المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5984 · ص. المطبوع 419 · الشرح
( الشَّرْحُ ) امْتِنَاعُ بَيْعِ الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ دُهْنٍ بِأَصْلِهِ ، وَالْعِنَبُ بِعَصِيرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَصِيرُ مِثْلَ مَا فِي الْأَصْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَاعِدَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ ، وَذَلِكَ الْمَأْخَذُ ظَاهِرٌ فِي السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ وَفِي السِّمْسِمِ بِشَيْرَجٍ وَكُسْبٍ ، وَهُمَا مَقْصُودَانِ ، وَأَمَّا الْعِنَبُ فَالتُّفْلُ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الْعَصِيرِ ، فَإِنَّ السِّمْسِمَ فِيهِ شَيْرَجٌ وَكُسْبٌ وَهُمَا مَقْصُودَانِ فَيَكُونُ بَيْعُهُ بِالشَّيْرَجِ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَالْعِنَبُ كَذَلِكَ فِيهِ 419 مَائِيَّةٌ وَغَيْرُهَا وَهُمَا مَقْصُودَانِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَصِيرِ لَا يَبْقَى التُّفْلُ مَقْصُودًا . وَالْمُصَنِّفُ عَلَّلَ بِمَعْنًى يَشْمَلُ مَا يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُنْحَصِرًا فِي دُهْنِهِ وَعَصِيرِهِ ، وَلَا يَظْهَرُ هَذَا الْمَعْنَى كُلَّ الظُّهُورِ فِيمَا جُزْءَاهُ مَقْصُودَانِ ، بَلْ الْمَانِعُ تَخْرِيجُهُ عَلَى قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ . وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَسْأَلَةِ بَيْعُ الْجَوْزِ بِمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنْ الدُّهْنِ وَاللُّبِّ وَالْكُسْبِ لَا يَجُوزُ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ دُهْنِ الْجَوْزِ بِلُبِّهِ ، ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَهَكَذَا دُهْنُ اللَّوْزِ بِلُبِّهِ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ ، وَرَأَيْتُ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَلَطِ النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا بَيْعُ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ ; وَقَدْ صَرَّحَ بِمَنْعِهِ فِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ وَالْحَاوِي وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ فِيهِ مَائِيَّةً ، فَالتَّمَاثُلُ مَعْدُومٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةِ وَغَيْرُهُ : عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ الزَّيْتُونُ أَكْثَرَ مِنْ الزَّيْتِ . قَالَ : وَهَذَا خَطَأٌ ، وَإِلَّا لَجَازَ بَيْعُ تَمْرٍ غَلِيظِ النَّوَى بِتَمْرٍ رَقِيقِ النَّوَى مُتَفَاضِلًا ، وَبَيْعُ طَحِينِ السِّمْسِمِ بِطَحِينِ السِّمْسِمِ وَفِيهِمَا الشَّيْرَجُ وَلَا يَجُوزُ ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَبَيْعُ الْكُسْبِ إذَا كَانَ عَلَفًا لِلدَّوَابِّ مِثْلَ كُسْبِ الْقُرْطُمِ ، جَازَ مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ ; وَإِنْ كَانَ يَأْكُلُهُ النَّاسُ جَازَ ، وَكِيلَ فَأَمَّا مُوَازَنَةً فَلَا وَفَصَّلَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ يَجُوزُ جَافًّا كَيْلًا بِكَيْلٍ وَلَا يَجُوزُ وَزْنًا ، وَلَا قَبْلَ الْجَفَافِ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْكَيْلُ ، وَأَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ النَّقْلَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ : حُكِيَ عَنْهُ جَوَازُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَأَنَّهُ جَوَّزَ بَيْعُ الْكُسْبِ بِالْكُسْبِ وَزْنًا ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأُمُورٍ ، لِأَنَّ أَصْلَهُ الْكَيْلُ ، وَيَخْتَلِفُ عَصْرُهُ فَرُبَّمَا بَقِيَ مِنْ دُهْنِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ وَأَنَّ الْكُسْبَ مَاءٌ وَمِلْحٌ ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْمُمَاثَلَةُ وَأَلْزَمَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا وَافَقَ عَلَيْهِ مِنْ امْتِنَاعِ بَيْعِ طَحِينِ السِّمْسِمِ بِمِثْلِهِ . وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا حَكَيْتُهُ أَوَّلًا فَحِينَئِذٍ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ إلَّا كَوْنُهُ فِيهِ مَاءٌ وَمِلْحٌ ، وَلَهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَاءَ يَزُولُ بِالْجَفَافِ 420 وَمَا فِيهِ مِنْ الْمِلْحِ لَا يَضُرُّ كَالْخُبْزِ الْجَافِّ ، فَقَدْ اخْتَارَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَ الصِّحَّةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَالرَّافِعِيُّ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ صَحَّحَ فِي مَسْأَلَةِ الْخُبْزِ الْجَافِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَبَيْعُ التَّمْرِ بِعَصِيرِ الرُّطَبِ لَا يَجُوزُ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ ، فَكَذَلِكَ بِالْخَلِّ مِنْ الرُّطَبِ .
( قُلْتُ ) وَعَلَى قِيَاسَ ذَلِكَ بَيْعُ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ لَا يَجُوزُ قَالَ نَصْرٌ وَكَذَلِكَ السِّمْسِمُ بِالطَّحِينَةِ وَالطَّحِينَةُ بِالشَّيْرَجِ لَا يَجُوزُ . وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ كُسْبِ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَلَا بَيْعُ دُهْنِ الْجَوْزِ بِلُبِّ الْجَوْزِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَذَكَرَ الْإِمَامُ إشْكَالًا وَطَرِيقَ حَلِّهِ . أَمَّا الْإِشْكَالُ فَهُوَ أَنَّ السِّمْسِمَ جِنْسٌ فِي نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ دُهْنٌ وَكُسْبٌ ، وَاللَّبَنَ جِنْسٌ فِي نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ سَمْنٌ وَمُخِيضٌ وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ السِّمْسِمِ وَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدُّهْنِ وَالْكُسْبِ بِالدُّهْنِ وَالْكُسْبِ ، وَبَيْعُ السَّمْنِ بِالدُّهْنِ ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ ، وَأَمَّا الْحَلُّ فَإِنَّهُ إذَا قُوبِلَ السِّمْسِمُ بِالسِّمْسِمِ ، وَاللَّبَنُ بِاللَّبَنِ ، فَالْعِوَضَانِ مُتَجَانِسَانِ فِي صِفَتِهِمَا النَّاجِزَةِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَقْدِيرِ تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ وَتَصْوِيرِ مَا يَكُونُ حِينَئِذٍ ، وَإِذَا قُوبِلَ السِّمْسِمُ بِالدُّهْنِ فَلَا يُمْكِنُنَا جَعْلَ السِّمْسِمِ مُخَالِفًا لِلدُّهْنِ مَعَ اشْتِمَالِ السِّمْسِمِ عَلَى الدُّهْنِ وَإِذَا ارْتَفَعَتْ الْمُخَالَفَةُ جَاءَتْ الْمُجَانَسَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُجَانَسَتَهُمَا فِي الدُّهْنِيَّةِ فَنَضْطَرُّ إلَى اعْتِبَارِهَا وَإِذَا اعْتَبَرْنَاهَا كَانَ كُلُّ بَيْعِ دُهْنٍ وَكُسْبٍ بِدُهْنٍ ، هَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ وَأَلَمَّ الْمَاوَرْدِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا وَفِي النَّفْسِ وَقْفَةٌ مِنْ قَبُولِ هَذَا الْجَوَابِ وَمَا الضَّرُورَةُ الدَّاعِيَةُ إلَى تَقْدِيرٍ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ؟ .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَالْمَجْزُومِ بِهَا فِي الْمَذْهَبِ وَقَالَ : رَأَيْتُ فِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ أَنْ قَالَ : إنَّ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ لَا يَجُوزُ قَالَ : وَكَذَلِكَ الزَّيْتُ بِالزَّيْتُونِ ، وَحَكَى الْكَرَابِيسِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ جَائِزٌ وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَنْقُولَ الْكَرَابِيسِيِّ عَائِدٌ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إنَّمَا تَلَقَّوْا حِكَايَةَ الْكَرَابِيسِيِّ فِي الدَّقِيقِ ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الزَّيْتِ مَعَ الزَّيْتُونِ فَهُوَ جَارٍ فِي الشَّيْرَجِ مَعَ السِّمْسِمِ ، وَكُلُّ دُهْنٍ مَعَ أَصْلِهِ ، وَوَافَقَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ الشَّيْرَجُ بِالسِّمْسِمِ وَالزَّيْتُ وَالزَّيْتُونُ مَالِكَ ، وَكَذَلِكَ 421 أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ : إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ يَقِينًا أَنَّ مَا فِي الزَّيْتُونِ مِنْ الزَّيْتِ أَقَلُّ مِمَّا أُعْطِيَ مِنْ الزَّيْتِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَصَحُّ ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْعِنَبُ بِالْعَصِيرِ ، وَلَا بِالْخَلِّ وَالدِّبْسِ أَوْ النَّاطِفِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَمَا وَجَدْنَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ ، فَإِنَّ التَّمْرَ هُوَ الرُّطَبُ بِعَيْنِهِ ، إلَّا أَنَّهُ يَابِسٌ ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ وَالزَّبِيبُ بِخِلَافِ الزَّيْتِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الزَّيْتُونِ ، لَكِنَّهُ خَارِجٌ مِنْهُ خُرُوجَ اللَّبَنِ مِنْ الْغَنَمِ ، وَالتَّمْرِ مِنْ النَّخْلِ ، وَبَيْعُ كُلِّ ذَلِكَ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ .
( فَرْعٌ ) حَبُّ الْبَانِ بِالسَّبْخَةِ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَزْهَارِ الْمَاءِ وَمَا يَطْفُو عَلَى سَطْحِهِ مِنْ نَبَاتٍ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَا بَأْسَ بِحَبِّ الْبَانِ بِالْبَانِ الْمُطَيِّبِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا بَأْسَ بِالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ ، وَالدُّهْنِ بِالسِّمْسِمِ ، وَالْعَصِيرِ بِالْعِنَبِ ، وَاللَّبَنِ بِالسَّمْنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث