المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
page 3093 · printed p. 237 · commentary
( الشَّرْحُ ) هَذَانِ الْحَدِيثَانِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَعَازِبٌ وَالِدُ الْبَرَاءِ صَحَابِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَالتَّشْمِيتُ يُقَالُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ لُغَتَانِ ، سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي بَابِ هَيْئَةِ الْجُمُعَةِ ، وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ الْقِيرَاطُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ ، وَاَلَّذِي فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ " الْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : " الْقِيرَاطَانِ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ " قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ : الْقِيرَاطُ مِقْدَارٌ مِنْ الثَّوَابِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُ أُحُدٍ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ بِالدَّفْنِ إنَّمَا هُمَا لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ، فَيَحْصُلُ لَهُ بِالدَّفْنِ وَالصَّلَاةِ جَمِيعًا قِيرَاطَانِ ، وَبِالصَّلَاةِ عَلَى انْفِرَادِهَا قِيرَاطٌ ، وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَاتُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ بِبَيَانِ هَذَا ، وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَقَدْ أَوْضَحْت كُلَّ هَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسْأَلَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ حَتَّى تُدْفَنَ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُكْرَهُ لَهُنَّ اتِّبَاعُهَا وَلَا يَحْرُمُ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا . وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّحْرِيمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ ، مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْأَصْحَابِ ، بَلْ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ۝ نُهِينَا عَنْ 237 اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ ، فَهَذِهِ الصِّيغَةُ مَعْنَاهَا رَفْعُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ ، وَقَوْلُهَا : وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا مَعْنَاهُ نُهِينَا نَهْيًا شَدِيدًا غَيْرَ مُحَتَّمٍ ، وَمَعْنَاهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { ۝ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ قَالَ : مَا تَجْلِسْنَ ؟ قُلْنَ : نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ قَالَ : هَلْ تُغَسِّلْنَ ؟ قُلْنَ : لَا ، قَالَ : هَلْ تَحْمِلْنَ ؟ قُلْنَ : لَا ، قَالَ هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي ؟ قُلْنَ : لَا ، قَالَ : فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَزْرَقِ ، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ تَضْعِيفَهُ عَنْ أَعْلَامِ هَذَا الْفَنِّ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ { ۝ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : مَا أَخْرَجَك مِنْ بَيْتِك ؟ قَالَتْ : أَتَيْت أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ فَرَحَّمْتُ إلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ ، قَالَ : لَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى ؟ قَالَتْ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتهَا وَقَدْ سَمِعْتُك تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ فَقَالَ : لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْت الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيك } فَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَعَائِشَةَ وَمَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ أَنَّهُمْ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكْرَهْهُ مَالِكٌ إلَّا لِلشَّابَّةِ ، وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ وَلَدَهَا أَوْ وَالِدَهَا أَوْ زَوْجَهَا وَكَانَتْ مِمَّنْ يَخْرُجُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ . دَلِيلُنَا حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith