْض الْجَائِرِين قَوْله لأجْل تَرْك تَحَفُّظِه فِي الْعِبَارَة مَا لَم يَقُلْه وَشَنَّع عَلَيْه بِمَا يأباه وَيُكَفَّر قائِلُه ، وَإذَا كَان مثل هَذَا بَيْن النَّاس مُسْتَعْملًا فِي آدابِهِم وَحُسن مُعَاشَرِتِهِم وَخِطَابِهِم ، فَاسْتِعْمَالُه فِي حَقَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أوْجَب وَالْتِزَامُه آكَد ، فَجَوْدَة العبارة تُقَبّح الشَّيْء أَو تُحَسّنُه ، وَتَحْرِيرُهَا وَتَهْذِيبُهَا يُعَظّم الأمْر أَو يُهَوّنُه ، ولهذا قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا " ، فَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى جِهَةِ النَّفْيِ عَنْهُ وَالتَّنْزِيه فَلَا حَرَج فِي تَسْريح العِبارَة وَتَصْرِيحَها فِيه ، كَقَوْلِه : لَا يَجُوز عَلَيْه الكَذِب جُمْلَة وَلَا إتْيَان الكبائر بِوجْه ، وَلَا الْجَوْر فِي الحكم عَلَى حَال ، وَلَكِن مَع هَذَا يَجِب ظُهُور تَوْقِيرِه وَتَعْظِيمِه وَتَعْزِيزِه عِنْد ذكره مُجَرّدًا ، فَكَيْف عِنْد ذَكَر مثل هذا ، وقد كَان السَّلَف تَظْهَر عَلَيْهِم حَالَات شَديدَة عِنْد مُجَرَّد ذِكْرِه كَمَا قَدَّمْنَاه فِي القسْم الثَّاني ، وَكَان بَعْضُهُم يَلْتَزِم مثل ذَلِك عِنْد تِلَاوَة آي مِن الْقُرْآن حَكَى اللَّه تَعَالَى فِيهَا مَقَال عِدَاه وَمِن كَفَر وَافْتَرَى عَلَيْه الكَذِب ، فَكَان يَخْفِض بِهَا صَوْتَه إعْظَامًا لِرَبَّه وَإجْلالا له وَإشْفَاقًا مِن التّشَبُّه بِمَن كَفَر بِه .
-
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب…
صحابي
-
حسين بن علي بن أبي طالب بن عب…
صحابي
-
علي بن حسين بن علي بن أبي طالب
ثقة ثبت
-
محمد بن علي بن الحسين بن علي …
ثقة
- جعفر بن محمد بن علي بن الحسين… صدوق فقيه إمام
-
محمد بن علي بن الحسين بن علي …
ثقة
-
علي بن حسين بن علي بن أبي طالب
ثقة ثبت
-
حسين بن علي بن أبي طالب بن عب…
صحابي