المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
( الشَّرْحُ ) أَحَادِيثُ جَابِرٍ الثَّلَاثَةُ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ ، وَهِيَ 68 كُلُّهَا بَعْضٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا لَفْظُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " دَخَلْنَا عَلَى جَابِرٍ فَقَالَ جَابِرٌ : { خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ نَفَرَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَكَانَ أَبِي يَقُولُ ، وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } . وَ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا } هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { فَلَمَّا طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ إلَى الْمَقَامِ وَقَالَ { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ } وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ } وَفِي رِوَايَةٍ { ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّفَا } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ بِالْبَيْتِ فَرَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثَلَاثًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : كَذَا وَجَدْتُهُ ، وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَلَاتُهُ بِذِي طُوًى فَصَحِيحٌ ، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، بِلَفْظِهِ الَّذِي فِي الْمُهَذَّبِ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعْلِيقًا أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ خَارِجَ الْحَرَمِ فَقَالَ فَصَلَّى عُمَرُ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ . 69 وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِوَجْهَيْنِ - فَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا - عَلَى الْخَبَرِ وَعَلَى الْأَمْرِ .
( فَإِنْ قِيلَ ) كَيْفَ يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ مَعَ أَنَّ الَّذِي فِيهَا إنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةَ الطَّوَافِ ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّ غَيْرَ صَلَاةِ الطَّوَافِ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْمَقَامِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَتْ هِيَ ( فَإِنْ قِيلَ ) فَأَنْتُمْ لَا تَشْتَرِطُونَ وُقُوعَهَا خَلْفَ الْمَقَامِ ، بَلْ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ ( قُلْنَا ) مَعْنَى الْآيَةِ الْأَمْرُ بِصَلَاةٍ هُنَاكَ ، وَقَامَتْ الدَّلَائِلُ السَّابِقَةُ عَلَى أَنَّهَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ الْمَقَامِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
70 - 71 وَقَوْلُهُ " فَلَمْ تَجِبْ بِالشَّرْعِ " احْتِرَازٌ مِنْ النَّذْرِ . وَقَوْلُهُ " عَلَى الْأَعْيَانِ " احْتِرَازٌ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ : رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ ، مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ ، وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْثَالِ هَذَا مَرَّاتٍ . وَفِي فِعْلِ عُمَرَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَرَى كَرَاهَةَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ . وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِهَا ، وَسَأُعِيدُ بَعْضَهَا هُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسَائِلِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ . وَقَوْلُهُ " ثُمَّ يَعُودُ إلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ " الْمُرَادُ بِهِ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ طَافَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ 72 رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ ، لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَهَلْ هُمَا وَاجِبَتَانِ أَمْ سُنَّتَانِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَحَدُهُمَا ) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ سُنَّةٌ .
( وَالثَّانِي ) وَاجِبَتَانِ . ثُمَّ الْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَيْنَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِمَا ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ كَوْنُهُمَا سُنَّةً . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي جَامِعِهِ : نَصَّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ . قَالَ : وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ . وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ : عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَخَرَّجَهُمَا أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) وَاجِبَتَانِ ( وَالثَّانِي ) سُنَّتَانِ ، وَكَذَا حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَجْهَيْنِ . وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ . هَذَا إذَا كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا ، فَإِنْ كَانَ نَفْلًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَغَيْرِهِ ، فَطَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ مِنْهُمْ ، وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ فِيهِمَا الْقَوْلَيْنِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ وَغَلَّطُوهُ فِيهِ .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إذَا كَانَ الطَّوَافُ نَفْلًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَعْدَهُ الرَّكْعَتَانِ قَالَ : وَنَقَلَ الْأَصْحَابُ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ أَنَّهُ أَوْجَبَهُمَا ، قَالَ : وَهَذَا بَعِيدٌ رَدَّهُ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ قَالَ الْإِمَامُ : ثُمَّ مَا أَرَاهُ يَصِيرُ إلَى إيجَابِهِمَا عَلَى التَّحْقِيقِ ، وَلَكِنَّهُ رَآهُمَا جُزْءًا مِنْ الطَّوَافِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ دُونَهُمَا ، قَالَ : وَقَدْ قَالَ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِ : لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي النَّفْلِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَرْضِ كَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا . قَالَ الْإِمَامُ : وَقَدْ يَتَحَقَّقُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ 73 خِلَافٌ فِي أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ مَعْدُودَتَانِ مِنْ الطَّوَافِ ؟ أَمْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِصَالِ عَنْهُ ؟ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ . وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ غَيْرَ وَاجِبٍ ، وَيَقْتَضِي وَاجِبًا كَالنِّكَاحِ غَيْرَ وَاجِبٍ ، وَيَقْتَضِي وُجُوبَ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ
وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِوَجْهَيْنِ - فَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا - عَلَى الْخَبَرِ وَعَلَى الْأَمْرِ .
( فَإِنْ قِيلَ ) كَيْفَ يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ مَعَ أَنَّ الَّذِي فِيهَا إنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةَ الطَّوَافِ ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّ غَيْرَ صَلَاةِ الطَّوَافِ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْمَقَامِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَتْ هِيَ ( فَإِنْ قِيلَ ) فَأَنْتُمْ لَا تَشْتَرِطُونَ وُقُوعَهَا خَلْفَ الْمَقَامِ ، بَلْ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ ( قُلْنَا ) مَعْنَى الْآيَةِ الْأَمْرُ بِصَلَاةٍ هُنَاكَ ، وَقَامَتْ الدَّلَائِلُ السَّابِقَةُ عَلَى أَنَّهَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ الْمَقَامِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
70 - 71 وَقَوْلُهُ " فَلَمْ تَجِبْ بِالشَّرْعِ " احْتِرَازٌ مِنْ النَّذْرِ . وَقَوْلُهُ " عَلَى الْأَعْيَانِ " احْتِرَازٌ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ : رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ ، مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ ، وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْثَالِ هَذَا مَرَّاتٍ . وَفِي فِعْلِ عُمَرَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَرَى كَرَاهَةَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ . وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِهَا ، وَسَأُعِيدُ بَعْضَهَا هُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسَائِلِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ . وَقَوْلُهُ " ثُمَّ يَعُودُ إلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ " الْمُرَادُ بِهِ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ طَافَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ 72 رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ ، لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَهَلْ هُمَا وَاجِبَتَانِ أَمْ سُنَّتَانِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَحَدُهُمَا ) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ سُنَّةٌ .
( وَالثَّانِي ) وَاجِبَتَانِ . ثُمَّ الْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَيْنَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِمَا ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ كَوْنُهُمَا سُنَّةً . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي جَامِعِهِ : نَصَّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ . قَالَ : وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ . وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ : عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَخَرَّجَهُمَا أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) وَاجِبَتَانِ ( وَالثَّانِي ) سُنَّتَانِ ، وَكَذَا حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَجْهَيْنِ . وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ . هَذَا إذَا كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا ، فَإِنْ كَانَ نَفْلًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَغَيْرِهِ ، فَطَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ مِنْهُمْ ، وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ فِيهِمَا الْقَوْلَيْنِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ وَغَلَّطُوهُ فِيهِ .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إذَا كَانَ الطَّوَافُ نَفْلًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَعْدَهُ الرَّكْعَتَانِ قَالَ : وَنَقَلَ الْأَصْحَابُ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ أَنَّهُ أَوْجَبَهُمَا ، قَالَ : وَهَذَا بَعِيدٌ رَدَّهُ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ قَالَ الْإِمَامُ : ثُمَّ مَا أَرَاهُ يَصِيرُ إلَى إيجَابِهِمَا عَلَى التَّحْقِيقِ ، وَلَكِنَّهُ رَآهُمَا جُزْءًا مِنْ الطَّوَافِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ دُونَهُمَا ، قَالَ : وَقَدْ قَالَ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِ : لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي النَّفْلِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَرْضِ كَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا . قَالَ الْإِمَامُ : وَقَدْ يَتَحَقَّقُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ 73 خِلَافٌ فِي أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ مَعْدُودَتَانِ مِنْ الطَّوَافِ ؟ أَمْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِصَالِ عَنْهُ ؟ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ . وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ غَيْرَ وَاجِبٍ ، وَيَقْتَضِي وَاجِبًا كَالنِّكَاحِ غَيْرَ وَاجِبٍ ، وَيَقْتَضِي وُجُوبَ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث