المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
الصفحة 6465 · ص. المطبوع 571 · الشرح
( الشَّرْحُ ) هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ ، فَيُكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ عَلَيْهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الَّذِي كَانَ يُخْدَعُ مُنْقِذٌ وَالِدُ حِبَّانَ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَمَعْنَى لَا خِلَابَةَ : لَا غَبْنَ وَلَا خَدِيعَةَ ، وَجَعَلَهَا الشَّرْعُ لِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ إذَا قَالَهَا ثَبَتَ الْخِيَارُ ، صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِهِ أَمْ لَا . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَكَ الْخِيَارُ " إعْلَامٌ مِنْهُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ ( وَقَوْلُهُ ) وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ خِيَارَ الْغَبْنِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ، وَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِالْغَبْنِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَعُدَّ اشْتِرَاطَ خِيَارِ الثَّلَاثِ أَوْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثًا ، بِقَوْلِهِ " لَا خِلَابَةَ " وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ حِبَّانَ كَانَ إذَا اشْتَرَى فَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَيَقُولُونَ لَهُ : اُرْدُدْهُ فَإِنَّكَ قَدْ غُبِنْتَ أَوْ غُشِشْتَ ، فَيَرْجِعُ إلَى بَيْعِهِ ، فَيَقُولُ : خُذْ سِلْعَتَكَ وَرُدَّ دَرَاهِمِي ، فَيَقُولُ : لَا أَفْعَلُ قَدْ رَضِيتَ فَذَهَبْتَ بِهِ ، حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ فِيمَا يَبْتَاعُ ثَلَاثًا ، فَتُرَدُّ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ وَيَأْخُذُ سِلْعَتَهُ . فَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ ثَابِتًا بِالْغَبْنِ لِكُلِّ أَحَدٍ لَمْ يَكُنْ الْخِيَارُ خُصُوصِيَّةً 571 بِذَلِكَ . فَظَاهِرُ قَضِيَّةِ حِبَّانَ أَنَّهُ كَانَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ، سَوَاءٌ غُبِنَ أَوْ لَمْ يُغْبَنْ ، وَهَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ ؟ أَوْ هُوَ ثَابِتٌ بِالشَّرْطِ كَمَا هُوَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ؟ مَسَاقُ هَذِهِ الْقِصَّةِ الَّتِي حَكَيْتُهَا يُشْعِرُ بِالْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ لَوْ عَرَفَ الْبَائِعُ شَرْطَ الْخِيَارِ لَمْ يُخَالِفْهُ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ . وَقِيلَ : إنَّ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ وَهُوَ عَامٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَالدَّلَالَةُ مِنْهُ ظَاهِرَةٌ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِالْغَبْنِ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْمَبِيعَ لَا عَيْبَ فِيهِ ، وَلَا تَدْلِيسَ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ كَذَلِكَ فَانْتَفَى مُوجِبُ الْخِيَارِ . وَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِالْغَبْنِ سَوَاءٌ أَتَفَاحَشَ أَمْ لَا . وَإِنْ اشْتَرَى زُجَاجَةً بِثَمَنٍ كَثِيرٍ وَهُوَ يَتَوَهَّمُهَا جَوْهَرَةً ، فَلَا خِيَارَ لَهُ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْغَبْنِ ; لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْهُ ، حَيْثُ لَمْ يُرَاجِعْ أَهْلَ الْخِبْرَةِ . وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ كَشِرَاءِ الْغَائِبِ ، وَيَجْعَلُ الرُّؤْيَةَ الَّتِي لَا تُفِيدُ الْمَعْرِفَةَ وَلَا تَنْفِي الْغَرَرَ كَالْمَعْدُومَةِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي الْمَعِيبِ لِلنَّقْصِ لَا لِلْغَبْنِ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مَعَ الْعَيْبِ يُسَاوِي أَضْعَافَ ثَمَنِهِ ثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ ، وَلَوْ تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ثَبَتَ الْخِيَارُ . وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِانْخِفَاضِ الْأَسْوَاقِ فَلَا . وَيُخَالِفُ تَلَقِّي الرَّكْبَانِ ; لِأَنَّ هُنَاكَ وَجْهًا مِنْهُ تَغْرِيرٌ بِالْإِخْبَارِ عَنْ السِّعْرِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ . وَلَا طَرِيقَ إلَى الِاسْتِكْشَافِ . وَيُخَالِفُ الْغَبْنَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرَابَحَةِ ; لِأَنَّ هُنَاكَ عَلَّقَ الْعَقْدَ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ ، وَالْمُخَالِفُ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، أَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ : إنْ غُبِنَ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ بِالثُّلُثِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهُ الْخِيَارُ . هَكَذَا نَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِهِ . قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : وَلَمْ يَجِدْ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ حَدًّا ، وَمَذْهَبُهُ إذَا خَرَجَ مِنْ تَغَابُنِ النَّاسِ فِي قَبِيلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ ، ثُمَّ أَصْحَابُنَا نَقَلُوا هَذَا مُطْلَقًا ، وَشَرْطُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَكُونَا أَوْ أَحَدُهُمَا غَيْرَ عَارِفٍ بِتَقَلُّبِ السِّعْرِ وَتَغَيُّرِهِ فِي عَقْدِهِ ، فَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ وَأَسْعَارِهَا فِي وَقْتِ الْبَيْعِ فَلَا خِيَارَ ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْغَبْنُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا . قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ . 572 وَأَمَّا أَحْمَدُ فَقَالَ : إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْتَرْسِلًا غَيْرَ عَارِفٍ بِالْبَيْعِ ، وَإِذَا عَرَفَ لَا يَعْرِفُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِالْغَبْنِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ لَوْ تَأَمَّلَ فِيهِ لَعَرَفَ أَنَّ قِيمَتَهُ لَا تَبْلُغُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ فَلَا خِيَارَ لَهُ . وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ فَأُطْلِقَ عَنْهُ النَّقْلُ بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ وَأَنَّهُ إنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ رَجَعَ الْمَغْبُونُ بِقَدْرِ الْغَبْنِ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَنَّ الْبَيْعَ - فِيهِ غَبْنٌ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ - فَاسِدٌ ، وَهَذَا النَّقْلُ عَنْهُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا مِنْ الْأَوَّلِ . وَنَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمْ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ { ۝ لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ } " وَكَوْنُهُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ بِالْغَبْنِ ، وَبِحَدِيثِ { ۝ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } " ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْغَبْنِ بِالْبَيْعِ ، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْخِيَارَ ثَبَتَ لِلتَّغْرِيرِ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ غَرَّهُ . وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهِ ، وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْغَبْنِ ، بَلْ لِاقْتِضَاءِ الْبَيْعِ السَّلَامَةَ ، وَبِأَنَّ الْعَيْبَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهَهُنَا لَا خِيَارَ إذَا حَدَثَ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ اتِّفَاقًا بِأَنَّ الْعَيْبَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الثُّلُثِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ هُنَا ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا : يُكْرَهُ غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ ، وَإِطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَسْتَنْصِحْهُ الْمُسْتَرْسِلُ ، أَمَّا إذَا أَسَتَنْصَحُهُ فَيَجِبُ نُصْحُهُ ، وَيَصِيرُ غَبْنُهُ إذْ ذَاكَ خَدِيعَةً مُحَرَّمَةً ، هَكَذَا أَعْتَقِدُهُ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ . وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْعَقْدِ لَعَلَّهُ لَا يُنَافِي التَّحْرِيمَ ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَسْتَنْصِحْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كُلُّ بَيْعٍ بَاعَهُ رَجُلٌ مِنْ مُسْتَرْسِلٍ وَاخْتَدَعَهُ فِيهِ ، أَوْ كَذَّبَهُ فَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ إذَا بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث