143 أَخْبَرَنَا ابْن الحصين ° ، نا أَبُو عَلِيّ بْن المذهب ° ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ مالك ° ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْن أحمد ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبي ° ، ثنا أَبُو المغيرة ° ، ثنا معان بْن رفاعة ° ، ثني عَلِيّ بْن زيد ° ، عَنْ القاسم ° ، عَنْ أبي أمامة ° ، قَالَ : خرجنا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سرية من سراياه ، قَالَ : فمر رجل بغار فيه شيء من ماء ، قَالَ : فحدث نفسه بأن يقيم فِي ذلك الغار فيقوته مَا كان فيه وفيه شيء من ماء ويصيب مَا حوله من البقل ، ويتخلى عَنِ الدنيا ، ثم قَالَ : لو أني أتيت نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكرت ذلك لَهُ ، فَإِن أذن لي فعلت ، وإلا لم أفعل ، فأتاه فَقَالَ : يا نبي اللَّه إني مررت بغار فيه مَا يقوتني من الماء والبقل ، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى عَنِ الدنيا ، قَالَ : فَقَالَ نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَنْ أُبْعَثَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلا بِالنَّصْرَانِيَّةِ ، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَلَمَقَامُ أَحَدِكُمْ فِي الصَّفِّ خَيْرٌ مِنْ صَلاتِهِ سِتِّينَ سَنَةً "
ذكر تلبيس إبليس عَلَى الصوفية فِي التخشع ومطأطأة الرأس وإقامة الناموس قال المصنف رحمه اللَّه : إذا سكن الخوف القلب أوجب خشوع الظاهر ، ولا يملك صاحبه دفعه ، فتراه مطرقا متأدبا متذللا ، وَقَدْ كانوا يجتهدون فِي ستر مَا يظهر منهم من ذلك ، وكان مُحَمَّد بْن سيرين يضحك بالنهار ، ويبكي بالليل ، ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوام ، فَإِن ذلك يؤذيهم ، فقد روي عَنْ علي رَضِيَ اللَّهُ عنه ، إذا ذكرتم العلم فاكظموا عَلَيْهِ ولا تخلطوه بضحك فتمجه القلوب ، ومثل هَذَا لا يسمى رياء ، لأن قلوب العوام تضيق عَنِ التأويل للعالم إذا تفسح فِي المباح ، فينبغي أن يتلقاهم بالصمت والأدب ، وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي ومطأطأة الرأس ليرى الإنسان بعين الزهد والتهيؤ للمصافحة وتقبيل اليد ، وربما قيل لَهُ : ادع لنا فيتهيأ للدعاء كأنه يستنزل الإجابة ، وَقَدْ ذكرنا عَنْ إِبْرَاهِيم النخعي ، أنه قيل لَهُ : ادع لنا فكره ذلك ، واشتد عَلَيْهِ ، وَقَدْ كان من الخائفين من حملة الخوف عَلَى شدة الذل والحياء ، فلم يرفع رأسه إِلَى السماء ، وليس هَذَا بفضيلة ، لأنه لا خشوع فوق خشوع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي صَحِيح مسلم من حديث أبي مُوسَى ، قَالَ : كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كثيرا مَا يرفع رأسه إِلَى السماء ، وفي هَذَا الحديث دليل عَلَى استحباب النظر إِلَى السماء لأجل الاعتبار بآياتها ، وَقَدْ قَالَ اللَّه تعالى : أولم يروا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا سورة ق آية 6 وقال : قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ سورة يونس آية 101 وفي هَذَا رد عَلَى المتصوفين ، فَإِن أحدهم يبقى سنين لا ينظر إِلَى السماء ، وَقَدْ ضم هؤلاء إِلَى ابتداعهم الرمز إِلَى التشبيه ، ولو علموا أن إطراقهم كرفعهم فِي باب الحياء من اللَّه تعالى لم يفعلوا ذلك ، غير أن مَا شغل إبليس إلا التلاعب بالجهلة ، فأما العلماء ، فهو بعيد عنهم شديد الخوف منهم ، لأنهم يعرفون جميع أمره ويحترزون من فنون مكره . !643 أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر وعمر بْن ظفر ، قالا : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَنِ الباقلاني ، نا القاضي أَبُو العلاء الواسطي ، نا أَبُو نصر أحمد بْن مُحَمَّد ، نا أَبُو الخير أحمد بْن مُحَمَّد الْبَزَّاز ، ثنا البخاري ، ثنا إِسْحَاق ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ المفضل ، ثنا الوليد بْن جميع ، عَنْ أبي سلمة بْن عَبْدِ الرَّحْمَن ، قَالَ : " لم يكن أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، منحرفين ولا متماوتين ، وكانوا يتناشدون الشعر فِي مجالسهم ، ويذكرون أمر جاهليتهم ، فَإِذَا أريد احد منهم عَلَى شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون "