المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
( الشَّرْحُ ) الْأَرْضُ مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ اسْمُ جِنْسٍ لَمْ يَأْتِ وَاحِدُهُ بِالْهَاءِ ، وَالْغِرَاسُ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّجَرِ يُقَالُ : غَرَسْتُ الشَّجَرَ أَغْرِسُهُ ، وَيُقَالُ لِلنَّخْلَةِ أَوَّلَ مَا تُنْبِتُ غَرِيسَةٌ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ . أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ : إذَا قَالَ : بِعْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْعَرْصَةَ أَوْ السَّاحَةَ أَوْ الْبُقْعَةَ وَكَانَ فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ قَالَ : بِمَا فِيهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ دَخَلَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ بِلَا خِلَافٍ ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : بِمَا فِيهَا أَوْ مَعَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حُدُودُهَا أَوْ حَوَتْهُ أَقْطَارُهَا ، وَإِنْ قَالَ : بِعْتُكَهَا بِحُقُوقِهَا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَصَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ إيرَادُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لَكِنَّ الْإِمَامَ حَكَى أَنَّ مِنْ أَئِمَّتِنَا مَنْ قَالَ : لَا يَدْخُلُ مُحْتَجًّا بِمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ قَبْلَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِشْكَالِ أَنَّ اسْمَ الْحُقُوقِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الطَّرِيقِ وَمَجَارِي الْمَاءِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا ، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّ هَذَا أَقْيَسُ وَهُوَ كَمَا رَأَى ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عُرْفٌ عَامٌّ بِاسْتِتْبَاعِ الْأَرْضِ لِلشَّجَرِ أَوْ بِدُخُولِهَا تَحْتَ اسْمِ الْحُقُوقِ وَهُوَ بَعِيدٌ . وَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ حَزْمٍ الظَّاهِرِيَّ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ - فِي كِتَابِهِ الْمُحَلَّى - عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَهِيَ لَهُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ قَائِمٍ أَوْ شَجَرٍ ثَابِتٍ ، وَهَذِهِ دَعْوَةٌ مُنْكَرَةٌ ، وَهِيَ بِإِطْلَاقِهَا تَشْمَلُ مَا إذَا قَالَ . بِحُقُوقِهَا وَلَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ ، بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الثَّانِي ، وَالْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ 501 اسْتِتْبَاعُ الْأَرْضِ لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَالْحَنَابِلَةُ صَنَعُوا كَصُنْعِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَعَلَّهُمْ تَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ كَمَا ادَّعَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ لِلنَّظَرِ فِيهَا مَجَالًا وَإِلَّا فَيَلْغُوا مَا أَثْبَتَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ التَّخْرِيجِ وَلَا تَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ بِذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ كَمَا نَقُولُهُ فِيمَا بَعْدُ وَقَالَهُ الْإِمَامُ هُنَا ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ عَلَى طُرُقٍ ( إحْدَاهَا ) أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الرَّهْنِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْأَرْضِ لَا يَشْمَلُ ذَلِكَ لُغَةً وَلَا عُرْفًا ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَبَعِيَّتِهَا لَهَا مِنْ عُرْفٍ وَلَا غَيْرِهِ فَلَا وَجْهَ لِلدُّخُولِ ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ ، لَكِنَّهَا خِلَافُ ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ : وَكُلُّ أَرْضٍ بِيعَتْ فَلِلْمُشْتَرِي جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَأَصْلٍ .
فَاحْتَاجَ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا إذَا قَالَ بِحُقُوقِهَا ، وَقَوْلَهُ فِي الرَّهْنِ عَلَى مَا إذَا أَطْلَقَ لَكِنْ يَتَوَجَّهُ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْإِشْكَالِ مَا أَوْرَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ ، أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَدْخُلْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ وَلَوْ قَالَ بِحُقُوقِهَا ; لِأَنَّ اسْمَ الْحُقُوقِ لَا يَشْمَلُهُ ، وَإِنَّمَا يَشْمَلُ الْمَرَّ ، وَمَسِيلَ الْمَاءِ ، وَمَطْرَحَ الْقُمَامَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، وَهُوَ إشْكَالٌ قَوِيٌّ ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُخَالِفَةً لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ ; وَلِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ مَذْهَبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ إنْ ثَبَتَتْ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هِيَ الْأَصَحَّ وَشَذَّا فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ وَلَعَمْرِي أَنْ يَثْبُتَ إجْمَاعٌ أَوْ نَصٌّ فَالْحَقُّ مَا قَالَاهُ . وَقَدْ جَهِدْتُ فِي تَطَلُّبِ نَفْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ أَجِدْ إلَّا نَصَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ " مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُثْمِرَةً فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ " وَالْأَصْحَابُ يُفَرِّقُونَ بِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ ، وَقَدْ يَحْتَجُّونَ بِهِ ; لِأَنَّهُ اقْتَضَى بِمَفْهُومِهِ دُخُولَ الثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا يَشْمَلُهَا اسْمُ النَّخْلَةِ ، وَلَكِنْ لِاتِّصَالِهَا بِهَا ، وَالْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ كَذَلِكَ ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ 502 نَقْلُ جَوَابِهِ مِنْ الْبَيْعِ إلَى الرَّهْنِ ، وَمِنْ الرَّهْنِ إلَى الْبَيْعِ ، وَتَخْرِيجُ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ . ( أَحَدِهِمَا ) يَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ ، ; لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ بِمَنْزِلَةِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، وَأَجْزَاءُ الْأَرْضِ تَدْخُلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّ الْأَرْضَ مَبِيعَةٌ وَمَرْهُونَةٌ دُونَ مَا فِيهَا لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الِاسْمِ ، وَهَاتَانِ الطَّرِيقَتَانِ مُشْتَرَكَتَانِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ، وَإِيرَادُ الْحَنَابِلَةِ فِي كُتُبِهِمْ يُوَافِقُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ وَالْقَوْلُ الْمَنْصُوصُ مَعَ الْمُخَرَّجِ ، وَقَدْ يُسَمَّيَانِ وَجْهَيْنِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ مَنْقُولَةٌ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ وَادَّعَى الشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّهَا أَصَحُّ الطُّرُقِ ، وَأَنَّ أَصَحَّ الْقَوْلَيْنِ مِنْهَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ جَمِيعًا ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ فِي التَّحْرِيرِ قَالَ : إنَّ أَصَحَّ الْقَوْلَيْنِ دُخُولُهُ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا إذَا أَطْلَقَ بَيْعَ الْأَرْضِ تَبِعَهَا مَا فِيهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ، وَإِذَا أَطْلَقَ رَهْنَهَا لَمْ يَتْبَعْهَا ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ .
( أَحَدِهِمَا ) أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ أَقْوَى ; لِأَنَّهُ يَنْقُلُ الْمِلْكَ ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَتْبَعَ ، وَالرَّهْنُ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَاسْتِيثَاقٍ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْمَنَافِعَ الْحَادِثَةَ لَمَّا كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي كَذَلِكَ الْمَوْجُودُ فِي الْحَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْحَادِثَةَ لَا تَدْخُلُ ، وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ الْحَادِثَةُ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا تَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَنْقُولَةٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَنَقَلَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ : إنَّهَا الصَّحِيحَةُ وَقَدْ تُعْزَى لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْفَرْقِ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ ، بِأَنَّ الْمَبِيعَ الِاسْمُ ، يَعْنِي فَلَا مَعْنَى لِلْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَمِمَّنْ ضَعَّفَ هَذَا الْفَرْقَ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ قَالَ : ; لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا تَظْهَرُ قُوَّتُهُ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ وَرُدَّ عَلَيْهِ . أَمَّا لَا يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ، وَلِهَذَا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْغِرَاسُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَدْخُلْ ، وَإِذَا قَالَ فِي الرَّهْنِ : بِحُقُوقِهَا 503 دَخَلَ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَبِيعَ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ ظَاهِرٌ ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ الثَّانِي لَاغٍ ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ الْحَادِثَةَ تَبِعَتْهَا لِكَوْنِهَا حَادِثَةً فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا كَذَلِكَ الْحَاصِلَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَرَةَ الْحَادِثَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي قَوْلًا وَاحِدًا وَالثَّمَرَةَ الْحَاصِلَةَ الْمُؤَبَّرَةَ عِنْدَ الْبَيْعِ لَا تَدْخُلُ قَوْلًا وَاحِدًا .
وَاعْتَرَضَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَزَارِيّ عَلَى الْفَرْقِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا قَوِيَ وَأَزَالَ الْمِلْكَ وَجَبَ أَنْ لَا يُؤَثِّرَ إلَّا فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ، تَقْلِيلًا لِضَرَرِ الْبَائِعِ بِتَفْوِيتِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، فَإِنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا لِبَقَاءِ الْمِلْكِ ، فَيَكُونُ مُقْتَضَى الْفَرْقِ عَكْسَ الْمُدَّعَى ، وَأَبْدَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فَرْقًا وَاغْتَبَطَ بِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ حَذَرًا مِنْ اخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ قَبْلَ الْوُصُولِ فِي الشَّرْحِ إلَيْهِ ، ثُمَّ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ هُنَا ذَكَرَهُ ، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْأَرْضِ يَشْمَلُ الْأُسَّ وَالْمَغْرِسَ ، فَلَوْ بَقِيَ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لِلْبَائِعِ لَخَلَا الْأُسُّ وَالْمَغْرِسُ عَنْ الْمَنْفَعَةِ ، وَتَكُونُ مَنْفَعَتُهُمَا مُسْتَثْنَاةً لَا إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَلْعُ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَلَا تَبْقِيَتُهُ بِأُجْرَةٍ ; لِأَنَّهُ حِينَ أَحْدَثَهُ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْأُسُّ وَالْمَغْرِسُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُفْرَدًا بِاتِّفَاقٍ ، فَوَجَبَ إذَا ضُمَّ إلَى مَبِيعٍ خَلَا عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَبْطُلَ فِي الْجَمِيعِ لِلْجَهَالَةِ بِالثَّمَنِ . فَلَمَّا أَفْضَى مَحْذُورُ الْإِخْرَاجِ إلَى هَذَا ، حُكِمَ بِالِانْدِرَاجِ ، حِرْصًا عَلَى تَصْحِيحِ الْعَقْدِ ، كَمَا أُدْرِجَ الْحَمْلُ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ اسْمُ الشَّاةِ وَالْجَارِيَةِ طَلَبًا لِلتَّصْحِيحِ وَحَذَرًا مِنْ الْإِبْطَالِ ، بَلْ لِلْحَمْلِ غَايَةٌ تُنْتَظَرُ ، وَمَعَ ذَلِكَ أُدْرِجَ وَلَا غَايَةَ هَاهُنَا تُنْتَظَرُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الرَّهْنِ ; لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِهِ ، حَتَّى يَكُونَ اسْتِيفَاءَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ مُخْرِجًا لِلْعَقْدِ عَنْ وَضْعِهِ ، ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ هَذَا الْمَحْذُورَ مَانِعًا مِنْ دُخُولِ الْمَغْرِسِ وَالْأُسِّ ، وَيُحْمَلُ الْبَيْعُ عَلَى مَا سِوَاهُمَا طَلَبًا لِلتَّصْحِيحِ ، وَأَجَابَ بِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْمَجْمُوعَ ، وَهَذَا يَضْعُفُ عَنْهُ ، فَلَمْ يُمْكِنْ إبْطَالُهُ بِهِ .
وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَمْرَانِ . ( أَحَدُهُمَا ) ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْمَغْرِسِ وَالْأُسِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِيمَا إذَا بَاعَ 504 الْأَرْضَ خَلَا الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ; أَنَّ الْمَغْرِسَ وَالْأُسَّ هَلْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي بَيْعِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ ، وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَرَتَّبَهُمَا عَلَى بَيْعِ الْغِرَاسِ ( إنْ قُلْنَا : ) يَسْتَتْبِعُ الْمَغْرِسَ فَهَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ( وَالْفَرْقُ ) أَنَّ اللَّفْظَ هَاهُنَا تَوَجَّهَ نَحْوَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ فَقَوِيَ عَلَى التَّبَعِيَّةِ بِخِلَافِهِ فِيمَا يُتْلَفُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَبْقَى ، فَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا قَالَهُ أَنَّ لِلْمَانِعِ أَنْ يَمْنَعَ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لُزُومَ الْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ .
( الثَّانِي ) أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُهُ مِنْ السَّوْقِ إلَى تَصْحِيحِ الْعُقُودِ إدْرَاجُ شَيْءٍ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْعَقْدُ لَا لَفْظًا وَلَا عُرْفًا ، وَالْحَمْلُ إنَّمَا دَخَلَ لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ لَهُ وَأَمَّا هُنَا فَإِنْ أَدْخَلْنَا الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ أَدْخَلْنَا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْعَاقِدِ لُغَةً وَلَا عُرْفًا ، وَإِنْ أَخْرَجْنَاهُ وَأَدْخَلْنَا الْمَغْرِسَ لَزِمَ الْمَحْذُورُ الَّذِي أَبْدَاهُ عَلَى رَأْيِهِ ، وَإِنْ أَخْرَجْنَا الْمَغْرِسَ خَالَفْنَا لَفْظَ الْعَقْدِ وَشُمُولَهُ لَهُ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا إفْسَادُ الْعَقْدِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ إفْسَادَ الْعَقْدِ أَيْضًا مَحْذُورٌ وَلَمْ يَصِرْ إلَيْهِ صَائِرٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ فِي أَخَفِّ الْمَحْذُورَاتِ الثَّلَاثَةِ يُلْتَزَمُ ، وَالْحُكْمُ بِإِدْخَالِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ حُكْمٌ بِإِثْبَاتِ أَمْ زَائِدٍ عَلَى مَدْلُولِ لَفْظِ الْعَاقِدِ ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ ، فَلَيْسَ فِي مُخَالَفَةِ اللَّفْظِ نَفْيُ مَا يَقْتَضِيهِ ، أَوْ إثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ ، أَمَّا إثْبَاتُ شَيْءٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ اللَّفْظُ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ فَلَا يُقَالُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ وَلَا مُوَافَقَةٌ . أَمَّا الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ الْمَغْرِسِ ، وَالْأُسِّ فَهُوَ إخْرَاجٌ لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ فَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ ، فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِتَبَعِيَّةِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ ، هَذَا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إدْخَالُ الْأُسِّ وَالْمَغْرِسِ مَعَ إخْرَاجِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ بِمَا أَبْدَاهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْأُسَّ وَالْمَغْرِسَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَابِلٌ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، بِحَفْرِ سَرَبٍ مِنْ تَحْتِ الْبِنَاءِ ، وَأَخْذِ تُرَابِ ذَلِكَ الْمَكَانِ ، وَوَضْعِ بَدَلِهِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَلَمْ تُعْدَمْ الْمَنْفَعَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ، أَلَا تَرَى : أَنَّ الْقَاضِيَ حُسَيْنًا قَالَ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّهُ إذَا بَاعَ عَشْرَ أَذْرُعٍ مِنْ أَرْضٍ عُمْقًا فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ صَحَّ ؟ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِأَرْضِهِ 505 مَا جَاوَزَ عَشْرَ أَذْرُعٍ عُمْقًا ، بِأَنْ يَحْفِرَ تَحْتَ عَشْرِ أَذْرُعٍ بِئْرًا ، أَوْ مَبْنِيًّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَقَوْلُهُ ) إنَّ الْأُسَّ وَالْمَغْرِسَ إذَا كَانَا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِاتِّفَاقٍ بِنَاءً عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مَسْأَلَةً ، وَقَدْ عَرَفْتُ الْمَنْعَ الْمُتَّجِهَ عَلَيْهَا ، وَيَنْبَغِي إذَا تَمَّ مَا قُلْنَاهُ فِي الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ مَرْئِيًّا قَبْلَ ذَلِكَ الرُّؤْيَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْبَيْعِ . ( فَإِنْ قُلْتَ : ) إنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِوُجُوبِ بَقَاءِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ ( قُلْتُ : ) الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ صِحَّةُ تَسْلِيمِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ ، مَعَ بَقَاءِ الزَّرْعِ فِيهَا ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ الْقَائِلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَسْلِيمِهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ لِشَبَهِهَا بِالدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تَفْرِيغَ الدَّارِ مُمْكِنٌ فِي الْحَالِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ فِي الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ لَا يَأْتِي فِي الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ لَهُ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ ، فَأَشْبَهَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ الْأَمْتِعَةَ الَّتِي يُمْكِنُ نَقْلُهَا ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ إذَا كَانَ الْغِرَاسُ بَاقِيًا لِلْبَائِعِ قَوْلًا وَاحِدًا وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَاسْتَثْنَى الْأَشْجَارَ بَقِيَتْ الْأَشْجَارُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُكَلَّفُ الْقَطْعَ ; لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلدَّوَامِ وَصَرَّحَ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا فِي الْفَتَاوَى بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَفْرِيغُ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ عَنْ الشَّجَرِ ، وَعِنْدَمَا تَكَلَّمَ فِي وَقْفِ الْأَرْضِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى شَجَرٍ .
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّفْرِيغُ فَالتَّسْلِيمُ مُمْكِنٌ عَلَى حَالِهَا ، فَصَحَّ الْبَيْعُ إذَا وُجِدَتْ الْمَنْفَعَةُ وَالرُّؤْيَةُ ، وَقَدْ عَرَفْتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَصَاحِبِ التَّتِمَّةِ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ مُسَاعِدٌ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ قَلْعُ الشَّجَرِ لَوْ أَبْقَيْنَاهُ عَلَى مِلْكِهِ عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ النُّسَخَ مِنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ بِذَلِكَ مُخْتَلِفَةً ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَفْرِيغُ الْأَرْضِ بِإِسْقَاطِ ( لَا ) فَكَأَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ نَاسِخٍ ، وَقَدْ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِإِثْبَاتِ ( لَا ) وَكَلَامُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْفَتَاوَى قَالَ إذَا بَاعَ الدَّارَ دُونَ النَّخْلَةِ الَّتِي فِيهَا ، وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاجْتِيَازِ إلَيْهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ الشَّجَرِ . 506 وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْمُطَارَحَاتِ : إنَّهُ إذَا بَاعَ دَارًا فِيهَا نَخْلَةٌ دُونَ النَّخْلَةِ ، وَشَرَطَ دُخُولَ مَنْبَتِهَا فِي الْبَيْعِ ، صَحَّ وَيَسْتَحِقُّ تَبْقِيَةَ الشَّجَرَةِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ ، فَإِنْ اخْتَارَ صَاحِبُ الدَّارِ تَمَلُّكَ الشَّجَرَةِ بِقِيمَتِهَا أَوْ قَلْعِهَا بِالْتِزَامِ النُّقْصَانِ ، كَانَ لَهُ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا تَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ لِتَبْقِيَتِهِ فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى بِأُجْرَةٍ لَكَانَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْأُجْرَةِ يُلْزَمُ بِالْقَلْعِ ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ بِالْقَلْعِ ، اسْتَلْزَمَ عَدَمَ الْأُجْرَةِ ، نَعَمْ فِي عَكْسِ ذَلِكَ وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ الشَّجَرَةَ الرَّطْبَةَ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ ، قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَغْرِسُ ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ قَلْعُ الشَّجَرَةِ مَجَّانًا ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إبْقَاؤُهَا مَا أَرَادَ الْمُشْتَرِيَ ؟ أَمْ لَهُ قَلْعُهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَيَغْرَمُ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ كَالْعَارِيَّةِ ؟ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الْأَوَّلُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِجَرَيَانِ الْوَجْهِ الْآخَرِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ وَيُقَالَ : أَنَّا فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ قَصَرْنَا الْحُكْمَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَبِيعِ ، فَفِي بَيْعِ الشَّجَرَةِ لَا يُسْتَتْبَعُ حَقُّ الْإِبْقَاءِ ، فَكَانَ لَهُ الْقَلْعُ عَلَى وَجْهٍ ، وَفِي الْأَرْضِ كَانَ حَقُّ الْإِبْقَاءِ ثَابِتًا ، فَلَا يُزَالُ بِالْبَيْعِ ، فَهَذَا فَرْقٌ جُمِعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَإِنْ قُلْتَ : ) إذَا أُلْغِيَتْ هَذِهِ الْفُرُوقُ كُلُّهَا فَمَا وَجْهُ الْمَذْهَبِ ؟ ( قُلْتُ : ) الرَّاجِحُ عِنْدِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ إجْمَاعٌ عَلَى الدُّخُولِ فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُهُ وَمَتَى لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ مَا قَدَّمْتُهُ ، وَقَدْ يُعْتَضَدُ الدُّخُولُ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ بِالْوَاضِحَةِ ( مِنْهَا ) الثِّمَارُ إذَا لَمْ تُؤَبَّرْ دَاخِلَةٌ فِي بَيْعِ الشَّجَرِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْمَفْهُومُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ الشَّجَرَةِ لِلثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ ، وَلَيْسَتْ بَاقِيَةً عَلَى الشَّجَرَةِ دَائِمًا فَاسْتِتْبَاعُ الْأَرْضِ لِلشَّجَرِ وَهُوَ بَاقٍ فِيهَا دَائِمًا أَوْلَى ، وَفِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ : { أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ لَمْ يُذْكَرْ التَّمْرُ فَالتَّمْرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا } وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ فَالْحَرْثُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ . 507 وَمِنْهَا ) أَنَّ الْأَرْضَ تُطْلَقُ كَثِيرًا وَيُرَادُ بِهَا الْأَرْضُ مَعَ مَا فِيهَا ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ } الْحَدِيثَ ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الْأَرْضَ وَحْدَهَا ، بَلْ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { حَبِّسْ الْأَصْلَ وَسَبِّلْ الثَّمَرَةِ } فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ كَثِيرًا فَإِنْ وَصَلَ إلَى حَدِّ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ سُكُوتِ الْبَائِعِ عَنْ اسْتِثْنَائِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ إخْرَاجَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ مَعَ كُرْهِ اسْتِعْمَالِ الْأَرْضِ مَعَ دُخُولِهِمَا لَنَصَّ عَلَى الْإِخْرَاجِ ، فَلَمَّا لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الشُّمُولُ مَعَ كَوْنِ الْبَائِعِ مُعْرِضًا عَنْ الْبَيْعِ . وَقَاطِعًا أَطْمَاعَهُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الرَّاهِنِ ، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ( أَمَّا ) الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ شَبِيهَةٌ بِالْجُزْءِ الْحَقِيقِيِّ ، فَهِيَ كَالْحَمْلِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ، وَالْأَصْحَابُ وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ يُحَاوِلُونَ تَشْبِيهَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ لِكَوْنِهِمَا مُرَادَيْنِ لِلْبَقَاءِ وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا الْوَصْفِ مَعَ الْمُفَارَقَةِ فِي أُمُورٍ أُخْرَى نَظَرٌ .
( وَأَمَّا ) الثَّانِي فَإِنَّ الْكَثْرَةَ مَمْنُوعَةٌ ( وَأَمَّا ) الْإِطْلَاقُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَلَا يَمْتَنِعُ ، وَمَعَ مَيْلِي فِي الْبَحْثِ كَمَا رَأَيْتَ إلَى مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ لَا أُقْدِمُ عَلَى الْجَزْمِ بِهِ مَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ذَهَبَ إلَيْهِ ، وَلَا أَسْتَحْضِرُ الْآنَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلًا بِذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَيْلٌ إلَى مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ دُخُولُهَا وَأَبْهَمَ ، وَأَنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ ، فَهَذَا آخِرُ كَلَامِنَا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ رَابِعَةٌ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ ، وَفِي دُخُولِهِمَا فِي الرَّهْنِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْجُورِيُّ مَعَ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَيَشْهَدُ لَهَا أَنَّ الْحَمْلَ وَالثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ تَنْدَرِجُ فِي الْبَيْعِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي انْدِرَاجِ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ قَوْلَانِ ( الْمَنْصُوصُ ) مِنْهُمَا فِي الْأُمِّ كَمَا قَالَ : الْبَنْدَنِيجِيُّ : فِي التَّمْرَةِ عَدَمُ التَّبَعِيَّةِ ، وَفِي الْقَدِيمِ عَلَى التَّبَعِيَّةِ ، ثُمَّ أَغْرَبَ الْجُورِيُّ فَجَعَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّهْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ جَمِيعًا ، مُعَلِّلًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الرَّهْنَ وَالْبَيْعَ سَوَاءٌ ، 508 وَفِيهِمَا قَوْلَانِ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجُورِيِّ هَذَا إثْبَاتُ خِلَافٍ فِي دُخُولِ الْبِنَاءِ فِي بَيْعِ الدَّارِ وَرَهْنِهَا ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ ، فَإِنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْبِنَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَرْضِ .
فَاحْتَاجَ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا إذَا قَالَ بِحُقُوقِهَا ، وَقَوْلَهُ فِي الرَّهْنِ عَلَى مَا إذَا أَطْلَقَ لَكِنْ يَتَوَجَّهُ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْإِشْكَالِ مَا أَوْرَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ ، أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَدْخُلْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ وَلَوْ قَالَ بِحُقُوقِهَا ; لِأَنَّ اسْمَ الْحُقُوقِ لَا يَشْمَلُهُ ، وَإِنَّمَا يَشْمَلُ الْمَرَّ ، وَمَسِيلَ الْمَاءِ ، وَمَطْرَحَ الْقُمَامَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، وَهُوَ إشْكَالٌ قَوِيٌّ ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُخَالِفَةً لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ ; وَلِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ مَذْهَبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ إنْ ثَبَتَتْ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هِيَ الْأَصَحَّ وَشَذَّا فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ وَلَعَمْرِي أَنْ يَثْبُتَ إجْمَاعٌ أَوْ نَصٌّ فَالْحَقُّ مَا قَالَاهُ . وَقَدْ جَهِدْتُ فِي تَطَلُّبِ نَفْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ أَجِدْ إلَّا نَصَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ " مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُثْمِرَةً فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ " وَالْأَصْحَابُ يُفَرِّقُونَ بِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ ، وَقَدْ يَحْتَجُّونَ بِهِ ; لِأَنَّهُ اقْتَضَى بِمَفْهُومِهِ دُخُولَ الثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا يَشْمَلُهَا اسْمُ النَّخْلَةِ ، وَلَكِنْ لِاتِّصَالِهَا بِهَا ، وَالْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ كَذَلِكَ ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ 502 نَقْلُ جَوَابِهِ مِنْ الْبَيْعِ إلَى الرَّهْنِ ، وَمِنْ الرَّهْنِ إلَى الْبَيْعِ ، وَتَخْرِيجُ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ . ( أَحَدِهِمَا ) يَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ ، ; لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ بِمَنْزِلَةِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، وَأَجْزَاءُ الْأَرْضِ تَدْخُلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّ الْأَرْضَ مَبِيعَةٌ وَمَرْهُونَةٌ دُونَ مَا فِيهَا لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الِاسْمِ ، وَهَاتَانِ الطَّرِيقَتَانِ مُشْتَرَكَتَانِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ، وَإِيرَادُ الْحَنَابِلَةِ فِي كُتُبِهِمْ يُوَافِقُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ وَالْقَوْلُ الْمَنْصُوصُ مَعَ الْمُخَرَّجِ ، وَقَدْ يُسَمَّيَانِ وَجْهَيْنِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ مَنْقُولَةٌ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ وَادَّعَى الشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّهَا أَصَحُّ الطُّرُقِ ، وَأَنَّ أَصَحَّ الْقَوْلَيْنِ مِنْهَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ جَمِيعًا ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ فِي التَّحْرِيرِ قَالَ : إنَّ أَصَحَّ الْقَوْلَيْنِ دُخُولُهُ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا إذَا أَطْلَقَ بَيْعَ الْأَرْضِ تَبِعَهَا مَا فِيهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ، وَإِذَا أَطْلَقَ رَهْنَهَا لَمْ يَتْبَعْهَا ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ .
( أَحَدِهِمَا ) أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ أَقْوَى ; لِأَنَّهُ يَنْقُلُ الْمِلْكَ ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَتْبَعَ ، وَالرَّهْنُ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَاسْتِيثَاقٍ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْمَنَافِعَ الْحَادِثَةَ لَمَّا كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي كَذَلِكَ الْمَوْجُودُ فِي الْحَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْحَادِثَةَ لَا تَدْخُلُ ، وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ الْحَادِثَةُ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا تَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَنْقُولَةٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَنَقَلَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ : إنَّهَا الصَّحِيحَةُ وَقَدْ تُعْزَى لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْفَرْقِ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ ، بِأَنَّ الْمَبِيعَ الِاسْمُ ، يَعْنِي فَلَا مَعْنَى لِلْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَمِمَّنْ ضَعَّفَ هَذَا الْفَرْقَ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ قَالَ : ; لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا تَظْهَرُ قُوَّتُهُ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ وَرُدَّ عَلَيْهِ . أَمَّا لَا يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ، وَلِهَذَا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْغِرَاسُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَدْخُلْ ، وَإِذَا قَالَ فِي الرَّهْنِ : بِحُقُوقِهَا 503 دَخَلَ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَبِيعَ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ ظَاهِرٌ ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ الثَّانِي لَاغٍ ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ الْحَادِثَةَ تَبِعَتْهَا لِكَوْنِهَا حَادِثَةً فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا كَذَلِكَ الْحَاصِلَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَرَةَ الْحَادِثَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي قَوْلًا وَاحِدًا وَالثَّمَرَةَ الْحَاصِلَةَ الْمُؤَبَّرَةَ عِنْدَ الْبَيْعِ لَا تَدْخُلُ قَوْلًا وَاحِدًا .
وَاعْتَرَضَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَزَارِيّ عَلَى الْفَرْقِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا قَوِيَ وَأَزَالَ الْمِلْكَ وَجَبَ أَنْ لَا يُؤَثِّرَ إلَّا فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ، تَقْلِيلًا لِضَرَرِ الْبَائِعِ بِتَفْوِيتِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، فَإِنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا لِبَقَاءِ الْمِلْكِ ، فَيَكُونُ مُقْتَضَى الْفَرْقِ عَكْسَ الْمُدَّعَى ، وَأَبْدَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فَرْقًا وَاغْتَبَطَ بِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ حَذَرًا مِنْ اخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ قَبْلَ الْوُصُولِ فِي الشَّرْحِ إلَيْهِ ، ثُمَّ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ هُنَا ذَكَرَهُ ، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْأَرْضِ يَشْمَلُ الْأُسَّ وَالْمَغْرِسَ ، فَلَوْ بَقِيَ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لِلْبَائِعِ لَخَلَا الْأُسُّ وَالْمَغْرِسُ عَنْ الْمَنْفَعَةِ ، وَتَكُونُ مَنْفَعَتُهُمَا مُسْتَثْنَاةً لَا إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَلْعُ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَلَا تَبْقِيَتُهُ بِأُجْرَةٍ ; لِأَنَّهُ حِينَ أَحْدَثَهُ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْأُسُّ وَالْمَغْرِسُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُفْرَدًا بِاتِّفَاقٍ ، فَوَجَبَ إذَا ضُمَّ إلَى مَبِيعٍ خَلَا عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَبْطُلَ فِي الْجَمِيعِ لِلْجَهَالَةِ بِالثَّمَنِ . فَلَمَّا أَفْضَى مَحْذُورُ الْإِخْرَاجِ إلَى هَذَا ، حُكِمَ بِالِانْدِرَاجِ ، حِرْصًا عَلَى تَصْحِيحِ الْعَقْدِ ، كَمَا أُدْرِجَ الْحَمْلُ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ اسْمُ الشَّاةِ وَالْجَارِيَةِ طَلَبًا لِلتَّصْحِيحِ وَحَذَرًا مِنْ الْإِبْطَالِ ، بَلْ لِلْحَمْلِ غَايَةٌ تُنْتَظَرُ ، وَمَعَ ذَلِكَ أُدْرِجَ وَلَا غَايَةَ هَاهُنَا تُنْتَظَرُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الرَّهْنِ ; لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِهِ ، حَتَّى يَكُونَ اسْتِيفَاءَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ مُخْرِجًا لِلْعَقْدِ عَنْ وَضْعِهِ ، ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ هَذَا الْمَحْذُورَ مَانِعًا مِنْ دُخُولِ الْمَغْرِسِ وَالْأُسِّ ، وَيُحْمَلُ الْبَيْعُ عَلَى مَا سِوَاهُمَا طَلَبًا لِلتَّصْحِيحِ ، وَأَجَابَ بِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْمَجْمُوعَ ، وَهَذَا يَضْعُفُ عَنْهُ ، فَلَمْ يُمْكِنْ إبْطَالُهُ بِهِ .
وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَمْرَانِ . ( أَحَدُهُمَا ) ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْمَغْرِسِ وَالْأُسِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِيمَا إذَا بَاعَ 504 الْأَرْضَ خَلَا الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ; أَنَّ الْمَغْرِسَ وَالْأُسَّ هَلْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي بَيْعِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ ، وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَرَتَّبَهُمَا عَلَى بَيْعِ الْغِرَاسِ ( إنْ قُلْنَا : ) يَسْتَتْبِعُ الْمَغْرِسَ فَهَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ( وَالْفَرْقُ ) أَنَّ اللَّفْظَ هَاهُنَا تَوَجَّهَ نَحْوَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ فَقَوِيَ عَلَى التَّبَعِيَّةِ بِخِلَافِهِ فِيمَا يُتْلَفُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَبْقَى ، فَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا قَالَهُ أَنَّ لِلْمَانِعِ أَنْ يَمْنَعَ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لُزُومَ الْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ .
( الثَّانِي ) أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُهُ مِنْ السَّوْقِ إلَى تَصْحِيحِ الْعُقُودِ إدْرَاجُ شَيْءٍ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْعَقْدُ لَا لَفْظًا وَلَا عُرْفًا ، وَالْحَمْلُ إنَّمَا دَخَلَ لِاقْتِضَاءِ الْعُرْفِ لَهُ وَأَمَّا هُنَا فَإِنْ أَدْخَلْنَا الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ أَدْخَلْنَا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْعَاقِدِ لُغَةً وَلَا عُرْفًا ، وَإِنْ أَخْرَجْنَاهُ وَأَدْخَلْنَا الْمَغْرِسَ لَزِمَ الْمَحْذُورُ الَّذِي أَبْدَاهُ عَلَى رَأْيِهِ ، وَإِنْ أَخْرَجْنَا الْمَغْرِسَ خَالَفْنَا لَفْظَ الْعَقْدِ وَشُمُولَهُ لَهُ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا إفْسَادُ الْعَقْدِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ إفْسَادَ الْعَقْدِ أَيْضًا مَحْذُورٌ وَلَمْ يَصِرْ إلَيْهِ صَائِرٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ فِي أَخَفِّ الْمَحْذُورَاتِ الثَّلَاثَةِ يُلْتَزَمُ ، وَالْحُكْمُ بِإِدْخَالِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ حُكْمٌ بِإِثْبَاتِ أَمْ زَائِدٍ عَلَى مَدْلُولِ لَفْظِ الْعَاقِدِ ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ ، فَلَيْسَ فِي مُخَالَفَةِ اللَّفْظِ نَفْيُ مَا يَقْتَضِيهِ ، أَوْ إثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ ، أَمَّا إثْبَاتُ شَيْءٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ اللَّفْظُ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ فَلَا يُقَالُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ وَلَا مُوَافَقَةٌ . أَمَّا الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ الْمَغْرِسِ ، وَالْأُسِّ فَهُوَ إخْرَاجٌ لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ فَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ ، فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِتَبَعِيَّةِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ ، هَذَا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إدْخَالُ الْأُسِّ وَالْمَغْرِسِ مَعَ إخْرَاجِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ بِمَا أَبْدَاهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْأُسَّ وَالْمَغْرِسَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَابِلٌ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، بِحَفْرِ سَرَبٍ مِنْ تَحْتِ الْبِنَاءِ ، وَأَخْذِ تُرَابِ ذَلِكَ الْمَكَانِ ، وَوَضْعِ بَدَلِهِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَلَمْ تُعْدَمْ الْمَنْفَعَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ، أَلَا تَرَى : أَنَّ الْقَاضِيَ حُسَيْنًا قَالَ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّهُ إذَا بَاعَ عَشْرَ أَذْرُعٍ مِنْ أَرْضٍ عُمْقًا فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ صَحَّ ؟ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِأَرْضِهِ 505 مَا جَاوَزَ عَشْرَ أَذْرُعٍ عُمْقًا ، بِأَنْ يَحْفِرَ تَحْتَ عَشْرِ أَذْرُعٍ بِئْرًا ، أَوْ مَبْنِيًّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَقَوْلُهُ ) إنَّ الْأُسَّ وَالْمَغْرِسَ إذَا كَانَا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِاتِّفَاقٍ بِنَاءً عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مَسْأَلَةً ، وَقَدْ عَرَفْتُ الْمَنْعَ الْمُتَّجِهَ عَلَيْهَا ، وَيَنْبَغِي إذَا تَمَّ مَا قُلْنَاهُ فِي الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ مَرْئِيًّا قَبْلَ ذَلِكَ الرُّؤْيَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْبَيْعِ . ( فَإِنْ قُلْتَ : ) إنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِوُجُوبِ بَقَاءِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ ( قُلْتُ : ) الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ صِحَّةُ تَسْلِيمِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ ، مَعَ بَقَاءِ الزَّرْعِ فِيهَا ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ الْقَائِلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَسْلِيمِهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ لِشَبَهِهَا بِالدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تَفْرِيغَ الدَّارِ مُمْكِنٌ فِي الْحَالِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ فِي الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ لَا يَأْتِي فِي الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ لَهُ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ ، فَأَشْبَهَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ الْأَمْتِعَةَ الَّتِي يُمْكِنُ نَقْلُهَا ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ إذَا كَانَ الْغِرَاسُ بَاقِيًا لِلْبَائِعِ قَوْلًا وَاحِدًا وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَاسْتَثْنَى الْأَشْجَارَ بَقِيَتْ الْأَشْجَارُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُكَلَّفُ الْقَطْعَ ; لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلدَّوَامِ وَصَرَّحَ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا فِي الْفَتَاوَى بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَفْرِيغُ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ عَنْ الشَّجَرِ ، وَعِنْدَمَا تَكَلَّمَ فِي وَقْفِ الْأَرْضِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى شَجَرٍ .
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّفْرِيغُ فَالتَّسْلِيمُ مُمْكِنٌ عَلَى حَالِهَا ، فَصَحَّ الْبَيْعُ إذَا وُجِدَتْ الْمَنْفَعَةُ وَالرُّؤْيَةُ ، وَقَدْ عَرَفْتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَصَاحِبِ التَّتِمَّةِ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ مُسَاعِدٌ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ قَلْعُ الشَّجَرِ لَوْ أَبْقَيْنَاهُ عَلَى مِلْكِهِ عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ النُّسَخَ مِنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ بِذَلِكَ مُخْتَلِفَةً ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَفْرِيغُ الْأَرْضِ بِإِسْقَاطِ ( لَا ) فَكَأَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ نَاسِخٍ ، وَقَدْ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِإِثْبَاتِ ( لَا ) وَكَلَامُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْفَتَاوَى قَالَ إذَا بَاعَ الدَّارَ دُونَ النَّخْلَةِ الَّتِي فِيهَا ، وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاجْتِيَازِ إلَيْهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ الشَّجَرِ . 506 وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْمُطَارَحَاتِ : إنَّهُ إذَا بَاعَ دَارًا فِيهَا نَخْلَةٌ دُونَ النَّخْلَةِ ، وَشَرَطَ دُخُولَ مَنْبَتِهَا فِي الْبَيْعِ ، صَحَّ وَيَسْتَحِقُّ تَبْقِيَةَ الشَّجَرَةِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ ، فَإِنْ اخْتَارَ صَاحِبُ الدَّارِ تَمَلُّكَ الشَّجَرَةِ بِقِيمَتِهَا أَوْ قَلْعِهَا بِالْتِزَامِ النُّقْصَانِ ، كَانَ لَهُ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا تَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ لِتَبْقِيَتِهِ فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى بِأُجْرَةٍ لَكَانَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْأُجْرَةِ يُلْزَمُ بِالْقَلْعِ ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ بِالْقَلْعِ ، اسْتَلْزَمَ عَدَمَ الْأُجْرَةِ ، نَعَمْ فِي عَكْسِ ذَلِكَ وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ الشَّجَرَةَ الرَّطْبَةَ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ ، قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَغْرِسُ ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ قَلْعُ الشَّجَرَةِ مَجَّانًا ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إبْقَاؤُهَا مَا أَرَادَ الْمُشْتَرِيَ ؟ أَمْ لَهُ قَلْعُهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَيَغْرَمُ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ كَالْعَارِيَّةِ ؟ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الْأَوَّلُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِجَرَيَانِ الْوَجْهِ الْآخَرِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ وَيُقَالَ : أَنَّا فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ قَصَرْنَا الْحُكْمَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَبِيعِ ، فَفِي بَيْعِ الشَّجَرَةِ لَا يُسْتَتْبَعُ حَقُّ الْإِبْقَاءِ ، فَكَانَ لَهُ الْقَلْعُ عَلَى وَجْهٍ ، وَفِي الْأَرْضِ كَانَ حَقُّ الْإِبْقَاءِ ثَابِتًا ، فَلَا يُزَالُ بِالْبَيْعِ ، فَهَذَا فَرْقٌ جُمِعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَإِنْ قُلْتَ : ) إذَا أُلْغِيَتْ هَذِهِ الْفُرُوقُ كُلُّهَا فَمَا وَجْهُ الْمَذْهَبِ ؟ ( قُلْتُ : ) الرَّاجِحُ عِنْدِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَلَا فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ إجْمَاعٌ عَلَى الدُّخُولِ فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُهُ وَمَتَى لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ مَا قَدَّمْتُهُ ، وَقَدْ يُعْتَضَدُ الدُّخُولُ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ بِالْوَاضِحَةِ ( مِنْهَا ) الثِّمَارُ إذَا لَمْ تُؤَبَّرْ دَاخِلَةٌ فِي بَيْعِ الشَّجَرِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْمَفْهُومُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ الشَّجَرَةِ لِلثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ ، وَلَيْسَتْ بَاقِيَةً عَلَى الشَّجَرَةِ دَائِمًا فَاسْتِتْبَاعُ الْأَرْضِ لِلشَّجَرِ وَهُوَ بَاقٍ فِيهَا دَائِمًا أَوْلَى ، وَفِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ : { أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ لَمْ يُذْكَرْ التَّمْرُ فَالتَّمْرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا } وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ فَالْحَرْثُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ . 507 وَمِنْهَا ) أَنَّ الْأَرْضَ تُطْلَقُ كَثِيرًا وَيُرَادُ بِهَا الْأَرْضُ مَعَ مَا فِيهَا ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ } الْحَدِيثَ ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الْأَرْضَ وَحْدَهَا ، بَلْ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { حَبِّسْ الْأَصْلَ وَسَبِّلْ الثَّمَرَةِ } فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ كَثِيرًا فَإِنْ وَصَلَ إلَى حَدِّ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ سُكُوتِ الْبَائِعِ عَنْ اسْتِثْنَائِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ إخْرَاجَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ مَعَ كُرْهِ اسْتِعْمَالِ الْأَرْضِ مَعَ دُخُولِهِمَا لَنَصَّ عَلَى الْإِخْرَاجِ ، فَلَمَّا لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الشُّمُولُ مَعَ كَوْنِ الْبَائِعِ مُعْرِضًا عَنْ الْبَيْعِ . وَقَاطِعًا أَطْمَاعَهُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الرَّاهِنِ ، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ( أَمَّا ) الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ شَبِيهَةٌ بِالْجُزْءِ الْحَقِيقِيِّ ، فَهِيَ كَالْحَمْلِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ، وَالْأَصْحَابُ وَمَنْ يُوَافِقُهُمْ يُحَاوِلُونَ تَشْبِيهَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ لِكَوْنِهِمَا مُرَادَيْنِ لِلْبَقَاءِ وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا الْوَصْفِ مَعَ الْمُفَارَقَةِ فِي أُمُورٍ أُخْرَى نَظَرٌ .
( وَأَمَّا ) الثَّانِي فَإِنَّ الْكَثْرَةَ مَمْنُوعَةٌ ( وَأَمَّا ) الْإِطْلَاقُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَلَا يَمْتَنِعُ ، وَمَعَ مَيْلِي فِي الْبَحْثِ كَمَا رَأَيْتَ إلَى مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ لَا أُقْدِمُ عَلَى الْجَزْمِ بِهِ مَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ذَهَبَ إلَيْهِ ، وَلَا أَسْتَحْضِرُ الْآنَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلًا بِذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَيْلٌ إلَى مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ دُخُولُهَا وَأَبْهَمَ ، وَأَنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ ، فَهَذَا آخِرُ كَلَامِنَا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ رَابِعَةٌ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ ، وَفِي دُخُولِهِمَا فِي الرَّهْنِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْجُورِيُّ مَعَ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَيَشْهَدُ لَهَا أَنَّ الْحَمْلَ وَالثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ تَنْدَرِجُ فِي الْبَيْعِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي انْدِرَاجِ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ قَوْلَانِ ( الْمَنْصُوصُ ) مِنْهُمَا فِي الْأُمِّ كَمَا قَالَ : الْبَنْدَنِيجِيُّ : فِي التَّمْرَةِ عَدَمُ التَّبَعِيَّةِ ، وَفِي الْقَدِيمِ عَلَى التَّبَعِيَّةِ ، ثُمَّ أَغْرَبَ الْجُورِيُّ فَجَعَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّهْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ جَمِيعًا ، مُعَلِّلًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الرَّهْنَ وَالْبَيْعَ سَوَاءٌ ، 508 وَفِيهِمَا قَوْلَانِ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجُورِيِّ هَذَا إثْبَاتُ خِلَافٍ فِي دُخُولِ الْبِنَاءِ فِي بَيْعِ الدَّارِ وَرَهْنِهَا ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ ، فَإِنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْبِنَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَرْضِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث