المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الخامس
الصفحة 3452 · ص. المطبوع 513 · الشرح
( فَرْعٌ ) : إذَا أَصَدَقَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعِينَ شَاةً سَائِمَةً بِأَعْيَانِهَا لَزِمَهَا الزَّكَاةُ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا مِنْ يَوْمِ الْإِصْدَاقِ ، سَوَاءٌ أَدَخَلَ بِهَا أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ قَبَضَتْهَا أَمْ لَا ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي قِيَاسِهِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخْرِجٌ مِنْ الْأُجْرَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَهُوَ كَالْأُجْرَةِ عَلَى مَا سَبَقَ وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهَا لَا زَكَاةَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الزَّوْجِ ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْعَقْدِ ، فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ نَظَرَ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ عَادَ نِصْفُ الْمَاشِيَةِ إلَى الزَّوْجِ ، فَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ فَهُمَا خَلِيطَانِ فَعَلَيْهَا عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ الْإِصْدَاقِ نِصْفُ شَاةٍ .
وَإِنْ طَلَّقَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ .
( أَحَدُهَا ) أَنْ تَكُونَ قَدْ أَخْرَجَتْ الزَّكَاةَ مِنْ نَفْسِ الْمَاشِيَةِ فَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) نِصْفُ الْجُمْلَةِ فَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْغَنَمِ أَخَذَ 513 مِنْهَا عِشْرِينَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَخَذَ النِّصْفَ بِالْقِيمَةِ وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ ، ( وَالثَّانِي ) نِصْفُ الْغَنَمِ الْبَاقِيَةِ ، وَنِصْفُ قِيمَةِ الشَّاةِ الْمُخْرَجَةِ ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْأُمِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : هُوَ الْأَقْيَسُ لِأَنَّ حَقَّهُ يَتَعَلَّقُ بِنِصْفِ عَيْنِ الصَّدَاقِ ; وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعَيْنِ ، فَيَرْجِعُ فِي نِصْفِ مَا بَقِيَ ، ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ الْجَمِيعَ وَيَرْجِعَ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ ، هَذَا إذَا كَانَ الْمُخْرَجُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الصَّدَاقِ ، فَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ بِأَنْ أَصْدَقهَا خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، فَحَالَ الْحَوْلُ فَبَاعَتْ بَعِيرًا ، وَاشْتَرَتْ مِنْ ثَمَنِهِ شَاةً أَخْرَجَتْهَا زَكَاةً فَنَقَلَ السَّرَخْسِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ إنْ قُلْنَا : إذَا كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ يَنْصَرِفُ الْمُخْرَجُ إلَى حِصَّتِهَا وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِعَشْرَيْنِ شَاةً فَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ :
( أَحَدُهُمَا ) الْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ مِنْ الثَّلَاثَةِ ، ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يَنْصَرِفُ هُنَا إلَى نَصِيبِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ هُنَاكَ فَيَرْجِعَ الزَّوْجُ بِعِشْرِينَ كَامِلَةً ; لِأَنَّهَا بِاخْتِيَارِهَا صَرَفَتْ الْمُخْرَجَ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ ، فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهُ بِهَا .
( الْحَالُ الثَّانِي ) أَنْ تَكُونَ أَخْرَجَتْ الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَالْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ ، يَأْخُذُ نِصْفَ الْأَرْبَعِينَ ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ : فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : هَذَا ، وَالثَّانِي : يَرْجِعُ إلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ .
( الْحَالُ الثَّالِثُ ) أَنْ لَا تَخْرُجُ الزَّكَاةُ أَصْلًا ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ نِصْفَ الْأَرْبَعِينَ تَعُودُ إلَى الزَّوْجِ شَائِعًا ، فَإِذَا جَاءَ السَّاعِي وَأَخَذَ مِنْ عَيْنِهَا شَاةً رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا . قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : فَلَوْ اقْتَسَمَاهَا قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهَا فَفِي صِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَجْهَانِ مُخْرَجَانِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ أَوْ الذِّمَّةِ ، إنْ قُلْنَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالذِّمَّةِ فَصَحِيحَةٌ ، فَعَلَى هَذَا لَهُمَا عِنْدَ مُطَالَبَةِ السَّاعِي بِالزَّكَاةِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يَكُونَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاقِيًا فِي يَدِهِ ، فَيَأْخُذُ السَّاعِي الزَّكَاةَ مِمَّا فِي يَدِهَا دُونَ مَا فِي يَدِ الزَّوْجِ ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا ، فَإِذَا أَخَذَهَا مِنْهَا اسْتَقَرَّ مِلْكُ الزَّوْجِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ .
( الثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ نَصِيبَاهُمَا تَالِفَيْنِ ، فَأَيُّهُمَا يُطَالَبُ بِالزَّكَاةِ ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : الزَّوْجَةُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهَا ، وَالثَّانِي : لِلسَّاعِي مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ 514 مِنْهُمَا ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِيمَا كَانَ بِأَيْدِيهِمَا ، فَإِنْ طَالَبَ الزَّوْجَةَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الزَّوْجِ ، وَإِنْ طَالَبَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ رَجَعَ عَلَى الزَّوْجَةِ .
( الثَّالِثُ ) أَنْ يَكُونَ مَا فِي يَدِهَا بَاقِيًا دُونَ مَا فِي يَدِهِ فَيَأْخُذُ السَّاعِي مِنْهَا وَلَا رُجُوعَ لَهَا .
( الرَّابِعُ ) أَنْ يَكُونَ مَا فِي يَدِ الزَّوْجِ بَاقِيًا ، دُونَ مَا فِي يَدِهَا ، فَيَأْخُذُ السَّاعِي الزَّكَاةَ مِمَّا فِي يَدِ الزَّوْجِ ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَعَلَّقَتْ بِمَا فِي يَدِهِ ، فَإِذَا أَخَذَهَا فَفِي بُطْلَانِ الْقِسْمَةِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا : تَبْطُلُ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ ، فَصَارَ قَدْرُ الزَّكَاةِ كَالْمُسْتَحَقِّ حَالَ الْقِسْمَةِ .
فَعَلَى هَذَا بُطْلَانُ الْقِسْمَةِ يَكُونُ لِوُجُودِ بَعْضِ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ دُونَ بَعْضِهِ ، فَيَكُونُ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي ذِمَّتِهَا وَأَخْذُ السَّاعِي كَانَ بَعْدَ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ فَلَمْ يُبْطِلْهَا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ الْمَرْأَةُ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِ الزَّوْجِ بِقِسْمَةٍ ، فَعَلَى هَذَا لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الزَّوْجَةِ بِقِيمَةِ الشَّاةِ الْمَأْخُوذَة وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي مِنْهُ زِيَادَةً لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ ; لِأَنَّ السَّاعِيَ ظَلَمَهُ بِهَا فَلَا يَجُوزُ رُجُوعُهُ عَلَى غَيْرِهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْحَاوِي قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطِّيبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْأَصْحَابُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ . وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ : إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ فَتَقَاسَمَا قَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ صَحَّتْ الْمُقَاسَمَةُ عَلَى ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ فَرَّعَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ قُلْنَا : الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ صَحَّتْ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ . فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهَا بَيْعٌ فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي بَيْعِ مَالِ الزَّكَاةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : بِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ فَجَاءَ السَّاعِي لِأَخْذِ الزَّكَاةِ فَإِنْ وَجَدَ فِي مِلْكِ الْمَرْأَةِ مِنْ عَيْنِ الصَّدَاقِ أَوْ غَيْرِهِ قَدْرَ الزَّكَاةِ أَخَذَهَا مِنْهَا وَإِلَّا فَمِمَّا أَخَذَهُ الزَّوْجُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ الْمَأْخُوذِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطِّيبِ وَغَيْرُهُ : وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَدَاقٍ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ : وَلَوْ أَصْدَقهَا أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الذِّمَّةِ فَلَا زَكَاةَ ، وَإِنْ مَضَتْ أَحْوَالٌ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يُشْتَرَطُ 515 فِي زَكَاتِهِ السَّوْمُ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَا فِي الذِّمَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً فَلَا زَكَاةَ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث