المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
( الشَّرْحُ ) هَذَا الْفَصْلُ مَعَ الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ وَالْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَهُ مُرْتَبِطَةٌ ، وَمَسَائِلُهَا مُتَدَاخِلَةٌ ، وَهِيَ مُتَشَعِّبَةٌ ، وَقَدْ لَخَصَّهَا الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ، فَأَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْقُلُ مَا ذَكَرَهُ ، وَأَضُمُّ إلَيْهِ مَا تَرَكَهُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ الرَّافِعِيُّ : الِاشْتِرَاكُ فِي الصَّيْدِ وَالِازْدِحَامِ عَلَيْهِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ : ( الْحَالُ الْأَوَّلُ ) أَنْ يَتَعَاقَبَ جُرْحَانِ مِنْ اثْنَيْنِ ، فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ مُذَفِّفًا وَلَا مُزْمِنًا ، بَلْ بَقِيَ عَلَى امْتِنَاعِهِ ، وَكَانَ الثَّانِي مُذَفِّفًا أَوْ مُزْمِنًا فَالصَّيْدُ لِلثَّانِي وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ بِجِرَاحَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ مُذَفِّفًا فَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ بِرَمْيِهِ ، وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ مُزْمِنًا مَلَكَ الصَّيْدَ بِهِ وَنُفَصِّلُ فِي الثَّانِي ، فَإِنْ ذَفَّفَ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْأَوَّلِ ، وَعَلَى الثَّانِي لِلْأَوَّلِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ 155 مَذْبُوحًا وَمُزْمِنًا ، قَالَ الْإِمَامُ : إنَّمَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ . وَإِنْ كَانَ مُتَأَلِّمًا بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُذْبَحْ لَهَلَكَ ، فَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ بِالذَّبْحِ شَيْءٌ ، فَإِنْ ذَفَّفَ الثَّانِي لَا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ أَوْ لَمْ يُذَفِّفْ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ فَهُوَ صَيْدٌ ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَزْمَنَهُ ثُمَّ رَمَى إلَيْهِ ثَانِيًا وَذَفَّفَ لَا بِقَطْعِ الْمَذْبَحِ ، وَيَجِبُ عَلَى الثَّانِي كَمَالُ قِيمَةِ الصَّيْدِ مَجْرُوحًا . إنْ كَانَ ذَفَّفَ ، فَإِنْ كَانَ جُرْحٌ لَا يُذَفَّفُ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ ، فَفِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَلَامٌ لَهُ مُقَدِّمَةٌ نَذْكُرُهَا أَوَّلًا وَهِيَ : إذَا جَنَى رَجُلٌ عَلَى عَبْدِ إنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَتِهِ ، أَوْ صَيْدٍ مَمْلُوكٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، جِرَاحَةً أَرْشُهَا دِينَارٌ ثُمَّ جَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً أَرْشُهَا دِينَارٌ أَيْضًا فَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ فَفِيمَا يَلْزَمُ الْجَارِحَيْنِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ : ( أَحَدُهَا ) يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ لِأَنَّ الْجُرْحَيْنِ سَرَيَا وَصَارَا قَتْلًا ، فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَتِهِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَضَعَّفَهُ الْأَصْحَابُ ، لِأَنَّ فِيهِ ضَيَاعَ نِصْفِ دِينَارٍ عَلَى الْمَالِكِ .
( وَالثَّانِي ) قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ دِينَارًا فَلَزِمَهُ ثُمَّ مَاتَ بِجُرْحَيْهِمَا فَلَزِمَهُمَا بَاقِي قِيمَتِهِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَصَارَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَصَتْ جِنَايَةُ الْأَوَّلِ دِينَارًا وَجِنَايَةُ الثَّانِي دِينَارَيْنِ لَزِمَ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ وَلَزِمَ الثَّانِي خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ ، وَلَوْ نَقَصَتْ جِنَايَةُ الْأَوَّلِ دِينَارَيْنِ وَجِنَايَةُ الثَّانِي دِينَارًا انْعَكَسَ ، فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَيَلْزَمُ الثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ ، وَضَعَّفَ الْأَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهَ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ قِيمَتِهِ حَالَ أَخْذِهِمَا .
( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَفَّالِ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ ، وَالثَّانِي خَمْسَةٌ ، لِأَنَّ جِنَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ نَقَصَتْ دِينَارًا 156 ثُمَّ سَرَيَا وَالْأَرْشُ يَسْقُطُ إذَا صَارَتْ الْجِنَايَةُ نَفْسًا ، فَيَسْقُطُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الْأَرْشِ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ نِصْفُ الْقَتْلِ ( وَاعْتَرَضُوا ) عَلَى هَذَا بِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُتْلِفِ ، وَأَجَابَ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَنْجَرُّ إلَى إيجَابِ زِيَادَةٍ ، كَمَنْ قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ ( وَأُجِيبُ ) عَنْهُ بِأَنَّ قَاطِعَ الْيَدَيْنِ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْقَتْلِ ، بَلْ الْقَتْلُ يَقْطَعُ أَثَرَ الْقَطْعِ وَيَقَعُ مَوْقِعَ الِانْدِمَالِ ، وَهُنَا بِخِلَافِهِ .
( وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ ) قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ ، وَنِصْفُ الْأَرْشِ لَكِنْ لَا يَزِيدُ الْوَاجِبُ عَلَى الْقِيمَةِ ، فَيُجْمَعُ مَا لَزِمَهُمَا تَقْدِيرًا ، وَهُوَ عَشَرَةٌ وَنِصْفٌ ، وَتُقْسَمُ الْقِيمَةُ وَهِيَ عَشَرَةٌ عَلَى الْعَشَرَةِ وَالنِّصْفِ لِيُرَاعَى التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا ، فَيُبَسَّطُ أَنْصَافًا ، فَيَكُونُ إحْدَى وَعِشْرِينَ فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ إحْدَى عَشْرَةَ جُزْءًا مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ ، وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ عَشَرَةٌ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ عَشَرَةٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِإِفْرَادِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَنْ بَدَلِ النَّفْسِ .
( وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ ) قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَغَيْرُهُ ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ ، وَالثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ انْفَرَدَ بِالْجُرْحِ وَالسِّرَايَةِ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا مَا لَزِمَ الثَّانِيَ ، وَالثَّانِي إنَّمَا جَنَى عَلَى نِصْفِ مَا يُسَاوِي تِسْعَةً ، وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا .
( وَالْوَجْهُ السَّادِسُ ) قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ . وَأَطْبَقَ الْعِرَاقِيُّونَ عَلَى تَرْجِيحِهِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ فَيَكُونُ تِسْعَةَ عَشَرَ ، فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِ مَا فَوَّتَا ، وَهِيَ عَشَرَةٌ ، فَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ ، وَعَلَى الثَّانِي تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . أَمَّا إذَا كَانَتْ الْجُنَاةُ ثَلَاثَةً ، وَأَرْشُ كُلِّ جِنَايَةٍ دِينَارٌ ، وَالْقِيمَةُ عَشَرَةٌ . 157 فَعَلَى طَرِيقَةِ الْمُزَنِيِّ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ ، هِيَ ثُلُثُ سَهْمِ الْقِيمَةِ ، وَثُلُثَانِ هُمَا ثُلُثَا الْأَرْشِ وَيَلْزَمُ الثَّالِثَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا دِينَارَانِ وَثُلُثٌ هِيَ ثُلُثُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَثُلُثَانِ هُمَا ثُلُثَا الْأَرْشِ فَالْجُمْلَةُ عَشَرَةٌ وَثُلُثَانِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ تُوَزَّعُ الْعَشَرَةُ عَلَى عَشَرَةٍ وَثُلُثَيْنِ ، وَعَلَى الْخَامِسِ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ وَثُلُثٌ وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ ثَلَاثَةٌ ، وَالثَّالِثَ دِينَارَانِ وَثُلُثَانِ ، وَعَلَى السَّادِسِ تُجْمَعُ الْقِيَمُ فَتَكُونُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ فَتُقَسَّمُ الْعَشَرَةُ عَلَيْهَا .
( أَمَّا ) إذَا جَرَحَ مَالِكُ الْعَبْدِ أَوْ الصَّيْدِ جِرَاحَةً ، وَأَجْنَبِيٌّ أُخْرَى ، فَيُنْظَرُ فِي جِنَايَةِ الْمَالِكِ أَهِيَ الْأُولَى ؟ أَمْ الثَّانِيَةُ ؟ وَيُخْرَجُ عَلَى الْأَوْجَهِ فَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ ، وَتَجِبُ حِصَّةُ الْأَجْنَبِيِّ ، وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْجِنَايَتَيْنِ عَلَى الْعَبْدِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْجِنَايَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ ، فَإِنْ كَانَ فَلَيْسَ الْعَبْدُ فِيهَا كَالْبَهِيمَةِ وَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ ، حَتَّى لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ جِنَايَةً لَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ، فَنَقَصَتْ الْجِنَايَةُ عَشَرَةً ، ثُمَّ جَنَى آخَرُ جِنَايَةً لَا أَرْشَ لَهَا فَنَقَصَتْ عَشَرَةً أَيْضًا ، وَمَاتَ الْعَبْدُ مِنْهُمَا . فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ ، يَدْفَعُ مِنْهَا خَمْسَةً إلَى الْأَوَّلِ . قَالَ : فَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى ، لَزِمَ الْأَوَّلَ نِصْفُ أَرْشِ الْيَدِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَهُوَ خَمْسُونَ ، وَلَزِمَ الثَّانِيَ نِصْفُ أَرْشِ الْيَدِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ ، فَالْجُمْلَةُ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ جَمِيعُهَا لِلسَّيِّدِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ وَاجِبُهَا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ فَقَتَلَهُ آخَرُ .
هَذَا بَيَانُ الْمُقَدِّمَةِ وَنَعُودُ إلَى الصَّيْدِ فَنَقُولُ : 158 إذَا جَرَحَ الثَّانِي جِرَاحَةً غَيْرَ مُذَفِّفَةٍ وَمَاتَ الصَّيْدُ بِالْجُرْحَيْنِ ، نُظِرَ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْأَوَّلُ مِنْ ذَبْحِهِ لَزِمَ الثَّانِيَ تَمَامُ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا لِأَنَّهُ صَارَ مَيِّتًا بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَحَ شَاةَ نَفْسِهِ وَجَرَحَهَا آخَرُ وَمَاتَتْ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي إلَّا نِصْفُ الْقِيمَةِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجُرْحَيْنِ هُنَاكَ حَرَامٌ وَالْهَلَاكُ حَصَلَ بِهِمَا ، وَهُنَا فِعْلُ الْأَوَّلِ اكْتِسَابٌ وَذَكَاةٌ ، ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنْ يُقَالَ : إذَا كَانَ الصَّيْدُ يُسَاوِي عَشَرَةً غَيْرَ مُزْمِنٍ وَتِسْعَةً مُزْمِنًا لَزِمَ الثَّانِيَ تِسْعَةٌ ، وَاسْتَدْرَكَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فَقَالَ : فِعْلُ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إفْسَادًا فَيُؤَثِّرُ فِي الذَّبْحِ ، وَحُصُولِ الزُّهُوقِ قَطْعًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ ، فَيُقَالُ : إذَا كَانَ غَيْرَ مُزْمِنٍ يُسَاوِي عَشَرَةً ، وَمُزْمِنًا تِسْعَةً ، وَمَذْبُوحًا ثَمَانِيَةً . تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ أَثَّرَ فِي فَوَاتِهِ الْفِعْلَانِ فَوُزِّعَ عَلَيْهِمَا . قَالَ الْإِمَامُ : وَلِلنَّظَرِ فِي هَذَا مَجَالٌ . وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُفْسِدُ يَقْطَعُ أَثَرَ فِعْلِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ . وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ فَذَبَحَهُ لَزِمَ الثَّانِيَ أَرْشُ جِرَاحَتِهِ إنْ نَقَصَ بِهَا . وَإِنْ لَمْ يَذْبَحْهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فَوَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي سِوَى أَرْشُ النَّقْصِ ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الذَّبْحِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) يَضْمَنُ زِيَادَةً عَلَى الْأَرْشِ وَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ الذَّبْحَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ شَاتَه فَلَمْ يَذْبَحْهَا مَعَ التَّمَكُّنِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَضْمَنُ ( وَجْهَانِ ) قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ : يَضْمَنُ كَمَالَ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا كَمَا لَوْ ذَهَبَ بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ عَبْدَهُ أَوْ شَاتَه وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلِ هُنَاكَ إفْسَادٌ ، وَالتَّحْرِيمُ حَصَلَ بِهِمَا ، وَهُنَا الْأَوَّلُ إصْلَاحٌ ( وَالْأَصَحُّ ) قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ لَا يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ بَلْ هُوَ كَمَنْ جَرَحَ عَبْدَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ ، لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِهِمَا ، وَكِلَاهُمَا إفْسَادٌ أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ تَرْكَ الذَّبْحِ مَعَ التَّمَكُّنِ يَجْعَلُ الْجُرْحَ وَسِرَايَتَهُ إفْسَادًا ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ الْجُرْحُ الثَّانِي فَتَرَكَ الذَّبْحَ كَانَ الصَّيْدُ مَيْتَةً ، فَعَلَى هَذَا تَجِيءُ 159 الْأَوْجُهُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّوْزِيعِ عَلَى الْجُرْحَيْنِ ، فَمَا هُوَ فِي حِصَّةِ الْأَوَّلِ يَسْقُطُ ، وَتَجِبُ حِصَّةُ الثَّانِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْحَالُ الثَّانِي ) أَنْ يَقَعَ الْجُرْحَانِ مَعًا فَيُنْظَرُ إنْ تَسَاوَيَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُذَفِّفًا أَوْ مُزْمِنًا أَوْ انْفَرَدَا وَأَحَدُهُمَا مُذَفِّفًا وَالْآخَرُ مُزْمِنًا ، وَسَوَاءٌ تَفَاوَتَ الْجُرْحَانِ صِغَرًا وَكِبَرًا أَوْ تَسَاوَيَا ، أَوْ كَانَا فِي الْمَذْبَحِ أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِيهِ ، وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُزْمِنًا أَوْ مُذَفِّفًا لَوْ انْفَرَدَ ، وَالْآخَرُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ ، فَالصَّيْدُ لِمَنْ ذَفَّفَ أَوْ أَزْمَنَ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرَحْ مِلْكَ الْغَيْرِ ، وَلَوْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْإِزْمَانُ بِهِمَا وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا دُونَ ذَاكَ ، وَذَاكَ دُونَ هَذَا ، فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَحِلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ تَوَرُّعًا ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُذَفِّفٌ وَشَكَكْنَا هَلْ الْآخَرُ أَثَّرَ فِي الْإِزْمَانِ وَالتَّذْفِيفِ أَمْ لَا ؟ قَالَ الْقَفَّالُ : هُوَ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ لَهُ : لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ جِرَاحَةً مُذَفِّفَةً وَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً لَا يَدْرِي أَمُذَفِّفَةٌ هِيَ أَمْ لَا ؟ فَمَاتَ فَقَالَ : يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا ، قَالَ الْإِمَامُ : هَذَا بَعِيدٌ ، وَالْوَجْهُ تَخْصِيصُ الْقِصَاصِ بِصَاحِبِ الْمُذَفِّفَةِ ، وَفِي الصَّيْدِ يُسَلَّمُ نِصْفُهُ لِمَنْ جُرْحُهُ مُذَفِّفًا وَيُوقَفُ نِصْفُهُ بَيْنَهُمَا إلَى الْمُصَالَحَةِ أَوْ تَبَيُّنِ الْحَالِ ، فَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ بَيَانٌ جُعِلَ النِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( الْحَالُ الثَّالِثُ ) إذَا تَرَتَّبَ الْجُرْحَانِ وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ لَوْ انْفَرَدَ وَالْآخَرُ مُذَفِّفٌ وَارِدٌ عَلَى الْمَذْبَحِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ ، فَالصَّيْدُ حَلَالٌ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوَّلًا وَأَزْمَنَهُ ، أَوْ أَنَّهُ لَهُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ ، فَإِنْ حَلَفَ فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا . وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَالصَّيْدُ لَهُ ، وَعَلَى الْآخَرِ أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ ، وَلَوْ تَرَتَّبَا وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ وَالْآخَرُ مُذَفِّفٌ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ وَلَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ ، لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ الْإِزْمَانِ 160 فَلَا يَحِلُّ بَعْدَهُ إلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، وَقِيلَ قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْإِيمَاءِ السَّابِقَةِ ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ اجْتِمَاعُ الْمُبِيحِ وَالْمُحَرِّمِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ سَبَقَ هُنَاكَ جُرْحٌ يُحَالُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ أَزْمَنَهُ أَوَّلًا وَأَنَّ الْآخَرَ أَفْسَدَهُ ، فَالصَّيْدُ حَرَامٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ ، فَإِنْ حَلَفَا فَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا لَزِمَ الثَّانِيَ كُلُّ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا .
وَلَوْ قَالَ الْجَارِحُ أَوَّلًا : أَزْمَنْته أَنَا ، ثُمَّ أَفْسَدْته أَنْتَ بِقَتْلِك ، فَعَلَيْكَ الْقِيمَةُ ، وَقَالَ الثَّانِي : لَمْ تُزْمِنْهُ أَنْتَ بَلْ كَانَ امْتِنَاعُهُ إلَى أَنْ رَمَيْتَهُ فَأَزْمَنْته ، أَوْ ذَفَفْته ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى غَيْرِ جِرَاحَةِ الْأَوَّلِ وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَبْقَى امْتِنَاعٌ مَعَهَا كَكَسْرٍ وَكَسْرِ رِجْلِ الْمُمْتَنِعِ بِالْعَدْوِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ بِلَا يَمِينٍ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الِامْتِنَاعِ ، فَإِنْ حَلَفَ فَالصَّيْدُ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْأَوَّلُ وَاسْتَحَقَّ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا الْجِرَاحَةَ الْأُولَى ، وَلَا يَحِلُّ الصَّيْدُ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ بِزَعْمِهِ ، وَهَلْ لِلثَّانِي أَكْلُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ) : لَا ، لِأَنَّ إلْزَامَهُ الْقِيمَةَ حُكْمٌ بِكَوْنِهِ مَيْتَةً ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّ النُّكُولَ فِي خُصُومَةِ الْآدَمِيِّ لَا تُغَيِّرُ الْحُكْمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ الْجِرَاحَةَ الْمُذَفِّفَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الَّتِي لَوْ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ مُزْمِنَةً فَالصَّيْدُ حَلَالٌ ، فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ : أَنَا ذَفَفْته فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ ، فَإِنْ حَلَفَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا كَانَ لَهُ وَعَلَى الْآخَرِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُخْتَصَرِ : لَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا وَلَمْ يُدْرَ أَجْعَلهُ الْأَوَّلُ مُمْتَنِعًا أَمْ لَا لَجَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ : حَلَّ أَكْلُهُ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَقِيلَ : 161 يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ هَذَا الصَّيْدُ لِاجْتِمَاعِ مَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْأَصْلُ التَّحْرِيمُ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْحِلِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بَلْ يَكُونُ لِمَنْ أَثْبَتَهُ مِنْهُمَا ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَيْنِ الِاعْتِرَاضَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) تَرْكُ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَتَسْلِيمُ مَا قَالَهُ الْمُعْتَرِضِ وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : إنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ . فَأَرَادَ بِهِ إذَا عَقَرَهُ أَحَدُهُمَا فَأَثْبَتَهُ ، ثُمَّ أَصَابَ الثَّانِي مَحِلَّ الذَّكَاةِ ، فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ أَوْ أَثْبَتَاهُ وَلَمْ يَصِرْ فِي حُكْمِ الْمُمْتَنِعِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ أَحَدُهُمَا فَذَكَّاهُ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : إنَّهُ بَيْنَهُمَا فَأَرَادَ إذَا كَانَتْ يَدُهُمَا عَلَيْهِ ، وَلَا يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .
( فَأَمَّا ) إذَا وَجَدَاهُ مَيِّتًا مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْقَاتِلُ كَانَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَمَا سَبَقَ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يُمْتَنَعُ التَّصْوِيرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَقَدْ يُجْعَلُ الشَّيْءُ لِاثْنَيْنِ ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُهُ فِي الْبَاطِنِ لِأَحَدِهِمَا ، كَمَنْ مَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ( وَالْوَجْهُ ) الثَّانِي تَرْكُ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَتَأْوِيلُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ صَيْدٌ مُمْتَنِعٌ بِرِجْلِهِ وَجَنَاحِهِ كَالْحَجَلِ ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا رِجْلَهُ فَكَسَرَهَا وَأَصَابَ الْآخَرُ جَنَاحَهُ فَكَسَرَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ حَصَلَ بِفِعْلِهَا ( وَأَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ لِلثَّانِي ، لِأَنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا بَعْدَ إصَابَةِ الْأَوَّلِ . وَإِنَّمَا زَالَ امْتِنَاعُهُ بِإِصَابَةِ الثَّانِي فَكَانَ لَهُ . فَإِنْ قُلْنَا : بَيْنَهُمَا فَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيهِ ( وَإِنْ قُلْنَا ) : هُوَ لِلثَّانِي لَمْ يُعْلَمْ الثَّانِي مِنْهُمَا وَيَدُهُمَا عَلَيْهِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا .
( الْوَجْهُ الثَّالِثُ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَإِنْ أَزْمَنَاهُ وَمَاتَ الصَّيْدُ وَلَمْ يُدْرَ هَلْ أَثْبَتَهُ الْأَوَّلُ أَمْ لَا ؟ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى ، امْتِنَاعِهِ إلَى أَنْ عَقَرَهُ الثَّانِي ، فَيَكُونُ عَقْرُهُ ذَكَاةً ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ الْإِثْبَاتِ مِنْ كِلَيْهِمَا ، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : فَإِنْ قِيلَ : 162 قَدْ قُلْتُمْ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ إلَى أَنْ رَمَاهُ الثَّانِي . فَكَيْفَ لَمْ تَزُلْ يَدُ الْأَوَّلِ ؟ ( قُلْنَا ) : هَذَا لَا يُزَالُ بِهِ حُكْمُ الْيَدِ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يَدَّعِيهِ حُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الْمِلْكِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَدَ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : فِي حِلِّ هَذَا الصَّيْدِ قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْإِيمَاءِ السَّابِقَةِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( الْحَالُ الرَّابِعُ ) إذَا تَرَتَّبَتْ الْجُرْحَانِ وَحَصَلَ الْإِزْمَانُ بِهِمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يُزْمِنْ فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصَّيْدَ لِلثَّانِي ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ بَيْنَهُمَا وَرَجَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ ( فَإِنْ قُلْنَا ) إنَّهُ لِلثَّانِي أَوْ كَانَ الْجُرْحُ الثَّانِي مُزْمِنًا لَوْ انْفَرَدَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ بِسَبَبِ جُرْحِهِ فَلَوْ عَادَ الْأَوَّلُ بَعْدَ إزْمَانِ الثَّانِي وَجَرَحَهُ جِرَاحَةً أُخْرَى نُظِرَ إنْ أَصَابَ الْمَذْبَحَ فَهُوَ حَلَالٌ ، وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالذَّبْحِ ، وَإِلَّا فَالصَّيْدُ حَرَامٌ . وَعَلَيْهِ - إنْ ذَفَّفَ - قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتِهِ الْأُولَى وَجِرَاحَةِ الثَّانِي . وَكَذَا إنْ لَمْ يُذَفِّفْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الثَّانِي مِنْ ذَبْحِهِ فَإِنْ تَمَكَّنَ وَتَرَكَ الذَّبْحَ عَادَ الْخِلَافُ السَّابِقُ . فَعَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَرْشُ الْجِرَاحَةِ الثَّانِيَةِ لِتَقْصِيرِ الْمَالِكِ ، وَعَلَى أَصَحِّهِمَا لَا يُقْصَدُ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا فَوَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَخَرَّجَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ جَرَحَ عَبْدًا مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ جَرَحَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ وَجَرَحَهُ ثَانِيًا وَمَاتَ مِنْهُمَا . وَفِيمَا يَلْزَمُهُ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) ثُلُثُ الْقِيمَةِ ( وَالثَّانِي ) رُبْعُهَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فَعَلَى هَذَا هُنَا رُبْعُ الْقِيمَةِ ، وَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَعُودُ فِي التَّوْزِيعِ الْأَوْجُهُ السِّتَّةُ السَّابِقَةُ ، وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ وُجُوبَ تَمَامِ الْقِيمَةِ ، وَالْمَذْهَبُ التَّوْزِيعُ كَمَا سَبَقَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) الِاعْتِبَارُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمُفْسِدِ ، بِالْإِصَابَةِ ، لَا بِبَدْءِ الرَّمْيِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
163 فَرْعٌ ) لَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اصْطَادَ هَذَا الصَّيْدَ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) سُقُوطُهَا ، وَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ .
( فَرْعٌ ) لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ صَيْدٌ فَقَالَ آخَرُ : أَنَا اصْطَدْتُهُ . فَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ : لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ : لَا نَقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ ، بَلْ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيُسَلِّمَهُ إلَى مُدَّعِيهِ .
( فَرْعٌ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَوْ أَرْسَلَ جَمَاعَةٌ كِلَابَهُمْ عَلَى صَيْدٍ فَأَدْرَكَهُ الْمُرْسِلُونَ قَتِيلًا ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ كَلْبَهُ الْقَاتِلُ ، قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ مَاتَ الصَّيْدُ بَيْنَهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانَتْ الْكِلَابُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَهُوَ بَيْنَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِ الْكِلَابِ فَهُوَ لِصَاحِبِ هَذَا الْكَلْبِ وَإِنْ كَانَ قَتِيلًا وَالْكِلَابُ نَاحِبَةٌ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، وَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ بِالْقُرْعَةِ . وَقَالَ غَيْرُ أَبِي ثَوْرٍ : لَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ ، بَلْ يُوقَفُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، فَإِنْ خِيفَ فَسَادُهُ بِيعَ وَوَقَفَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ .
( وَالثَّانِي ) قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ دِينَارًا فَلَزِمَهُ ثُمَّ مَاتَ بِجُرْحَيْهِمَا فَلَزِمَهُمَا بَاقِي قِيمَتِهِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَصَارَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَصَتْ جِنَايَةُ الْأَوَّلِ دِينَارًا وَجِنَايَةُ الثَّانِي دِينَارَيْنِ لَزِمَ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ وَلَزِمَ الثَّانِي خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ ، وَلَوْ نَقَصَتْ جِنَايَةُ الْأَوَّلِ دِينَارَيْنِ وَجِنَايَةُ الثَّانِي دِينَارًا انْعَكَسَ ، فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَيَلْزَمُ الثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ ، وَضَعَّفَ الْأَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهَ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ قِيمَتِهِ حَالَ أَخْذِهِمَا .
( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَفَّالِ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ ، وَالثَّانِي خَمْسَةٌ ، لِأَنَّ جِنَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ نَقَصَتْ دِينَارًا 156 ثُمَّ سَرَيَا وَالْأَرْشُ يَسْقُطُ إذَا صَارَتْ الْجِنَايَةُ نَفْسًا ، فَيَسْقُطُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الْأَرْشِ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ نِصْفُ الْقَتْلِ ( وَاعْتَرَضُوا ) عَلَى هَذَا بِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُتْلِفِ ، وَأَجَابَ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَنْجَرُّ إلَى إيجَابِ زِيَادَةٍ ، كَمَنْ قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ ( وَأُجِيبُ ) عَنْهُ بِأَنَّ قَاطِعَ الْيَدَيْنِ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْقَتْلِ ، بَلْ الْقَتْلُ يَقْطَعُ أَثَرَ الْقَطْعِ وَيَقَعُ مَوْقِعَ الِانْدِمَالِ ، وَهُنَا بِخِلَافِهِ .
( وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ ) قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ ، وَنِصْفُ الْأَرْشِ لَكِنْ لَا يَزِيدُ الْوَاجِبُ عَلَى الْقِيمَةِ ، فَيُجْمَعُ مَا لَزِمَهُمَا تَقْدِيرًا ، وَهُوَ عَشَرَةٌ وَنِصْفٌ ، وَتُقْسَمُ الْقِيمَةُ وَهِيَ عَشَرَةٌ عَلَى الْعَشَرَةِ وَالنِّصْفِ لِيُرَاعَى التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا ، فَيُبَسَّطُ أَنْصَافًا ، فَيَكُونُ إحْدَى وَعِشْرِينَ فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ إحْدَى عَشْرَةَ جُزْءًا مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ ، وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ عَشَرَةٌ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ عَشَرَةٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِإِفْرَادِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَنْ بَدَلِ النَّفْسِ .
( وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ ) قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَغَيْرُهُ ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ ، وَالثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ انْفَرَدَ بِالْجُرْحِ وَالسِّرَايَةِ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا مَا لَزِمَ الثَّانِيَ ، وَالثَّانِي إنَّمَا جَنَى عَلَى نِصْفِ مَا يُسَاوِي تِسْعَةً ، وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا .
( وَالْوَجْهُ السَّادِسُ ) قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ . وَأَطْبَقَ الْعِرَاقِيُّونَ عَلَى تَرْجِيحِهِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ فَيَكُونُ تِسْعَةَ عَشَرَ ، فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِ مَا فَوَّتَا ، وَهِيَ عَشَرَةٌ ، فَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ ، وَعَلَى الثَّانِي تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . أَمَّا إذَا كَانَتْ الْجُنَاةُ ثَلَاثَةً ، وَأَرْشُ كُلِّ جِنَايَةٍ دِينَارٌ ، وَالْقِيمَةُ عَشَرَةٌ . 157 فَعَلَى طَرِيقَةِ الْمُزَنِيِّ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ ، هِيَ ثُلُثُ سَهْمِ الْقِيمَةِ ، وَثُلُثَانِ هُمَا ثُلُثَا الْأَرْشِ وَيَلْزَمُ الثَّالِثَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا دِينَارَانِ وَثُلُثٌ هِيَ ثُلُثُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَثُلُثَانِ هُمَا ثُلُثَا الْأَرْشِ فَالْجُمْلَةُ عَشَرَةٌ وَثُلُثَانِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ تُوَزَّعُ الْعَشَرَةُ عَلَى عَشَرَةٍ وَثُلُثَيْنِ ، وَعَلَى الْخَامِسِ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ وَثُلُثٌ وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ ثَلَاثَةٌ ، وَالثَّالِثَ دِينَارَانِ وَثُلُثَانِ ، وَعَلَى السَّادِسِ تُجْمَعُ الْقِيَمُ فَتَكُونُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ فَتُقَسَّمُ الْعَشَرَةُ عَلَيْهَا .
( أَمَّا ) إذَا جَرَحَ مَالِكُ الْعَبْدِ أَوْ الصَّيْدِ جِرَاحَةً ، وَأَجْنَبِيٌّ أُخْرَى ، فَيُنْظَرُ فِي جِنَايَةِ الْمَالِكِ أَهِيَ الْأُولَى ؟ أَمْ الثَّانِيَةُ ؟ وَيُخْرَجُ عَلَى الْأَوْجَهِ فَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ ، وَتَجِبُ حِصَّةُ الْأَجْنَبِيِّ ، وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْجِنَايَتَيْنِ عَلَى الْعَبْدِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْجِنَايَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ ، فَإِنْ كَانَ فَلَيْسَ الْعَبْدُ فِيهَا كَالْبَهِيمَةِ وَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ ، حَتَّى لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ جِنَايَةً لَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ، فَنَقَصَتْ الْجِنَايَةُ عَشَرَةً ، ثُمَّ جَنَى آخَرُ جِنَايَةً لَا أَرْشَ لَهَا فَنَقَصَتْ عَشَرَةً أَيْضًا ، وَمَاتَ الْعَبْدُ مِنْهُمَا . فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ ، يَدْفَعُ مِنْهَا خَمْسَةً إلَى الْأَوَّلِ . قَالَ : فَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى ، لَزِمَ الْأَوَّلَ نِصْفُ أَرْشِ الْيَدِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَهُوَ خَمْسُونَ ، وَلَزِمَ الثَّانِيَ نِصْفُ أَرْشِ الْيَدِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ ، فَالْجُمْلَةُ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ جَمِيعُهَا لِلسَّيِّدِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ وَاجِبُهَا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ فَقَتَلَهُ آخَرُ .
هَذَا بَيَانُ الْمُقَدِّمَةِ وَنَعُودُ إلَى الصَّيْدِ فَنَقُولُ : 158 إذَا جَرَحَ الثَّانِي جِرَاحَةً غَيْرَ مُذَفِّفَةٍ وَمَاتَ الصَّيْدُ بِالْجُرْحَيْنِ ، نُظِرَ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْأَوَّلُ مِنْ ذَبْحِهِ لَزِمَ الثَّانِيَ تَمَامُ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا لِأَنَّهُ صَارَ مَيِّتًا بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَحَ شَاةَ نَفْسِهِ وَجَرَحَهَا آخَرُ وَمَاتَتْ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي إلَّا نِصْفُ الْقِيمَةِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجُرْحَيْنِ هُنَاكَ حَرَامٌ وَالْهَلَاكُ حَصَلَ بِهِمَا ، وَهُنَا فِعْلُ الْأَوَّلِ اكْتِسَابٌ وَذَكَاةٌ ، ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنْ يُقَالَ : إذَا كَانَ الصَّيْدُ يُسَاوِي عَشَرَةً غَيْرَ مُزْمِنٍ وَتِسْعَةً مُزْمِنًا لَزِمَ الثَّانِيَ تِسْعَةٌ ، وَاسْتَدْرَكَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فَقَالَ : فِعْلُ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إفْسَادًا فَيُؤَثِّرُ فِي الذَّبْحِ ، وَحُصُولِ الزُّهُوقِ قَطْعًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ ، فَيُقَالُ : إذَا كَانَ غَيْرَ مُزْمِنٍ يُسَاوِي عَشَرَةً ، وَمُزْمِنًا تِسْعَةً ، وَمَذْبُوحًا ثَمَانِيَةً . تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ أَثَّرَ فِي فَوَاتِهِ الْفِعْلَانِ فَوُزِّعَ عَلَيْهِمَا . قَالَ الْإِمَامُ : وَلِلنَّظَرِ فِي هَذَا مَجَالٌ . وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُفْسِدُ يَقْطَعُ أَثَرَ فِعْلِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ . وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ فَذَبَحَهُ لَزِمَ الثَّانِيَ أَرْشُ جِرَاحَتِهِ إنْ نَقَصَ بِهَا . وَإِنْ لَمْ يَذْبَحْهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فَوَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي سِوَى أَرْشُ النَّقْصِ ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الذَّبْحِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) يَضْمَنُ زِيَادَةً عَلَى الْأَرْشِ وَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ الذَّبْحَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ شَاتَه فَلَمْ يَذْبَحْهَا مَعَ التَّمَكُّنِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَضْمَنُ ( وَجْهَانِ ) قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ : يَضْمَنُ كَمَالَ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا كَمَا لَوْ ذَهَبَ بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ عَبْدَهُ أَوْ شَاتَه وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلِ هُنَاكَ إفْسَادٌ ، وَالتَّحْرِيمُ حَصَلَ بِهِمَا ، وَهُنَا الْأَوَّلُ إصْلَاحٌ ( وَالْأَصَحُّ ) قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ لَا يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ بَلْ هُوَ كَمَنْ جَرَحَ عَبْدَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ ، لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِهِمَا ، وَكِلَاهُمَا إفْسَادٌ أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ تَرْكَ الذَّبْحِ مَعَ التَّمَكُّنِ يَجْعَلُ الْجُرْحَ وَسِرَايَتَهُ إفْسَادًا ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ الْجُرْحُ الثَّانِي فَتَرَكَ الذَّبْحَ كَانَ الصَّيْدُ مَيْتَةً ، فَعَلَى هَذَا تَجِيءُ 159 الْأَوْجُهُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّوْزِيعِ عَلَى الْجُرْحَيْنِ ، فَمَا هُوَ فِي حِصَّةِ الْأَوَّلِ يَسْقُطُ ، وَتَجِبُ حِصَّةُ الثَّانِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْحَالُ الثَّانِي ) أَنْ يَقَعَ الْجُرْحَانِ مَعًا فَيُنْظَرُ إنْ تَسَاوَيَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُذَفِّفًا أَوْ مُزْمِنًا أَوْ انْفَرَدَا وَأَحَدُهُمَا مُذَفِّفًا وَالْآخَرُ مُزْمِنًا ، وَسَوَاءٌ تَفَاوَتَ الْجُرْحَانِ صِغَرًا وَكِبَرًا أَوْ تَسَاوَيَا ، أَوْ كَانَا فِي الْمَذْبَحِ أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِيهِ ، وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُزْمِنًا أَوْ مُذَفِّفًا لَوْ انْفَرَدَ ، وَالْآخَرُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ ، فَالصَّيْدُ لِمَنْ ذَفَّفَ أَوْ أَزْمَنَ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرَحْ مِلْكَ الْغَيْرِ ، وَلَوْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْإِزْمَانُ بِهِمَا وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا دُونَ ذَاكَ ، وَذَاكَ دُونَ هَذَا ، فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَحِلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ تَوَرُّعًا ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُذَفِّفٌ وَشَكَكْنَا هَلْ الْآخَرُ أَثَّرَ فِي الْإِزْمَانِ وَالتَّذْفِيفِ أَمْ لَا ؟ قَالَ الْقَفَّالُ : هُوَ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ لَهُ : لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ جِرَاحَةً مُذَفِّفَةً وَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً لَا يَدْرِي أَمُذَفِّفَةٌ هِيَ أَمْ لَا ؟ فَمَاتَ فَقَالَ : يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا ، قَالَ الْإِمَامُ : هَذَا بَعِيدٌ ، وَالْوَجْهُ تَخْصِيصُ الْقِصَاصِ بِصَاحِبِ الْمُذَفِّفَةِ ، وَفِي الصَّيْدِ يُسَلَّمُ نِصْفُهُ لِمَنْ جُرْحُهُ مُذَفِّفًا وَيُوقَفُ نِصْفُهُ بَيْنَهُمَا إلَى الْمُصَالَحَةِ أَوْ تَبَيُّنِ الْحَالِ ، فَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ بَيَانٌ جُعِلَ النِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( الْحَالُ الثَّالِثُ ) إذَا تَرَتَّبَ الْجُرْحَانِ وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ لَوْ انْفَرَدَ وَالْآخَرُ مُذَفِّفٌ وَارِدٌ عَلَى الْمَذْبَحِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ ، فَالصَّيْدُ حَلَالٌ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوَّلًا وَأَزْمَنَهُ ، أَوْ أَنَّهُ لَهُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ ، فَإِنْ حَلَفَ فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا . وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَالصَّيْدُ لَهُ ، وَعَلَى الْآخَرِ أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ ، وَلَوْ تَرَتَّبَا وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ وَالْآخَرُ مُذَفِّفٌ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ وَلَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ ، لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ الْإِزْمَانِ 160 فَلَا يَحِلُّ بَعْدَهُ إلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، وَقِيلَ قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْإِيمَاءِ السَّابِقَةِ ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ اجْتِمَاعُ الْمُبِيحِ وَالْمُحَرِّمِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ سَبَقَ هُنَاكَ جُرْحٌ يُحَالُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ أَزْمَنَهُ أَوَّلًا وَأَنَّ الْآخَرَ أَفْسَدَهُ ، فَالصَّيْدُ حَرَامٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ ، فَإِنْ حَلَفَا فَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا لَزِمَ الثَّانِيَ كُلُّ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا .
وَلَوْ قَالَ الْجَارِحُ أَوَّلًا : أَزْمَنْته أَنَا ، ثُمَّ أَفْسَدْته أَنْتَ بِقَتْلِك ، فَعَلَيْكَ الْقِيمَةُ ، وَقَالَ الثَّانِي : لَمْ تُزْمِنْهُ أَنْتَ بَلْ كَانَ امْتِنَاعُهُ إلَى أَنْ رَمَيْتَهُ فَأَزْمَنْته ، أَوْ ذَفَفْته ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى غَيْرِ جِرَاحَةِ الْأَوَّلِ وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَبْقَى امْتِنَاعٌ مَعَهَا كَكَسْرٍ وَكَسْرِ رِجْلِ الْمُمْتَنِعِ بِالْعَدْوِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ بِلَا يَمِينٍ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الِامْتِنَاعِ ، فَإِنْ حَلَفَ فَالصَّيْدُ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْأَوَّلُ وَاسْتَحَقَّ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا الْجِرَاحَةَ الْأُولَى ، وَلَا يَحِلُّ الصَّيْدُ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ بِزَعْمِهِ ، وَهَلْ لِلثَّانِي أَكْلُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ) : لَا ، لِأَنَّ إلْزَامَهُ الْقِيمَةَ حُكْمٌ بِكَوْنِهِ مَيْتَةً ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّ النُّكُولَ فِي خُصُومَةِ الْآدَمِيِّ لَا تُغَيِّرُ الْحُكْمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ الْجِرَاحَةَ الْمُذَفِّفَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الَّتِي لَوْ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ مُزْمِنَةً فَالصَّيْدُ حَلَالٌ ، فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ : أَنَا ذَفَفْته فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ ، فَإِنْ حَلَفَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا كَانَ لَهُ وَعَلَى الْآخَرِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُخْتَصَرِ : لَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا وَلَمْ يُدْرَ أَجْعَلهُ الْأَوَّلُ مُمْتَنِعًا أَمْ لَا لَجَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ : حَلَّ أَكْلُهُ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَقِيلَ : 161 يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ هَذَا الصَّيْدُ لِاجْتِمَاعِ مَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْأَصْلُ التَّحْرِيمُ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْحِلِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بَلْ يَكُونُ لِمَنْ أَثْبَتَهُ مِنْهُمَا ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَيْنِ الِاعْتِرَاضَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) تَرْكُ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَتَسْلِيمُ مَا قَالَهُ الْمُعْتَرِضِ وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : إنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ . فَأَرَادَ بِهِ إذَا عَقَرَهُ أَحَدُهُمَا فَأَثْبَتَهُ ، ثُمَّ أَصَابَ الثَّانِي مَحِلَّ الذَّكَاةِ ، فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ أَوْ أَثْبَتَاهُ وَلَمْ يَصِرْ فِي حُكْمِ الْمُمْتَنِعِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ أَحَدُهُمَا فَذَكَّاهُ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : إنَّهُ بَيْنَهُمَا فَأَرَادَ إذَا كَانَتْ يَدُهُمَا عَلَيْهِ ، وَلَا يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .
( فَأَمَّا ) إذَا وَجَدَاهُ مَيِّتًا مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْقَاتِلُ كَانَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَمَا سَبَقَ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يُمْتَنَعُ التَّصْوِيرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَقَدْ يُجْعَلُ الشَّيْءُ لِاثْنَيْنِ ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُهُ فِي الْبَاطِنِ لِأَحَدِهِمَا ، كَمَنْ مَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ( وَالْوَجْهُ ) الثَّانِي تَرْكُ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَتَأْوِيلُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ صَيْدٌ مُمْتَنِعٌ بِرِجْلِهِ وَجَنَاحِهِ كَالْحَجَلِ ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا رِجْلَهُ فَكَسَرَهَا وَأَصَابَ الْآخَرُ جَنَاحَهُ فَكَسَرَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ حَصَلَ بِفِعْلِهَا ( وَأَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ لِلثَّانِي ، لِأَنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا بَعْدَ إصَابَةِ الْأَوَّلِ . وَإِنَّمَا زَالَ امْتِنَاعُهُ بِإِصَابَةِ الثَّانِي فَكَانَ لَهُ . فَإِنْ قُلْنَا : بَيْنَهُمَا فَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيهِ ( وَإِنْ قُلْنَا ) : هُوَ لِلثَّانِي لَمْ يُعْلَمْ الثَّانِي مِنْهُمَا وَيَدُهُمَا عَلَيْهِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا .
( الْوَجْهُ الثَّالِثُ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَإِنْ أَزْمَنَاهُ وَمَاتَ الصَّيْدُ وَلَمْ يُدْرَ هَلْ أَثْبَتَهُ الْأَوَّلُ أَمْ لَا ؟ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى ، امْتِنَاعِهِ إلَى أَنْ عَقَرَهُ الثَّانِي ، فَيَكُونُ عَقْرُهُ ذَكَاةً ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ الْإِثْبَاتِ مِنْ كِلَيْهِمَا ، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : فَإِنْ قِيلَ : 162 قَدْ قُلْتُمْ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ إلَى أَنْ رَمَاهُ الثَّانِي . فَكَيْفَ لَمْ تَزُلْ يَدُ الْأَوَّلِ ؟ ( قُلْنَا ) : هَذَا لَا يُزَالُ بِهِ حُكْمُ الْيَدِ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يَدَّعِيهِ حُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الْمِلْكِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَدَ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : فِي حِلِّ هَذَا الصَّيْدِ قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْإِيمَاءِ السَّابِقَةِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( الْحَالُ الرَّابِعُ ) إذَا تَرَتَّبَتْ الْجُرْحَانِ وَحَصَلَ الْإِزْمَانُ بِهِمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يُزْمِنْ فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصَّيْدَ لِلثَّانِي ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ بَيْنَهُمَا وَرَجَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ ( فَإِنْ قُلْنَا ) إنَّهُ لِلثَّانِي أَوْ كَانَ الْجُرْحُ الثَّانِي مُزْمِنًا لَوْ انْفَرَدَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ بِسَبَبِ جُرْحِهِ فَلَوْ عَادَ الْأَوَّلُ بَعْدَ إزْمَانِ الثَّانِي وَجَرَحَهُ جِرَاحَةً أُخْرَى نُظِرَ إنْ أَصَابَ الْمَذْبَحَ فَهُوَ حَلَالٌ ، وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالذَّبْحِ ، وَإِلَّا فَالصَّيْدُ حَرَامٌ . وَعَلَيْهِ - إنْ ذَفَّفَ - قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتِهِ الْأُولَى وَجِرَاحَةِ الثَّانِي . وَكَذَا إنْ لَمْ يُذَفِّفْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الثَّانِي مِنْ ذَبْحِهِ فَإِنْ تَمَكَّنَ وَتَرَكَ الذَّبْحَ عَادَ الْخِلَافُ السَّابِقُ . فَعَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَرْشُ الْجِرَاحَةِ الثَّانِيَةِ لِتَقْصِيرِ الْمَالِكِ ، وَعَلَى أَصَحِّهِمَا لَا يُقْصَدُ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا فَوَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَخَرَّجَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ جَرَحَ عَبْدًا مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ جَرَحَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ وَجَرَحَهُ ثَانِيًا وَمَاتَ مِنْهُمَا . وَفِيمَا يَلْزَمُهُ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) ثُلُثُ الْقِيمَةِ ( وَالثَّانِي ) رُبْعُهَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فَعَلَى هَذَا هُنَا رُبْعُ الْقِيمَةِ ، وَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَعُودُ فِي التَّوْزِيعِ الْأَوْجُهُ السِّتَّةُ السَّابِقَةُ ، وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ وُجُوبَ تَمَامِ الْقِيمَةِ ، وَالْمَذْهَبُ التَّوْزِيعُ كَمَا سَبَقَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) الِاعْتِبَارُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمُفْسِدِ ، بِالْإِصَابَةِ ، لَا بِبَدْءِ الرَّمْيِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
163 فَرْعٌ ) لَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اصْطَادَ هَذَا الصَّيْدَ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) سُقُوطُهَا ، وَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ .
( فَرْعٌ ) لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ صَيْدٌ فَقَالَ آخَرُ : أَنَا اصْطَدْتُهُ . فَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ : لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ : لَا نَقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ ، بَلْ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيُسَلِّمَهُ إلَى مُدَّعِيهِ .
( فَرْعٌ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَوْ أَرْسَلَ جَمَاعَةٌ كِلَابَهُمْ عَلَى صَيْدٍ فَأَدْرَكَهُ الْمُرْسِلُونَ قَتِيلًا ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ كَلْبَهُ الْقَاتِلُ ، قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ مَاتَ الصَّيْدُ بَيْنَهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانَتْ الْكِلَابُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَهُوَ بَيْنَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِ الْكِلَابِ فَهُوَ لِصَاحِبِ هَذَا الْكَلْبِ وَإِنْ كَانَ قَتِيلًا وَالْكِلَابُ نَاحِبَةٌ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، وَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ بِالْقُرْعَةِ . وَقَالَ غَيْرُ أَبِي ثَوْرٍ : لَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ ، بَلْ يُوقَفُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، فَإِنْ خِيفَ فَسَادُهُ بِيعَ وَوَقَفَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith