المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
الصفحة 4640 · ص. المطبوع 456 · الشرح
( الضَّرْبُ الثَّانِي ) مِنْ نَبَاتِ الْحَرَمِ غَيْرِ الشَّجَرِ ، وَهُوَ نَوْعَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) 456 مَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ والقطفرة الْبُقُولِ وَالْخَضْرَاوَاتِ فَيَجُوزُ لِمَالِكِهِ قَطْعُهُ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَطَعَهُ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْمَسَاكِينِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ ، ( النَّوْعُ الثَّانِي ) مَا لَمْ يُنْبِتْهُ الْآدَمِيُّ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ : ( الْأَوَّلُ ) الْإِذْخِرُ ، وَهُوَ مُبَاحٌ ، فَيَجُوزُ قَلْعُهُ وَقَطْعُهُ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; وَلِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، ( وَالثَّانِي ) الشَّوْكُ فَيَجُوزُ قَطْعُهُ وَقَلْعُهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْعَوْسَجِ وَشَجَرِ الشَّوْكِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ هُنَا الْمَاوَرْدِيُّ ، ( الثَّالِثُ ) مَا كَانَ دَوَاءً كَالسَّنَا وَنَحْوِهِ ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) الْقَطْعُ بِجَوَازِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَأُلْحِقَ بِالْإِذْخِرِ ، وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِذْخِرَ لِلْحَاجَةِ وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ . وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهَذَا الطَّرِيقِ الْمَاوَرْدِيُّ .
( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) الْجَوَازُ ، ( وَالثَّانِي ) الْمَنْعُ . وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الطَّرِيقَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ ، لَكِنْ خَصَّ هَؤُلَاءِ الْخِلَافَ بِمَا إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِلدَّوَاءِ ، وَلَمْ يَخُصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بَلْ عَمَّمَهُ وَجَعَلَهُ مُبَاحًا مُطْلَقًا كَالْإِذْخِرِ ، ( الرَّابِعُ ) الْكَلَأُ ، فَيَحْرُمُ قَطْعُهُ وَقَلْعُهُ إنْ كَانَ رَطْبًا ، فَإِنْ قَلَعَهُ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إخْرَاجِهَا طَعَامًا وَالصِّيَامِ كَمَا سَبَقَ فِي الشَّجَرِ وَالصَّيْدِ . هَذَا إذَا لَمْ يَخْلُفْ الْمَقْلُوعَ فَإِنْ أَخْلَفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ هُنَا الْإِخْلَافُ ، فَهُوَ كَسِنِّ الصَّبِيِّ ، فَإِنَّهَا إذَا قُلِعَتْ فَنَبَتَتْ فَلَا ضَمَانَ قَوْلًا وَاحِدًا هَكَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ الْحُكْمَ وَالدَّلِيلَ . وَشَذَّ عَنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَقَالَ فِي تَعْلِيقِهِ : إذَا قَطَعَ الْحَشِيشَ ثُمَّ نَبَتَ ضَمِنَهُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْغُصْنِ إذَا عَادَ ، قَالَ : وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَشِيشَ يَخْلُفُ فِي الْعَادَةِ ، فَلَوْ أَسْقَطْنَا الضَّمَانَ عَنْ قَاطِعِهِ بِعَوْدِهِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْإِغْرَاءِ بِقَطْعِهِ بِخِلَافِ الْغُصْنِ ، فَإِنَّهُ قَدْ 457 يَعُودُ وَقَدْ لَا يَعُودُ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ ، وَجَزَمَ هُوَ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ إذَا نَبَتَ الْحَشِيشُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ . هَذَا إذَا عَادَ كَمَا كَانَ فَإِنْ عَادَ نَاقِصًا ضَمِنَ مَا نَقَصَ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْيَابِسِ أَمَّا الْيَابِسُ فَقَالَ الْبَغَوِيّ : إنْ كَانَ قَطَعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، كَمَا سَبَقَ فِي الشَّجَرِ الْيَابِسِ ، وَإِنْ قَلَعَهُ لَزِمَهُ الضَّمَانَ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْلَعْهُ لَنَبَتَ ثَانِيًا ، هَذَا لَفْظُ الْبَغَوِيِّ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إذَا جَفَّ الْحَشِيشُ وَمَاتَ جَازَ قَلْعُهُ وَأَخْذُهُ ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْبَغَوِيِّ ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ : إنَّ الْقَلْعَ يُوجِبُ الضَّمَانَ فِيمَا إذَا كَانَ الْيَابِسُ لَمْ يَمُتْ ، بَلْ هُوَ مِمَّا يَنْبُتُ لَوْلَا الْقَلْعُ وَلَمْ يَفْسُدْ أَصْلُهُ ، وَيَقُولُ الْمَاوَرْدِيُّ : إنَّمَا هُوَ فِيمَا مَاتَ ، وَلَا يُرْجَى نَبَاتُهُ لَوْ بَقِيَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ تَسْرِيحِ الْبَهَائِمِ فِي كَلَأِ الْحَرَمِ لِتَرْعَى وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " { ۝ أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ فَوَجَدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ وَأَرْسَلْتَ الْأَتَانَ يَرْتَعُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَمِنًى مِنْ الْحَرَمِ . لَوْ أَخَذَ الْكَلَأَ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ .
وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ : ( أَحَدُهُمَا ) التَّحْرِيمُ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا " ( وَالثَّانِي ) الْجَوَازُ وَلَا ضَمَانَ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا لَوْ أَرْسَلَ دَابَّتَهُ تَرْعَى ; وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الِاحْتِشَاشِ إنَّمَا كَانَ لِتَوْفِيرِ الْكَلَأِ لِلْبَهَائِمِ وَالصَّيُودِ وَقَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا الْقَائِلُ يَقُولُ : إنَّمَا يَحْرُمُ الِاخْتِلَاءُ وَالِاحْتِشَاشُ لِلْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْرَاضِ ، سِوَى الْعَلَفِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعُشْبُ وَالْخَلَا مَقْصُورًا اسْمٌ لِلرَّطْبِ ، وَالْحَشِيشُ اسْمٌ لِلْيَابِسِ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مَكِّيٍّ وَغَيْرُهُ فِي لَحْنِ الْعَوَامّ إطْلَاقَهُمْ 458 الْحَشِيشَ عَلَى الرَّطْبِ ، قَالُوا : وَالصَّوَابُ اخْتِصَاصُ الْحَشِيشِ بِالْيَابِسِ ، قَالُوا : وَالْكَلَأُ مَهْمُوزٌ يَقَعُ عَلَى الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى الْمَجَازِ ، فَسُمِّيَ الرَّطْبُ حَشِيشًا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى أَفْهَامِ أَهْلِ الْعُرْفِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث