بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الخامس
( وَأَمَّا ) بَيَانُ أَنْوَاعِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُحَلَّلَاتِ الْمَجْمُوعَةِ فِيهِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ الْمُحَرَّمَاتُ الْمَجْمُوعَةُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ نَوْعٌ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا وَنَوْعٌ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ( أَمَّا ) الَّذِي ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا فَبَعْضُهَا مَذْكُورٌ فِي مَوَاضِعِهِ فِي الْكُتُبِ فَلَا نُعِيدُهُ وَنَذْكُرُ مَا لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْكُتُبِ وَنَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَهُوَ حُرْمَةُ النَّظَرِ وَالْمَسِّ وَالْكَلَامُ فِيهَا فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ مِنْ ذَلِكَ وَيَحْرُمُ لِلرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ لِلرَّجُلِ مِنْ الرَّجُلِ وَالثَّالِثُ فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ .
( أَمَّا ) الْأَوَّلُ فَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النِّسَاءِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ النِّسَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ مِنْهُنَّ الْمَنْكُوحَاتُ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ الْمَمْلُوكَاتُ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ ذَوَاتُ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ 119 وَهُوَ الرَّحِمُ الْمَحْرَمُ لِلنِّكَاحِ كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ ذَوَاتُ الرَّحِمِ بِلَا مَحْرَمٍ وَهُنَّ الْمَحَارِمُ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ مَمْلُوكَاتُ الْأَغْيَارِ وَنَوْعُ مِنْهُنَّ مَنْ لَا رَحِمَ لَهُنَّ أَصْلًا وَلَا مَحْرَمَ وَهُنَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ الْحَرَائِرُ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ ذَوَاتُ الرَّحِمِ بِلَا مَحْرَمٍ وَهُوَ الرَّحِمُ الَّذِي لَا يُحَرِّمُ النِّكَاحَ كَبِنْتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ ( أَمَّا ) النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَهُنَّ الْمَنْكُوحَاتُ فَيَحِلُّ لِلزَّوْجِ النَّظَرُ إلَى زَوْجَتِهِ وَمَسُّهَا مِنْ رَأْسِهَا إلَى قَدَمِهَا لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } وَأَنَّهُ فَوْقَ النَّظَرِ وَالْمَسِّ فَكَانَ إحْلَالًا لَهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْأُولَى إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } فَصَارَتْ حَالَةُ الْحَيْضِ مَخْصُوصَةً عَنْ عُمُومِ النَّصِّ الَّذِي تَلَوْنَا .
وَهَلْ يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ وَلَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِمَا بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ فَيَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا فَوْقَ سُرَّتِهَا وَلَا يُبَاحُ بِمَا تَحْتَهَا إلَى الرُّكْبَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ مِنْهُ مَعَ الْإِزَارِ فَيَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا تَحْتَ سُرَّتِهَا سِوَى الْفَرْجِ لَكِنْ مَعَ الْمِئْزَرِ لَا مَكْشُوفًا وَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ قَوْلِهِمَا بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَمَا تَحْتَهَا سِوَى الْفَرْجِ مَعَ الْمِئْزَرِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ فَوْقَ الْإِزَارِ فَيَكُونُ عَمَلًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } جَعَلَ الْحَيْضَ أَذًى فَتَخْتَصُّ الْحُرْمَةُ بِمَوْضِعِ الْأَذَى وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَتَنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سُئِلَتْ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ فَقَالَتْ يَتَّقِي شِعَارَ الدَّمِ وَلَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ ( وَوَجْهُ ) قَوْلِهِمَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لَنَا مَا تَحْتَ السُّرَّةِ وَلَهُ مَا فَوْقَهَا } وَرُوِيَ { أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُنَّ إذَا حِضْنَ أَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَّزِرْنَ ثُمَّ يُضَاجِعُهُنَّ } وَلِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بِمَا يَقْرُبُ مِنْ الْفَرْجِ سَبَبُ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلَا إنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ فَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ } وَفِي رِوَايَةٍ { مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ } وَالْمُسْتَمْتِعُ بِالْفَخِذِ يَحُومُ حَوْلَ الْحِمَى وَيَرْتَعُ حَوْلَهُ فَيُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ دَلَّ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ سَبَبُ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ .
وَسَبَبُ الْحَرَامِ حَرَامٌ أَصْلُهُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ ( وَأَمَّا ) الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَحُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا حَوْلَ الْفَرْجِ لَا يَخْلُو عَنْ الْأَذَى عَادَةً فَكَانَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ اسْتِعْمَالَ الْأَذَى وَقَوْلُ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ أَيْ مَعَ الْإِزَارِ فَحُمِلَ عَلَى هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَحِلُّ لَهَا النَّظَرُ إلَى زَوْجِهَا وَاللَّمْسِ مِنْ فَرْقِهِ إلَى قَدَمِهِ لِأَنَّهُ حَلَّ لَهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ التَّمْكِينُ مِنْ الْوَطْءِ فَهَذَا أَوْلَى وَيَحِلُّ النَّظَرُ إلَى عَيْنِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ الْمَنْكُوحَةِ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ حَلَالٌ فَالنَّظَرُ إلَيْهِ أَوْلَى إلَّا أَنَّ الْأَدَبَ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا نَظَرْت إلَى مَا مِنْهُ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا مِنِّي وَلَا يَحِلُّ إتْيَانُ الزَّوْجَةِ فِي دُبُرهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ نَهَى عَنْ قُرْبَانِ الْحَائِضِ وَنَبَّهَ عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ كَوْنُ الْمَحِيضِ أَذًى وَالْأَذَى فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَفْحَشُ وَأَذَمُّ فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ فِيمَا يَقُولُ فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } { نَهَى عَنْ إتْيَانِ النِّسَاءِ فِي مَحَاشِّهِنَّ } أَيْ أَدْبَارِهِنَّ .
وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَتْ الْآثَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهَا سُمِّيَتْ اللُّوطِيَّةَ الصُّغْرَى وَلِأَنَّ حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ فِي الدُّنْيَا لَا يَثْبُتُ لِحَقِّ قَضَاءِ الشَّهَوَاتِ خَاصَّةً لِأَنَّ لِقَضَاءِ الشَّهَوَاتِ خَاصَّةً دَارًا أُخْرَى وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِحَقِّ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَهِيَ حَاجَةُ بَقَاءِ النَّسْلِ إلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا إلَّا أَنَّهُ رُكِّبَتْ الشَّهَوَاتُ فِي الْبَشَرِ لِلْبَعْثِ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَحَاجَةُ النَّسْلِ لَا تَحْتَمِلُ الْوُقُوعَ فِي الْأَدْبَارِ فَلَوْ ثَبَتَ الْحِلُّ لَثَبَتَ لِحَقِّ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ خَاصَّةً وَالدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَهُ .
( أَمَّا ) الْأَوَّلُ فَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النِّسَاءِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ النِّسَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ مِنْهُنَّ الْمَنْكُوحَاتُ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ الْمَمْلُوكَاتُ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ ذَوَاتُ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ 119 وَهُوَ الرَّحِمُ الْمَحْرَمُ لِلنِّكَاحِ كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ ذَوَاتُ الرَّحِمِ بِلَا مَحْرَمٍ وَهُنَّ الْمَحَارِمُ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ مَمْلُوكَاتُ الْأَغْيَارِ وَنَوْعُ مِنْهُنَّ مَنْ لَا رَحِمَ لَهُنَّ أَصْلًا وَلَا مَحْرَمَ وَهُنَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ الْحَرَائِرُ وَنَوْعٌ مِنْهُنَّ ذَوَاتُ الرَّحِمِ بِلَا مَحْرَمٍ وَهُوَ الرَّحِمُ الَّذِي لَا يُحَرِّمُ النِّكَاحَ كَبِنْتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ ( أَمَّا ) النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَهُنَّ الْمَنْكُوحَاتُ فَيَحِلُّ لِلزَّوْجِ النَّظَرُ إلَى زَوْجَتِهِ وَمَسُّهَا مِنْ رَأْسِهَا إلَى قَدَمِهَا لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } وَأَنَّهُ فَوْقَ النَّظَرِ وَالْمَسِّ فَكَانَ إحْلَالًا لَهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْأُولَى إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } فَصَارَتْ حَالَةُ الْحَيْضِ مَخْصُوصَةً عَنْ عُمُومِ النَّصِّ الَّذِي تَلَوْنَا .
وَهَلْ يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ وَلَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِمَا بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ فَيَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا فَوْقَ سُرَّتِهَا وَلَا يُبَاحُ بِمَا تَحْتَهَا إلَى الرُّكْبَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ مِنْهُ مَعَ الْإِزَارِ فَيَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا تَحْتَ سُرَّتِهَا سِوَى الْفَرْجِ لَكِنْ مَعَ الْمِئْزَرِ لَا مَكْشُوفًا وَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ قَوْلِهِمَا بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَمَا تَحْتَهَا سِوَى الْفَرْجِ مَعَ الْمِئْزَرِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ فَوْقَ الْإِزَارِ فَيَكُونُ عَمَلًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } جَعَلَ الْحَيْضَ أَذًى فَتَخْتَصُّ الْحُرْمَةُ بِمَوْضِعِ الْأَذَى وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَتَنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سُئِلَتْ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ فَقَالَتْ يَتَّقِي شِعَارَ الدَّمِ وَلَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ ( وَوَجْهُ ) قَوْلِهِمَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لَنَا مَا تَحْتَ السُّرَّةِ وَلَهُ مَا فَوْقَهَا } وَرُوِيَ { أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُنَّ إذَا حِضْنَ أَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَّزِرْنَ ثُمَّ يُضَاجِعُهُنَّ } وَلِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بِمَا يَقْرُبُ مِنْ الْفَرْجِ سَبَبُ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلَا إنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ فَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ } وَفِي رِوَايَةٍ { مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ } وَالْمُسْتَمْتِعُ بِالْفَخِذِ يَحُومُ حَوْلَ الْحِمَى وَيَرْتَعُ حَوْلَهُ فَيُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ دَلَّ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ سَبَبُ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ .
وَسَبَبُ الْحَرَامِ حَرَامٌ أَصْلُهُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ ( وَأَمَّا ) الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَحُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا حَوْلَ الْفَرْجِ لَا يَخْلُو عَنْ الْأَذَى عَادَةً فَكَانَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ اسْتِعْمَالَ الْأَذَى وَقَوْلُ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ أَيْ مَعَ الْإِزَارِ فَحُمِلَ عَلَى هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَحِلُّ لَهَا النَّظَرُ إلَى زَوْجِهَا وَاللَّمْسِ مِنْ فَرْقِهِ إلَى قَدَمِهِ لِأَنَّهُ حَلَّ لَهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ التَّمْكِينُ مِنْ الْوَطْءِ فَهَذَا أَوْلَى وَيَحِلُّ النَّظَرُ إلَى عَيْنِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ الْمَنْكُوحَةِ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ حَلَالٌ فَالنَّظَرُ إلَيْهِ أَوْلَى إلَّا أَنَّ الْأَدَبَ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا نَظَرْت إلَى مَا مِنْهُ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا مِنِّي وَلَا يَحِلُّ إتْيَانُ الزَّوْجَةِ فِي دُبُرهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ نَهَى عَنْ قُرْبَانِ الْحَائِضِ وَنَبَّهَ عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ كَوْنُ الْمَحِيضِ أَذًى وَالْأَذَى فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَفْحَشُ وَأَذَمُّ فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ فِيمَا يَقُولُ فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } { نَهَى عَنْ إتْيَانِ النِّسَاءِ فِي مَحَاشِّهِنَّ } أَيْ أَدْبَارِهِنَّ .
وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَتْ الْآثَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهَا سُمِّيَتْ اللُّوطِيَّةَ الصُّغْرَى وَلِأَنَّ حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ فِي الدُّنْيَا لَا يَثْبُتُ لِحَقِّ قَضَاءِ الشَّهَوَاتِ خَاصَّةً لِأَنَّ لِقَضَاءِ الشَّهَوَاتِ خَاصَّةً دَارًا أُخْرَى وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِحَقِّ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَهِيَ حَاجَةُ بَقَاءِ النَّسْلِ إلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا إلَّا أَنَّهُ رُكِّبَتْ الشَّهَوَاتُ فِي الْبَشَرِ لِلْبَعْثِ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَحَاجَةُ النَّسْلِ لَا تَحْتَمِلُ الْوُقُوعَ فِي الْأَدْبَارِ فَلَوْ ثَبَتَ الْحِلُّ لَثَبَتَ لِحَقِّ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ خَاصَّةً وَالدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث