المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
page 138 · printed p. 156 · commentary
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلُ كَافُورٍ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ رَائِحَتُهُ فَوَجْهَانِ ، فَقَدْ اضْطَرَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَصْوِيرِهَا ، وَمِمَّنْ نَقَّحَهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ : مَنْ فَسَّرَ الْكَافُورَ هُنَا بِالصُّلْبِ فَقَدْ أَخْطَأَ ; لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِقَوْلِهِ قَلِيلُ فَائِدَةٍ وَلَا مَعْنًى ; وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ هِيَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى بِعَيْنِهَا ، وَالصَّوَابُ : أَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَكُونَ رَخْوًا لَكِنَّهُ قَلِيلٌ ، بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ فِي أَقْطَارِ الْمَاءِ لِقِلَّتِهِ ، بَلْ يُسْتَهْلَكُ فِي مَوْضِعِ وُقُوعِهِ ، فَإِذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَةُ الْجَمِيعِ عُلِمَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالْمُجَاوَرَةِ فَيَجِيءُ فِيهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مَسْأَلَةِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ : فَالْمُغَيِّرُ لَمْ يُجَاوِرْ الْجَمِيعَ ، فَكَيْفَ يُقَالُ تَغَيَّرَ الْجَمِيعُ بِالْمُجَاوَرَةِ ؟ قُلْنَا : لَا تُعْتَبَرُ فِي الْمُغَيِّرِ لِمُجَاوِرِهِ مُجَاوَرَتُهُ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُخَالِطُ ، بَلْ يَكْفِي مُجَاوَرَةُ بَعْضِهِ كَمَا فِي الدُّهْنِ وَالْعُودِ ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخَالِطِ وَالْمُجَاوِرِ ، هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو .
وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي كِتَابَيْهِ الْبَيَانِ وَمُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ : أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَخْتَلِطُ أَجْزَاؤُهُ بِالْيَسِيرِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ بِهِ رَائِحَةُ جَمِيعِ الْمَاءِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْفُورَانِيُّ فَقَالَ فِي الْإِبَانَةِ : الْيَسِيرُ 156 مِنْ الْكَافُورِ الَّذِي يَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ وَيَذُوبُ فِيهِ ، بِحَيْثُ لَا يَصِلُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْمَاءِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَتَرَوَّحَ بِهِ فِيهِ وَجْهَانِ . هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ صُورَةِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لِلْكَافُورِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : حَالٌ يُعْلَمُ انْحِلَالُهُ فِي الْمَاءِ فَيَسْلُبُ ; لِأَنَّهُ مُخَالِطٌ ، وَحَالٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَنْحَلَّ فَلَا يَسْلُبُ ; لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ ، وَحَالٌ يُشَكُّ فَإِنْ تَغَيَّرَ بِطَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ يَسْلُبُ ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِرَائِحَةٍ فَوَجْهَانِ . هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَافُورٍ كَثِيرٍ ; لِيُوَافِقَ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) هَذَا أَوَّلُ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَهُمَا أَجَلُّ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَأَمَّا الْبُوَيْطِيُّ بِضَمِّ الْبَاءِ فَمَنْسُوبٌ إلَى بُوَيْطٍ قَرْيَةٍ مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ الْأَدْنَى ، وَهُوَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى أَكْبَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمِصْرِيِّينَ وَخَلِيفَتُهُ فِي حَلْقَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، أَوْصَى الشَّافِعِيُّ أَنْ يَجْلِسَ فِي حَلْقَتِهِ الْبُوَيْطِيُّ وَقَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَجْلِسِي مِنْ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي أَعْلَمَ مِنْهُ . وَدَامَ فِي حَلْقَةِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنْ جَرَتْ فِتْنَةُ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَحَمَلُوهُ إلَى بَغْدَادَ مُقَيَّدًا لِيَقُولَ بِخَلْقِهِ فَأَبَى وَصَبَرَ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَحَبَسُوهُ وَدَامَ فِي الْحَبْسِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِيهِ ، وَجَرَى لَهُ فِي السِّجْنِ أَشْيَاءُ عَجِيبَةٌ ، وَكَانَ الْبُوَيْطِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَوِيلَ الصَّلَاةِ وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ الرَّبِيعُ : مَا رَأَيْتُ الْبُوَيْطِيَّ بَعْدَ مَا فَطِنْتُ لَهُ إلَّا رَأَيْتُ شَفَتَيْهِ يَتَحَرَّكَانِ بِذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ ، قَالَ : وَكَانَ لَهُ مِنْ الشَّافِعِيِّ مَنْزِلَةٌ ، وَكَانَ الرَّجُلُ رُبَّمَا سَأَلَ الشَّافِعِيَّ مَسْأَلَةً فَيَقُولُ : سَلْ أَبَا يَعْقُوبَ ، فَإِذَا أَجَابَهُ أَخْبَرَهُ فَيَقُولُ : هُوَ كَمَا قَالَ ، قَالَ الرَّبِيعُ : وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْزَعَ بِحُجَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْبُوَيْطِيِّ وَرُبَّمَا جَاءَ إلَى الشَّافِعِيِّ رَسُولُ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ ، فَيُوَجِّهُ الشَّافِعِيُّ الْبُوَيْطِيَّ وَيَقُولُ : هَذَا لِسَانِي . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ أَبِي الْجَارُودِ : كَانَ الْبُوَيْطِيُّ جَارِي ، وَمَا انْتَبَهْتُ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ إلَّا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وَيُصَلِّي ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ : أَنْتَ يَا فُلَانُ يَجْرِي لَكَ كَذَا وَأَنْتَ كَذَا وَقَالَ لِلْبُوَيْطِيِّ : سَتَمُوتُ فِي 157 حَدِيدِكَ ، فَكَانَ كَمَا تَفَرَّسَ ، جَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا ذَكَرَهُ ، وَدُعِيَ الْبُوَيْطِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَأَبَى ، فَقُيِّدَ وَحُمِلَ إلَى بَغْدَادَ ، قَالَ الرَّبِيعُ : رَأَيْتُ الْبُوَيْطِيَّ وَفِي رِجْلَيْهِ أَرْبَعُ حِلَقٍ ، قُيُودٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَطْلًا وَفِي عُنُقِهِ غُلٌّ مَشْدُودٌ إلَى يَدِهِ ، وَتُوُفِّيَ فِي السِّجْنِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ . وَأَمَّا الْمُزَنِيّ فَهُوَ نَاصِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ أَبُو إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ نَهْدَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ : كَانَ الْمُزَنِيّ زَاهِدًا عَالِمًا مُجْتَهِدًا مُنَاظِرًا مِحْجَاجًا غَوَّاصًا عَلَى الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ ، صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْهَا الْجَامِعُ الْكَبِيرُ وَالْجَامِعُ الصَّغِيرُ وَالْمُخْتَصَرُ وَالْمَنْثُورُ ، وَالْمَسَائِلُ الْمُعْتَبَرَةُ ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْعِلْمِ ، وَكِتَابُ الْوَثَائِقِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُزَنِيّ نَاصِرُ مَذْهَبِي ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَلَمَّا جَرَى لِلْبُوَيْطِيِّ مَا جَرَى كَانَ الْقَائِمُ بِالتَّدْرِيسِ وَالتَّفْقِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْمُزَنِيَّ ، وَأَنْشَدَ الْمَنْصُورُ الْفَقِيهُ : ﴿﴾ لَمْ تَرَ عَيْنَايَ وَتَسْمَعْ أُذُنِي أَحْسَنَ نَظْمًا مِنْ كِتَابِ الْمُزَنِيِّ ﴿﴾ ، وَأَنْشَدَ أَيْضًا فِي فَضَائِلِ الْمُخْتَصَرِ وَذَكَرَ مِنْ فَضَائِلِهِ شَيْئًا كَثِيرًا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَلَا نَعْلَمُ كِتَابًا صُنِّفَ فِي الْإِسْلَامِ أَعْظَمَ نَفْعًا وَأَعَمَّ بَرَكَةً وَأَكْثَرَ ثَمَرَةً مِنْ مُخْتَصَرِهِ ، قَالَ : وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَاعْتِقَادُهُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ اجْتِهَادُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ فِي جَمْعِ هَذَا الْكِتَابِ ، ثُمَّ اعْتِقَادُ الشَّافِعِيِّ فِي تَصْنِيفِ الْكُتُبِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا - رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمَا وَجَمَعَنَا فِي جَنَّتِهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ . وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : مَنْ تَتَبَّعَ الْمُخْتَصَرَ حَقَّ تَتَبُّعِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إلَّا وَقَدْ ذَكَرَهَا تَصْرِيحًا أَوْ إشَارَةً ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ إمَامِ الْأَئِمَّةِ قَالَ : سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ : مَكَثْتُ فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ عِشْرِينَ سَنَةً ، وَأَلَّفْتُهُ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ وَغَيَّرْتُهُ ، وَكُنْتُ كُلَّمَا أَرَدْتُ تَأْلِيفَهُ أَصُومُ قَبْلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأُصَلِّي كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ نَاظَرَ الْمُزَنِيّ الشَّيْطَانَ لَقَطَعَهُ . وَهَذَا 158 قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْمُزَنِيُّ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِ الشَّافِعِيِّ سِتِّينَ سَنَةً يُقْصَدُ مِنْ الْآفَاقِ وَتُشَدُّ إلَيْهِ الرَّحَّالُ ، حَتَّى صَارَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ : لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ أَنَّهُ لَمْ يَرَ كَالْمُزَنِيِّ لَكَانَ صَادِقًا ، وَذَكَرُوا مِنْ مَنَاقِبِهِ فِي أَنْوَاعِ طُرُقِ الْخَيْرِ جُمَلًا نَفِيسَةً لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْمَوْضِعُ عُشْرَ مِعْشَارِهَا . وَهِيَ مُقْتَضَى حَالِهِ وَحَالِ مَنْ صَحِبَ الشَّافِعِيَّ ، تُوُفِّيَ الْمُزَنِيّ بِمِصْرَ وَدُفِنَ يَوْمَ الْخَمِيسِ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُقَالُ كَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً
، فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ أَحْوَالِ الْبُوَيْطِيِّ وَالْمُزَنِيِّ ، ذَكَرْتُهَا تَنْبِيهًا لِلْمُتَفَقِّهِ لِيَعْلَمَ مَحَلَّهُمَا ، وَقَدْ اسْتَقْصَيْتُ أَحْوَالَهُمَا بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَفِي الطَّبَقَاتِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَقَوْلُهُ : قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مَعْنَاهُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَسُمِّيَ الْكِتَابُ بِاسْمِ مُصَنِّفِهِ مَجَازًا ، كَمَا يَقُولُ : قَرَأْتُ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا وَالتِّرْمِذِيَّ وَالنَّسَائِيَّ وَسِيبَوَيْهِ وَنَظَائِرَهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith