المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
page 5753 · printed p. 114 · commentary
( فَرْعٌ ) لَوْ قَبَضَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ ، وَتَلِفَ فِي الْمَجْلِسِ ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِيهِ ، وَهُمَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَالَ فِي التَّهْذِيبِ غَرِمَ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ وَيَسْتَبْدِلُ .
114 فَرْعٌ ) لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ رَضِيَ بِهِ بِعَيْبِهِ جَازَ فِي هَذَا الْقِسْمِ إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ أَرْشِهِ لَمْ يَجُزْ .
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ : إنْ كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَتَفَرَّقَا . وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَجُوزُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ الْجِنْسِ كَرَدَاءَةِ الْفِضَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا إذَا تَفَرَّقَا ثُمَّ ظَهَرَ الْعَيْبُ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ حَيْثُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ بِأَنْ يُسَلِّمَهُ عَلَى أَنَّهُ دَرَاهِمُ فَإِذَا هِيَ رَصَاصٌ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبٌ فَإِذَا هِيَ تِبْرٌ ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْعَيْبَ فِي الْجَمِيعِ فَقَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ . لِأَنَّ الَّذِي قَبَضَهُ غَيْرُ الْعِوَضِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ . وَلَا يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُهُ فَإِذَا عَقَدَ عَقْدَ الصَّرْفِ وَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ . نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهِ . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ : إنَّهُ يَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَعْنِي قَوْلَ مَنْعِ الِاسْتِبْدَالِ فَأَوْهَمَ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ .
وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : إنَّهُ لَا خِلَافَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي الْكُلِّ بَطَلَ عَقْدُ الصَّرْفِ لِمَا قُلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصَحَّ فِي السَّلَمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُخَرِّجُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ قَالَ : وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي بَعْضِهِ يُبْطِلُهُ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِيمَا إذَا كَانَ الْفَسَادُ مُقْتَرِنًا بِالصَّفْقَةِ وَهَذَا التَّخْرِيجُ الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ .
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ : إنَّ تَخْرِيجَهُمَا عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ هُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ وَلَيْسَ كَمَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ إذَا تَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ حَيْثُ لَا يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ عَدَمَ الْقَبْضِ فِي الصَّرْفِ فَسَادٌ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ ، إذْ تَمَامُ الصَّرْفِ بِالْقَبْضِ فَيَكُونُ فِي الْبَاقِي قَوْلَانِ ، فَعَلَى هَذَا إنْ أَبْطَلْنَاهُ فِي الْكُلِّ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ فِي السَّلِيمِ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ فِي السَّلِيمِ فَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يُمْضِيَهُ ، فَإِنْ أَمْضَاهُ فِي السَّلِيمِ فَبِمَاذَا 115 يُمْضِيهِ ؟ نُظِرَ إنْ كَانَ الصَّرْفُ جِنْسًا وَاحِدًا أَمْضَاهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ . وَإِنْ كَانَ جِنْسَيْنِ فَقَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) بِحِصَّتِهِ ( وَالثَّانِي ) بِجَمِيعِ الثَّمَنِ قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ يُخَرِّجُ قَوْلًا ثَانِيًا أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَسَخَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ . قُلْتُ : وَمَا قَالَ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ الْجِنْسِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، أَمَّا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ كَمَا مَثَّلْنَاهُ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ فَمَتَى أَجَازَ بِكُلِّ الثَّمَنِ يَدْخُلْ فِي الْجِنْسِ كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ . هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْعَيْبُ يُخْرِجُهَا مِنْ الْجِنْسِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ الْجِنْسِ بَلْ مِنْ حَيْثُ رَدَاءَةُ الْجَوْهَرِ وَخَسَاسَةُ الْمَعْدِنِ ، أَوْ قُبْحُ السِّكَّةِ وَالطَّبْعِ فَالْبَيْعُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ إمْسَاكَهُ وَالرِّضَى بِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ .
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلَهُ رَدُّهُ وَاسْتِرْجَاعُ ثَمَنِهِ ، وَهَلْ لَهُ إبْدَالُهُ ؟ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ بِكُلِّ الْعِوَضِ أَوْ بِبَعْضِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مَعِيبًا فَفِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَهُمَا مَنْصُوصَانِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ ( أَصَحُّهُمَا ) أَنَّ لَهُ الِاسْتِبْدَالَ ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُجَرَّدِ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ وَالْخُوَارِزْمِيّ فِي الْكَافِي وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ ، وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ ، وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي أَصَحِّ رِوَايَتَيْهِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ .
وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لَهُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ : لِأَنَّهُ بَيْعُ صِفَةٍ أَجَازَهَا الْمُسْلِمُونَ إذَا قُبِضَتْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُجَّتِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سَلَمًا بِصِفَةٍ ثُمَّ قَبَضَهُ فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا أَخَذَ صَاحِبَهُ بِمِثْلِهِ .
وَهَذَا الْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَجْهُ الشَّبَهِ فِيهِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ ، وَقَدْ تَعَيَّنَ بِالْقَبْضِ ، لَكِنْ لِلْمُزَنِيِّ أَنْ يَقُولَ : إنَّ التَّعْيِينَ بَعْدَ 116 التَّفَرُّقِ لَا يُصَيِّرُهُ كَالْمُعَيَّنِ فِي الْعَقْدِ ، فَلِهَذَا جَازَ إبْدَالُ الْمُسْلَمِ فِيهِ . وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ حَصَلَ قَبْضُهُ فِي مَجْلِسِ عَقْدِ السَّلَمِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِيهِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ يَجُوزُ إبْدَالُهُ أَيْضًا ، فَإِنَّ إقْبَاضَهُ فِي الْمَجْلِسِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا كَإِقْبَاضِ عِوَضِ الصَّرْفِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ إقْبَاضِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ بِخِلَافِ الصَّرْفِ .
فَزَادَ الشَّيْخُ فِي الْقِيَاسِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ كَلِمَةً عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ لِلْمُزَنِيِّ ، فَجَعَلَ الْجَامِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ جَوَازَ الْإِبْدَالِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَجَعَلَهُ مَلْزُومًا بِجَوَازِ الْإِبْدَالِ بَعْدَهُ ، وَلَا يُمْكِنُ لِلْمُزَنِيِّ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ بِمَا قَدَّمْتُهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ جَوَازِ الْإِبْدَالِ فِي الصَّرْفِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ ، وَهَذَا الْقِيَاسُ أَحَدُ أَنْوَاعِ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ ، وَهُوَ - أَعْنِي هَذَا النَّوْعَ مِنْهُ - أَنْ يُسْتَدَلَّ بِالنَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ كَقَوْلِهِ : مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ كَالْمُسْلِمِ . فَإِنَّ الطَّلَاقَ نَظِيرُ الظِّهَارِ ، فَيَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، كَذَلِكَ هُنَا الْإِبْدَالُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، فَيَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَهَذَا الْإِبْدَالُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ نَظِيرُ الْإِبْدَالِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، لَكِنْ لِلْمُزَنِيِّ أَنْ يَقْطَعَ النَّظِيرَ وَيَقُولَ : إنَّ الْإِبْدَالَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَحْظُورٌ بِخِلَافِ الْإِبْدَالِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ حُصُولُ التَّقَابُضِ بَعْدَ التَّفْرِقَةِ ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي السَّلَمِ لَا مَحْظُورَ فِيهَا أَيْضًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِوَائِهِمَا فِي السَّلَمِ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الصَّرْفِ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ اسْتِوَاءِ حُكْمِ السَّلَمِ وَالصَّرْفِ ، وَإِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَتَقِفُ الدَّلَالَةُ . وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ زِيَادَةٌ يَنْدَفِعُ بِهَا هَذَا السُّؤَالُ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : إذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ الرَّدُّ بَعْدَ الْمَجْلِسِ لَمَا جَازَ فِيهِ كَالْمُعَيَّنِ بِالْعَقْدِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ كَافِيَةٌ مِنْ غَيْرِ قِيَاسٍ عَلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلِلْمُزَنِيِّ أَنْ يَمْنَعَ الْمُلَازَمَةَ وَالْقِيَاسَ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِالْعَقْدِ ، فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ فِيهِ لِأَجْلِ نَقْلِ الْعَقْدِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَبَعْدَهُ وَأَمَّا الْمَوْصُوفُ فَالْمَنْعُ فِيهِ عِنْدَهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ عَلَيْهِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ قَصَرَ الْقَبْضَ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَهَذَا مُنْتَفٍ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَالْمَوْصُوفِ أَنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْجَوَازِ مُخْتَلِفَانِ فِي الِاعْتِلَالِ .
قَالَ : لِأَنَّ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ إنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الِاسْتِبْدَالَ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِعَيْنِهِ ، وَفِيمَا إذَا كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ إنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الِاسْتِبْدَالَ ، لِأَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَقَعَ التَّقَابُضُ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَيُؤَدِّيَ إلَى دُخُولِ الرِّبَا فِيهِ . فَأَشَارَ 117 رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذَا إلَى خِلَافِ الْعِلَّةِ ، وَمَعَ اخْتِلَافِ الْعِلَّةِ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ فِي دَلِيلِ الْمُزَنِيِّ فَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِبْدَالِ مُطْلَقًا ، فَلْنَذْكُرْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُزَنِيّ وَتَوْجِيهَهُ . وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَخِيرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِبْدَالُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ كَالْجَوَابِ فِي الْمُعَيَّنِ .
وَرَجَّحَ الْمُزَنِيّ هَذَا الْقَوْلَ ، فَلِهَذَا نَسَبْتُ الْبَحْثَ الْمُتَقَدِّمَ إلَيْهِ ، وَمِمَّنْ رَجَّحَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ قَالَ : إنَّهُ الصَّحِيحُ وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ وَالْمُرْشِدِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَعَبَّرَ الْأَئِمَّةُ عَنْ حَقِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ فَقَالُوا : إذَا فَرَضَ رَدَّ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِبْدَالِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَبْضَ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْعَقْدِ لَمْ يَجْرِ أَمْ لَا يَسْتَنِدُ الْبَعْضُ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَبْضِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ .
وَهَذَا بِمَثَابَةِ الِاخْتِلَافِ فِي نَظِيرِ هَذَا مِنْ السَّلَمِ ، فَلَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ فِي جَارِيَةٍ ثُمَّ قَبَضَ جَارِيَةً فَوَجَدَهَا دُونَ الْوَصْفِ ، فَإِنْ قَنِعَ بِهَا فَذَاكَ ، وَإِنْ رَدَّهَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَطْلُبُ جَارِيَةً عَلَى الْوَصْفِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَلَكِنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءُ الْجَارِيَةِ الَّتِي رُدَّتْ عَلَيْهِ ؟ فَعَلَى قَوْلَيْنِ مَأْخُوذَيْنِ مِنْ الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ مَهَّدْنَا الْآنَ . ا هـ .
قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ بَعْدَ حِكَايَةِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا كَانَ بَيْعُ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ مِنْ الدِّينَارِ بِالدَّرَاهِمِ فِيمَا يَجُوزُ بِالْقَبْضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ سَوَاءً ، وَفِيمَا يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ مِنْ الِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ سَوَاءً لَزِمَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمَعِيبِ بَعْدَ الْقَبْضِ سَوَاءً ، وَقَدْ قَالَ : يُرَدُّ الدِّرْهَمُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدِّينَارِ .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ : الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ ثَلَاثَةُ أَدِلَّةٍ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّا إذَا جَوَّزْنَا الِاسْتِبْدَالَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْمَعِيبَ وَيَأْخُذُ الْعِوَضَ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا لِعِوَضِ الصَّرْفِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَهَذَا يُوجِبُ فَسَادَ عَقْدِ الصَّرْفِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِيمَا عَلَّقَ عَنْهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ : إنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ أَجْوَدُ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ .
118 الثَّانِي ) أَنَّ مَا عُيِّنَ بِالْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ مَا عُيِّنَ بِالْعَقْدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ الْمُعَيَّنُ بِالْعَقْدِ .
( الثَّالِثُ ) دَلَالَةُ الْمُزَنِيِّ يَعْنِي فِي الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَمَعْنَاهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ وَالصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ فِي الِاسْتِبْدَالِ ، قِيَاسًا عَلَى اسْتِوَائِهِمَا فِي التَّقَابُضِ . وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْقَبْضَ الَّذِي حَصَلَ كَانَ قَبْضًا صَحِيحًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَمَّا تَفَرَّقَا لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ ، وَيَجُوزُ إمْسَاكُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَوْ تَلِفَ لَكَانَ مِنْ ضَمَانِ الْقَابِضِ فَالْقَبْضُ صَحِيحٌ ، لَكِنْ هُوَ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ فَإِذَا أَرَادَ الرَّدَّ فَإِنَّهُ يَفْسَخُ الْعَقْدَ فِي الْحَالِ ، لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ ، زَادَ الْمَحَامِلِيُّ وَقَامَ الْقَبْضُ الثَّانِي مَقَامَهُ ، فَهُمَا قَبْضَانِ تَعَقَّبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَفَرُّقٌ قَبْلَ الْقَبْضِ بِوَجْهٍ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَبَاطِلٌ إذَا وَجَدَ الْعَيْبَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَإِنَّهُ قَدْ يُعَيِّنُ بِالْقَبْضِ كَمَا يُعَيِّنُ بِالْعَقْدِ ثُمَّ لَهُ الِاسْتِبْدَالُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي الْمُعَيَّنِ بِالْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ غَيْرَ مَا ابْتَاعَهُ .
قَالَ : وَمَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ يَنْكَسِرُ بِالِاسْتِبْدَالِ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا فِيمَا قَالَ وَافْتَرَقَا فِي ذَلِكَ ، فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ وَجَوَابُهُ . وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْتَ ذَلِكَ وَجَدْتَهُ جَوَابًا إلْزَامِيًّا ، فَإِنَّهُمْ وَجَدُوا الْمُزَنِيَّ وَافَقَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِبْدَالُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، هَكَذَا أَوْمَأَ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَرَأَيْتُ ذَلِكَ عَيْنَهُ فِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ صَرِيحًا ، وَوَافَقَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُهُ ، كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ ، فَلَزِمَهُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَوْ أَنَّ ذَاهِبًا ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَعِيبًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ بَانَ بُطْلَانُ الْعَقْدِ كَانَ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا خِلَافًا فِي السَّلَمِ فِي أَنَّ الْمَعِيبَ الْمَقْبُوضَ هَلْ يُمْلَكُ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ أَمْ لَا يُمْلَكُ إلَّا مِنْ حِينِ الرِّضَى بِالْعَيْبِ ؟ وَخَرَّجُوا عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ .
وَكَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا إذَا قَبَضَ فِي الصَّرْفِ ثُمَّ ظَهَرَ الْعَيْبُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ : إنَّهُ بَانَ أَنَّ الْمَقْبُوضَ لَيْسَ ذَلِكَ الْمَوْصُوفَ فِي الذِّمَّةِ ، فَكَأَنَّ الْقَابِضَ لَمْ يَقْبِضْ وَالْمَجْلِسُ بَعْدُ جَامِعٌ 119 هَذَا تَوْجِيهُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لِجَوَازِ الْإِبْدَالِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَكَانَ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ يَنْبَغِي إذَا قَبَضَ الْمَعِيبَ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالْعَيْبِ أَلَّا يَمْلِكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِذَا تَفَرَّقَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَالْعُذْرُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْمَعِيبَ الْمَقْبُوضَ هَلْ يُمْلَكُ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ ؟ أَوْ مِنْ حِينِ الرِّضَى ؟ يَدُلُّ أَلَّا يُؤْخَذَ بِظَاهِرِهِ بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهُ . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصَّرْفِ التَّقَابُضُ لَا حُصُولُ الْمِلْكِ بِهِ ، وَهَذَا التَّقَابُضُ جَرَى صَحِيحًا بِدَلِيلِ حُصُولِ الْمِلْكِ عِنْدَ الرِّضَى بِلَا خِلَافٍ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَبْضُ صَحِيحًا لَاحْتَاجَ إلَى قَبْضٍ ثَانٍ ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَلَا يَبْقَى تَنَاقُضٌ بَيْنَ مَا جَزَمُوا بِهِ وَبَيْنَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ . فَإِنَّ الشَّرْطَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ حُصُولُ التَّقَابُضِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنْ قُلْتَ : الصَّرْفُ أَضْيَقُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَنَصُّ الشَّرْعِ يَقْتَضِي أَلَّا يَبْقَى بَيْنَهُمَا عُلْقَةٌ أَصْلًا ، وَالْمِلْكُ أَقْوَى الْعُلَقِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، لَكِنَّ الْأُمُورَ الَّتِي سَبَقَ اعْتِبَارُهَا تُغْتَفَرُ ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْمَقْبُوضِ لَا عَيْبَ فِيهِ مِمَّا يَشُقُّ فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ وَصُحِّحَ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : إنَّ الْقَوْلَيْنِ يَلْتَقِيَانِ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَوْفَى عَنْ الذِّمَّةِ إذَا رُدَّ بِالْعَيْبِ هَلْ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْأَخْذُ أَوْ لَا ؟ أَوْ كَأَنَّهُ وُجِدَ وَزَالَ الْمِلْكُ عَنْهُ ثُمَّ تَجَدَّدَ الْمِلْكُ ثَانِيًا بِالرَّدِّ ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ ، فَائِدَتُهُمَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ جَارِيَةً فَرَدَّهَا بِعَيْبٍ ، هَلْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا ؟ ( وَالثَّانِيَةُ ) إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَبْدًا فَاسْتَكْسَبَهُ وَأَخَذَ كَسْبَهُ وَغَلَّتَهُ ثُمَّ رَدَّهُ بِعَيْبٍ فَهَلْ يَجِبُ رَدُّ الْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ ؟ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ وَالْأَخْذُ فَهَاهُنَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ ، لِأَنَّهُ حَصَلَ التَّفَرُّقُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ قُلْنَا هَذَا مِلْكٌ آخَرُ أَيْ وَتَجَدَّدَ الْمِلْكُ بِهِ فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهِ ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ نَقَلَهُمَا الْقَاضِي وَإِنْ كَانَا قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَيْنَاهُمَا عَنْ 120 الْأَصْحَابِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُمْلَكُ الْمَعِيبُ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ ؟ أَوْ مِنْ حِينِ الرِّضَى ؟ فَهُمَا غَيْرُهُمَا ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِمَا السُّؤَالُ ، كَمَا وَرَدَ عَلَى قَائِلِ الْقَوْلَيْنِ ، لِأَنَّ كَلَامَ الْقَاضِي مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا رَدَّ وَاحِدٌ الْبَدَلَ هَلْ يَقُولُ : إنَّهُ انْتَقَضَ الْمِلْكُ فِي الْأَوَّلِ .
وَيَثْبُتُ فِي الْبَدَلِ أَوْ يُقَدِّرُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمِلْكُ فِي الْأَوَّلِ أَصْلًا ، وَهَذَا أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ لَا أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْيَقِينِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَدُلُّ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ . فَكَذَلِكَ هَذَا رَفَعَ حُكْمَ الْقَبْضِ مِنْ أَصْلِهِ وَالْعَامِلُ الْآخَرُ يَرْفَعُهُ مِنْ حِينِهِ ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ إنَّهُ زَالَ الْمِلْكُ فِي الْأَوَّلِ وَعَادَ فِي الثَّانِي ، هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ كَلَامُ الْقَاضِي ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ إثْبَاتُ خِلَافٍ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَرُدَّ وَرَضِيَ بِالْعَيْبِ فِي حُصُولِ الْمِلْكِ مِنْ حِينِ الرِّضَى ، أَوْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ فَذَلِكَ الْخِلَافُ عَلَى الْأَصَحِّ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْقَاضِي سَالِمٌ عَلَى الْإِشْكَالِ . وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى مَنْ غَيَّرَهُ بِالْعِبَارَةِ الْأُولَى ، وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَقَالَ : إطْلَاقُ الْإِبْدَالِ عَلَى مَا يُوجَدُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ .
قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْبُوضُ بَدَلًا عَمَّا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ لَكَانَ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَالِهِ فِي الذِّمَّةِ ( قُلْنَا ) إنَّمَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِمَا فِي الذِّمَّةِ إذَا تَلِفَ الْمَقْبُوضُ ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِصِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَنْهُ ، وَلِهَذَا لَوْ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ بِصِفَتِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَعِيبًا فَرَضِيَ بِهِ جَازَ ، وَمَا كَانَ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ ، بَلْ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَلَى أَنَّهُ بِصِفَةِ مَالِهِ فِي الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ إذَا تَلِفَ ، فَعَلَى هَذَا الصَّحِيحُ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْقَبْضُ فِي الْمُسْتَحَقِّ وَاقِعًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ ا هـ . وَمَا ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إبْدَالُ مَا فِي الذِّمَّةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي يُؤْخَذُ ثَانِيًا بَدَلٌ عَنْ الْمَأْخُوذِ أَوَّلًا فَالْإِبْدَالُ الْمَقْبُوضُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ لَا لِمَا فِي الذِّمَّةِ وَالْمُمْتَنِعُ فِي السَّلَمِ إبْدَالُ مَا فِي الذِّمَّةِ . فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ مَوْصُوفٌ يَنْطَلِقُ عَلَى أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ كَالْمُبْهَمِ بَيْنَهَا وَلَا يَتَأَتَّى تَسْلِيمُهُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ يُعَيِّنُهُ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ ، وَيَكُونُ مُسْلَمًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ ، إذْ لَا يَتَأَتَّى تَسْلِيمُ مَا فِي الذِّمَّةِ مُجَرَّدًا ، فَإِذَا رَدَّ ذَلِكَ الْمُعَيَّنَ وَأَخَذَ الْبَدَلَ فَقَدْ انْتَقَضَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ وَانْتَقَلَ إلَى مُعَيَّنٍ آخَرَ ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ إبْدَالٌ وَإِنَّمَا الْإِبْدَالُ لِقِيَامِ الْمُعَيَّنِ الثَّانِي 121 مَقَامَ الْمُعَيَّنِ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى بِالْإِبْدَالِ هَاهُنَا الْمُبَادَلَةَ وَالِاعْتِيَاضَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَخْذُ مَا يَسُدُّ مَسَدَّ الْأَوَّلِ فَقَدْ بَانَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْفَارِقِيُّ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ ، تَرْجِيحُ قَوْلِ الْمُزَنِيِّ غَيْرُ مُتَوَجَّهٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith