المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
page 169 · printed p. 196 · commentary
( الشَّرْحُ ) هَذَا الْفَصْلُ كُلُّهُ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَرَجَّحُوا مَا رَجَّحَهُ ، إلَّا أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيَّ وَالْبَغَوِيَّ اخْتَارُوا فِيمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَائِعَةً مُسْتَهْلَكَةً لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ جِرْيَةٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ ، وَهَذَا غَيْرُ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْقَاصِّ ، فَإِنَّ ذَاكَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْجَامِدَةِ وَالْمَائِعَةِ ، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ لِهَذَا : بِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَزَالُوا يَتَوَضَّئُونَ 196 مِنْ الْأَنْهَارِ الصَّغِيرَةِ أَسْفَلَ مِنْ الْمُسْتَنْجِينَ ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ قَوِيٌّ ، وَأَجَابَ الْإِمَامُ عَنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ : بِأَنَّ مَجْمُوعَ الْمَاءِ الَّذِي فِي هَذَا النَّهْرِ يَزِيدُ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ : أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُضُوءِ الْأَوَّلِينَ فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ تَحْتَ الْمُسْتَنْجِينَ وَلَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ فِي نَفْسِ الْمَاءِ ، وَقَوْلُهُ : الْجِرْيَةُ هِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهِيَ الدُّفْعَةُ الَّتِي بَيْنَ حَافَّتَيْ النَّهْرِ فِي الْعَرْضِ ، هَكَذَا فَسَّرَهَا أَصْحَابُنَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُحِيطُ بِهَا قُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ ، فَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ ، وَلَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ ، وَلَوْ مِنْ نَفْسِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَقِيلَ : يَجِيءُ الْخِلَافُ فِي التَّبَاعُدِ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ ، وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَ الْإِمَامُ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَا يَجِيءُ ذَلِكَ الْخِلَافُ ; لِأَنَّ جَرَيَانَ الْمَاءِ يَمْنَعُ انْتِشَارَ النَّجَاسَةِ .
ثُمَّ اخْتَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ : أَنَّهُ يَجِبُ اجْتِنَابُ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ فِي الْجَارِي وَهُوَ مَا يُنْسَبُ إلَيْهَا ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْوَسِيطِ أَوْجَبَ اجْتِنَابَ حَرِيمِ الرَّاكِدِ أَيْضًا فَفَرَّقَ فِي الْبَسِيطِ بَيْنَ الْحَرِيمَيْنِ فَأَوْجَبَ اجْتِنَابَهُ فِي الْجَارِي دُونَ الرَّاكِدِ أَوْ ، كَذَا فَرَّقَ شَيْخُهُ ، قَالَ : لِأَنَّ الرَّاكِدَ لَا حَرَكَةَ لَهُ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ فِي الْحُكْمِ ، وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ : أَنَّهُ لَا يَجِبُ اجْتِنَابُ الْحَرِيمِ لَا فِي الْجَارِي وَلَا فِي الرَّاكِدِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا كَانَتْ الْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَقُلْنَا : إنَّهَا نَجِسَةٌ ، فَقَالَ الْبَغَوِيّ : مَحَلُّ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ وَالنَّهْرِ نَجِسٌ ، وَالْجِرْيَةُ الَّتِي تَعْقُبُهَا تَغْسِلُ الْمَحَلَّ فَهِيَ فِي حُكْمِ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ ، فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْعِ جِرْيَاتٍ عَلَيْهَا ، وَقَوْلُهُ فِي النَّجَاسَةِ الْوَاقِفَةِ : إنْ كَانَ مَا يَجْرِي عَلَيْهَا قُلَّتَيْنِ فَطَاهِرٌ ، يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْجِرْيَةُ قُلَّتَيْنِ ، وَكَذَا كُلُّ جِرْيَةٍ هِيَ قُلَّتَانِ لَا تَغَيُّرَ فِيهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ ، وَقَوْلُهُ : إنْ كَانَتْ دُونَهُ فَنَجِسٌ يَعْنِي عَلَى الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ ، وَأَمَّا عَلَى الْقَدِيمِ : أَنَّ الْجَارِيَ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ فَهُوَ طَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ : وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَرْكُدَ فِي مَوْضِعٍ ، فَيَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ الْقَاصِّ 197 إلَى قَوْلِهِ : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا الْمُصَنِّفُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَزَالُ نَجِسًا ، وَإِنْ امْتَدَّ فَرَاسِخَ وَبَلَغَ مَجْمُوعُهُ أَلْفَ قُلَّةٍ ، وَقَدْ يُقَالُ : مَاءٌ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ لَا تَغَيُّرَ فِيهِ ، وَهُوَ مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهِ وَهَذِهِ صُورَتُهُ وَيُقَالُ : مَاءٌ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ ، وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ وَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِبَعْضِهِ ، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ الَّتِي تَمَعَّطَ فِيهَا شَعْرُ الْفَأْرَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهَا فِي مَسَائِلِ الْفَرْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith