المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
الصفحة 4236 · ص. المطبوع 77 · الشرح
( الشَّرْحُ ) : قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ بَضْعَةٌ مِنْهُ وَهُوَ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - لَا غَيْرُ ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ اللَّحْمِ ، وَأَمَّا الْبِضْعُ وَالْبِضْعَةُ فِي الْعَدَدِ فَفِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ - كَسْرُ الْبَاءِ وَفَتْحُهَا - وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ ، وَأَمَّا الْمَعْضُوبُ - فَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ - وَأَصْلُ الْعَضَبِ لِلْقَطْعِ ، كَأَنَّهُ قُطِعَ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَالتَّصَرُّفِ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : الْمَعْصُوبُ - بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - قَالَ الرَّافِعِيُّ : كَأَنَّهُ قَطَعَ عَصَبَهُ أَوْ ضَرَبَ عَصَبَهُ . أَمَّا الْأَحْكَامُ فَأَوَّلُهَا بَيَانُ حَقِيقَةِ الْمَعْضُوبِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : مَنْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ يُرْجَى زَوَالُهَا ، فَلَيْسَ هُوَ بِمَعْضُوبٍ ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَاضِحًا بَعْدَ هَذَا ، حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ عَجْزًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ ، لِكِبَرٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ . أَوْ كَانَ كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، أَوْ كَانَ شَابًّا نِضْوَ الْخَلْقِ لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَهَذَا مَعْضُوبٌ فَيُنْظَرُ فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا مَنْ يُطِيعُهُ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ - وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ ، أَوْ وَجَدَهُ وَطَلَبَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ - لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ ، وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ ، فَلَوْ دَامَ حَالُهُ هَكَذَا حَتَّى مَاتَ ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ . وَإِنْ وَجَدَ مَالًا ، وَوَجَدَ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ الْحَجُّ ، فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ وَحَجَّ الْأَجِيرُ عَنْهُ ، وَإِلَّا فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ لِوُجُودِ الِاسْتِطَاعَةِ بِالْمَالِ ، وَهَكَذَا إذَا كَانَ لِلْمَعْضُوبِ وَلَدٌ لَا يُطِيعُهُ فِي الْحَجِّ عَنْهُ ، أَوْ يُطِيعُهُ وَلَمْ يَحُجَّ الْوَلَدُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْمَعْضُوبِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ يُطِيعُهُ - وَقَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ - وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْمَعْضُوبِ ، وَلَزِمَهُ 77 أَنْ يَأْذَنَ لِلْوَلَدِ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمَعْضُوبَ الِاسْتِنَابَةُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ عَنْ نَفْسِهِ فِي صُورَتَيْنِ ( إحْدَاهُمَا ) : أَنْ يَجِدَ مَالًا يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ فَاضِلًا عَنْ الْحَاجَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِيمَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ ، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ هُنَاكَ أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ إلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ ذَهَابًا وَرُجُوعًا ، وَهُنَا لَا يُشْتَرَطُ إلَّا كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ يَوْمَ الِاسْتِئْجَارِ خَاصَّةً . وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ ذَلِكَ مُدَّةَ ذَهَابِ الْأَجِيرِ كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ . وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، بِخِلَافِ مَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُفَارِقْ وَلَدَهُ أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ نَفَقَاتِهِمْ ، ثُمَّ إنْ وَفَى مَا يَجِدُهُ بِأُجْرَةِ رَاكِبٍ ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْحَجُّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ إلَّا بِأُجْرَةِ مَاشٍ ، فَفِي وُجُوبِ الِاسْتِئْجَارِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : لَا يَجِبُ ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى عَاجِزٍ عَنْ الرَّاحِلَةِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) : يَجِبُ ; إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مَشْيِ الْأَجِيرِ ، بِخِلَافِ مَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الْأَجِيرُ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا يَجِبُ الْحَجُّ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْأَجِيرِ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَعَدَمِهِ كَمَا فِي نَظَائِرِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَوْ رَضِيَ الْأَجِيرُ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ، وَوَجَدَ الْمَعْضُوبُ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْحَجُّ ; لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ كَثِيرُ مِنَّةٍ . وَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ بِشَرْطِهِ ، فَلَمْ يَسْتَأْجِرْ ، فَهَلْ يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ الْحَاكِمُ لِامْتِنَاعِهِ أَمْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) : لَا ; لِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ الْقَادِرُ مِنْ تَعْجِيلِ الْحَجِّ ( وَالثَّانِي ) : يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ كَمَا يُؤَدِّي زَكَاةَ الْمُمْتَنِعِ ، هَكَذَا عَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ .
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : إذَا لَزِمَهُ الْحَجُّ ، فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى صَارَ مَعْضُوبًا ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ ؟ أَمْ يَبْقَى عَلَى التَّرَاخِي ؟ فِيهِ وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا : عَلَى الْفَوْرِ فَامْتَنَعَ ، اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَإِلَّا ، فَلَا ( الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ ) : لِوُجُوبِ 78 الْحَجِّ عَلَى الْمَعْضُوبِ أَنْ لَا يَجِدَ الْمَالَ ، لَكِنْ يَجِدُ مَنْ يُحَصِّلُ لَهُ الْحَجَّ ، وَلَهُ أَحْوَالٌ : ( أَحَدُهَا ) : أَنْ يَبْذُلَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِيَسْتَأْجِرَ بِهِ ، فَفِي وُجُوبِ قَبُولِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْفَصْلِ ( أَصَحُّهُمَا ) : عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ لَا يَلْزَمُهُ ، وَادَّعَى الْمُتَوَلِّي الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ ( وَالثَّانِي ) : يَلْزَمُهُ وَيَسْتَقِرُّ بِهِ الْحَجُّ عَلَى هَذَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ ( الثَّانِي ) : أَنْ يَبْذُلَ وَاحِدٌ مِنْ بَنِيهِ أَوْ بَنَاتِهِ أَوْ أَوْلَادِهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا الْإِطَاعَةَ فِي الْحَجِّ عَنْهُ ، فَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْإِذْنُ لِلْمُطِيعِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيع كُتُبِهِ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ، إلَّا السَّرَخْسِيَّ فَحَكَى فِي الْأَمَالِي وَجْهًا عَنْ حِكَايَةِ أَبِي طَاهِرِ الزِّيَادِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُطَاعَ الْحَجُّ بِذَلِكَ ، وَهَذَا غَلَطٌ وَالصَّوَابُ اللُّزُومُ ، وَسَنُوَضِّحُ دَلِيلَهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْحَجُّ وَاجِبًا عَلَى الْمُطَاعِ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ ( أَحَدُهَا ) : أَنْ يَكُونَ الْمُطِيعُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ فَرْضُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا ( وَالثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ الْمُطِيعُ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَاجِبَةٌ عَنْ إسْلَامٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ ( وَالثَّالِثُ ) : أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِوَفَائِهِ بِطَاعَتِهِ ( وَالرَّابِعُ ) : أَلَّا يَكُونَ مَعْضُوبًا ، هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الشُّرُوطَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَيْنِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا إلَّا الدَّارِمِيَّ فَقَالَ : إذَا كَانَ عَلَى الْمُطِيعِ حَجٌّ فَفِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمُطَاعِ وَجْهَانِ : ( الصَّحِيحُ ) لَا يَلْزَمُهُ كَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ ( وَالثَّانِي ) : يَلْزَمُهُ وَيَلْزَمُ الْمُطِيعَ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ ، ثُمَّ عَنْ الْمُطَاعِ ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ شَكَّ فِي طَاعَةِ الْوَلَدِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ لِلشَّكِّ فِي حُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَلَوْ تَوَسَّمَ فِيهِ أَمْرَ الطَّاعَةِ وَظَنَّهَا ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْحَجِّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ ( الصَّحِيحُ ) : الْمَنْصُوصُ يَلْزَمُهُ لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ ( وَالثَّانِي ) : لَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يُصَرِّح بِالطَّاعَةِ ; لِأَنَّ الظَّنَّ قَدْ يُخْطِئُ 79 فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةَ بِذَلِكَ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، وَلَوْ بَذَلَ الْمُطِيعُ الطَّاعَةَ وَجَبَ عَلَى الْوَالِدِ الْمُطَاعِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ ، فَهَلْ يَنُوبُ الْحَاكِمُ عَنْهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( الصَّحِيحُ ) : لَا ; لِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي : قَالَ الدَّارِمِيُّ : قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : هَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( وَالثَّانِي ) : قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ . وَإِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ بِالطَّاعَةِ ، فَمَاتَ الْمُطِيعُ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَوْ رَجَعَ عَنْ الطَّاعَةِ - وَصَحَّحْنَا رُجُوعَهُ ، فَإِنْ مَضَى بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ زَمَنُ إمْكَانِ الْحَجِّ - اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الْحَجِّ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُطِيعُهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِطَاعَتِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَوْرُوثٌ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، وَهَكَذَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا حُكْمَهُ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ : هُوَ كَمَنْ فَقَدَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ إعَادَةِ الصَّلَاةِ ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَجِيءُ هُنَا خِلَافٌ كَذَلِكَ الْخِلَافُ فَيَكُونُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَجُّ ، وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ ; لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ ( وَالثَّانِي ) : يُعْذَرُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَقَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ هُوَ شَبِيهٌ بِالْمَالِ الضَّالِّ فِي الزَّكَاةِ وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهَا فِيهِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلَك أَنْ تَقُولَ : لَا يَجِبُ بِمَالٍ مَجْهُولٍ ; لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ ، وَلَا اسْتِطَاعَةَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَالِ وَالطَّاعَةِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَلَوْ وَرِثَ الْمَعْضُوبُ مَالًا وَلَمْ يَعْلَمْهُ حَتَّى مَاتَ ، فَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ الْحَجِّ مِنْ تِرْكَتِهِ هَذَا الْخِلَافُ ، قَالَ : وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُطِيعُهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَاتَ . وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ - فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إحْرَامِهِ - لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا ( أَصَحُّهُمَا ) : لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِشَيْءٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الشُّرُوعُ ، فَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ قَبْلَ حَجِّ أَهْلِ بَلَدِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَى الْمُطَاعِ ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ : الْوَجْهَانِ إذَا بَذَلَ الطَّاعَةَ 80 وَقَبِلَهَا الْوَالِدُ ، فَأَمَّا إذَا بَذَلَهَا ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْوَالِدُ وَلَا الْحَاكِمُ - إذَا قُلْنَا : يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ - فَلِلْبَاذِلِ الرُّجُوعُ .
( الْحَالُ الثَّالِثُ ) : أَنْ يَبْذُلَ الْأَجِيرُ الطَّاعَةَ ، فَيَجِبُ قَبُولُهَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِرٌ ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الرُّجُوعِ ( وَالثَّانِي ) : لَا يَجِبُ وَالْأَخُ كَالْأَجْنَبِيِّ مُطِيعًا ; لِأَنَّ اسْتِخْدَامَهُ يَثْقُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ كَاسْتِخْدَامِ الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ الْوَلَدِ ( وَأَمَّا ) ابْنُ الْأَخِ وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ فَكَالْأَخِ ( وَأَمَّا ) الْجَدُّ وَالْأَبُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا كَالْأَخِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ ، وَقِيلَ : هُمَا كَالْوَلَدِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي النَّفَقَةِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ . وَمَنْعِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ بَعْدَ الْقَبُولِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الدَّارِمِيُّ : وَلَوْ رَجَعَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْأَبُ : رَجَعْتُ بَعْدَ قَبُولٍ ، وَقَالَ الِابْنُ : بَلْ قَبْلَهُ ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ( وَاعْلَمْ ) أَنَّ مَا صَحَّحْنَاهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ جَوَازُ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَجَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَيْنِ وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ فَصَحَّحَ مَنْعَ الرُّجُوعِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَذْلِ الْمَاءِ لِلْمُتَيَمِّمِ ، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِأَنَّ لِلْمَاءِ بَدَلًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْحَالُ الرَّابِعُ ) : أَنْ يَبْذُلَ لَهُ الْوَلَدُ الْمَالَ ، فَهَلْ يَجِبُ قَبُولُهُ وَالْحَجُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا ( أَصَحُّهُمَا ) : لَا يَجِبُ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يُمَنُّ بِهِ بِخِلَافِ خِدْمَتِهِ بِنَفْسِهِ ، وَالْوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى بَذْلِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَالَ ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقَبُولَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ، فَالْوَلَدُ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ( الْأَصَحُّ ) : لَا يَجِبُ ، وَلَوْ بَذَلَ الْمَالَ لِلْمَعْضُوبِ أَبُوهُ ، فَهَلْ هُوَ كَبَذْلِ الْأَجْنَبِيِّ ؟ أَمْ كَبَذْلِ الْوَلَدِ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) : كَالْوَلَدِ لِعَدَمِ الْمِنَّةِ بَيْنَهُمَا غَالِبًا ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي بَذْلِ الطَّاعَةِ كُلُّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَاذِلُ يَحُجُّ رَاكِبًا ، فَلَوْ بَذَلَ الِابْنُ لِيَحُجَّ مَاشِيًا فَفِي لُزُومِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) : لَا يَلْزَمُ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ : هُمَا مُرَتَّبَانِ 81 عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ اسْتِئْجَارِ الْمَاشِي وَهُنَا الْأَوْلَى مَنْعُ الْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشْيُ وَلَدِهِ ، وَفِي مَعْنَاهُ الْوَلَدُ إذَا أَطَاعَ - وَأَوْجَبْنَا قَبُولَهُ - وَلَا يَجِيءُ التَّرْتِيبُ إذَا كَانَ الْمُطِيعُ أَجْنَبِيًّا ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَبُولُ إذَا كَانَ الْمُطِيعُ مَاشِيًا أَبًا أَوْ وَلَدًا وَيَجِبُ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا . وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقَبُولَ - وَالْمُطِيعُ مَاشٍ - فَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ زَادٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَعُوِّلَ عَلَى الْكَسْبِ فِي طَرِيقِهِ ، فَفِي وُجُوبِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْكَسْبَ قَدْ يَنْقَطِعُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا وَعُوِّلَ عَلَى السُّؤَالِ ، قَالَ الْإِمَامُ : فَالْخِلَافُ قَائِمٌ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يَجِبَ ، قَالَ : فَإِنْ احْتَاجَ إلَى رُكُوبِ مَفَازَةٍ لَيْسَ بِهَا كَسْبٌ وَلَا سُؤَالٌ يَنْفَعُ ، لَمْ يَجِبْ الْقَبُولُ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ يَحْرُمُ التَّغْرِيرُ بِالنَّفْسِ عَلَى الِابْنِ الْمُطِيعِ ، فَإِذَا حَرُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ اسْتَحَالَ وُجُوبُ اسْتِنَابَتِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ فِي اشْتِرَاطِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لِلْمُطِيعِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ ، وَعَلَّلَ الْمُتَوَلِّي الْوُجُوبَ بِأَنَّ الْمُطَاعَ صَارَ قَادِرًا فَلَزِمَهُ الْحَجُّ كَمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ ، وَلَا يَكْفِيهِ لِحَجِّ فَرْضٍ ، وَوَجَدَ مَنْ يَحُجُّ بِذَلِكَ الْمَالِ ، يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْجَارُ لِتَمَكُّنِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث