المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
page 6348 · printed p. 381 · commentary
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ مَسَائِلِ الْكِتَابِ ) إذَا اشْتَرَى اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ عَيْنًا وَوَجَدَا بِهَا عَيْبًا وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا إمْسَاكَ حِصَّتِهِ وَالْآخَرُ رَدَّ حِصَّتِهِ ; جَازَ عَلَى الْقَوْلِ الظَّاهِرِ الْمَنْقُولِ عَنْ نَصِّهِ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ وَمُعْظَمِ كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمِنْهُ أَخَذَتْ الصَّفْقَةُ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهُ رَدَّ جَمِيعَ مَا مَلَكَ مَجَازًا كَالْمُشْتَرِي الْوَاحِدِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُخْتَصَرِ : وَلَوْ أَصَابَ الْمُشْتَرِيَانِ صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ رَجُلٍ بِجَارِيَةٍ عَيْبًا فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ وَالْآخَرُ الْإِمْسَاكَ فَذَلِكَ لَهُمَا ; لِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي شِرَاءِ الِاثْنَيْنِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرِي النِّصْفِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ . انْتَهَى .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) وَيُحْكَى عَنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ الْقَدِيمِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : إنَّهُ مَرْجُوعٌ عَنْهُ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة إنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْفِرَادُ بِالرَّدِّ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ كَامِلًا وَالْآنَ يَعُودُ إلَيْهِ بَعْضُهُ ، وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَا يُشْتَرَى بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الثَّمَنِ لَوْ بِيعَ كُلُّهُ ، وَرُبَّمَا أَوْرَدُوا ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا : خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مُجْتَمِعًا أَوْ صَفْقَةً وَاحِدَةً . وَمِنْ هَذَا الْقَوْلِ أُخِذَ أَنَّ الصَّفْقَةَ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُشْتَرِي مُتَّحِدَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ كَثِيرُونَ أَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَبِذَلِكَ مَنَعُوا مَنْ قَالَ : خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ صَفْقَةً . وَمَنَعُوا أَيْضًا مَنْ قَالَ : خَرَجَ مُجْتَمِعًا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اسْتِدْلَالِهِ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الْبَائِعَ فَرَّقَ الْمِلْكَ فِي الْإِيجَابِ . أَيْ فَلَمْ يَخْرُجَ مُجْتَمِعًا . وَأَمَّا مَنْ قَالَ : كَلَامُكَ إنْ أُرِيدَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَهِيَ مَعْنًى ، وَإِنْ أُرِيدَ التَّأْكِيدُ فَلَا يُفِيدُ . وَمَنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ جَازِمٌ بِأَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَعَدِّدَةٌ . وَاعْتَرَضَ الْقَائِلُونَ بِاتِّحَادِهَا وَامْتِنَاعِ الِانْفِرَادِ بِالرَّدِّ ، مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُكُمَا هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : قَبِلْتُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، 381 وَبِمَا إذَا أَحْضَرَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الثَّمَنِ وَأَرَادَ إجْبَارَ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِ نِصْفِ الْعَبْدِ ، وَبِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ . وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ عِنْدَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ قَبِلَ صَاحِبُهُ أَوْ رَدَّهُ ، وَقِيلَ إنَّ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصًّا فِي الْخُلْعِ يَشْهَدُ لَهُ وَقَالَ الْإِمَامُ : إنَّهُ الْأَظْهَرُ فِي الْقِيَاسِ ، وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ ( وَالثَّانِي ) وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي النَّقْلِ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ لَا يَصِحُّ ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالتَّعَدُّدِ فَإِنَّ صِيغَةَ إيجَابِ الْبَائِعِ تَقْتَضِي جَوَابَهُمَا ، فَكَأَنَّهَا مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يُجِيبَاهُ مَعًا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ عُرْفًا . وَفِي هَذَا نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ .
وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا أَنَّ الْبَائِعَ يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ نَصِيبِهِ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْبَائِعَ هَذَا الَّذِي شَرَطَ بَيْنَهُمَا ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْعَيْبُ حَادِثًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ عَرَفْتَ بِمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ اسْتِدْلَالَ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَمَسُّ بِكَلَامِ الْمُخَالِفِ مِنْ اسْتِدْلَالِ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ رَدَّ جَمِيعَ مَا مَلَكَ ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ صَحِيحًا . وَقَوْلُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْهُمَا فِي صَفْقَتَيْنِ ، أَيْ مُتَعَدِّدَتَيْنِ لَفْظًا ، فَإِنَّ هَذِهِ مُتَعَدِّدَةٌ حُكْمًا لَا لَفْظًا . وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : الْأَوْلَى أَنْ يُفْرَضَ الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَالْبَائِعُ وَارِثُهُ ، أَوْ عَادَ إلَى الْبَائِعِ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا بِالْبَيْعِ أَوْ بِالْهِبَةِ كَيْ يَسْقُطَ عَلَى كَلَامِهِمْ أَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ ، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى رَجُلَانِ شِقْصًا مِنْ وَاحِدٍ ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا بِالشُّفْعَةِ . وَهَذَا الَّذِي الْتَزَمَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ مُتَعَدِّدٌ هُوَ الْمَشْهُورُ . وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ : إنَّ هَذِهِ طَرِيقٌ سَقِيمَةٌ لَا يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهَا ، وَمَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فَلِضَعْفِهِ فِي الْمَعَانِي ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : بِعْتُ مِنْكُمَا 382 فِي جَانِبِهِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ . نَعَمْ فِي جَانِبِ الْمُشْتَرِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ وَلَوْ جَازَ أَنْ نَجْعَلَ عَقْدَيْنِ لِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي ; لَجَازَ ذَلِكَ لِتَعَدُّدِ الْجَمِيعِ . وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ الْجَوَابِ أَنَّ الصَّفْقَةَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً ، لَكِنْ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرُدَّ ; لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ لَهُمَا ، وَهُوَ حَقٌّ مَشْرُوعٌ ؟ فَيُمْكِنُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتٍ وَإِسْقَاطٍ بِعَدَمِ مُسَاعَدَةِ الْآخَرِ لَهُ . وَأَجَابَ عَنْ كَوْنِ الشَّرِكَةِ عَيْبًا بِأَنَّ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ قَدْ زَالَتْ ، وَاَلَّتِي وُجِدَتْ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا وُجِدَتْ بِعَدَمِ الرَّدِّ ، وَالرَّدُّ لَا يَعِيبُ الْمَبِيعَ لَكِنْ يُعِيدُهُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ ، ثُمَّ الشَّرِكَةُ تَثْبُتُ بِاخْتِلَافِ الْمِلْكِ فَلَا يَكُونُ الْعَيْبُ الَّذِي هُوَ مَعْلُولُ الرَّدِّ سَابِقًا لِعِلَّتِهِ ، وَمَا قَالَهُ أَوَّلًا لَا يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ ، فَإِنَّ مِنْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ أَخْذَ الْوَارِثِينَ لِمُشْتَرِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ مُسْتَقِلٌّ بِالرَّدِّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا قَالَهُ ثَانِيًا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَيُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْهُ . وَقَدْ ظَهَرَ لَكَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّا إنْ قُلْنَا بِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ مَنَعْنَا انْفِرَادَ أَحَدِهِمَا بِالرَّدِّ ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالتَّعَدُّدِ فَقَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) الْمَنْعُ لِضَرَرِ التَّبْعِيضِ ، هَذَا إذَا نَظَرْتَ إلَى التَّعَدُّدِ وَالِاتِّحَادِ أَوَّلًا فَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقَوْلَيْنِ أَوَّلًا فِي الِانْفِرَادِ فَأَحْرَزْنَا ، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَجْوِيزُ التَّفْرِيقِ ، وَإِنْ مَنَعْنَا الِانْفِرَادَ هَلْ ذَلِكَ لِحُكْمِنَا بِالِاتِّحَادِ أَوْ لِضَرَرِ التَّبْعِيضِ ؟ وَإِنْ كَانَتْ الصَّفْقَةُ مُتَعَدِّدَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَوْفَقُ لِكَلَامِهِمْ ، وَالْأَصَحُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الثَّانِي لِمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ الْبُوَيْطِيِّ .
التَّفْرِيعُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إنْ جَوَّزْنَا الِانْفِرَادَ ، فَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا فَتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا ، وَيَخْلُصُ لِلْمُمْسِكِ مَا أَمْسَكَ وَلِلرَّادِّ مَا اسْتَرَدَّ ، أَوْ تَبْقَى الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِيمَا أَمْسَكَهُ الْمُمْسِكُ وَاسْتَرَدَّهُ الرَّادُّ . حَكَى الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : أَصَحُّهُمَا أَوَّلُهُمَا . قُلْتُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي بَعِيدٌ جِدًّا ، وَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ الَّذِي أَمْسَكَهُ الْمُمْسِكُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّادِّ وَالرَّادُّ لَمْ يُبْقِ عَلَى مُلْكِهِ شَيْئًا ، وَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ نِصْفَ الثَّمَنِ الَّذِي اسْتَرْجَعَهُ الرَّادُّ يَأْخُذُ الْمُمْسِكُ نِصْفَهُ وَهُوَ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا ؟ وَوَجَّهَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنُهُمَا قِسْمَةٌ . وَهَذَا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْمُعَيَّنِ لَا فِي الْمُشَاعِ ، فَإِنَّ النِّصْفَ الْمُشَاعَ الْمَرْدُودَ مُخْتَصٌّ بِالرَّادِّ قَطْعًا ، وَحَمَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُشْتَرَكًا 383 بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا الْحَمْلُ قَدْ يُقَالُ : إنَّهُ يَصِحُّ مَعَهُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمُسْتَرَدِّ مِنْ الثَّمَنِ ، أَمَّا بَقَاءُ الشَّرِكَةِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ الْبَاقِي فَلَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِي الْمُسْتَرَدِّ مِنْ الثَّمَنِ أَيْضًا لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا مَلَكَهُ الْبَائِعُ ثُمَّ انْتَقَضَ مِلْكُهُ فِي نِصْفِهِ الشَّائِعِ الْمُخْتَصِّ بِالرَّادِّ بِحُكْمِ رَدِّهِ وَيَقْسِمُهُ الرَّادُّ وَالْبَائِعُ وَهُوَ قِسْمَةٌ جَدِيدَةٌ وَارِدَةٌ عَلَى مِلْكَيْهِمَا ، وَلَيْسَ لِلْمُمْسِكِ فِيهَا حَظٌّ ، وَنِصْفُهُ الشَّائِعُ لَمْ يُنْقَضْ الْمِلْكُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ . فَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْوَجْهِ أَصْلًا .
نَعَمْ : قَدْ تَقَدَّمَ لَنَا عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ شُذُوذٌ فِي جَوَازِ رَدِّ بَعْضِ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ ، فَعَلَى ذَلِكَ إذَا قَالَ الرَّادُّ : رَدَدْتُ النِّصْفَ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ نِصْفُهُ ، وَقُلْنَا بِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُحْمَلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ كَمَا هُوَ فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَيَصِحُّ الرَّدُّ فِي نِصْفِ نَصِيبِهِ ، وَلَكِنْ لَا يَبْقَى نَصِيبُ الْمُمْسِكِ مُشْتَرَكًا وَلَا الْمُسْتَرَدُّ مِنْ الثَّمَنِ مُشْتَرَكًا لِعَدَمِ صِحَّةِ الرَّدِّ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، بَلْ يَبْقَى لِلرَّادِّ رُبُعُ الْعَبْدِ وَلِلْمُمْسِكِ نِصْفُهُ ، وَيَسْتَرِدُّ الرَّادُّ رُبُعَ الثَّمَنِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْوَجْهُ إلَى الْغَلَطِ أَقْرَبُ . وَمَنْ التَّفْرِيعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الرَّادَّ ضَمُّ أَرْشِ التَّبْعِيضِ إلَى مَا يَرُدُّ ; لِأَنَّ الْبَائِعَ الَّذِي أَضَرَّ بِنَفْسِهِ ، قَالَهُ الْإِمَامُ . وَإِنْ مَنَعْنَا الِانْفِرَادَ فَذَاكَ فِيمَا يَنْقُصُ بِالتَّبْعِيضِ ( أَمَّا ) مَا لَا يَنْقُصُ كَالْحُبُوبِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ ضَرَرُ التَّبْعِيضِ أَوْ اتِّحَادُ الصَّفْقَةِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ وَعَلَى الثَّانِي يَمْتَنِعُ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ يَمْنَعُ أَخْذَ اتِّحَادِ الصَّفْقَةِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، وَالْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ بَيَانُهُمَا حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَالْإِمَامُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْمُشْتَرِي الْوَاحِدِ ، فَفِي الْمُشْتَرِيَيْنِ أَوْلَى ، وَلِذَلِكَ أَصْلَحَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ نُسَخِ التَّنْبِيهِ ، وَجَعَلَ : إنْ اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا ، وَلَفْظُ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ شَاهِدٌ لَهُ ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُخْتَصَرِ : سِلْعَةً مَكَانَ جَارِيَةٍ ، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِلنُّسَخِ الْمَشْهُورَةِ ، وَيَكُونُ كَلَامُ الْبُوَيْطِيِّ الَّذِي حَكَيْتُهُ مُفِيدًا لِذَلِكَ . وَهَذَا إذَا لَمْ يَقْسِمَاهُ ، فَإِنْ اقْتَسَمَاهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ ، وَفِيهِ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ وَبَنَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى الْخِلَافِ 384 فِي الْقِسْمَةِ إنْ قُلْنَا : إفْرَازٌ ( وَإِنْ قُلْنَا ) : بَيْعٌ فَكَمَا لَوْ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ بَعْدَ بَيْعِ بَعْضِهِ . هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْقَاضِي ، وَلَمْ أَرَهُ فِي تَعْلِيقِهِ هَكَذَا ، لَكِنَّهُ لَوْ قَالَ فِيمَا لَوْ اشْتَرَى مُشَاعًا كَنِصْفِ عَرْصَةٍ ثُمَّ قَاسَمَ الْمَبِيعَ ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا قَدِيمًا إنْ قُلْنَا الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ ; لَهُ الرَّدُّ وَإِلَّا فَلَا ، كَمَا لَوْ بَاعَ بَعْضَ الْمَبِيعِ ، قَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ .
( قُلْتُ : ) أَمَّا الْبِنَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ أَوْ بَيْعٌ فَمُتَّجَهٌ مُتَعَيَّنٌ ( وَأَمَّا ) مَنْعُ الرَّدِّ إذَا قُلْنَا : إنَّهَا بَيْعٌ فِيمَا إذَا قَاسَمَ الْبَائِعَ فَمُشْكِلٌ عَلَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ فِيمَا إذَا بَاعَ بَعْضَ الْعَيْنِ مِنْ الْبَائِعِ أَنَّهُ يَرُدُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا ، الصَّحِيحُ الرَّدَّ عَلَى الْبَائِعِ إذَا قَاسَمَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْفَتَاوَى إذَا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ رُبُعٍ وَقَاسَمَ شَرِيكَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا قَالَ ( إنْ قُلْنَا ) الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ لَهُ الرَّدُّ ( وَإِنْ قُلْنَا ) بَيْعٌ فَهُوَ بَاعَ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ بِنِصْفِ مَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ . فَيَرُدُّ النِّصْفَ الَّذِي يَمْلِكُ مِنْ الشَّرِيكِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَدَّ يَعُودُ إلَيْهِ النِّصْفُ الَّذِي يَمْلِكُ مِنْهُ الشَّرِيكُ ثُمَّ يَرُدُّ الْكُلَّ بِالْعَيْبِ ، وَإِلَّا يَبْطُلُ حَقُّهُ ، لِأَنَّ الرَّدَّ يَعْقُبُهُ فَسْخُ الْعَقْدِ لِاخْتِلَافِ الْمِلْكِ ، قَالَ : وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِدَرَاهِمَ ، وَبَاعَهُ بِثَوْبٍ ، ثُمَّ وَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا فَرَدَّهُ وَاسْتَرَدَّ الْعَبْدَ وَبِهِ عَيْبٌ قَدِيمٌ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِهِ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي لَهُ أَنْ يَرُدَّ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ رَدَّ الثَّوْبِ ، وَالْعَبْدُ عَادَ لَا بِاخْتِيَارِهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ ; لِأَنَّهُ بِرَدِّ الثَّوْبِ اخْتَارَ مِلْكَ الْعَبْدِ مَعِيبًا .
( قُلْتُ : ) هَكَذَا قَالَ الْقَاضِي ، وَهُوَ عَلَى رَأْيِهِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِيمَا إذَا بَاعَ الْمَعِيبَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَمْنُوعُ مِنْ الرَّدِّ الْأَرْشَ . قَالَ الْإِمَامُ : إنْ حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ إمْكَانِ رَدِّ نَصِيبِ الْآخَرِ بِأَنْ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ نَظَرٌ إنْ رَضِيَ صَاحِبُهُ بِالْعَيْبِ فَيُبْنَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى نَصِيبَ صَاحِبِهِ وَضَمَّهُ إلَى نَصِيبِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ الْكُلَّ وَيَرْجِعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ النَّعْلِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ( إنْ قُلْنَا ) لَا ، أَخَذَ الْأَرْشَ ( وَإِنْ قُلْنَا ) نَعَمْ ، فَكَذَلِكَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، لِأَنَّهُ تَوَقُّعٌ بَعِيدٌ ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَائِبًا لَا يَعْرِفُ الْحَالَ فَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ مِنْ جِهَةِ الْحَيْلُولَةِ النَّاجِزَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith