المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
الصفحة 6441 · ص. المطبوع 553 · الشرح
553 ( الشَّرْحُ ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ جُمْلَةً مِنْ أَمْثِلَةِ الْعُيُوبِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَنْحَصِرُ وَلَا مَطْمَعَ فِي اسْتِيعَابِهَا ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ زِيَادَةٌ فِي الْبَيَانِ عَلَى مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ ، فَمِمَّا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَوْنَ الرَّقِيقِ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ أَخْرَسَ أَوْ مَجْذُومًا أَوْ أَبْرَصَ ، وَهَذِهِ السِّتَّةُ لَا خِلَافَ فِيهَا ، وَلَا تَفْصِيلَ فِي الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ الْمُسْتَحْكَمِ وَغَيْرِهِ ، أَوْ مَرِيضًا . وَسَوَاءٌ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ وَغَيْرُهُ ، مَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَمَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فِي الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ .
هَكَذَا قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ . نَعَمْ إذَا كَانَ الْمَرَضُ قَلِيلًا كَصُدَاعٍ يَسِيرٍ وَمَا أَشْبَهَهُ فَفِي الرَّدِّ بِهِ نَظَرٌ ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ الرِّفْعَةِ : إنَّ الْمَرَضَ وَإِنْ قَلَّ عَيْبٌ . وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : إذَا أَصَابَ الْعَبْدَ مَرَضٌ وَكَانَ يَزُولُ بِالْمُعَالَجَةِ السَّرِيعَةِ فَلَا خِيَارَ كَمَا لَوْ غُصِبَ وَأَمْكَنَ الْبَائِعَ رَدُّهُ سَرِيعًا ، وَهَذَا حَسَنٌ ، أَوْ أَبْخَرَ ، وَالْبَخَرُ الَّذِي هُوَ عَيْبٌ هُوَ الْيَأْسُ مِنْ تَغَيُّرِ الْمَعِدَةِ دُونَ مَا يَكُونُ بِقَلَحِ الْأَسْنَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَزُولُ بِتَنْظِيفِ الْفَمِ . وَاعْتَرَضَ مُجَلِّي بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بَخَرًا فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْهُ . وَفِي التَّجْرِيدِ أَنَّ الْجَارِيَةَ تُرَدُّ بِتَغَيُّرِ النَّكْهَةِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَخَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ ، فَإِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ تُقْصَدُ لِلِاسْتِمْتَاعِ . وَالْعَبْدُ قَدْ يُقْصَدُ لِلْمُسَارَةِ .
وَقَوْلُهُ " أَوْ مَقْطُوعًا " أَيْ مَقْطُوعٌ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ أُنْمُلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَإِطْلَاقُ ذَلِكَ يَشْمَلُ الْأَصِيلَ وَغَيْرَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاءُ قَطْعِ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَشِبْهِهَا ، وَقَطْعُ شَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْ الْفَخِذِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَقْصٌ ، أَوْ أَقْرَعَ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ شَعْرُ رَأْسِهِ مِنْ آفَةٍ ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ أَنْ تَكُونَ مُسْتَمِرَّةً ، فَلَوْ وُجِدَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَزَالَتْ وَانْقَطَعَ أَثَرُهَا فَلَا رَدَّ بِهَا ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْقَطْعِ ، أَوْ زَانِيًا أَوْ سَارِقًا أَوْ آبِقًا ، وَهَذِهِ أَيْضًا لَا خِلَافَ فِيهَا ، وَلَا تَفْصِيلَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ أَوْ لَمْ يُقَمْ ، وَوَافَقَنَا عَلَى الرَّدِّ بِعَيْبِ الزِّنَا مُطْلَقًا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ قَالَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ 554 وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ الْعَبْدَ لَا يُرَدُّ بِعَيْبِ الزِّنَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ . فَإِنَّ زِنَاهُ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَاطِ نَسَبِهِ بِنَسَبِ غَيْرِهِ .
وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ زِنَا الْعَبْدِ يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُنْقِصُ قِيمَتَهُ ، وَقَدْ يَمُوتُ تَحْتَ الْحَدِّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ لَا يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ ; لِأَنَّهُ يَتَعَوَّدُ ذَلِكَ فَيَفْعَلُهُ بَعْدَ الْكِبَرِ ، نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ زَنَى مَرَّةً وَاحِدَةً فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ ; لِأَنَّ تُهْمَةَ الزِّنَا لَا تَزُولُ ، وَلِهَذَا لَا يَعُودُ إحْصَانُ الْحُرِّ الزَّانِي بِالتَّوْبَةِ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ : اعْتِيَادُ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا عَيْبٌ ، فَأَشْعَرَ بِاشْتِرَاطِ الِاعْتِيَادِ فِي الثَّلَاثَةِ أَوْ فِي الْإِبَاقِ ، أَوْ فِيهِ وَفِي السَّرِقَةِ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ إلَّا ذَلِكَ أَمْكَنَ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ السَّرِقَةَ وَالزِّنَا مَعْطُوفَانِ عَلَى اعْتِيَادِهِ ، وَلَا يَكُونُ الِاعْتِيَادُ شَرْطًا فِيهِمَا . لَكِنَّهُ فِي الْوَجِيزِ قَالَ : اعْتِيَادُهُ الزِّنَا وَالْإِبَاقَ وَالسَّرِقَةَ ، فَهَذَا صَرِيحٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي الْبَسِيطِ : أَبَّاقًا أَوْ سَرَّاقًا أَوْ زَنَّاءً فَأَتَى فِي الثَّلَاثَةِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ ، فَأَمَّا الزِّنَا فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْأَصْحَابِ فِيهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ فِيهِ بِخِلَافٍ ، وَالسَّرِقَةُ كَذَلِكَ ، وَأَمَّا الْإِبَاقُ فَإِنَّ الْإِمَامَ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ السَّلَمِ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ : إنَّ اعْتِيَادَ الْإِبَاقِ عَيْبٌ ، وَاتِّفَاقُ الْإِبَاقِ لَا يَلْتَحِقُ بِالْعُيُوبِ . وَهَذَا الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ :
( أَحَدُهَا ) أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ إذَا تَكَرَّرَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَاشْتُهِرَتْ ثُمَّ وُجِدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا فَلَهُ الرَّدُّ ; لِأَنَّ وُجُودَهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ حَادِثٌ بَعْدَ تَكَرُّرِهَا وَإِنْ وُجِدَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ وُجِدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ ، وَبِهِ صَرَّحَ أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ وَغَيْرُهُ فِي الْإِبَاقِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : يَأْخُذُ الْأَرْشَ ; لِأَنَّ الْإِبَاقَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ حَادِثٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى أَبَقَ . وَإِنْ وُجِدَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، لَمْ تُوجَدْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي 555 فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا فَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُرَدُّ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ : لَا يُرَدُّ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا يُرَدُّ ، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي حَالِ الْكِبَرِ يَتَعَذَّرُ الْإِقْلَاعُ عَنْهَا ، وَفِيهِ فِي الْإِبَاقِ خَاصَّةً وَجْهٌ حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ عَنْ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ كَالصَّغِيرِ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . وَهُوَ قَوْلُ الزُّجَاجِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَقِيلَ : إنَّ لِلشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : الْفَعْلَةُ الْوَاحِدَةُ فِي الْإِبَاقِ يَجُوزُ أَنْ تُعَدَّ عَيْبًا أَبَدًا كَالْوَطْءِ فِي إبْطَالِ الْحَضَانَةِ .
وَصَرَّحَ فِي الْفَتَاوَى بِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وَطُولِ الْمُدَّةِ كَالزِّنَا .
وَفَرَّعَ الْهَرَوِيُّ عَلَى قَوْلِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْبَائِعِ ; لِأَنَّ جَوَازَ الرَّدِّ يَعْتَمِدُ وُجُودَ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي . هَذَا مَا تَلَخَّصَ لِي مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ . وَحَيْثُ قُلْنَا : لَهُ الرَّدُّ فِي الْإِبَاقِ فَمَحَلُّهُ فِي حَالِ حُضُورِهِ ، وَأَمَّا فِي حَالِ إبَاقِهِ فَلَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الصَّغِيرِ ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الثَّقَفِيِّ فِي إبَاقِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ إلَّا إذَا وُجِدَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي عَجَبٌ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا فَلَا حَاجَةَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا فَوُجُودُهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ أَنَّ وُجُودَهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ صَارَ عَادَةً ، وَأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ لِاسْتِنَادِهِ إلَى سَابِقٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث