المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
الصفحة 2848 · ص. المطبوع 71 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ : دَعْوَةُ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ ; رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَفْظُهُ " { ۝ ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ ، الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَالْمَظْلُومُ } " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَقَالَ " { ۝ دَعْوَةُ الصَّائِمِ وَالْوَالِدِ وَالْمُسَافِرِ } " وَحَدِيثُ اسْتِسْقَاءِ عُمَرَ 71 بِالْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُهُ ، وَحَدِيثُ اسْتِسْقَاءِ مُعَاوِيَةَ بِيَزِيدَ مَشْهُورٌ وَحَدِيثُ " لَوْلَا صِبْيَانٌ رُضَّعٌ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ وَقَالَ : إسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٍّ وَلَفْظُهُ " { ۝ مَهْلًا عَنْ اللَّهِ مَهْلًا ، فَإِنَّهُ لَوْلَا شَبَابٌ خُشَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ ، وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا } " وَأَمَّا حَدِيثُ اسْتِسْقَاءِ النَّمْلَةِ ، فَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِمَعْنَاهُ ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { ۝ خَرَجَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي ، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : ارْجِعُوا فَقَدْ اُسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ النَّمْلَةِ } قَالَ الْحَاكِمُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ ( وَعَظَ الْإِمَامُ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْوَعْظُ التَّخْوِيفُ ، وَالْعِظَةُ الِاسْمُ مِنْهُ وَقَالَ الْخَلِيلُ : هُوَ التَّذْكِيرُ بِالْخَيْرِ فِيمَا يَرِقُّ لَهُ الْقَلْبُ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ النُّصْحُ وَالتَّذْكِيرُ بِالْعَوَاقِبِ ، يُقَالُ : وَعَظْتُهُ وَعْظًا وَعِظَةً فَاتَّعَظَ ، أَيْ قَبِلَ الْمَوْعِظَةَ وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ : الْوَعْظُ وَالْمَوْعِظَةُ وَالْعِظَةُ سَوَاءٌ قَوْلُهُ ( الْخُرُوجُ مِنْ الْمَظَالِمِ ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ الْمَعَاصِي ) مُرَادُهُ بِالْمَظَالِمِ حُقُوقُ الْعِبَادِ ، وَبِالْمَعَاصِي حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ ( لِمَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) فَأَبُو وَائِلٍ هُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ، وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ التَّابِعِينَ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرَهُ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ بْنُ مَسْعُودٍ الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ ) إلَى آخِرِهِ هَذَا مَنْقُولٌ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَقِيلَ فِي الْآيَةِ قَوْلٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ اللَّاعِنِينَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَجَمَادٍ إلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَقِيلَ : هُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَقِيلَ غَيْرُهُ وَقَوْلُهُ ( يَقُولُونَ يَمْنَعُ الْقَطْرَ ) كَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ ، يَقُولُونَ : وَالْأَصْلُ فِي الدَّوَابِّ تَقُولُ ، 72 لِأَنَّ الْجَمْعَ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ الْعُقَلَاءِ ، وَكَأَنَّهَا لَمَّا أُضِيفَ اللَّعْنُ إلَيْهَا كَمَا يُضَافُ إلَى الْعُقَلَاءِ حَسُنَ إجْرَاءُ لَفْظِهِمْ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } ؟ ) الْآيَةَ ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ( { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } { رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } ) وَنَظَائِرُهُ قَوْلُهُ ( قُحِطْنَا ) هُوَ - بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْحَاءِ - وَالْقَحْطُ الْجُدُوبَةُ وَاحْتِبَاسُ الْمَطَرِ وَقَوْلُهُ ( فَتَسْقِينَا ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ ، كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ ( فَاسْقِنَا ) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا ، وَقَوْلُهُ ( كَادَ النَّاسُ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ ) كَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ : أَنْ لَا يَبْلُغُوا ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ، وَالْفَصِيحُ حَذْفُ ( أَنْ ) عَكْسُ عَسَى فَإِنَّ الْفَصِيحَ فِيهَا عَسَى زَيْدٌ أَنْ يَقُومَ ، وَيَجُوزُ عَسَى زَيْدٌ يَقُومُ
قَوْلُهُ ( الصِّبْيَان ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ ( أَفْصَحُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا ) الْكَسْرُ ، وَمِثْلُهُ قُضْبَانٌ وَرِضْوَانٌ ، قَوْلُهُ ( شُيُوخٌ رُكَّعٌ ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ : قِيلَ : هُوَ جَمْعُ رَاكِعٍ أَيْ الْمُصَلِّي قَالَ : وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ الشُّيُوخَ الَّذِينَ انْحَنَتْ ظُهُورُهُمْ مِنْ الشَّيْخُوخَةِ قَوْلُهُ ( مُتَبَذِّلًا ) أَيْ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ - بِكَسْرِ الْبَاءِ - وَهِيَ الَّتِي تُلْبَسُ فِي حَالِ الشُّغْلِ وَمُبَاشَرَةِ الْخِدْمَةِ ، وَتَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ ، وَالتَّخَشُّعُ التَّذَلُّلُ وَالتَّضَرُّعُ وَالْخُضُوعُ فِي الدُّعَاءِ ، وَإِظْهَارُ الْفَقْرِ قَوْلُهُ ( لِأَنَّهَا صَلَاةٌ يُسَنُّ لَهَا الِاجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ فَشُرِعَ لَهَا الْغُسْلُ ) احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَوْلُهُ ( لِأَنَّهَا صَلَاةٌ يُشْرَعُ لَهَا الِاجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ لَا يُسَنُّ لَهَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ ) احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ : يُشْرَعُ لَهَا الِاجْتِمَاعُ عَنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَبِقَوْلِهِ ( وَالْخُطْبَةُ ) عَنْ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَبِقَوْلِهِ ( لَا يُسَنُّ لَهَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ ) عَنْ الْجُمُعَةِ وَقَوْلُهُ ( كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ ) وَإِنَّمَا قَاسَ عَلَيْهَا دُونَ الْعِيدِ ، لِأَنَّ الْكُسُوفَ فِيهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ فِي الْعِيدِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَالَ أَصْحَابُنَا : أَقَلُّ هَذِهِ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ ، وَأَمَّا الْأَكْمَلُ فَلَهَا آدَابٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ شَرْطًا
( أَحَدُهَا ) إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ خَطَبَ النَّاسَ ، وَوَعَظَهُمْ ، وَذَكَّرَهُمْ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَمُصَالَحَةِ الْمُتَشَاحِنِينَ ، وَالصَّدَقَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الطَّاعَاتِ ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي الرَّابِعِ ، وَكُلُّهُمْ صِيَامٌ هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ 73 فِي الرَّابِعِ صِيَامًا ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ مَعَ الشَّافِعِيِّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالْمُصَنِّفُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي ، وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَؤُلَاءِ لِأَنِّي رَأَيْت مَنْ يَسْتَغْرِبُ النَّقْلَ فِيهَا لِعَدَمِ أُنْسِهِ ، قَالَ الْأَصْحَابُ : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْوَاقِفِ بِهَا تَرْكُ صَوْمِهِ لِئَلَّا يَضْعُفَ عَنْ الدُّعَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ تَكُونُ أَوَّلَ النَّهَارِ قَبْلَ ظُهُورِ أَثَرِ الصَّوْمِ فِي الضَّعْفِ ، بِخِلَافِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ ، فَإِنَّهُ آخِرَ النَّهَارِ .
( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْوَاقِفَ بِعَرَفَاتٍ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ مَشَاقُّ السَّفَرِ وَالشُّعْثُ وَقِلَّةُ التَّرَفُّهِ وَمُعَالَجَةُ وَعْثَاءِ السَّفَرِ فَإِذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الصَّوْمُ اشْتَدَّ ضَعْفُهُ ، وَضَعُفَ عَنْ الدُّعَاءِ بِخِلَافِ الْمُسْتَسْقِي فَإِنَّهُ فِي وَطَنِهِ لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث