المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
( فَصْلٌ ) مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ صِفَةُ الْإِمَامِ الَّذِي يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْمَنَاسِكَ ، وَيَخْطُبُ بِهِمْ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَقْضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ بَابًا فِي الْوِلَايَةِ عَلَى الْحَجِيجِ ، أَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَقَاصِدَهُ قَالَ : وِلَايَةُ الْحَاجِّ ضَرْبَانِ .
( أَحَدُهُمَا ) يَكُونُ عَلَى تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ ( وَالثَّانِي ) عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ وِلَايَةُ سِيَاسَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَشَرْطُ الْمُتَوَلِّي أَنْ يَكُونَ مُطَاعًا ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ وَهِدَايَةٍ وَيَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ : ( أَحَدُهَا ) جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمْ وَنُزُولِهِمْ حَتَّى لَا يَتَفَرَّقُوا ، فَيُخَافُ عَلَيْهِمْ .
( الثَّانِي ) تَرْتِيبُهُمْ فِي السَّيْرِ وَالنُّزُولِ وَإِعْطَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُقَادًا حَتَّى يَعْرِفَ كُلُّ فَرِيقٍ مُقَادَهُ إذَا سَارَ ، وَإِذَا نَزَلَ ، وَلَا يَتَنَازَعُوا وَلَا يَضِلُّوا عَنْهُ .
( الثَّالِثُ ) يَرْفُقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ وَيَسِيرُ بِسَيْرِ أَضْعَفِهِمْ .
( الرَّابِعُ ) يَسْلُكُ بِهِمْ أَوْضَحَ الطُّرُقِ وَأَخْصَبَهَا .
( الْخَامِسُ ) يَرْتَادُ لَهُمْ الْمِيَاهَ وَيُوَفِّرُ الْمِيَاهَ إذَا قَلَّتْ .
( السَّادِسُ ) يَحْرُسُهُمْ إذَا نَزَلُوا وَيَحُوطُهُمْ إذَا رَحَلُوا حَتَّى لَا يَتَخَطَّفَهُمْ مُتَلَصِّصٌ .
( السَّابِعُ ) يَكُفُّ عَنْهُمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنْ الْمَسِيرِ بِقِتَالٍ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ 264 بِبَذْلِ مَالٍ إنْ أَجَابَ الْحَجِيجُ إلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إجْبَارُ أَحَدٍ عَلَى بَذْلِ الْخِفَارَةِ إنْ امْتَنَعَ ، لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ لِلْخِفَارَةِ لَا يَجِبُ .
( الثَّامِنُ ) يُصْلِحُ مَا بَيْنَ الْمُتَنَازَعَيْنِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمُ وَهُوَ قَائِمٌ بِشُرُوطٍ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ دَخَلُوا بَلَدًا جَازَ لَهُ وَلِحَاكِمِ الْبَلَدِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ ، وَلَوْ تَنَازَعَ وَاحِدٌ مِنْ الْحَجِيجِ وَوَاحِدٌ مِنْ الْبَلَدِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إلَّا حَاكِمُ الْبَلَدِ .
( التَّاسِعُ ) يُؤَدِّبُ خَائِنَهُمْ وَلَا يُجَاوِزُ التَّعْزِيرَ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْحَدِّ فَيَسْتَوْفِيَهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ ، فَإِنْ دَخَلَ بَلَدًا فِيهِ مُتَوَلًّى لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي مِنْ الْحَجِيجِ أَتَى بِالْخِيَانَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْبَلَدِ فَوَالِي الْحَجِّ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِهِ الْبَلَدَ فَوَالِي الْبَلَدِ أَوْلَى بِهِ .
( الْعَاشِرُ ) يُرَاعِي اتِّسَاعَ الْوَقْتِ حَتَّى يُؤْمَنَ الْفَوَاتُ ، وَلَا يَلْحَقُهُمْ ضِيقٌ مِنْ الْحَثِّ عَلَى السَّيْرِ ، فَإِذَا وَصَلُوا الْمِيقَاتَ أَمْهَلَهُمْ لِلْإِحْرَامِ وَإِقَامَةِ سُنَنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا دَخَلَ بِهِمْ مَكَّةَ وَخَرَجَ مَعَ أَهْلِهَا إلَى مِنًى ثُمَّ عَرَفَاتٍ ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا عَدَلَ إلَى عَرَفَاتٍ مَخَافَةَ الْفَوَاتِ ، فَإِذَا وَصَلُوا مَكَّةَ ، فَمَنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْعَوْدِ زَالَتْ وِلَايَةُ وَالِي الْحَجِيجِ عَنْهُ ، وَمَنْ كَانَ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ فَهُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ طَاعَتِهِ فَإِذَا قَضَى النَّاسُ حَجَّهُمْ أَمْهَلَهُمْ الْأَيَّامَ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا لِإِنْجَازِ حَوَائِجِهِمْ وَلَا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ ، فَإِذَا رَجَعُوا سَارَ بِهِمْ إلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ 265 وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ ، فَهُوَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الشَّرْعِ الْمُسْتَحَبَّةِ ، وَعَادَاتِ الْحَجِيجِ الْمُسْتَحْسَنَةِ ، ثُمَّ يَكُونُ فِي عَوْدِهِ بِهِمْ مُلْتَزِمًا مِنْ الْحُقُوقِ لَهُمْ مَا كَانَ مُلْتَزِمًا فِي ذَهَابِهِ حَتَّى يَصِلَ الْبَلَدَ الَّذِي سَارَ بِهِمْ مِنْهُ وَتَنْقَطِعَ وِلَايَتُهُ بِالْعَوْدِ إلَيْهِ ( الضَّرْبُ الثَّانِي ) أَنْ تَكُونَ الْوِلَايَةُ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ وَإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ ، فَمِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي أَئِمَّةِ الصَّلَوَاتِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَحْكَامِهِ وَمَوَاقِيتِهِ وَأَيَّامِهِ ، وَتَكُونُ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ الْيَوْمَ السَّابِعَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَآخِرُهَا الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مِنْ الرَّعِيَّةِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ عَلَى الْحَجِّ فَلَهُ إقَامَتُهُ كُلَّ سَنَةٍ مَا لَمْ يُعْزَلْ عَنْهُ ، وَإِنْ عُقِدَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً لَمْ يَتَجَاوَزْهَا إلَّا بِوِلَايَةٍ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِوِلَايَتِهِ وَيَكُونُ نَظَرُهُ عَلَيْهِ مَقْصُورًا خَمْسَةَ أَحْكَامٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَسَادِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .
( أَحَدُهَا ) إعْلَامُ النَّاسِ بِوَقْتِ إحْرَامِهِمْ ، وَالْخُرُوجِ إلَى مَشَاعِرِهِمْ لِيَكُونُوا مَعَهُ مُقْتَدِينَ بِأَفْعَالِهِ .
( وَالثَّانِي ) تَرْتِيبُهُ الْمَنَاسِكَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ فَلَا يُقَدِّمُ مُؤَخَّرًا ، وَلَا يُؤَخِّرُ مُقَدَّمًا ، سَوَاءٌ كَانَ التَّقْدِيمُ مُسْتَحَبًّا أَوْ وَاجِبًا ، لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ .
( الثَّالِثُ ) تَقْدِيرُ الْمَوَاقِيتِ بِمَقَامِهِ فِيهَا وَمَسِيرِهِ عَنْهَا ، كَمَا تَتَقَدَّرُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ( الرَّابِعُ ) اتِّبَاعُهُ فِي الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَالتَّأْمِينِ عَلَى 266 دُعَائِهِ .
( الْخَامِسُ ) إقَامَتُهُمْ الصَّلَوَاتِ الَّتِي شُرِعَتْ خُطَبُ الْحَجِّ فِيهَا وَجَمْعُهُمْ لَهَا ، وَهِيَ أَرْبَعُ خُطَبٍ سَبَقَ بَيَانُهُنَّ ، أُولَاهُنَّ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَهِيَ أَوَّلُ شُرُوعِهِ فِي مَنَاسِكِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّلْبِيَةِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا ، وَبِالتَّكْبِيرِ إنْ كَانَ حَلَالًا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ ، بَلْ يُقِيمُ بِمِنًى لَيْلَةَ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، يَنْفِرُ النَّفْرَ الثَّانِيَ مِنْ غَدِهِ بَعْدَ رَمْيِهِ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فَلَمْ يَنْفِرْ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ الْمَنَاسِكِ ، فَإِذَا نَفَر النَّفْرَ الثَّانِي انْقَضَتْ وِلَايَتُهُ .
وَأَمَّا الْحُكْمُ السَّادِسُ الْمُخْتَلِفُ فِيهِ فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ .
( أَحَدُهَا ) إذَا فَعَلَ بَعْضُ الْحَجِيجِ مَا يَقْتَضِي تَعْزِيرًا أَوْ حَدًّا فَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ وَلَا حَدُّهُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَجِّ فَلَهُ تَعْزِيرُهُ ، وَهَلْ لَهُ حَدُّهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْحَجِيجِ فِيمَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ وَفِي الْمُتَعَلِّقِ بِالْحَجِّ كَالزَّوْجَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ وَمُؤْنَةِ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ .
( الثَّالِثُ ) أَنْ يَفْعَلَ بَعْضُهُمْ مَا يَقْتَضِي فِدْيَةً فَلَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ وُجُوبَهَا وَيَأْمُرَهُ بِإِخْرَاجِهَا ، وَهَلْ لَهُ إلْزَامُهُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَمِيرِ الْحَجِّ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مَا يُسَوَّغُ فِعْلُهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ اقْتِدَاءَ النَّاسِ بِفَاعِلِهِ وَلَيْسَ لَهُ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَلَوْ أَقَامَ الْمَنَاسِكَ وَهُوَ حَلَالٌ كُرِهَ ذَلِكَ وَصَحَّ الْحَجُّ ، وَلَوْ قَصَدَ النَّاسُ التَّقَدُّمَ عَلَى الْأَمِيرِ أَوْ التَّأَخُّرَ كُرِهَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحْرُمْ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ 267 أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نُبْذَةً صَالِحَةً مِنْ آدَابِ السَّفَرِ وَالْمُسَافِرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسِيرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْت فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ بَابًا حَسَنًا فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( أَحَدُهُمَا ) يَكُونُ عَلَى تَسْيِيرِ الْحَجِيجِ ( وَالثَّانِي ) عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ وِلَايَةُ سِيَاسَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَشَرْطُ الْمُتَوَلِّي أَنْ يَكُونَ مُطَاعًا ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ وَهِدَايَةٍ وَيَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ : ( أَحَدُهَا ) جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمْ وَنُزُولِهِمْ حَتَّى لَا يَتَفَرَّقُوا ، فَيُخَافُ عَلَيْهِمْ .
( الثَّانِي ) تَرْتِيبُهُمْ فِي السَّيْرِ وَالنُّزُولِ وَإِعْطَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُقَادًا حَتَّى يَعْرِفَ كُلُّ فَرِيقٍ مُقَادَهُ إذَا سَارَ ، وَإِذَا نَزَلَ ، وَلَا يَتَنَازَعُوا وَلَا يَضِلُّوا عَنْهُ .
( الثَّالِثُ ) يَرْفُقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ وَيَسِيرُ بِسَيْرِ أَضْعَفِهِمْ .
( الرَّابِعُ ) يَسْلُكُ بِهِمْ أَوْضَحَ الطُّرُقِ وَأَخْصَبَهَا .
( الْخَامِسُ ) يَرْتَادُ لَهُمْ الْمِيَاهَ وَيُوَفِّرُ الْمِيَاهَ إذَا قَلَّتْ .
( السَّادِسُ ) يَحْرُسُهُمْ إذَا نَزَلُوا وَيَحُوطُهُمْ إذَا رَحَلُوا حَتَّى لَا يَتَخَطَّفَهُمْ مُتَلَصِّصٌ .
( السَّابِعُ ) يَكُفُّ عَنْهُمْ مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنْ الْمَسِيرِ بِقِتَالٍ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ 264 بِبَذْلِ مَالٍ إنْ أَجَابَ الْحَجِيجُ إلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إجْبَارُ أَحَدٍ عَلَى بَذْلِ الْخِفَارَةِ إنْ امْتَنَعَ ، لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ لِلْخِفَارَةِ لَا يَجِبُ .
( الثَّامِنُ ) يُصْلِحُ مَا بَيْنَ الْمُتَنَازَعَيْنِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمُ وَهُوَ قَائِمٌ بِشُرُوطٍ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ دَخَلُوا بَلَدًا جَازَ لَهُ وَلِحَاكِمِ الْبَلَدِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ ، وَلَوْ تَنَازَعَ وَاحِدٌ مِنْ الْحَجِيجِ وَوَاحِدٌ مِنْ الْبَلَدِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إلَّا حَاكِمُ الْبَلَدِ .
( التَّاسِعُ ) يُؤَدِّبُ خَائِنَهُمْ وَلَا يُجَاوِزُ التَّعْزِيرَ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْحَدِّ فَيَسْتَوْفِيَهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ ، فَإِنْ دَخَلَ بَلَدًا فِيهِ مُتَوَلًّى لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي مِنْ الْحَجِيجِ أَتَى بِالْخِيَانَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْبَلَدِ فَوَالِي الْحَجِّ أَوْلَى بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولِهِ الْبَلَدَ فَوَالِي الْبَلَدِ أَوْلَى بِهِ .
( الْعَاشِرُ ) يُرَاعِي اتِّسَاعَ الْوَقْتِ حَتَّى يُؤْمَنَ الْفَوَاتُ ، وَلَا يَلْحَقُهُمْ ضِيقٌ مِنْ الْحَثِّ عَلَى السَّيْرِ ، فَإِذَا وَصَلُوا الْمِيقَاتَ أَمْهَلَهُمْ لِلْإِحْرَامِ وَإِقَامَةِ سُنَنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا دَخَلَ بِهِمْ مَكَّةَ وَخَرَجَ مَعَ أَهْلِهَا إلَى مِنًى ثُمَّ عَرَفَاتٍ ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا عَدَلَ إلَى عَرَفَاتٍ مَخَافَةَ الْفَوَاتِ ، فَإِذَا وَصَلُوا مَكَّةَ ، فَمَنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْعَوْدِ زَالَتْ وِلَايَةُ وَالِي الْحَجِيجِ عَنْهُ ، وَمَنْ كَانَ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ فَهُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ طَاعَتِهِ فَإِذَا قَضَى النَّاسُ حَجَّهُمْ أَمْهَلَهُمْ الْأَيَّامَ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا لِإِنْجَازِ حَوَائِجِهِمْ وَلَا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ ، فَإِذَا رَجَعُوا سَارَ بِهِمْ إلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ 265 وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ ، فَهُوَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الشَّرْعِ الْمُسْتَحَبَّةِ ، وَعَادَاتِ الْحَجِيجِ الْمُسْتَحْسَنَةِ ، ثُمَّ يَكُونُ فِي عَوْدِهِ بِهِمْ مُلْتَزِمًا مِنْ الْحُقُوقِ لَهُمْ مَا كَانَ مُلْتَزِمًا فِي ذَهَابِهِ حَتَّى يَصِلَ الْبَلَدَ الَّذِي سَارَ بِهِمْ مِنْهُ وَتَنْقَطِعَ وِلَايَتُهُ بِالْعَوْدِ إلَيْهِ ( الضَّرْبُ الثَّانِي ) أَنْ تَكُونَ الْوِلَايَةُ عَلَى إقَامَةِ الْحَجِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ وَإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ ، فَمِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي أَئِمَّةِ الصَّلَوَاتِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَحْكَامِهِ وَمَوَاقِيتِهِ وَأَيَّامِهِ ، وَتَكُونُ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ الْيَوْمَ السَّابِعَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَآخِرُهَا الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مِنْ الرَّعِيَّةِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ عَلَى الْحَجِّ فَلَهُ إقَامَتُهُ كُلَّ سَنَةٍ مَا لَمْ يُعْزَلْ عَنْهُ ، وَإِنْ عُقِدَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً لَمْ يَتَجَاوَزْهَا إلَّا بِوِلَايَةٍ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِوِلَايَتِهِ وَيَكُونُ نَظَرُهُ عَلَيْهِ مَقْصُورًا خَمْسَةَ أَحْكَامٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَسَادِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .
( أَحَدُهَا ) إعْلَامُ النَّاسِ بِوَقْتِ إحْرَامِهِمْ ، وَالْخُرُوجِ إلَى مَشَاعِرِهِمْ لِيَكُونُوا مَعَهُ مُقْتَدِينَ بِأَفْعَالِهِ .
( وَالثَّانِي ) تَرْتِيبُهُ الْمَنَاسِكَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ فَلَا يُقَدِّمُ مُؤَخَّرًا ، وَلَا يُؤَخِّرُ مُقَدَّمًا ، سَوَاءٌ كَانَ التَّقْدِيمُ مُسْتَحَبًّا أَوْ وَاجِبًا ، لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ .
( الثَّالِثُ ) تَقْدِيرُ الْمَوَاقِيتِ بِمَقَامِهِ فِيهَا وَمَسِيرِهِ عَنْهَا ، كَمَا تَتَقَدَّرُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ( الرَّابِعُ ) اتِّبَاعُهُ فِي الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَالتَّأْمِينِ عَلَى 266 دُعَائِهِ .
( الْخَامِسُ ) إقَامَتُهُمْ الصَّلَوَاتِ الَّتِي شُرِعَتْ خُطَبُ الْحَجِّ فِيهَا وَجَمْعُهُمْ لَهَا ، وَهِيَ أَرْبَعُ خُطَبٍ سَبَقَ بَيَانُهُنَّ ، أُولَاهُنَّ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَهِيَ أَوَّلُ شُرُوعِهِ فِي مَنَاسِكِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّلْبِيَةِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا ، وَبِالتَّكْبِيرِ إنْ كَانَ حَلَالًا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ ، بَلْ يُقِيمُ بِمِنًى لَيْلَةَ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، يَنْفِرُ النَّفْرَ الثَّانِيَ مِنْ غَدِهِ بَعْدَ رَمْيِهِ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فَلَمْ يَنْفِرْ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ الْمَنَاسِكِ ، فَإِذَا نَفَر النَّفْرَ الثَّانِي انْقَضَتْ وِلَايَتُهُ .
وَأَمَّا الْحُكْمُ السَّادِسُ الْمُخْتَلِفُ فِيهِ فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ .
( أَحَدُهَا ) إذَا فَعَلَ بَعْضُ الْحَجِيجِ مَا يَقْتَضِي تَعْزِيرًا أَوْ حَدًّا فَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ وَلَا حَدُّهُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَجِّ فَلَهُ تَعْزِيرُهُ ، وَهَلْ لَهُ حَدُّهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْحَجِيجِ فِيمَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ وَفِي الْمُتَعَلِّقِ بِالْحَجِّ كَالزَّوْجَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ وَمُؤْنَةِ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ .
( الثَّالِثُ ) أَنْ يَفْعَلَ بَعْضُهُمْ مَا يَقْتَضِي فِدْيَةً فَلَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ وُجُوبَهَا وَيَأْمُرَهُ بِإِخْرَاجِهَا ، وَهَلْ لَهُ إلْزَامُهُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَمِيرِ الْحَجِّ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مَا يُسَوَّغُ فِعْلُهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ اقْتِدَاءَ النَّاسِ بِفَاعِلِهِ وَلَيْسَ لَهُ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَلَوْ أَقَامَ الْمَنَاسِكَ وَهُوَ حَلَالٌ كُرِهَ ذَلِكَ وَصَحَّ الْحَجُّ ، وَلَوْ قَصَدَ النَّاسُ التَّقَدُّمَ عَلَى الْأَمِيرِ أَوْ التَّأَخُّرَ كُرِهَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحْرُمْ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ 267 أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نُبْذَةً صَالِحَةً مِنْ آدَابِ السَّفَرِ وَالْمُسَافِرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسِيرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْت فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ بَابًا حَسَنًا فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث