المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
الصفحة 3434 · ص. المطبوع 499 · الشرح
( فَرْعٌ ) : جَرَتْ عَادَةُ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِتَفْسِيرِ الْكَنْزِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { : وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ، وَجَاءَ الْوَعِيدُ عَلَى الْكَنْزِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : الْمُرَادُ بِالْكَنْزِ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ ; سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا أَمْ ظَاهِرًا . فَأَمَّا مَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ ، سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا أَمْ بَارِزًا . وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ أَعْلَامِ الْمُحَدِّثِينَ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ فِي صَحِيحِهِ : مَا أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ } " .
ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } 499 فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : " مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ ، إنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ " وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مُسْنَدٌ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ . وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْمُصَنَّفِينَ فِي أَحْكَامِ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ : ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَسَبَبُ غَلَطِهِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ ، وَذَكَرَ إسْنَادَهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ الْمَشْهُورِينَ ، وَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْعِنَايَةِ بِصِيغَةِ الْحَدِيثِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ إذَا اسْتَعْمَلَهَا الْبُخَارِيُّ فِي شَيْخِهِ كَانَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا ، وَإِنَّمَا الْمُعَلَّقُ مَا أُسْقِطَ فِي أَوَّلِ إسْنَادِهِ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ . وَكُلُّ هَذَا مُوضَعٌ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْكَنْزِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ : " هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ " رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { ۝ إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْت مَا عَلَيْك } " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { ۝ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { : وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ ، فَانْطَلَقُوا فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِك هَذِهِ الْآيَةُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إلَّا لِيُطَيِّبَ بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ ، فَكَبَّرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ مَا يُكْنَزُ ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، إذَا نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { ۝ كُنْت أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ ؟ فَقَالَ : مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْكَنْزُ مَا لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا ، وَمَا أَدَّيْت زَكَاتَهُ فَلَيْسَ 500 بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا . قَالَ : وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ دَاوُد ، فَقَالَ ابْنُ دَاوُد : الْكَنْزُ فِي اللُّغَةِ الْمَالُ الْمَدْفُونُ ، سَوَاءٌ أَدَّيْت زَكَاتَهُ أَمْ لَا ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : الْكَنْزُ الْمُحَرَّمُ فِي الْآيَةِ هُوَ مَا لَمْ تُنْفِقْ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْغَزْوِ ، قَالَ : وَكُلٌّ مِنْ الِاعْتِرَاضَيْنِ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث