المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
( الشَّرْحُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ : إذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى عَرْضِ التِّجَارَةِ وَجَبَ تَقْوِيمُهُ لِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا أَرَادَ التَّقْوِيمَ فَلِرَأْسِ الْمَالِ أَحْوَالٌ : ( أَحَدُهَا ) : يَكُونُ نَقْدًا نِصَابًا بِأَنْ اشْتَرَى عَرْضًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَيُقَوَّمُ فِي إخْرَاجِهِ بِرَأْسِ الْمَالِ ، فَإِنْ بَلَغَ بِهِ نِصَابًا زَكَّاهُ وَإِلَّا فَلَا ، فَلَوْ نَقَصَ بِهِ عَنْ النِّصَابِ وَبَلَغَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ نِصَابًا ، فَلَا زَكَاةَ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَرْضًا فَبَاعَهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا - وَقَصْدُ التِّجَارَةِ مُسْتَمِرٌّ - فَحَالَ الْحَوْلُ وَالدَّنَانِيرُ فِي يَدِهِ وَهِيَ نَقْدُ الْبَلَدِ - وَلَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا بِالدَّرَاهِمِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ - فَلَا زَكَاةَ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ .
وَحَكَى صَاحِبُ 24 التَّقْرِيبِ ( قَوْلًا غَرِيبًا ) : أَنَّ التَّقْوِيمَ أَبَدًا يَكُونُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، سَوَاءٌ أَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ نَقْدًا أَمْ لَا . وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ " الْبَيَانِ " وَغَيْرُهُمْ : هَذَا وَجْهًا عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ أَتْلَفَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ لَا بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ . وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِلْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْعَرْضَ فَرْعٌ لِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، وَإِذَا أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ بِأَصْلِهِ كَانَ أَوْلَى بِخِلَافِ الْمُتْلَفِ ، فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فَوَجَبَ تَقْوِيمُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ .
( الْحَالُ الثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ نَقْدًا دُونَ نِصَابٍ فَوَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ : يُقَوَّمُ بِرَأْسِ الْمَالِ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ .
( وَالثَّانِي ) : يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يُبْنَى حَوْلُهُ عَلَى حَوْلِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ .
قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : وَمَوْضِعُ الْوَجْهَيْنِ مَا إذَا مَلَكَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ ، فَإِنْ مَلَكَ بِأَنْ اشْتَرَى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَرْضًا وَهُوَ حِينَئِذٍ يَمْلِكُ مِائَةً أُخْرَى ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّقْدِيمَ يَكُونُ بِرَأْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِبَعْضِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ، وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ مِلْكِ الدَّرَاهِمِ ، ( قُلْتُ ) : وَيَجِيءُ فِيهِ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ " التَّقْرِيبِ " .
( الْحَالُ الثَّالِثُ ) : أَنْ يَمْلِكَ بِالنَّقْدَيْنِ جَمِيعًا وَهَذَا ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ .
( أَحَدُهَا ) : أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا فَيُقَوَّمُ بِهِمَا جَمِيعًا عَلَى نِسْبَةِ التَّقْسِيطِ يَوْمَ الْمِلْكِ ، وَطَرِيقَةُ تَقْوِيمِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ مِثْلَ مَا لَوْ اشْتَرَى الْعَرْضَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا ، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ عِشْرِينَ دِينَارًا ، فَنِصْفُ الْعَرْضِ مُشْتَرًى بِدَنَانِيرَ وَنِصْفُهُ بِدَرَاهِمَ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَثُلُثَاهُ مُشْتَرًى بِدَرَاهِمَ ، وَثُلُثُهُ مُشْتَرًى بِدَنَانِيرَ ، وَهَكَذَا يُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ وَلَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخِرِ ، فَإِنْ نَقَصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي آخِرِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ فَلَا زَكَاةَ ، 25 وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قُوِّمَ بِأَحَدِهِمَا لَبَلَغَ نِصَابًا ; لِمَا سَبَقَ فِي بَابِ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ : أَنَّهُ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، وَيَكُونُ حَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حِينِ مِلْكِ ذَلِكَ النَّقْدِ .
( وَالضَّرْبُ الثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ النِّصَابِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ : إنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ كَالْعَرْضِ يُقَوَّمُ الْجَمِيعُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ : إنَّهُ كَالنِّصَابِ ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ .
( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ : يُقَوَّمُ مَا قَابَلَ الدَّرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ ، وَمَا قَابَلَ الدَّنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ .
( وَالثَّانِي ) : يُقَوَّمُ الْجَمِيعُ بِالدَّرَاهِمِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَنُصُوصُ زَكَاتِهَا صَرِيحَةٌ .
( الضَّرْبُ الثَّالِثُ ) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَالْآخَرُ دُونَهُ ، فَيُقَوَّمُ مَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الَّذِي هُوَ نِصَابٌ بِرَأْسِ مَالِهِ ، وَمَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الْآخَرِ ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ .
( أَصَحُّهَا ) : بِرَأْسِ مَالِهِ .
( وَالثَّانِي ) : بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ .
( وَالثَّالِثُ ) : أَنَّهُ إنْ كَانَ فِضَّةً قُوِّمَ بِهَا وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا قُوِّمَ بِالْفِضَّةِ أَيْضًا ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْمَحْكِيُّ قَرِيبًا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُقَوَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي آخِرِ حَوْلِهِ ، وَيَكُونُ حَوْلُ الَّذِي مَلَكَهُ بِنِصَابٍ مِنْ حِينِ مَلَكَ ذَلِكَ النِّصَابَ ، وَحَوْلُ الْمَمْلُوكِ بِمَا دُونَ النِّصَابِ مِنْ حِينِ مَلَكَ الْعَرَضَ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمُقَوَّمِ بِهِ فَلَا ضَمَّ .
( الْحَالُ الرَّابِعُ ) : أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَ نَقْدٍ ، بِأَنْ مَلَكَ الْعَرْضَ بِغَرَضِ قُنْيَةٍ أَوْ مَلَكَهُ بِخُلْعٍ أَوْ نِكَاحٍ بِقَصْدِ التِّجَارَةِ ، وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ : إنَّهُ يَصِيرُ مَالَ تِجَارَةٍ فَيُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ فَيُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ قُوِّمَ بِالْأَغْلَبِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ، سَوَاءٌ أَكَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ .
فَإِنْ بَلَغَ بِهِ نِصَابًا وَجَبَتْ زَكَاتُهُ ، وَإِنْ نَقَصَ بِهِ عَنْ النِّصَابِ وَبَلَغَ بِنَقْدٍ آخَرَ غَيْرِ الْغَالِبِ نِصَابًا فَلَا زَكَاةَ بِالِاتِّفَاقِ . وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ مُتَشَابِهَانِ فِي الرَّوَاجِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ مِنْ الْآخَرِ ، فَإِنْ بَلَغَ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا دُونَ الْآخَرِ ، 26 قُوِّمَ بِمَا بَلَغَ بِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ .
( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - : يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ فَيُقَوِّمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخِرِ .
( وَالثَّانِي ) : يُقَوَّمُ بِالْأَنْفَعِ لِلْمَسَاكِينِ ، كَمَا سَبَقَ فِي اجْتِمَاعِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ .
( وَالثَّالِثُ ) : يَتَعَيَّنُ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ ; لِأَنَّهَا أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا ; وَلِأَنَّهَا أَرْفَقُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاحْتَجَّ لَهُ : بِأَنَّ الدَّرَاهِمَ ثَبَتَتْ زَكَاتُهَا بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : هَذَا الِاسْتِدْلَال بَاطِلٌ ; لِأَنَّ زَكَاةَ الذَّهَبِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .
( وَالرَّابِعُ ) : يُقَوَّمُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُمَا تَعَارَضَا فَصَارَا كَالْمَعْدُومَيْنِ ، فَانْتَقَلَ إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ .
( الْحَالُ الْخَامِسُ ) : أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ ، بِأَنْ اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَبْدَ قُنْيَةٍ فَمَا قَابَلَ الدَّرَاهِمَ يُقَوَّمُ بِهَا ، وَمَا قَابَلَ الْعَبْدَ يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَ النَّقْدُ دُونَ نِصَابٍ عَادَ الْوَجْهَانِ .
( الْأَصَحُّ ) : يُقَوَّمُ بِرَأْسِ مَالِهِ .
( وَالثَّانِي ) : بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ . قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : وَكَمَا يَجْرِي التَّقْسِيطُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ ، يَجْرِي عِنْدَ اخْتِلَافِ الصِّفَةِ ، بِأَنْ اشْتَرَى بِنِصَابٍ دَنَانِيرَ بَعْضُهَا صِحَاحٌ وَبَعْضُهَا مُكَسَّرَةٌ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ ، فَيُقَوَّمُ مَا يَخُصُّ الصَّحِيحَ وَمَا يَخُصُّ الْمَكْسُورَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَحَكَى صَاحِبُ 24 التَّقْرِيبِ ( قَوْلًا غَرِيبًا ) : أَنَّ التَّقْوِيمَ أَبَدًا يَكُونُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، سَوَاءٌ أَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ نَقْدًا أَمْ لَا . وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ " الْبَيَانِ " وَغَيْرُهُمْ : هَذَا وَجْهًا عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ أَتْلَفَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ لَا بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ . وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِلْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْعَرْضَ فَرْعٌ لِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، وَإِذَا أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ بِأَصْلِهِ كَانَ أَوْلَى بِخِلَافِ الْمُتْلَفِ ، فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فَوَجَبَ تَقْوِيمُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ .
( الْحَالُ الثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ نَقْدًا دُونَ نِصَابٍ فَوَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ : يُقَوَّمُ بِرَأْسِ الْمَالِ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ .
( وَالثَّانِي ) : يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يُبْنَى حَوْلُهُ عَلَى حَوْلِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ .
قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : وَمَوْضِعُ الْوَجْهَيْنِ مَا إذَا مَلَكَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ ، فَإِنْ مَلَكَ بِأَنْ اشْتَرَى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَرْضًا وَهُوَ حِينَئِذٍ يَمْلِكُ مِائَةً أُخْرَى ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّقْدِيمَ يَكُونُ بِرَأْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِبَعْضِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ، وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ مِلْكِ الدَّرَاهِمِ ، ( قُلْتُ ) : وَيَجِيءُ فِيهِ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ " التَّقْرِيبِ " .
( الْحَالُ الثَّالِثُ ) : أَنْ يَمْلِكَ بِالنَّقْدَيْنِ جَمِيعًا وَهَذَا ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ .
( أَحَدُهَا ) : أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا فَيُقَوَّمُ بِهِمَا جَمِيعًا عَلَى نِسْبَةِ التَّقْسِيطِ يَوْمَ الْمِلْكِ ، وَطَرِيقَةُ تَقْوِيمِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ مِثْلَ مَا لَوْ اشْتَرَى الْعَرْضَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا ، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ عِشْرِينَ دِينَارًا ، فَنِصْفُ الْعَرْضِ مُشْتَرًى بِدَنَانِيرَ وَنِصْفُهُ بِدَرَاهِمَ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَثُلُثَاهُ مُشْتَرًى بِدَرَاهِمَ ، وَثُلُثُهُ مُشْتَرًى بِدَنَانِيرَ ، وَهَكَذَا يُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ وَلَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخِرِ ، فَإِنْ نَقَصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي آخِرِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ فَلَا زَكَاةَ ، 25 وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قُوِّمَ بِأَحَدِهِمَا لَبَلَغَ نِصَابًا ; لِمَا سَبَقَ فِي بَابِ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ : أَنَّهُ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، وَيَكُونُ حَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حِينِ مِلْكِ ذَلِكَ النَّقْدِ .
( وَالضَّرْبُ الثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ النِّصَابِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ : إنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ كَالْعَرْضِ يُقَوَّمُ الْجَمِيعُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ : إنَّهُ كَالنِّصَابِ ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ .
( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ : يُقَوَّمُ مَا قَابَلَ الدَّرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ ، وَمَا قَابَلَ الدَّنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ .
( وَالثَّانِي ) : يُقَوَّمُ الْجَمِيعُ بِالدَّرَاهِمِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَنُصُوصُ زَكَاتِهَا صَرِيحَةٌ .
( الضَّرْبُ الثَّالِثُ ) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَالْآخَرُ دُونَهُ ، فَيُقَوَّمُ مَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الَّذِي هُوَ نِصَابٌ بِرَأْسِ مَالِهِ ، وَمَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الْآخَرِ ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ .
( أَصَحُّهَا ) : بِرَأْسِ مَالِهِ .
( وَالثَّانِي ) : بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ .
( وَالثَّالِثُ ) : أَنَّهُ إنْ كَانَ فِضَّةً قُوِّمَ بِهَا وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا قُوِّمَ بِالْفِضَّةِ أَيْضًا ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْمَحْكِيُّ قَرِيبًا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُقَوَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي آخِرِ حَوْلِهِ ، وَيَكُونُ حَوْلُ الَّذِي مَلَكَهُ بِنِصَابٍ مِنْ حِينِ مَلَكَ ذَلِكَ النِّصَابَ ، وَحَوْلُ الْمَمْلُوكِ بِمَا دُونَ النِّصَابِ مِنْ حِينِ مَلَكَ الْعَرَضَ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمُقَوَّمِ بِهِ فَلَا ضَمَّ .
( الْحَالُ الرَّابِعُ ) : أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ غَيْرَ نَقْدٍ ، بِأَنْ مَلَكَ الْعَرْضَ بِغَرَضِ قُنْيَةٍ أَوْ مَلَكَهُ بِخُلْعٍ أَوْ نِكَاحٍ بِقَصْدِ التِّجَارَةِ ، وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ : إنَّهُ يَصِيرُ مَالَ تِجَارَةٍ فَيُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ فَيُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ قُوِّمَ بِالْأَغْلَبِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ، سَوَاءٌ أَكَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ .
فَإِنْ بَلَغَ بِهِ نِصَابًا وَجَبَتْ زَكَاتُهُ ، وَإِنْ نَقَصَ بِهِ عَنْ النِّصَابِ وَبَلَغَ بِنَقْدٍ آخَرَ غَيْرِ الْغَالِبِ نِصَابًا فَلَا زَكَاةَ بِالِاتِّفَاقِ . وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ مُتَشَابِهَانِ فِي الرَّوَاجِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ مِنْ الْآخَرِ ، فَإِنْ بَلَغَ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا دُونَ الْآخَرِ ، 26 قُوِّمَ بِمَا بَلَغَ بِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ .
( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - : يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ فَيُقَوِّمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخِرِ .
( وَالثَّانِي ) : يُقَوَّمُ بِالْأَنْفَعِ لِلْمَسَاكِينِ ، كَمَا سَبَقَ فِي اجْتِمَاعِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ .
( وَالثَّالِثُ ) : يَتَعَيَّنُ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ ; لِأَنَّهَا أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا ; وَلِأَنَّهَا أَرْفَقُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاحْتَجَّ لَهُ : بِأَنَّ الدَّرَاهِمَ ثَبَتَتْ زَكَاتُهَا بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : هَذَا الِاسْتِدْلَال بَاطِلٌ ; لِأَنَّ زَكَاةَ الذَّهَبِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .
( وَالرَّابِعُ ) : يُقَوَّمُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُمَا تَعَارَضَا فَصَارَا كَالْمَعْدُومَيْنِ ، فَانْتَقَلَ إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ .
( الْحَالُ الْخَامِسُ ) : أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ ، بِأَنْ اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَبْدَ قُنْيَةٍ فَمَا قَابَلَ الدَّرَاهِمَ يُقَوَّمُ بِهَا ، وَمَا قَابَلَ الْعَبْدَ يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَ النَّقْدُ دُونَ نِصَابٍ عَادَ الْوَجْهَانِ .
( الْأَصَحُّ ) : يُقَوَّمُ بِرَأْسِ مَالِهِ .
( وَالثَّانِي ) : بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ . قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : وَكَمَا يَجْرِي التَّقْسِيطُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ ، يَجْرِي عِنْدَ اخْتِلَافِ الصِّفَةِ ، بِأَنْ اشْتَرَى بِنِصَابٍ دَنَانِيرَ بَعْضُهَا صِحَاحٌ وَبَعْضُهَا مُكَسَّرَةٌ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ ، فَيُقَوَّمُ مَا يَخُصُّ الصَّحِيحَ وَمَا يَخُصُّ الْمَكْسُورَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث