المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
( الشَّرْحُ ) الْحَائِطُ وَهُوَ الْبُسْتَانُ مِنْ النَّخِيلِ ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَسْأَلَتَانِ : ( الْأُولَى ) إذَا بَاعَ حَائِطًا أُبِّرَ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ جُعِلَ الْجَمِيعُ كَالْمُؤَبَّرِ ، وَجُعِلَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَابِعًا لِمَا أُبِّرَ . ( أَمَّا ) إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا فَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ تَبَعًا لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاسْتَدَلُّوا هُمْ وَغَيْرُهُمْ لِذَلِكَ بِأَنَّ تَأْبِيرَ الْبَعْضِ يُحَصِّلُ لِلنَّخْلِ اسْمَ التَّأْبِيرِ فَيَشْمَلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَصْلُ الْإِبَارِ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ الْإِبَارُ ، فَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ أَنَّهُ قَدْ أُبِّرَ ، كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَفِيمَا ذَكَرُوهُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ التَّأْبِيرِ عَلَى الْجَمِيعِ بِتَأْبِيرِ بَعْضِهَا تَوَقُّفٌ لَا يَخْفَى ، لَا سِيَّمَا عَلَى مَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَكْفِي تَأْبِيرُ نَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْبُسْتَانِ ، بَلْ طَلْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَصِيرُ الْبَاقِي تَبَعًا فَدَعْوَى إطْلَاقِ التَّأْبِيرِ عَلَى الْجَمِيعِ حَقِيقَةً فِي غَايَةِ الْبُعْدِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ : وَفِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ كَانَ صَرِيحًا فِي الْمَطْلُوبِ ، لَكِنِّي لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا فِيهَا كُلِّهَا جُعِلَ التَّأْبِيرُ صِفَةً لِلنَّخْلِ الْمَبِيعَةِ ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمِيعِ ، وَاللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ لَمْ يَذْكُرْهُ بِإِسْنَادٍ بَلْ أَتَى بِهِ فِي ضِمْنِ اسْتِدْلَالٍ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَثَبَّتْ فِيهِ ، نَعَمْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُوجَدَ التَّأْبِيرُ فِي كُلِّ طَلْعِ النَّخْلَةِ ، بَلْ مَتَى وُجِدَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا صَحَّ أَنَّهَا أُبِّرَتْ ، فَيَكُونُ جَمِيعُ ثَمَرَتِهَا لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ اسْتِدْلَالًا بِالْحَدِيثِ ، وَيُعَضِّدُ الْأَصْحَابَ وَغَيْرَهُمْ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِتَأْبِيرِ الْبَعْضِ أَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِتَأْبِيرِ جَمِيعِ النَّخْلِ ، بَلْ يَكْتَفُونَ بِتَأْبِيرِ بَعْضِهَا . 53
وَاسْتَدَلَّ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ لِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَزَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِالِاسْتِشْهَادِ بِأَسَاسِ الدَّارِ ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَجَابُوا عَنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ هَلَّا جُعِلَ مَا أُبِّرَ تَابِعًا لِمَا لَمْ يُؤَبَّرْ فِي دُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ ؟ وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْبَاطِنَ تَبَعٌ لِلظَّاهِرِ ، وَلَيْسَ الظَّاهِرُ تَبَعًا لِلْبَاطِنِ ، فَإِنَّ مَا بَطَنَ مِنْ أَسَاسِ الْحَائِطِ وَرُءُوسِ الْأَجْذَاعِ تَبَعٌ لِمَا ظَهَرَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ : إنَّ الْحُكْمَ بِتَبَعِيَّةِ الْأَسَاسِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا كَذَلِكَ الثِّمَارُ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ الْمُؤَبَّرَةُ لِلْبَائِعِ وَغَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ لِلْمُشْتَرِي ، اُتُّبِعَ شَرْطُهُ ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا مُؤَبَّرَةً وَشَرَطَ بَعْضَهَا ; اُتُّبِعَ شَرْطُهُ وَسُوءُ الْمُشَارَكَةِ مَوْجُودٌ فَكَأَنَّهُمَا رَضِيَا بِهِ ، وَأَوْرَدَاهُ الْعَقْدَ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ عَقْدٍ فِيهِ مُشَارَكَةٌ فَهُوَ مَظِنَّةُ الضَّرَرِ وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ كَثِيرٌ مِنْ الْعُقُودِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمُشَارَكَةِ ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِهَا بِمَنْزِلَةِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي جَمِيعِهَا ، فَكَذَلِكَ التَّأْبِيرُ ، وَلَكَ أَنْ تُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّ الثَّمَرَةَ مَتَى تُرِكَتْ حَتَّى يُوجَدَ الصَّلَاحُ فِي جَمِيعِهَا ; أَدَّى إلَى أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُهَا بِحَالٍ فَإِنَّهُ إلَى أَنْ يَتَكَامَلَ فِيهَا يَتَسَاقَطُ الْأَوَّلُ فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الثَّمَرَةِ وَتَأَذِّي مَالِكِهَا وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا هُنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ إشَارَةٌ إلَى الدَّلِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَدَلَّ بِهِمَا الْأَصْحَابُ .
( وَأَمَّا ) إذَا كَانَ الْحَائِطُ أَنْوَاعًا فَالْمَذْهَبُ أَيْضًا أَنَّ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَابِعٌ لِمَا أُبِّرَ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : إذَا بِيعَتْ رَقَبَةُ الْحَائِطِ وَقَدْ أُبِّرَ شَيْءٌ مِنْ نَخْلِهِ فَثَمَرَةُ النَّخْلِ تِلْكَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ ، وَلَمْ يُطْلِعْ ; لِأَنَّ حُكْمَ ثَمَرَةِ ذَلِكَ النَّخْلِ فِي عَامِهِ ذَلِكَ حُكْمٌ وَاحِدٌ ، كَمَا يَكُونُ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَلَمْ يُؤَبَّرْ ، قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ : وَيُخَالِفُ الْجَارِيَةَ الْحَامِلَ بِوَلَدَيْنِ ، وَضَعَتْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ بَاعَهَا قَبْلَ وَضْعِ الْآخَرِ ، لَا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلْمَوْلُودِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْأُمِّ فَيُفْرَدُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحُكْمِهِ وَالطَّلْعُ بَعْدَ التَّأْبِيرِ مُتَّصِلٌ بِالشَّجَرَةِ ، هَذَا الْفَرْقُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ يَكُونُ بَعْضُ طَلْعِهَا مُؤَبَّرًا وَبَعْضُهَا غَيْرَ مُؤَبَّرٍ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْضُ النَّخِيلِ مُؤَبَّرًا وَبَعْضُهَا غَيْرَ مُؤَبَّرٍ فَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَغْنَامِ يَبِيعُهَا وَقَدْ نَتَجَ بَعْضُهَا يَبْقَى نَتَاجُهَا 54 لِلْبَائِعِ وَاَلَّتِي لَمْ تُنْتَجْ يَدْخُلُ حُكْمُهَا فِي الْعَقْدِ ; لِأَنَّ نِتَاجَ الْأَغْنَامِ لَا يَتَّفِقُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْ النَّخِيلِ .
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ : لَا يَكُونُ تَأْبِيرًا إلَّا فِي نَوْعِهِ ; لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ يَخْتَلِفُ إدْرَاكُهَا وَتَتَفَاوَتُ ، وَالنَّوْعُ الْوَاحِدُ لَا يَتَفَاوَتُ ، وَرَدَّ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِمَّنْ وَافَقَ الْأَصْحَابَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنَّهُ شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَطْلَعَ حَتَّى يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمُؤَبَّرِ وَإِنْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ ( أَمَّا ) مَا ظَهَرَ مِنْ الطَّلْعِ بَعْدَ الْبَيْعِ ، فَقَالَ بِأَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِي مِلْكِهِ وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ بِالنَّصِّ الَّذِي قَدَّمْتُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ آنِفًا ، وَحُكْمُهُ بِأَنَّ ثَمَرَةَ ذَلِكَ الْعَامِ لِلْبَائِعِ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ وَلَمْ يُطْلِعْ ، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ . وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ هُنَا لِتَعَلُّقِهِ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِمُ بِهِ فِيمَا إذَا بَاعَ نَخْلًا وَفِيهِ ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّ ثَمَرَةَ جَمِيعِ ذَلِكَ الْعَامِ لِلْبَائِعِ ( وَالثَّانِي ) قَوْلُ ابْنِ خَيْرَانَ لَيْسَ لِلْبَائِعِ إلَّا الْمُؤَبَّرُ ( وَالثَّالِثُ ) قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ لِلْبَائِعِ الْمُؤَبَّرَ ، وَالْمُطْلِعَةُ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَلِلْمُشْتَرِي مَا أَطْلَعَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِإِفْرَادِ الْمُؤَبَّرِ بِحُكْمِهِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إذَا أُبِّرَ أَكْثَرُ الْحَائِطِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ حَتَّى يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُؤَبَّرُ أَقَلَّهُ فَكُلُّهُ لِلْمُبْتَاعِ ، وَاضْطَرَبُوا إذَا أُبِّرَ نِصْفُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصْفُ مُفْرَدًا فَيَكُونَ لِلْبَائِعِ .
( فَرْعٌ ) هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ ، أَمَّا إذَا أَفْرَدَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ بِالْبَيْعِ فَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَاسْتَدَلَّ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ لِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَزَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِالِاسْتِشْهَادِ بِأَسَاسِ الدَّارِ ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَجَابُوا عَنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ هَلَّا جُعِلَ مَا أُبِّرَ تَابِعًا لِمَا لَمْ يُؤَبَّرْ فِي دُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ ؟ وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْبَاطِنَ تَبَعٌ لِلظَّاهِرِ ، وَلَيْسَ الظَّاهِرُ تَبَعًا لِلْبَاطِنِ ، فَإِنَّ مَا بَطَنَ مِنْ أَسَاسِ الْحَائِطِ وَرُءُوسِ الْأَجْذَاعِ تَبَعٌ لِمَا ظَهَرَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ : إنَّ الْحُكْمَ بِتَبَعِيَّةِ الْأَسَاسِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا كَذَلِكَ الثِّمَارُ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ الْمُؤَبَّرَةُ لِلْبَائِعِ وَغَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ لِلْمُشْتَرِي ، اُتُّبِعَ شَرْطُهُ ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا مُؤَبَّرَةً وَشَرَطَ بَعْضَهَا ; اُتُّبِعَ شَرْطُهُ وَسُوءُ الْمُشَارَكَةِ مَوْجُودٌ فَكَأَنَّهُمَا رَضِيَا بِهِ ، وَأَوْرَدَاهُ الْعَقْدَ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ عَقْدٍ فِيهِ مُشَارَكَةٌ فَهُوَ مَظِنَّةُ الضَّرَرِ وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ كَثِيرٌ مِنْ الْعُقُودِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمُشَارَكَةِ ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِهَا بِمَنْزِلَةِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي جَمِيعِهَا ، فَكَذَلِكَ التَّأْبِيرُ ، وَلَكَ أَنْ تُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّ الثَّمَرَةَ مَتَى تُرِكَتْ حَتَّى يُوجَدَ الصَّلَاحُ فِي جَمِيعِهَا ; أَدَّى إلَى أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُهَا بِحَالٍ فَإِنَّهُ إلَى أَنْ يَتَكَامَلَ فِيهَا يَتَسَاقَطُ الْأَوَّلُ فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الثَّمَرَةِ وَتَأَذِّي مَالِكِهَا وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا هُنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ إشَارَةٌ إلَى الدَّلِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَدَلَّ بِهِمَا الْأَصْحَابُ .
( وَأَمَّا ) إذَا كَانَ الْحَائِطُ أَنْوَاعًا فَالْمَذْهَبُ أَيْضًا أَنَّ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَابِعٌ لِمَا أُبِّرَ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : إذَا بِيعَتْ رَقَبَةُ الْحَائِطِ وَقَدْ أُبِّرَ شَيْءٌ مِنْ نَخْلِهِ فَثَمَرَةُ النَّخْلِ تِلْكَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ ، وَلَمْ يُطْلِعْ ; لِأَنَّ حُكْمَ ثَمَرَةِ ذَلِكَ النَّخْلِ فِي عَامِهِ ذَلِكَ حُكْمٌ وَاحِدٌ ، كَمَا يَكُونُ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَلَمْ يُؤَبَّرْ ، قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ : وَيُخَالِفُ الْجَارِيَةَ الْحَامِلَ بِوَلَدَيْنِ ، وَضَعَتْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ بَاعَهَا قَبْلَ وَضْعِ الْآخَرِ ، لَا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلْمَوْلُودِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْأُمِّ فَيُفْرَدُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحُكْمِهِ وَالطَّلْعُ بَعْدَ التَّأْبِيرِ مُتَّصِلٌ بِالشَّجَرَةِ ، هَذَا الْفَرْقُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ يَكُونُ بَعْضُ طَلْعِهَا مُؤَبَّرًا وَبَعْضُهَا غَيْرَ مُؤَبَّرٍ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْضُ النَّخِيلِ مُؤَبَّرًا وَبَعْضُهَا غَيْرَ مُؤَبَّرٍ فَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَغْنَامِ يَبِيعُهَا وَقَدْ نَتَجَ بَعْضُهَا يَبْقَى نَتَاجُهَا 54 لِلْبَائِعِ وَاَلَّتِي لَمْ تُنْتَجْ يَدْخُلُ حُكْمُهَا فِي الْعَقْدِ ; لِأَنَّ نِتَاجَ الْأَغْنَامِ لَا يَتَّفِقُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْ النَّخِيلِ .
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ : لَا يَكُونُ تَأْبِيرًا إلَّا فِي نَوْعِهِ ; لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ يَخْتَلِفُ إدْرَاكُهَا وَتَتَفَاوَتُ ، وَالنَّوْعُ الْوَاحِدُ لَا يَتَفَاوَتُ ، وَرَدَّ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِمَّنْ وَافَقَ الْأَصْحَابَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنَّهُ شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَطْلَعَ حَتَّى يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمُؤَبَّرِ وَإِنْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ ( أَمَّا ) مَا ظَهَرَ مِنْ الطَّلْعِ بَعْدَ الْبَيْعِ ، فَقَالَ بِأَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِي مِلْكِهِ وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ بِالنَّصِّ الَّذِي قَدَّمْتُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ آنِفًا ، وَحُكْمُهُ بِأَنَّ ثَمَرَةَ ذَلِكَ الْعَامِ لِلْبَائِعِ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ وَلَمْ يُطْلِعْ ، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ . وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ هُنَا لِتَعَلُّقِهِ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِمُ بِهِ فِيمَا إذَا بَاعَ نَخْلًا وَفِيهِ ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّ ثَمَرَةَ جَمِيعِ ذَلِكَ الْعَامِ لِلْبَائِعِ ( وَالثَّانِي ) قَوْلُ ابْنِ خَيْرَانَ لَيْسَ لِلْبَائِعِ إلَّا الْمُؤَبَّرُ ( وَالثَّالِثُ ) قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ لِلْبَائِعِ الْمُؤَبَّرَ ، وَالْمُطْلِعَةُ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَلِلْمُشْتَرِي مَا أَطْلَعَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِإِفْرَادِ الْمُؤَبَّرِ بِحُكْمِهِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إذَا أُبِّرَ أَكْثَرُ الْحَائِطِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ حَتَّى يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُؤَبَّرُ أَقَلَّهُ فَكُلُّهُ لِلْمُبْتَاعِ ، وَاضْطَرَبُوا إذَا أُبِّرَ نِصْفُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصْفُ مُفْرَدًا فَيَكُونَ لِلْبَائِعِ .
( فَرْعٌ ) هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ ، أَمَّا إذَا أَفْرَدَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ بِالْبَيْعِ فَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith