المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
page 4635 · printed p. 452 · commentary
( الشَّرْحُ ) قَوْلُهُ : ( وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ ) احْتِرَازٌ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ فِي حَقِّ الْحَلَالِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُبَاحُ وَالْمَمْلُوكُ ، بَلْ يَحِلُّ لَهُ اصْطِيَادُ الْمُبَاحِ دُونَ الْمَمْلُوكِ ، قَالَ الْقَلَعِيُّ : وَقِيَاسُهُ عَلَى الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ; لِأَنَّ الصَّيْدَ الْمَمْلُوكَ يَجُوزُ ذَبْحُهُ وَتَنْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ دُونَ الْمُبَاحِ ، وَإِنَّمَا يَسْتَوِي الْمُبَاحُ وَالْمَمْلُوكُ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى الْمُحْرِمِ خَاصَّةً ، وَالدَّوْحَةُ - بِدَالٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ - وَهِيَ الْعَظِيمَةُ ، ( وَقَوْلُهُ ) : مَمْنُوعٌ مِنْ قَطْعِهِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ - احْتِرَازٌ مِنْ قَطْعِ شَجَرٍ وَجٍّ وَالْبَقِيعِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَالَ الْقَلَعِيُّ : احْتِرَازٌ مِنْ قَطْعِ يَدِ نَفْسِهِ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ ، ( قَوْلُهُ ) : يَسْتَخْلِفُ ، لَوْ قَالَ : يَخْلُفُ كَانَ أَجْوَدَ . أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : يَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ ، كَمَا يَحْرُمُ اصْطِيَادُ صَيْدِهِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ ، وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِنَبَاتِهِ الضَّمَانُ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ يَتَعَلَّقُ كَالصَّيْدِ ، ( وَالثَّانِي ) حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) هَذَا ، ( وَالثَّانِي ) لَا ضَمَانَ فِيهِ بِأَنَّ الصَّيْدَ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْجَزَاءِ بِخِلَافِ النَّبَاتِ وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَوْهُ عَنْ الْقَدِيمِ ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الضَّمَانِ .
ثُمَّ النَّبَاتُ ضَرْبَانِ : شَجَرٌ وَغَيْرُهُ ( وَأَمَّا ) الشَّجَرُ فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ بِالْقَلْعِ وَالْقَطْعِ لِكُلِّ شَجَرٍ رَطْبٍ حَرَمِيٍّ غَيْرِ مُؤْذٍ فَاحْتَرَزْنَا بِالرَّطْبِ عَنْ الْيَابِسِ ، فَلَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ ، كَمَا لَوْ قَدَّ صَيْدًا مَيِّتًا نِصْفَيْنِ . هَكَذَا قَاسَهُ الْبَغَوِيّ وَالْأَصْحَابُ ، وَاحْتَرَزْنَا بِغَيْرِ مُؤْذٍ عَنْ الْعَوْسَجِ وَكُلِّ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ فَلَا يَحْرُمُ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِهِ ضَمَانٌ كَالْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَفِي وَجْهٍ حَكَاهُ الْقَاضِي 452 حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَاخْتَارَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ مَضْمُونٌ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَيُخَالِفُ الْحَيَوَانُ ، فَإِنَّهُ يُقْصَدُ لِلْأَذَى وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا } وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْوَجْهَ ، وَلِلْقَائِلَيْنِ بِالْمَذْهَبِ أَنْ يُجِيبُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُؤْذِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاحْتَرَزْنَا بِالْحَرَمِيِّ عَنْ أَشْجَارِ الْحِلِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْلَعَ شَجَرَةً مِنْ الْحَرَمِ وَيَنْقُلَهَا إلَى الْحِلِّ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا وَلَوْ نَقَلَ فَعَلَيْهِ رَدُّهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَلَ مِنْ بُقْعَةٍ مِنْ الْحَرَمِ إلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى مِنْهُ لَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ ، وَسَوَاءٌ نَقَلَ أَشْجَارَ الْحَرَمِ أَوْ أَغْصَانَهَا إلَى الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ ، يُنْظَرُ إنْ يَبِسَتْ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ ، وَإِنْ نَبَتَتْ فِي الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، فَلَوْ قَلَعَهَا قَالِعٌ لَزِمَ الْقَالِعَ الْجَزَاءُ إبْقَاءً لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ ، وَلَوْ قَلَعَ شَجَرَةً أَوْ غُصْنًا مِنْ الْحِلِّ وَغَرَسَهَا فِي الْحَرَمِ فَنَبَتَتْ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْحَرَمِ ، فَلَوْ قَلَعَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ . اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا فِي الطَّرِيقِينَ ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ نَقَلُوا الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّيْدِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ ، وَيَجِبُ الْجَزَاءُ ; لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ بِأَصْلٍ ثَابِتٍ فَاعْتُبِرَ مَكَانُهُ وَالشَّجَرُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَلَهُ حُكْمُ مَنْبَتِهِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحَرَمِ وَأَغْصَانُهَا فِي الْحِلِّ حَرُمَ قَطْعُ أَغْصَانِهَا وَوَجَبَ فِيهِ الضَّمَانُ ، وَلَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ وَأَغْصَانُهَا فِي الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ فِي قَطْعِ أَغْصَانِهَا وَوَجَبَ فِيهِ الضَّمَانُ ، وَلَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ وَأَغْصَانُهَا فِي الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ فِي قَطْعِ أَغْصَانِهَا ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ : وَلَوْ كَانَ بَعْضُ أَصْلِ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ فَلِجَمِيعِهَا حُكْمُ الْحَرَمِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith