حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير · الجزء الأول
page 15 · printed p. 38 · commentary
( قَوْلُهُ : لَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ بِمَاءٍ مُتَغَيِّرٍ إلَخْ ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُتَغَيِّرٍ إلَخْ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْمُطْلَقِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ عَطْفِ النَّكِرَةِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ ( قَوْلُهُ : أَوْ ظَنًّا ) أَيْ قَوِيًّا بِخِلَافِ الْمَشْكُوكِ فِي تَغَيُّرِهِ وَالْمَظْنُونُ تَغَيُّرُهُ ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ وَالْمُتَوَهَّمُ تَغَيُّرُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِالْمُفَارِقِ إمَّا لَوْنُ الْمَاءِ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُتَحَقَّقَ التَّغَيُّرُ أَوْ يُظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا أَوْ غَيْرَ قَوِيٍّ أَوْ يُشَكَّ فِيهِ أَوْ يَكُونَ مُتَوَهَّمًا ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَغَيِّرُ اللَّوْنَ أَوْ الطَّعْمَ ضَرَّ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مُحَقَّقًا أَوْ مَظْنُونًا ظَنًّا قَوِيًّا لَا إنْ كَانَ مَشْكُوكًا أَوْ مُتَوَهَّمًا أَوْ مَظْنُونًا ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَغَيِّرُ الرِّيحَ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تَغَيُّرُ الرِّيحِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا وَنَسَبَ ابْنُ عَرَفَةَ لِسَحْنُونٍ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ كَوْنِ تَغَيُّرِ الرِّيحِ كَثِيرًا فَيَضُرُّ أَوْ خَفِيفًا فَلَا يَضُرُّ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الظَّنِّ الْقَوِيِّ وَغَيْرِهِ هُوَ مَا لعبق وَلَكِنَّ الْحَقَّ 38 أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ ظَنِّ التَّغَيُّرِ قَوِيًّا أَوْ غَيْرَ قَوِيٍّ فِي أَنَّهُ يَضُرُّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا وَلِذَا أَطْلَقَ الشَّارِحُ فِي الظَّنِّ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْقَوِيِّ ( قَوْلُهُ : أَيْ كَثِيرًا ) أَيْ فِي أَكْثَرِ الْأَزْمِنَةِ اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِنْ التَّغَيُّرِ بِمَا لَا يُفَارِقُهُ أَصْلًا وَبِمَا يُفَارِقُهُ قَلِيلًا فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ فَالْأَوَّلُ كَالتَّغَيُّرِ بِالْمُقِرِّ وَالثَّانِي كَالتَّغَيُّرِ بِالسَّمَكِ الْحَيِّ وَكَالتَّغَيُّرِ بِالسَّمْنِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ أَوَانِيهِمْ عَنْهُ غَالِبًا فَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ كَمَا فِي ح عَنْ ابْنِ رُشْدٍ ( قَوْلُهُ : مِثَالٌ لَهُمَا ) أَيْ لِلْمُغَيِّرِ الْمُفَارِقِ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ) أَيْ الدُّهْنُ طَاهِرًا إلَخْ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ كَدُهْنٍ خَالَطَ وَبُخَارٍ مُصْطَكَى مِثَالَانِ لِلْمُغَيِّرِ الْمُفَارِقِ غَالِبًا هُوَ الْأَوْلَى مِنْ جَعْلِهِمَا مُشَبَّهَيْنِ بِهِ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ أَفْرَادِهِ ، وَالتَّشْبِيهُ يَقْتَضِي مُغَايَرَةَ الْمُشَبَّهِ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ تَشْبِيهِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ وَيَكْفِي فِي التَّشْبِيهِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ بِالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ نَعَمْ يُعْتَرَضُ عَلَى التَّشْبِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الدُّهْنَ الْمُخَالِطَ يَضُرُّ مُطْلَقًا غَيَّرَ الْمَاءَ أَمْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا يَضُرُّ إلَّا إذَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِ الْمَاءِ الثَّلَاثَةِ كَانَ التَّغَيُّرُ بَيِّنًا أَمْ لَا وَكَذَا يُقَالُ فِي بُخَارِ الْمُصْطَكَى ( قَوْلُهُ : : مُصْطَكَى ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا لَكِنْ مَعَ الْفَتْحِ يَجُوزُ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ أَمَّا مَعَ الضَّمِّ فَالْقَصْرُ مُتَعَيِّنٌ ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَبُخَارٌ كَمُصْطَكَى بِالْكَافِ كَانَ أَوْلَى لِيَدْخُلَ غَيْرُهَا كَالْعُودِ وَنَحْوِهِ إذْ لَا خُصُوصِيَّةَ لِبَخُورِ الْمُصْطَكَى بَلْ بُخَارُ غَيْرِهَا كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ كَافَ كَدُهْنٍ الدَّاخِلَةَ عَلَى بُخَارٍ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ وَهُوَ مُصْطَكَى تَقْدِيرًا كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ
( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَجِسًا أَيْضًا ) أَيْ لِأَنَّ دُخَانَ الْمُصْطَكَى قَدْ يَكُونُ نَجِسًا كَمَا يَكُونُ طَاهِرًا ، فَإِذَا كَانَتْ الْمُصْطَكَى طَاهِرَةً كَانَ دُخَانُهَا طَاهِرًا ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَجِّسَةً كَانَ دُخَانُهَا نَجِسًا ( قَوْلُهُ : : بِنَاءً عَلَى مَا يَأْتِي إلَخْ ) أَيْ وَجُعِلَ بُخَارُ الْمُصْطَكَى مِثَالًا لِلْمُغَيِّرِ الْمُفَارِقِ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا بِنَاءً إلَخْ ( قَوْلُهُ : لَا عَلَى الرَّاجِحِ ) أَيْ مِنْ أَنَّ النَّارَ تُطَهِّرُ وَأَنَّ دُخَانَ النَّجِسِ طَاهِرٌ وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ : وَبُخَارٍ مُصْطَكَى مِثَالٌ لِمَا إذَا كَانَ الْمُغَيِّرُ الْمُفَارِقُ طَاهِرًا وَقَوْلُهُ : وَسَوَاءٌ بُخِّرَ بِهِ الْمَاءُ أَيْ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي النِّصْفِ الْأَسْفَلِ مِنْ الْإِنَاءِ وَوُضِعَتْ الْمِبْخَرَةُ فِي النِّصْفِ الْأَعْلَى الْخَالِي مِنْ الْمَاءِ وَغَطَّى الْإِنَاءَ بِشَيْءٍ حَتَّى امْتَزَجَ دُخَانُ الْبَخُورِ بِالْمَاءِ فَيَضُرُّ ( قَوْلُهُ : إلَّا إنْ لَمْ يَبْقَ ) أَيْ الدُّخَانُ كَمَا لَوْ بُخِّرَ الْإِنَاءُ وَهُوَ خَالٍ مِنْ الْمَاءِ ثُمَّ بَعْدَ تَبْخِيرِهِ وُضِعَ فِيهِ الْمَاءُ بَعْدَ أَنْ زَالَ الدُّخَانُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْإِنَاءِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ تَعَلَّقَتْ بِهِ رَائِحَةُ الْبَخُورِ فَتَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ بِرَائِحَةِ الْبَخُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِنَاءِ ( قَوْلُهُ : وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابًا عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ التَّغَيُّرُ بِالْمُفَارِقِ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ فَهَلْ يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ فِي الْعَادَاتِ أَوْ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ فِيهَا وَهَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ قِسْمَيْنِ مِنْ أَقْسَامِ الْمَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ مُطْلَقٌ وَغَيْرُ مُطْلَقٍ وَالْمُطْلَقُ إمَّا مَكْرُوهُ الِاسْتِعْمَالِ وَسَيَأْتِي وَإِمَّا غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، وَقَدْ مَرَّ وَغَيْرُ الْمُطْلَقِ إمَّا طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَعْنِي الطَّاهِرَ وَالنَّجِسَ
( قَوْلُهُ : وَإِنْ تَغَيَّرَ بِنَجِسٍ فَلَا ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا وَفِيهِ أَنَّ النَّجِسَ مَمْنُوعُ التَّنَاوُلِ وَمَا تَغَيَّرَ بِهِ وَهُوَ الْمُتَنَجِّسُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَمَا يَأْتِي فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ مِنْ سَقْيِ زَرْعٍ وَمَاشِيَةٍ مَثَلًا وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا ( قَوْلُهُ : أَيْ ظَاهِرٌ ) الْأَوْلَى أَيْ 39 كَثِيرٌ مُتَفَاحِشٌ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ قَلِيلًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ أَوَّلًا عَلَى مَا يَضُرُّ فِيهِ التَّغَيُّرُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بَيِّنًا أَمْ لَا ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَضُرُّ فِيهِ التَّغَيُّرُ الْبَيِّنُ دُونَ غَيْرِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْبَيِّنِ وَغَيْرِهِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ تَغَيُّرُ الْبِئْرِ بِمَا يُخْرَجُ الْمَاءُ بِهِ مِنْهَا مِنْ حَبْلٍ أَوْ دَلْوٍ وَفِي بْن اعْلَمْ أَنَّ التَّغَيُّرَ إمَّا بِمُلَازِمٍ غَالِبًا فَيُغْتَفَرُ أَوْ بِمُفَارِقٍ غَالِبًا وَدَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَحَبْلِ الِاسْتِقَاءِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ : إنَّهُ طَهُورٌ وَهُوَ لِابْنِ زَرْقُونٍ وَقِيلَ لَيْسَ بِطَهُورٍ وَهُوَ لِابْنِ الْحَاجِّ وَالثَّالِثُ لِابْنِ رُشْدٍ التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْفَاحِشِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الرَّابِعُ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَكِنْ لَوْ عَبَّرَ بِآلَةِ الِاسْتِقَاءِ كَمَا عَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ لِيَشْمَلَ الْحَبْلَ وَالْكُوبَ وَالسَّانِيَةَ وَغَيْرَهَا كَانَ أَوْلَى ا هـ ( قَوْلُهُ : بِحَبْلِ سَانِيَةٍ ) لَا مَفْهُومَ لِسَانِيَةٍ بَلْ الْبِئْرُ غَيْرُ السَّانِيَةِ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ إذَا كَانَ يُنْقَلُ مِنْهُ الْمَاءُ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِحَبْلٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ وَلَا لِسَانِيَةٍ كَمَا قُلْنَا بَلْ مَتَى تَغَيَّرَ الْبِئْرُ كَانَتْ سَانِيَةً أَوْ لَا بِمَا يُخْرَجُ بِهِ الْمَاءُ مِنْهَا كَحَبْلِ الِاسْتِقَاءِ وَالدَّلْوِ وَالْكُوبِ ، فَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ فَاحِشًا ضَرَّ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَفَاحِشٍ لَمْ يَضُرَّ وَيُعْتَبَرُ التَّفَاحُشُ وَعَدَمُهُ بِالْعُرْفِ نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا يُخْرَجُ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي حَصَلَ التَّغَيُّرُ بِسَبَبِهِ مُعَدًّا لِتِلْكَ الْبِئْرِ بِعَيْنِهَا ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَبْلًا مَثَلًا مُعَدًّا لِغَيْرِهَا ثُمَّ إنَّهُ صَارَ يَنْزِلُ فِيهَا فَإِنَّهُ يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ بَيِّنًا أَمْ لَا خِلَافًا لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ ( قَوْلُهُ : فَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْزَائِهَا ) أَيْ كَفَخَّارٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ ( قَوْلُهُ : كَتَغَيُّرِ غَدِيرٍ ) أَيْ كَمَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ غَدِيرٍ ( قَوْلُهُ : فَالتَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ التَّغَيُّرِ ) أَيْ فِي الضَّرَرِ بِمُطْلَقِ التَّغَيُّرِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بَيِّنًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ تَغَيُّرَ الْغَدِيرِ بِرَوْثِ الْمَاشِيَةِ مُضِرٌّ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ بَيِّنًا أَمْ لَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى تَقْيِيدُ الضَّرَرِ بِكَوْنِ التَّغَيُّرِ بَيِّنًا ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهَا وَجَعَلَ التَّشْبِيهَ تَامًّا ( قَوْلُهُ : يُغَادِرُهَا ) أَيْ يَتْرُكُهَا السَّيْلُ وَعَلَى هَذَا فَغَدِيرٌ بِمَعْنَى مَغْدُورٍ اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ مَتْرُوكٌ وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ ; لِأَنَّهَا تَغْدِرُ بِأَهْلِهَا عِنْدَ شِدَّةِ احْتِيَاجِهِمْ إلَيْهَا وَعَلَيْهِ فَغَدِيرٌ بِمَعْنَى غَادِرٍ اسْمُ فَاعِلٍ ( قَوْلُهُ : بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ ) لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهَا الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَاشِيَةَ بِالذِّكْرِ رَدًّا عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ الْقَوْلِ بِطَهُورِيَّةِ الْغَدِيرِ الْمُتَغَيِّر بِرَوْثِ الْمَاشِيَةِ مُطْلَقًا ، وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ اُنْظُرْ ح أَوْ لِأَنَّ الْمَاشِيَةَ هِيَ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تَرِدَ الْغُدْرَانَ أَوْ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ ( قَوْلُهُ : عِنْدَ وُرُودِهَا لَهُ ) أَيْ لِلْغَدِيرِ أَيْ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ : أَوْ تَغَيَّرَ مَاءُ بِئْرٍ ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذْفَ مُضَافَيْنِ ( قَوْلُهُ : وَالْأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا ) أَيْ بِوَرَقِ الشَّجَرِ وَالتِّبْنِ الْجَوَازُ وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِعُرُوقِ شَجَرَةٍ فِي أَصْلِهِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ مُثْمِرَةً أَمْ لَا كَمَا فِي ح ( قَوْلُهُ : لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ ) عِلَّةٌ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فَهُوَ عِلَّةُ لِعِلَّةِ الْجَوَازِ ( قَوْلُهُ : وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ) أَيْ فَكَانَ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ أَوْ التَّصْدِيرَ بِهِ ( قَوْلُهُ : فَلَا مَفْهُومَ لِلْبِئْرِ ) أَيْ بَلْ مِثْلُهَا الْغَدِيرُ وَالْعُيُونُ وَقَوْلُهُ : وَلَا لِلْبَادِيَةِ أَيْ بَلْ مِثْلُهَا بِئْرُ الْحَاضِرَةِ ( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى عُسْرِ الِاحْتِرَازِ إلَخْ ) أَيْ وَعَلَى هَذَا فَالْمَاءُ الَّذِي فِي الْحَاضِرَةِ فِي الْمِيَضِ وَالْحِيضَانِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَغْطِيَتُهُ مِنْ الْوَرَقِ وَالتِّبْنِ فَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُهُ بِمَا ذُكِرَ ، وَأَمَّا لَوْ أَمْكَنَ تَغْطِيَتُهُ مِمَّا ذُكِرَ وَلَمْ يُغَطَّ فَإِنَّهُ يَضُرُّ تَغَيُّرُهُ بِمَا ذُكِرَ ( قَوْلُهُ : وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ إذَا خَالَطَهُ أَجْنَبِيٌّ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ مُوَافِقٌ لَهُ فِي أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَاءِ الرَّيَاحِينِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ لِطُولِ إقَامَتِهَا وَكَبَوْلٍ نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ حَتَّى صَارَ كَالْمُطْلَقِ فِي أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ بِمَا خَالَطَهُ لِأَجْلِ الْمُوَافَقَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ الْمُخَالِطُ مُخَالِفًا لِلْمُطْلَقِ فِي أَوْصَافِهِ لِغَيْرِ الْمُطْلَقِ فِي جَمِيعِ أَوْصَافِهِ أَوْ بَعْضِهَا فَهَلْ يُقَدَّرُ ذَلِكَ الْمُخَالِطُ مُخَالِفًا 40 وَيُحْكَمُ بِعَدَمِ الطَّهُورِيَّةِ وَيُنْظَرُ فِي كَوْنِهِ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا إلَى ذَلِكَ الْمُخَالِطِ ; لِأَنَّ الْأَوْصَافَ الْمَوْجُودَةَ إنَّمَا هِيَ لِلْمُطْلَقِ وَمُخَالِطِهِ مَعًا لَا لِلْمُطْلَقِ فَقَطْ حَتَّى يُحْكَمَ بِالطَّهُورِيَّةِ أَوْ لَا يُقَدِّرُ مُخَالِفًا وَحِينَئِذٍ فَيَحْكُمُ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمَخْلُوطِ ; لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ فِي ذَلِكَ تَرَدُّدٌ لِابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ إذَا كَانَ الطَّهُورُ قَدْرَ آنِيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَكَانَ الْمُخَالِطُ الْمُوَافِقَ لَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى صِفَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ لَتَحَقَّقَ التَّغَيُّرُ بِهِ أَوْ ظُنَّ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِطُ أَقَلَّ مِنْ الْمُطْلَقِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فَالتَّرَدُّدُ فِي صُوَرٍ سِتٍّ وَالظَّاهِرُ فِيهَا عَدَمُ الضَّرَرِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ ، وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ عَدَمَ التَّغَيُّرِ أَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ جَزْمًا كَانَ الْمُخَالِطُ قَدْرَ الْمُطْلَقِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ فَهَذِهِ تِسْعُ صُوَرٍ لَا ضَرَرَ فِيهَا اتِّفَاقًا ، فَلَوْ كَانَ الْمُطْلَقُ الْمَخْلُوطُ بِالْمُوَافِقِ أَكْثَرَ مِنْ آنِيَةِ الْغُسْلِ فَلَا ضَرَرَ فِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ صُورَةً الْمُتَقَدِّمَةِ فَهَذِهِ ثَلَاثُونَ صُورَةً أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُطْلَقُ أَقَلَّ مِنْ آنِيَةِ الْوُضُوءِ فَالصُّوَرُ السِّتَّةُ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ يُحْكَمُ فِيهَا هُنَا بِالضَّرَرِ جَزْمًا وَالصُّوَرُ التِّسْعَةُ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا فِيمَا مَرَّ بِعَدَمِ الضَّرَرِ يُحْكَمُ فِيهَا هُنَا أَيْضًا بِالطَّهُورِيَّةِ جَزْمًا فَهَذِهِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً فَفِي الْمُصَنِّفِ مِنْهَا سِتُّ صُوَرٍ وَهِيَ الْأُولَى هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ عج وَاَلَّذِي فِي بْن أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِالْيَسِيرِ بَلْ هُوَ جَارٍ مُطْلَقًا إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ أَصْلًا وَأَيْضًا تَقْيِيدُهُمْ الْمَسْأَلَةَ بِكَوْنِ الْمُخَالِطِ لَوْ قُدِّرَ مُخَالِفًا لِغَيْرِ الْمُطْلَقِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا يُوجِبُ اسْتِوَاءَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَارْتَضَى شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ عبق مَا قَالَهُ بْن فَقَوْلُ الشَّارِحِ الْمُخَالِطُ لِلْمُطْلَقِ الْيَسِيرِ قَدْرُ آنِيَةِ الْغُسْلِ تَبِعَ فِيهِ عج ، وَالْأَوْلَى إسْقَاطُهُ كَمَا عَلِمْت .
( قَوْلُهُ : : الْمُوَافِقُ لَهُ ) أَيْ بِالْعَرَضِ كَالْبَوْلِ الَّذِي نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ وَمَاءُ الرَّيَاحِينِ الْمُنْقَطِعَةِ الرَّائِحَةِ بِطُولِ إقَامَتِهَا ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُخَالِطُ مُوَافِقًا لِلْمُطْلَقِ بِالْأَصَالَةِ كَمَاءِ الزَّرْجُونِ نَبْتٌ إذَا عُصِرَ نَزَلَ مِنْهُ مَاءٌ مِثْلُ الطَّهُورِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ خَلْطُهُ جَزْمًا فَهُوَ بِمَثَابَةِ خَلْطِ طَهُورٍ بِطَهُورٍ كَذَا فِي عبق وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي فِي بْن أَنَّ ح ذَكَرَ عَنْ سَنَدٍ جَرَيَانَ التَّرَدُّدِ فِي الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ بِالْأَصَالَةِ كَمَاءِ الزَّرْجُونِ قَالَ وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّهُ مَاءٌ مُضَافٌ ، وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْمُطْلَقِ فِي أَصْلِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِتَقْيِيدِ الْمُوَافِقِ بِكَوْنِ مُوَافَقَتِهِ بِالْعَرَضِ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا بِالْعَرَضِ أَوْ بِالْأَصَالَةِ ( قَوْلُهُ : كَبَوْلٍ زَالَتْ رَائِحَتُهُ ) أَيْ بِنَسْفِ الرِّيَاحِ وَقَوْلُهُ : أَوْ نَزَلَ أَيْ الْبَوْلُ مِنْ الْمَخْرَجِ بِصِفَةِ الْمُطْلَقِ قَالَ ح جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ الْبَوْلَ إذَا زَالَتْ رَائِحَتُهُ حَتَّى صَارَ كَالْمَاءِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهَذَا مُشْكِلٌ وَذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ نَاصِرِ الدِّينِ أَنَّ الْمُخَالِطَ إذَا كَانَ نَجِسًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ مُطْلَقًا ا هـ قَالَ بْن نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ( قَوْلُهُ : : كَالْمُخَالِفِ ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ أُرِيدَ مِنْ الْجَعْلِ التَّقْدِيرُ كَانَتْ الْكَافُ فِي قَوْلِهِ كَالْمُخَالِفِ زَائِدَةً أَيْ وَفِي تَقْدِيرِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ مُخَالِفًا ( قَوْلُهُ : : وَهُوَ الرَّاجِحُ ) الْأَوْلَى وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَقْوَالِ وَهَذِهِ مُجَرَّدُ احْتِمَالَاتٍ لِابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ ثُمَّ إنَّ اخْتِيَارَ الشَّارِحِ لِلشِّقِّ الثَّانِي تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَاسْتَظْهَرَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عبق تَبَعًا لِسَنَدٍ الشِّقَّ الْأَوَّلَ وَلِذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ : : نَظَرٌ ) أَيْ لِابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ : أَيْ تَرَدُّدٌ الْمُرَادُ بِهِ التَّحَيُّرُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ التَّرَدُّدَ إذَا كَانَ مِنْ وَاحِدٍ كَمَا هُنَا كَانَ بِمَعْنَى التَّحَيُّرِ ( قَوْلُهُ : مَا لَمْ يَغْلِبْ الْمُخَالِطُ ) أَيْ عَلَى الْمُطْلَقِ بِأَنْ كَانَ الْمُطْلَقُ أَكْثَرَ أَوْ تَسَاوَيَا ( قَوْلُهُ : وَإِلَّا فَلَا ) أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الْمُخَالِطُ غَالِبًا عَلَى الْمُطْلَقِ بِأَنْ كَانَ الْمُخَالِطُ أَكْثَرَ فَلَا يَكُونُ الثَّانِي هُوَ الرَّاجِحَ ( قَوْلُهُ : فَقَوْلُ مَنْ أَطْلَقَ ) أَيْ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ الرَّاجِحُ الثَّانِي وَأَطْلَقَ كعبق
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith