المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
الصفحة 6258 · ص. المطبوع 180 · الشرح
( الشَّرْحُ ) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ هُمَا مِنْ بَقِيَّةِ الْمَرَاتِبِ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا مِنْ مَسَائِلِ الِاخْتِلَاطِ ( إحْدَاهُمَا ) وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا اشْتَرَى شَجَرَةً أَوْ أَرْضًا فِيهَا شَجَرَةٌ ، وَعَلَى الشَّجَرَةِ الْمَبِيعَةِ أَوْ الدَّاخِلَةِ فِي الْبَيْعِ مِنْ الثَّمَرَةِ حَمْلٌ ، إذَا اشْتَرَى شَجَرَةً وَعَلَيْهَا حَمْلٌ لِلْبَائِعِ بِأَنْ كَانَ مُؤَبَّرًا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ فَلَمْ يَأْخُذْهَا الْبَائِعُ حَتَّى حَدَثَ حَمْلُ الْمُشْتَرِي وَاخْتَلَطَتْ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَحْمِلُ حَمْلَيْنِ ، أَمَّا مَا يَحْمِلُ مَرَّةً فِي الْعَامِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَتَى كَانَ عَلَى النَّخْلَةِ شَيْءٌ مُؤَبَّرٌ كَانَ جَمِيعُ ثَمَرَةِ 180 ذَلِكَ الْعَامِ لِلْبَائِعِ ، إذَا عُرِفَ ذَلِكَ قَالَ الْأَصْحَابُ : فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ الْحَادِثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ الْأَوَّلِ كَانَ الْحَمْلُ الْمَوْجُودُ حَالَ الْعَقْدِ لِلْبَائِعِ ، وَالْحَمْلُ الْحَادِثُ لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ فَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
( إحْدَاهُمَا ) طَرِيقَةُ ابْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي الْإِفْصَاحِ : الْقَطْعُ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ : أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا نَصَّ عَلَيْهَا ، وَلَا تَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَيْضًا ، بَلْ الْبَيْعُ صَحِيحٌ بِكُلِّ حَالٍ ، قَالَ : وَقَدْ نَكَّتَ ابْنُ خَيْرَانَ وَمَا قَصَّرَ ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِيهِ مَيْلٌ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ ، وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ .
قَالَ : إنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ أَصَحُّ جَوَابًا وَتَعْلِيلًا ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُ الْمُزَنِيِّ صَحِيحًا ، قَالَ : وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ أَوْلَى مِنْ نُصْرَةِ مَا سِوَاهُ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ وَالطَّبَرِيِّ : إنَّهُمَا قَالَا : إنَّ الَّذِي فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ نَقْلُهُ فِي الْأُمِّ فَوَقَعَ الْغَلَطُ فِي النَّقْلِ مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ إلَى مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْأُصُولِ ، وَاحْتَجَّ الْمُنْتَصِرُونَ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ لَيْسَ فِي الْمَبِيعِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ ثَمَرًا وَتَجَدَّدَتْ ثِمَارٌ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَتَعَيَّبَتْ الثِّمَارُ وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَا خِيَارَ بِعَيْبِ الثِّمَارِ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا الْقِيَاسُ الَّذِي لَا يَسُوغُ غَيْرُهُ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي . ( الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ) : وَبِهَا قَالَ الْمُزَنِيّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ، وَنَسَبَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ كَمَا نَسَبَهَا الْمُصَنِّفُ إلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، قَالَ هَؤُلَاءِ : وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ نَصَّهُ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ الْمُزَنِيَّ ثِقَةٌ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِنْ وَجْهَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ فِيهَا يُقَالُ لِلْمُبْتَاعِ أَتَسْمَحُ ؟ فَإِنْ سَمَحَ وَإِلَّا قِيلَ لِلْبَائِعِ : أَتَسْمَحُ ؟ فَلَوْلَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ نَفْسُ الشَّجَرِ لَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا : أَتَسْمَحُ ؟ ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهُ قَالَ : تَكُونُ الْخَارِجَةُ لِلْبَائِعِ ، وَالْحَادِثَةُ لِلْمُشْتَرِي ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الشَّجَرُ ، ثُمَّ الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الشَّجَرَ ، فَإِنَّ 181 الْمَقْصُودَ مِنْهَا الثَّمَرَةُ ، فَإِذَا اخْتَلَطَتْ الْخَارِجَةُ بِالْحَادِثَةِ فَقَدْ اخْتَلَطَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَهَذَا قَرِيبٌ ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ خَيْرَانَ أَسْقَطَ الْمَسْأَلَةَ بِالْأَصَالَةِ ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ : إنَّ فِيهَا مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ .
( قُلْتُ ) : الْمُرَادُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ ، وَأَمَّا إسْقَاطُ ابْنِ خَيْرَانَ فَيُجَابُ عَنْهُ : بِأَنَّ الْمُزَنِيَّ ثِقَةٌ ، وَقَدْ نَقَلَهَا فَلَمْ يَبْقَ لِابْنِ خَيْرَانَ مُتَعَلَّقٌ إلَّا أَنْ تَقُولَ : إنَّ الْمُزَنِيَّ أَخْطَأَ فِيهَا ، وَجَوَابُهُ بِمَا أَبْدَاهُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ الْمَعْنَى ، فَإِنَّهُ يَنْفِي الْجَزْمَ بِخَطَئِهَا ، وَاعْلَمْ : أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ عَلَى جَلَالَتِهِمْ وَاطِّلَاعِهِمْ بَيْنَ مُنْكِرٍ لِمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَمُقَلِّدٍ لَهُ فِيهِ ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إلَّا بِتَعَسُّفٍ عَظِيمٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ بَابِ ثَمَرِ الْحَائِطِ : يُبَاعُ أَصْلُهُ ، وَمَا أَثْمَرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا فَبِيعَ ، وَفِيهِ ثَمَرَةٌ فَهِيَ لِلْبَائِعِ وَحْدَهَا ، فَإِذَا انْقَضَتْ فَمَا خَرَجَ بَعْدَهَا مِمَّا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ فَلِمُشْتَرِي الْأَصْلِ ، وَصِنْفٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ ، حَتَّى لَا يَنْفَصِلُ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ ، وَهُوَ فِي شَجَرِهِ فَكَانَ لِلْبَائِعِ مَا لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ ، وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي مَا حَدَثَ . فَإِنْ اخْتَلَطَ مَا اشْتَرَى بِمَا لَمْ يَشْتَرِ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَفِيهَا قَوْلَانِ . ( أَحَدُهُمَا ) : لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ إلَّا بِأَنْ يُسَلِّمَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ كُلَّهَا ، فَيَكُونَ قَدْ أَوْفَاهُ حَقَّهُ وَزِيَادَةً أَوْ يَتْرُكَ الْمُشْتَرِي لَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ ، فَيَكُونَ قَدْ تَرَكَ لَهُ حَقَّهُ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) : أَنَّهُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ وَإِنْ وَقَعَ صَحِيحًا فَقَدْ اخْتَلَطَ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنْهُ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ مِمَّا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَكَلَّفَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا بَاعَ شَجَرَةَ التِّينِ مَثَلًا بَعْدَ أَنْ نَتَجَتْ الْأَغْصَانُ وَلَمْ تَبْرُزْ الثَّمَرَةُ ، فَاشْتَرَطَ الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ تِلْكَ الْأَغْصَانِ ، فَإِنَّهُ كَالثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ إذَا شَرَطَهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَطْعُ عَلَى نَصٍّ ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْمَبِيعَ قَدْ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ ، وَقَدْ أَحْسَنَ الْمَحَامِلِيُّ فَاعْتَرَفَ : بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأُمِّ ، وَرَدَّ عَلَى ابْنِ خَيْرَانَ مَذْهَبًا وَحِجَاجًا ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ عَنْ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ 182 الطَّرِيقَةِ : أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ صُورَةِ الِاخْتِلَاطِ وَبَيْنَ تَعَيُّبِ الثِّمَارِ الْمُتَّحِدَةِ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، بِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ سَبَبُهُ بَقَاءُ ثَمَرَةِ الْبَائِعِ عَلَى الْأَشْجَارِ ، وَعَلَى الْبَائِعِ فِي الْجُمْلَةِ تَخْلِيَةُ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي ، فَقَدْ حَصَلَ الِاخْتِلَاطُ بِسَبَبِ مَا اسْتَبَقَاهُ الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ ، وَقَرُبَ ذَلِكَ مِنْ نَقْلِ الْأَحْجَارِ الْمُودَعَةِ فِي الْأَرْضِ ، وَمِنْ قَلْعِ بَابِ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ لِنَقْلِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَمْتِعَةِ .
وَفِي الْبَحْرِ : أَنَّ ابْنَ خَيْرَانَ تَأَوَّلَ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ عَلَى مَا إذَا ابْتَاعَ الشَّجَرَةَ وَبَقِيَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ ، ثُمَّ اشْتَرَى الْمُشْتَرِي ثَانِيًا الثَّمَرَةَ . ثُمَّ ظَهَرَتْ الْحَادِثَةُ فَاخْتَلَطَتْ بِهَا . وَهُنَا يَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ . فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَوْلَيْنِ . وَغَلَّطَهُ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ : بِأَنَّ هُنَا وَإِنْ اخْتَلَطَ الْمَبِيعُ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّ كُلَّهُ لِلْمُشْتَرِي ، وَاخْتَلَطَ مِلْكُهُ بِمِلْكِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ أَصْلًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَائِدَةٌ ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَلَا أَعْرِفُ شَجَرَةً تَحْمِلُ حَمْلَيْنِ يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا التِّينَ ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ النَّوْرُوذِيُّ ثُمَّ يَحْمِلُ بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ . وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ : إنَّ النَّارِنْجَ وَالْأُتْرُجَّ وَالرَّانِجَ أَيْضًا يَحْمِلُ حَمْلَيْنِ ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ نَوْعٍ مِنْ التُّفَّاحِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَنَحْوِهَا كَالتِّينِ ، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ كَوْنِنَا لَمْ نَجْعَلْ الْحَادِثَةَ تَابِعَةً لِلْخَارِجَةِ كَمَا فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ ، حَيْثُ جَعَلْنَا الطَّلْعَ الْحَادِثَ تَابِعًا عَلَى الصَّحِيحِ بِأَنَّ الْعَادَةَ فِي النَّخْلِ أَنَّهُ يَحْمِلُ حَمْلًا وَاحِدًا ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ حَمْلِهِ لِلْبَائِعِ كَانَتْ ثَمَرَةُ ذَلِكَ الْعَامِ كُلِّهِ لَهُ ، وَالتِّينُ يَحْمِلُ حَمْلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ ، فَالثَّانِي : كَثَمَرَةِ النَّخْلِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ .
( قُلْتُ ) : وَالْآخَرُ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِي شَجَرٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَا نَقُولُ فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ مُطْلَقًا : إنَّ ثَمَرَةَ الْعَامِ كُلَّهَا لِلْبَائِعِ ، فَقَدْ وَرَدَ : أَنَّ نَخْلَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ تَحْمِلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ . فَالْمُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ بِالْحَمْلِ عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْحَمْلَيْنِ مُنْفَصِلًا عَنْ الْآخَرِ انْفِصَالًا بَيِّنًا غَيْرَ مُتَلَاحِقٍ لَمْ يَتْبَعْ الثَّانِي الْأَوَّلَ ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ الَّتِي قَدَّمْتُهَا تَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْعَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : عَلَى ذَلِكَ سُؤَالٌ قَالَ الْأَصْحَابُ : ( إنْ قِيلَ ) هَلَّا قُلْتُمْ : الْحَمْلُ الثَّانِي تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ ؟ كَمَا إذَا بَاعَ نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً ، فَإِنَّ الطَّلْعَ الْحَادِثَ لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ ؟ ( فَالْجَوَابُ ) : إنَّ فِي الطَّلْعِ وَجْهَيْنِ 183 وَالْفَرْقُ : أَنَّ الطَّلْعَ الْحَادِثَ مِنْ جُمْلَةِ هَذَا الطَّلْعِ الْمَوْجُودِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا حَمْلٌ وَاحِدٌ يَتَقَدَّمُ بَعْضُهُ وَيَتَأَخَّرُ بَعْضُهُ . وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَمْلُ الثَّانِي مَعَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : إنَّ عَدَمَ الِانْفِسَاخِ هُوَ الصَّحِيحُ يَعْنِي مِنْ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ ، وَفِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ بِغَيْرِهَا لَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا ، وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ الْقَوْلُ بِالِانْفِسَاخِ كَمَا صَحَّحَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ .
( فَرْعٌ ) إذَا قُلْنَا : يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ ، ( وَإِنْ قُلْنَا ) : لَا يَنْفَسِخُ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : فَمَنْ سَمَحَ مِنْهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَى قَبُولِهِ ، وَإِنْ امْتَنَعَا فَسَخَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، كَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ ابْنِ خَيْرَانَ ، إنْ تَرَاضَيَا وَاتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ الْحَادِثَةِ مِنْ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ ، وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ لِمَا حَدَثَ تَأْثِيرًا فِي الْبَيْعِ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَحْسَنُ وَأَدْخَلُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَحَظَهُ ابْنُ خَيْرَانَ ; لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ لَا أَثَرَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ بِعِبَارَةٍ تَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ : الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ : إنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ ، وَلَكِنْ يُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا : اسْمَحْ بِتَرْكِ ثَمَرَتِكَ ، فَإِنْ سَمَحَ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَى الْقَبُولِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَحْ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ وَالثَّمَرَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَرِي مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهَا . وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ قَالَ : إنَّهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ ، وَرُبَّمَا يُظَنُّ بَيْنَ كَلَامِ هَؤُلَاءِ وَكَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ مُنَافَاةٌ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ، فَقَدْ بَيَّنَ الرُّويَانِيُّ ذَلِكَ ، وَنَقَلَ الْقَوْلَ بِالْفَسْخِ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ وَعَنْ ابْنِ خَيْرَانَ : أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَحْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ فِي يَدِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ مِنْ قَوْلَيْ طَرِيقَةِ الْخِلَافِ ، وَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْإِمَامُ تَفْرِيعٌ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ خَيْرَانَ فَقَطْ ، فَكَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ لَا إيرَادَ عَلَيْهِ 184 إلَّا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ خَيْرَانَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ طَرِيقَةِ الْخِلَافِ .
وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْإِيرَادُ عَلَيْهِ قَوِيٌّ ; لِأَنَّهُ نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ خَيْرَانَ ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ : مَنْ سَمَحَ مِنْكُمَا أُقِرَّ الْعَقْدُ فَأَفْهَمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَحْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا يُقَرُّ الْعَقْدُ وَيُفْسَخُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ خَيْرَانَ ، وَلَوْ أَخَّرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بَعْدَ طَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ ، وَقَالَهَا تَفْرِيعًا عَلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ كَانَ يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِمَا اُعْتُذِرَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُشِيرٌ إلَى أَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ فِي غَرَضِ تَرْكِ الْحَقِّ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي ، وَكَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْبَائِعِ ، وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ يَقْتَضِي الْبُدَاءَةِ بِالْمُشْتَرِي ، وَالْأَقْرَبُ التَّسْوِيَةُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُهَذَّبِ ، وَأَنَّ مَنْ بَدَأَ بِالْقَوْلِ : الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُتَحَتِّمٌ ، بَلْ عَلَى جِهَةِ الْمِثَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَالْبُدَاءَةِ فِي التَّسْلِيمِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْصُودٌ يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ هَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) أَوْرَدَ عَلَى إلْزَامِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ قَبُولَ مَا بُذِلَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ لِإِمْضَاءِ الْعَقْدِ مَا إذَا سَمَحَ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بِتَقْدِيمِهِ بِتَمَامِ الثَّمَنِ لِيَسْتَمِرَّ عَقْدُ الْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث