شرح عمدة الفقه
شرح عمدة الفقه
page 111 · printed p. 358 · commentary
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ ، وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلِمُسْلِمٍ : " ۝ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ " .
358 وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : ۝ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ : لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الْمَاءِ ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : أَنَا أَشْفِيكُمْ ، فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَأَذِنَتْ لِي ، فَقُلْتُ لَهَا : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ ، فَقَالَتْ : لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ ، قُلْتُ : فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ؟ قَالَتْ : عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ - يَعْنِي رِجْلَيْهَا وَشَفْرَيْهَا .
وَمَا رُوِيَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ مِثْلَ ۝ مَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : " أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : " يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ ، وَقَالَ عُثْمَانُ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَطَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ " . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، فَإِنَّهُ مَنْسُوخٌ ، قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : ۝ " إِنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ : الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ - رُخْصَةٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِيهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدَهَا " رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَلَفْظُهُ : ۝ " إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا " قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
359 وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ " أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ، ثُمَّ يَكْسَلُ وَلَا يُنْزِلُ قَالَ : يَغْتَسِلُ قَالَ قُلْتُ : فَإِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ يَقُولُ : لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ، قَالَ زَيْدٌ : إِنَّ أُبَيًّا قَدْ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ .
وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُثْمَانَ وَالصَّحَابَةِ الْمُسَمِّينَ مَعَهُ الْعَوْدَ إِلَى الْقَوْلِ بِالْغُسْلِ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : ۝ سَأَلْتُ عُرْوَةَ عَنِ الَّذِي يُجَامِعُ وَلَا يُنْزِلُ ، فَقَالَ : حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَغْتَسِلُ ، وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَمَعْنَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ ، سَوَاءٌ كَانَا مَخْتُونَيْنِ أَوْ لَا ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِتَحَاذِي الْخِتَانَيْنِ ؛ لِأَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ فِي الْجِلْدَةِ الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْجِ كَعُرْفِ الدِّيكِ ، وَمَحَلُّ الْوَطْءِ هُوَ مَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ فِي أَسْفَلِ الْفَرْجِ ، فَإِذَا غَابَتِ الْحَشَفَةُ فِيهِ تَحَاذَى الْخِتَانَانِ فَيُقَالُ : الْتَقَيَا . وَلَوِ الْتَزَقَ الْخِتَانُ بِالْخِتَانِ مِنْ غَيْرِ إِيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَكَنَّى عَنْ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ بِمَسِّ الْخِتَانِ الْخِتَانَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ 360 مَعَهُ غَالِبًا ، وَلَوْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَجَبَ الْغُسْلُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ . وَإِذَا قُطِعَ ذَكَرُهُ فَأَوْلَجَ مِنَ الْبَاقِي بِمِقْدَارِ الْحَشَفَةِ وَجَبَ الْغُسْلُ ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالْمَهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَا . فَأَمَّا الْخَصِيُّ إِذَا جَامَعَ فَقَالَ أَحْمَدُ فِي خَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ : " لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ قَضِيبُهُ ، فَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ " . وَقَالَ أَيْضًا : " إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَصِلُ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، وَإِلَّا إِذَا أَنْزَلَ ، قِيلَ : امْرَأَتُهُ ، قَالَ : إِذَا أَنْزَلَتْ " . قَالَ أَصْحَابُنَا : إِذَا كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ مِقْدَارُ الْحَشَفَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَعَلَيْهَا بِإِيلَاجِهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ لِلْمَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ ، وَسَوَاءٌ أَوْلَجَ فِي فَرْجِ ذَكَرٍ ، أَوْ أُنْثَى ، فِي حَيَوَانٍ نَاطِقٍ ، أَوْ بَهِيمَةٍ ، حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ أَصْلٍ ، فَأَشْبَهَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُشْتَهَى فِي الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا ( لَا ) يُشْتَهَى غَالِبًا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الشَّهْوَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ مَيِّتٍ أَوْ بَهِيمَةٍ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْيَقْظَانُ وَالنَّائِمُ وَالطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ مُوجِبَاتِ الطَّهَارَةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ ، بِدَلِيلِ احْتِلَامِ النَّائِمِ وَسَبْقِ الْحَدَثِ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْفَرْجُ أَصْلِيًّا ، فَلَوْ وَطَأَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ أَوْ وُطِئَ فِي قُبُلِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَوْلَجَ بِخِلْقَةٍ زَائِدَةٍ ، أَوْ أَوْلَجَ فِي خِلْقَةٍ زَائِدَةٍ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْلَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخُنْثَيَيْنِ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ الْآخَرِ ، لَكِنْ لَوْ وَطَأَ وَوُطِئَ فِي قُبُلِهِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ ، وَلَزِمَ أَحَدُ الْآخَرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ . وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الصَّغِيرِ إِذَا جَامَعَ ، وَالصَّغِيرَةِ إِذَا جُومِعَتْ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى جُنُبًا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِتَوَقُّفِ مُجْزِئِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ ، وَوُجُوبُهُ إِذَا بَلَغَ يُوجِبُ الْغُسْلَ كَمَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ ، ثُمَّ الصَّغِيرَةُ مِثْلُ الْكَبِيرَةِ فِي إِيجَابِ الْعِدَّةِ 361 فَكَذَلِكَ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ ؛ وَلِأَنَّا نُوجِبُ أَمْرَهَا بِالصَّلَاةِ ، فَكَذَلِكَ أَمْرُهَا بِالِاغْتِسَالِ فَإِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ ، وَيَجِبُ الْغُسْلُ مِنَ الْإِيلَاجِ عَلَى الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ ، فَلَوْ مَكَثَ زَمَانًا لَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْوَطْءِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْغُسْلَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْتَاطُ فِي الصَّلَاةِ فَيُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا اسْتَفَاضَتْ بِهِ الْآثَارُ ، فَلَمْ يُعْذَرْ بِهِ الْجَاهِلُ ، وَلَمْ يَسُغْ فِيهِ الْخِلَافُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا قُلْنَاهُ فِي لُحُومِ الْإِبِلِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَإِنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ لَيْسَتْ فِي الشُّهْرَةِ كَهَذِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا قَالَ هَذَا فِي الْعَامِّيِّ الَّذِي لَمْ يُقَلِّدْ ، وَنَصُّهُ بِخِلَافِ هَذَا ، وَإِنَّمَا وَجَبَ إِعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا شَكَّ فِي طَهَارَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ الْوُجُوبَ وَشَكَّ فِي الْأَدَاءِ الْمُجْزِئِ ، فَلَا يَجُوزُ تَمَكُّنُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ . وَيَجِبُ الْغُسْلُ إِذَا بَلَغَ وَلَمْ يَكُنِ اغْتَسَلَ ، وَيُغَسَّلُ إِذَا مَاتَ شَهِيدًا ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا كُلِّهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith