المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
page 5338 · printed p. 96 · commentary
96 الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ أَنَسٍ وَحَدِيثُ عَدِيٍّ فَرَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَلَفْظُ رِوَايَتَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : " ابْعَثْهَا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَحَذَفَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ مُقَيَّدَةً ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ عَائِشَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَآخَرُونَ ، وَسَبَقَ إيضَاحُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ ، فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّسْمِيَةِ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ فَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بَعْضَهُ وَلَفْظُهُمَا { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ } ( وَأَمَّا ) الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ فَصَحِيحٌ ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
( وَقَوْلُهُ ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : " قِيَامًا مُقَيَّدَةً " أَيْ مَعْقُولَةً إحْدَى الرِّجْلَيْنِ ( وَقَوْلُهُ ) سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ بِنَصَبِ سُنَّةٍ ، أَيْ الْزَمْ ( سُنَّةَ . . . ) أَوْ افْعَلْهَا ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ أَيْ هَذِهِ ( سُنَّةُ . . . ) ، وَالْأَعْرَابُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ ، وَالْمَرِيءُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ وَالرُّوحُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، لُغَتَانِ ، وَالنُّخَاعُ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَآخَرُونَ ، وَالنَّخْعُ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ وَقَدْ فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : النَّخْعُ لِلذَّبِيحَةِ أَنْ يُعَجَّلَ الذَّابِحَ فَيَبْلُغَ الْقَطْعُ إلَى النُّخَاعِ ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : وَالنُّخَاعُ خَيْطٌ أَبْيَضُ يَكُونُ دَاخِلَ عَظْمِ الرَّقَبَةِ ، وَيَكُونُ مُمْتَدًّا إلَى الصُّلْبِ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَيْضًا : هُوَ خَيْطُ الْفَقَارِ الْمُتَّصِلُ بِالدِّمَاغِ . هَذَا نَقْلُ الْأَزْهَرِيِّ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَةِ وَقَالَ فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الْمُخْتَصَرِ : النَّخْعُ قَطْعُ النُّخَاعِ وَهُوَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الَّذِي مَادَّتُهُ مِنْ الدِّمَاغِ فِي جَوْفِ الْفَقَارِ كُلِّهَا إلَى عَجْبِ الذَّنَبِ ، وَإِنَّمَا تُنْخَعُ الذَّبِيحَةُ إذَا أُبِينَ رَأْسُهَا ، وَالْفَقَارُ بِفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ قَافٍ وَأَمَّا عَجْبُ الذَّنَبِ فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَهُوَ أَصْلُ الذَّنَبِ .
( وَأَمَّا ) أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فَبِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالنُّونِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ ( وَأَمَّا ) الْفُرَافِصَةُ فَبِضَمِّ الْفَاءِ 97 الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ ( وَقَوْلُهُ ) لَا تَعْجَلُونَ الْأَنْفُسَ هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ ( قَوْلُهُ ) : الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ هِيَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الثُّغْرَةُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْعُنُقِ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) السُّنَّةُ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ ، وَهُوَ قَطْعُ الْحَلْقِ أَسْفَلَ الْعُنُقِ ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحُ ، وَهُوَ قَطْعُ الْحَلْقِ أَعْلَى الْعُنُقِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِي الْبَقَرِ بَيْنَ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَالْخَيْلُ كَالْبَقَرِ ، وَكَذَا حِمَارُ الْوَحْشِ وَبَقَرُهُ وَنَحْوُهَا فَلَوْ خَالَفَ وَذَبَحَ الْإِبِلَ وَنَحَرَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ حَلَّتْ الْمُذَكَّاةُ ، وَكَانَ تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ ، وَهَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ( الصَّحِيحُ ) الْمَشْهُورُ لَا يُكْرَهُ ، لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ هُوَ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ ( وَالثَّانِي ) يُكْرَهُ .
( الثَّانِيَةُ ) لِلسُّنَّةِ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ قَائِمًا عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ ، مَعْقُولَ الرُّكْبَةِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْمَعْقُولَةُ الْيُسْرَى ، فَإِنْ لَمْ يَنْحَرْهُ قَائِمًا فَبَارِكًا ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تُضْجَعَ الْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ ، وَتُتْرَكَ رِجْلُهَا الْيُمْنَى ، وَتُشَدَّ قَوَائِمُهَا الثَّلَاثُ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى ، قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَالْخَيْلُ وَالصَّيُودُ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ .
( الثَّالِثَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَجَّهَ الذَّابِحُ إلَى الْقِبْلَةِ ، وَيُوَجِّهَ الذَّبِيحَةَ إلَيْهَا ، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ ذَبِيحَةٍ ، وَهُوَ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا ، لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْقُرُبَاتِ ، وَفِي كَيْفِيَّةِ تَوْجِيهِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ سَبَقَتْ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ ( أَصَحُّهَا ) يُوَجِّهُ مَذْبَحَهَا 98 إلَى الْقِبْلَةِ ، وَلَا يُوَجِّهُ وَجْهَهَا لِيُمْكِنَهُ هُوَ أَيْضًا الِاسْتِقْبَالُ ( وَالثَّانِي ) يُوَجِّهُهَا بِجَمِيعِ بَدَنِهَا ( وَالثَّالِثُ ) يُوَجِّهُ قَوَائِمَهَا .
( الرَّابِعَةُ ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ الذَّبْحِ وَعِنْدَ إرْسَالِ الْكَلْبِ أَوْ السَّهْمِ إلَى الصَّيْدِ ، فَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ وَالصَّيْدُ ، لَكِنْ فِي تَرْكِهَا عَمْدًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( الصَّحِيحُ ) أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ( وَالثَّانِي ) لَا يُكْرَهُ ( وَالثَّالِثُ ) يَأْثَمُ بِهِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً بِفُرُوعِهَا الْكَثِيرَةِ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَعَ بَيَانِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ بِأَدِلَّتِهَا فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ : وَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الذَّبْحِ وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ . وَلَا تُكْرَهُ . وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .
( الْخَامِسَةُ ) فِي حَقِيقَةِ الذَّبْحِ ، وَقَدْ لَخَصَّهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَجَمَعَ فِيهِ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَهَذَّبَهَا وَهُوَ كَمَا قَالَ ، قَالَ : الذَّبْحُ الَّذِي يُبَاحُ بِهِ الْحَيَوَانُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ إنْسِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا ، أُضْحِيَّةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا . هُوَ التَّدْقِيقُ بِقَطْعِ جَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، مِنْ حَيَوَانٍ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، بِآلَةٍ لَيْسَتْ عَظْمًا وَلَا ظُفُرًا ، فَهَذِهِ قُيُودٌ ( أَمَّا ) الْقَطْعُ فَاحْتِرَازٌ مِمَّا لَوْ اخْتَطَفَ رَأْسَ عُصْفُورٍ وَغَيْرِهِ بِيَدٍ أَوْ بِبُنْدُقَةٍ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ مَيْتَةٌ ( وَأَمَّا ) الْحُلْقُومُ فَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ خُرُوجًا وَدُخُولًا ، وَالْمَرِيءُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ تَحْتَ الْحُلْقُومِ وَوَرَاءَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ يُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ ، وَقِيلَ : يُحِيطَانِ بِالْمَرِيءِ ، يُقَالُ لَهُمَا : الْوَدَجَانِ ، وَيُقَالُ لِلْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مَعَهُمَا الْأَوْدَاجُ . وَيُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الذَّكَاةِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُ يَكْفِي قَطْعُ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَبْقَى بَعْدَهُ قَالَ الْأَصْحَابُ : 99 هَذَا خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَخِلَافُ مَقْصُودِ الذَّكَاةِ وَهُوَ الْإِزْهَاقُ بِمَا يُوحِي وَلَا يُعَذِّبُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْطَعَ الْوَدَجَيْنِ مَعَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ لِأَنَّهُ أَوْحَى وَالْغَالِبُ أَنَّهُمَا يُقْطَعَانِ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَلَوْ تَرَكَهُمَا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ تَرَكَ مِنْ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ شَيْئًا وَمَاتَ الْحَيَوَانُ فَهُوَ مَيْتَةٌ ، وَكَذَا لَوْ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَقَطَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَتْرُوكَ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا أَنَّهُ إذَا بَقِيَ مِنْ الْحُلْقُومِ أَوْ الْمَرِيءِ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا يَضُرُّ بَلْ تَحْصُلُ الذَّكَاةُ وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ . وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ قَطَعَ مِنْ الْقَفَا حَتَّى وَصَلَ الْحُلْقُومَ مِنْ الْمَرِيءِ عَصَى لِزِيَادَةِ الْإِيلَامِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ وَصَلَ إلَى الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَقَدْ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ لَمْ يَحِلَّ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنْ وَصَلَهُمَا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَقَطَعَهُمَا حَلَّ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ ذَكَّاهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلَوْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ قَطْعِ الْمَرِيءِ ، وَلَكِنْ لَمَّا قَطَعَ بَعْضَ الْحُلْقُومِ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، لِمَا نَالَهُ مِنْ قَبْلُ بِسَبَبِ قَطْعِ الْقَفَا ، فَهُوَ حَلَالٌ لِأَنَّ أَقْصَى مَا وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِقَطْعِ الْمَذْبَحِ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْقَطْعُ مِنْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ كَالْقَطْعِ مِنْ الْقَفَا ، قَالُوا : وَلَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي أُذُنِ الثَّعْلَبِ لِيَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ مِنْ دَاخِلِ الْجِلْدِ فَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ ، وَلَوْ أَمَرَّ السِّكِّينَ مُلْتَصِقًا بِاللَّحْيَيْنِ فَوْقَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، وَأَبَانَ الرَّأْسَ ، فَلَيْسَ هُوَ بِذَبْحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ . وَأَمَّا كَوْنُ التَّدْقِيقِ حَاصِلًا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) لَوْ أَخَذَ الذَّابِحُ فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، وَأَخَذَ آخَرُونَ 100 فِي نَزْعِ خَيْشُومِهِ أَوْ نَخَسَ خَاصِرَتَهُ لَمْ يَحِلَّ ، لِأَنَّ التَّدْقِيقَ لَمْ يَتَمَحَّصْ لِلْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا تَحَرَّى بِهِ قَطْعَ الْحُلْقُومِ مِمَّا يُدَقِّقُ وَلَوْ انْفَرَدَ أَوْ كَانَ يُعِينُ عَلَى التَّدْقِيقِ ، وَلَوْ اُقْتُرِنَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ بِقَطْعِ رَقَبَةِ الشَّاةِ مِنْ قَفَاهَا ، بِأَنْ كَانَ يُجْرِي سِكِّينًا مِنْ الْقَفَا وَسِكِّينًا مِنْ الْحُلْقُومِ حَتَّى الْتَقَتَا فَهِيَ مَيْتَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ قَطْعُ الْقَفَا وَبَقِيَتْ الْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةٌ إلَى وُصُولِ السِّكِّينِ الْمَذْبَحَ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) يَجِبُ أَنْ يَشْرَعَ الذَّابِحُ فِي الْقَطْعِ ، وَلَا يَتَأَنَّى بِحَيْثُ يَظْهَرُ انْتِهَاءُ الشَّاةِ قَبْلَ اسْتِتْمَامِ قَطْعِ الْمَذْبَحِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، هَكَذَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَذَا قَدْ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْمُتَعَبَّدَ بِهِ كَوْنُ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الِابْتِدَاءِ ، قَالَ : فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُنَا إذَا تَبَيَّنَ مَصِيرَهُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، وَهُنَاكَ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْحَالُ ، هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ خِلَافُ مَا سَبَقَ تَصْرِيحَ الْإِمَامِ بِهِ . بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُقَصِّرٌ فِي التَّأَنِّي لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ لَا تَقْصِيرَ فِي حَقِّهِ ، وَلَوْ لَمْ يُحْلِلْهُ أَدَّى إلَى حَرَجٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا كَوْنُ الْحَيَوَانِ عِنْدَ الْقَطْعِ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَفِيهِ صُوَرٌ ( إحْدَاهَا ) لَوْ جَرَحَ السَّبُعُ شَاةً أَوْ صَيْدًا ، أَوْ انْهَدَمَ سَقْفٌ عَلَى بَهِيمَةٍ ، أَوْ جَرَحَتْ هِرَّةٌ حَمَامَةً ثُمَّ أُدْرِكَتْ حَيَّةً فَذُبِحَتْ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَلَّتْ وَإِنْ تَيَقَّنَ هَلَاكَهَا بَعْدَ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَمْ يَحِلَّ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَحَكَى قَوْلَ أَنَّهَا تَحِلُّ فِي الْحَالَيْنِ ، وَقَوْلَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ فِي الْحَالَيْنِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّاةِ إذَا مَرِضَتْ وَصَارَتْ إلَى أَدْنَى رَمَقٍ فَذُبِحَتْ ، فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَالُ الْهَلَاكُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الْمَسْأَلَةَ وَأَوْهَمَ فِيهَا خِلَافَ الصَّوَابِ ، قَالَ : إذَا أَشْرَفَتْ الْمَرِيضَةُ 101 عَلَى الْمَوْتِ لَمْ تَحِلَّ بِالذَّكَاةِ ، قَالَ : وَحَكَى صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا مَا دَامَتْ تَضْرِبُ بِذَنَبِهَا وَتَفْتَحُ عَيْنَهَا حَلَّتْ بِالذَّكَاةِ قَالَ : وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِيهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ ، وَإِنَّمَا حَرَكَتُهَا حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ . هَذَا كَلَامُهُ : وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ ، وَلَوْ أَكَلَتْ الشَّاةُ نَبَاتًا مُخْضَرًّا فَصَارَتْ إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ فَذُبِحَتْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مَرَّةً : فِي حِلِّهَا وَجْهَانِ وَجَزَمَ مَرَّةً بِالتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبٌ يُحَالُ الْهَلَاكُ عَلَيْهِ فَصَارَ كَجُرْحِ السَّبُعِ .
( فَرْعٌ ) كَوْنُ الْحَيَوَانِ مُنْتَهِيًا إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ أَوْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، تَارَةً يُسْتَيْقَنُ ، وَتَارَةً يَظْهَرُ بِعَلَامَاتٍ وَقَرَائِنَ لَا تَضْبِطُهَا الْعِبَارَةُ ، وَشَبَّهَهُ الْأَصْحَابُ بِعَلَامَاتِ الْخَجَلِ وَالْغَضَبِ وَنَحْوِهِمَا . قَالُوا : وَمِنْ أَمَارَاتِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ الْحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَانْفِجَارِ الدَّمِ وَتَدَفُّقِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكْفِي دَلِيلًا عَلَى بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ قَالَ : وَالْأَصَحُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا لَا يَكْفِي لِأَنَّهُمَا قَدْ يَحْصُلَانِ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ لَكِنْ قَدْ يَنْضَمُّ إلَى أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا قَرَائِنُ وَأَمَارَاتٌ أُخَرُ تُفِيدُ الظَّنَّ أَوْ الْيَقِينَ ، فَيَجِبُ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ . هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَاخْتَارَ الْمُزَنِيّ وَطَوَائِفُ مِنْ الْأَصْحَابِ الِاكْتِفَاءَ بِالْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ وَحَكَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ وَقَعَتْ الْمَسْأَلَةُ مَرَّاتٍ فِي الْفَتَاوَى فَكَانَ الْجَوَابُ فِيهَا أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ تُعْرَفُ بِقَرَائِنَ يُدْرِكُهَا النَّاظِرُ ، وَمِنْ عَلَامَاتِهَا الْحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَجَرَيَانِ الدَّمِ فَإِذَا حَصَلَتْ قَرِينَةٌ مَعَ أَحَدِهِمَا حَلَّ الْحَيَوَانُ ، وَالْمُخْتَارُ الْحِلُّ بِالْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ وَحْدَهَا . فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي نَعْتَمِدُهُ . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ مَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ الْحَيَوَانُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ بِأَنْ يُشَقَّ جَوْفُهَا ، وَظَهَرَتْ الْأَمْعَاءُ وَلَمْ تَنْفَصِلْ ، فَإِذَا ذُكِّيَتْ حَلَّتْ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُنْزَلٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . 102 وَإِذَا شَكَّ فِي الْمَذْبُوحِ هَلْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَالَ ذَبْحِهِ ؟ أَمْ لَا ؟ فَفِي حِلِّهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) الْحِلُّ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) التَّحْرِيمُ لِلشَّكِّ فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( وَأَمَّا ) قَوْلُنَا فِي الْآلَةِ : لَيْسَتْ ظُفُرًا وَلَا عَظْمًا فَمَعْنَاهُ جَوَازُ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ إلَّا الْعَظْمَ أَوْ الظُّفُرَ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ قَرِيبًا وَاضِحَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - : إذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ أَوْ الْمَرِيءَ وَالْوَدَجَيْنِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَبِينَ رَأْسَهُ فِي الْحَالِ ، وَأَنْ يَزِيدَ فِي الْقَطْعِ وَأَنْ يَكْسِرَ عُنُقَهَا وَأَنْ يَكْسِرَ الْفَقَارَ ، وَأَنْ يَقْطَعَ عُضْوًا مِنْهَا وَأَنْ يُحَرِّكَهَا ، وَأَنْ يَنْقُلَهَا إلَى مَكَان آخَرَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بَلْ يَتْرُكُهُ كُلَّهُ حَتَّى تُفَارِقَهَا الرُّوحُ وَتَبْرُدَ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُمْسِكَهَا بَعْدَ الذَّبْحِ مَانِعًا لَهَا مِنْ الِاضْطِرَابِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَدِلَّةَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith