قرأت عَلَى أبي مُحَمَّد بْن حَمْزَةَ ، عَنْ عبد الْعَزِيزِ بْن أبي طاهر ، أنا عبد الوهاب الميداني ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ بْن أبي الخطاب الملطي ، قدم علينا ، نا أَبُو الْحَسَنِ مزاحم بْن عبد الوارث بْن إِسْمَاعِيلَ بْن عباد البصري العطار ، نا مُحَمَّد بْن زكريا الغلابي ، نا مُحَمَّد بْن عبيد الله الجشمي ، نا الهيثم بْن عدي ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عياش ، عَنِ الشعبي قَالَ : كَانَ أول من سمر من الخلفاء ، واتخذ لَهُ أقوام مُعَاوِيَة ، وكان ملك الروم فِي زمانه فوق ابن مورق بْن هرقل بْن قيصر بْن فوق بْن مورق بْن الأصفر ، وكان مُعَاوِيَة يَقُولُ : ما أردت بِالشَّامِ شيئا قط إلا ظننت أنه معي ، وكان ملك الروم يَقُولُ مثل ذلك ، فسمر مُعَاوِيَة ذات ليلة ، ثُمَّ أوى فراشه ، فأرق ، فامتنع مِنْهُ النوم ، فأراده ، فلم يستطعه ، حَتَّى أسحر ، فسمع أصوات النواقيس ، فآذته ، فلم يزل يتململ عَلَى فراشه حَتَّى أصبح ، فلما صلى الفجر أمر بسريره ، فأبرز إِلَى المسجد ، ونادى فِي الناس : الصلاة جامعة ، فلما اجتمعوا أمر مناديا فنادى : من يبيعني نفسه ؟ فقام شاب من غسان ، فقَالَ : أنا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فقَالَ : بكم ؟ فقَالَ : بثلاث ديات : أما دية فلي ، وأما دية أخلفها لأهلي ، وأما دية فأشتري لهم بِهَا ضيعة ، فأعطاه أربعة آلاف دينار ، ثُمَّ قَالَ : قد أجلتك ثلاثا ، فتهيأ ، وافرغ من حوائجك ، ثُمَّ ائتني ، ففعل ، فإذا كتاب بين يدي مُعَاوِيَة إِلَى ملك الروم ، فقَالَ : انطلق بهذا إِلَى صاحب الروم ، فإنك تجوز من موضع كذا إِلَى كذا ، ومن كذا إِلَى كذا ، حَتَّى تنتهي إِلَى الخليج ، فتحبس يوما ، ثُمَّ تجوز ، ثُمَّ تحبس يوما ، ثُمَّ تدخل عَلَيْهِ وهو جالس عَلَى سريره وبطارقته حوله ، وقد وضع تاجه عَلَى رأسه ، فإذا عاينته ، فضع لنا كتابك ، ثُمَّ أدخل يديك فِي أذنيك ، فأذن ، وقل : اللَّه أكبر ، اللَّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلا اللَّه ، أشهد أن محمدا رَسُول اللَّهِ ، حَتَّى تفرغ ، قَالَ : فخرج الغساني ، قَالَ : فوالذي لا إله غيره ، لكأن مُعَاوِيَة كَانَ مَعَهُ فِي كل ما كَانَ ، حَتَّى أدخلت عَلَيْهِ وهو عَلَى سريره ، وتاجه عَلَى رأسه ، وبطارقته عنده ، فلما عاينته وضعت كتابي ، ثُمَّ رفعت صوتي بالأذان ، فانتضوا سيوفهم ، ثُمَّ أقبلوا نحوي ، ووثب عَنْ سريره يخصر ، حَتَّى كَانَ بيني وبينهم ، فاستدبرني ، واستقبلهم ، ثُمَّ قَالَ : أف لكم ، كنت أظنه يقاس برأيكم ، فإذا رأيكم قد عجز عنكم ، ارجعوا ، فما رجعوا إلا بعد شر ، فلما عادوا إِلَى مجالسهم قَالَ : أتدرون ما قصة هذا ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ : تجدون مُعَاوِيَة أرق ، فسمع أصوات النواقيس ، فآذنه ، وقد علم أن النصارى بِالشَّامِ لهم أنصاف منازل المسلمين ، وأنصاف مساجدهم ، وقد عاهدهم عَلَى ذلك من هو أفضل مِنْهُ من أهل دينه ، فلم يستطع نقضه ، فقَالَ : من يبيعني نفسه ؟ فتجدون هذا اليابس ، ولم يأخذ لنفسه ثمنها ، فوجهه ، وأمره بما سمعتم ، لتستحلوا بِهِ قتله ، ويستحل بذلك قتل من بِالشَّامِ من النصارى ، وهدم كنائسهم ، قَالَ : يَقُولُ الغساني : والذي لا إله غيره ، ما علمت ما أراد بي مُعَاوِيَة إلا تلك الساعة ، قَالُوا : أيها الملك ، ما تصنع بِهِ ؟ قَالَ : فنحسن جائزته ، ونرد جواب كتبه ، ونمضيه إِلَى صاحبه ، فما أتت عَلَى مُعَاوِيَة إلا ثمانية وأربعين ليلة حَتَّى إذا للغساني عنده ، فلما رآه مُعَاوِيَة قَالَ : أفلت ، وانحص الذنب ، قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنك والله عرضتني للقتل ، قَالَ : أما والذي لا إله إلا هو لو قتلك ما تركت فيما بين العريش إِلَى الفرات نصرانيا إلا قتلته ، وسبيت ذريته ، ولا كنيسة إلا هدمتها ، ولكن اللعين كَانَ أوفى بالذمة .