المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
( الشَّرْحُ ) فِي هَذَا الْفَصْلِ جُمَلٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَاللُّغَاتِ وَالْأَلْفَاظِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَبَيَانُهَا مَعَ فُرُوعِهَا بِمَسَائِلَ .
( إحْدَاهَا ) حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ . 15 وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ فَصَحِيحٌ ، رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ قَالَ : " { كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ } " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ ، إلَّا قَوْلَهُ " قُعُودًا " فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ ، لَكِنْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَالَ ( حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ) وَإِسْنَادُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد إسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا : " { كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ : " { لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوقَظُونَ لِلصَّلَاةِ حَتَّى إنِّي لَأَسْمَعُ لِأَحَدِهِمْ غَطِيطًا ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ } " . وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَضَعِيفٌ جِدًّا ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } " قَالَ أَبُو دَاوُد : ( هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ) ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُبَاهَاةِ بِالسَّاجِدِ فَيُرْوَى مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) فِي اللُّغَاتِ وَالْأَلْفَاظِ : الْمُكِبُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ يُقَالُ أَكَبَّ فُلَانٌ عَلَى وَجْهِهِ ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا لِوَجْهِهِ إذَا صَرَعْتُهُ لِوَجْهِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ } قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالتَّصْرِيفِ : هَذَا مِنْ النَّادِرَاتِ أَنْ يُقَالَ : أَفْعَلْتُ وَفَعَّلْتُ غَيْرِي وَقَوْلُهُ : " أَوْ مُتَّكِئًا " هُوَ بِهَمْزِ آخِرِهِ ، وَالْوِكَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رَأْسُ الْوِعَاءِ ، وَالسَّهِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ الدُّبُرُ ، وَمَعْنَاهُ الْيَقَظَةُ ، وِكَاءُ الدُّبُرِ : أَيْ حَافِظَةٌ مَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ ، أَيْ مَا دَامَ الْإِنْسَانُ مُسْتَيْقِظًا فَإِنَّهُ يُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، فَإِذَا نَامَ زَالَ ذَلِكَ الضَّبْطُ . وَقَوْلُهُ : " يُحِسُّ بِهِ " ، هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ 16 الْمَشْهُورَةُ ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ } وَفِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ ، قَوْلُهُ : " مُسْتَوَى الْجُلُوسِ " هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ ، أَيْ عَنْ اسْتِوَائِهِ ، وَأَصْلُ الْمُبَاهَاةِ : الْمُفَاخَرَةُ ، وَالرُّوحُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ ، لُغَتَانِ ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّالِثَةُ ) فِي الْأَسْمَاءِ : أَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَأَنَسٌ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ ، وَالْبُوَيْطِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ .
( الرَّابِعَةُ ) فِي الْأَحْكَامِ : وَحَاصِلُ الْمَنْقُولِ فِي النَّوْمِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ ، الصَّحِيحُ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ ، وَنَصُّهُ فِي كُتُبِهِ وَنَقْلِ الْأَصْحَابِ ، وَالدَّلِيلُ أَنَّهُ : إنْ نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يَنْتَقِضْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَكِّنًا انْتَقَضَ عَلَى أَيِّ هَيْئَةٍ كَانَ ، فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ . الثَّالِثُ : إنْ نَامَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى أَيِّ هَيْئَةٍ كَانَ ، وَإِنْ نَامَ فِي غَيْرِهَا غَيْرَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ . وَالرَّابِعُ : إنْ نَامَ مُمَكِّنًا أَوْ غَيْرَ مُمَكِّنٍ ، وَهُوَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَنْتَقِضْ وَإِلَّا انْتَقَضَ . وَالْخَامِسُ : إنْ نَامَ مُمَكِّنًا أَوْ قَائِمًا لَمْ يَنْتَقِضْ وَإِلَّا انْتَقَضَ ، حَكَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَحَكَى أَوَّلَهُمَا الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ . وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنْ الْخَمْسَةِ ، وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلَائِلَهَا وَسَأَبْسُطُهَا فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَتَأَوَّلَ أَصْحَابُنَا نَصَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنٍ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، قَالَ الْأَئِمَّةُ : غَلَطَ الْبُوَيْطِيُّ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ، وَالْبُوَيْطِيُّ يَرْتَفِعُ عَنْ التَّغْلِيطِ ، بَلْ الصَّوَابُ تَأْوِيلُ النَّصِّ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ 17 لِلتَّأْوِيلِ ، وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ قَالَ : " وَمَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَإِنْ نَامَ قَائِمًا فَزَالَتْ قَدَمَاهُ عَنْ مَوْضِعِ قِيَامِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَإِنْ نَامَ جَالِسًا فَزَالَتْ مَقْعَدَتُهُ عَنْ مَوْضِعِ جُلُوسِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَمَنْ نَامَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا فَرَأَى رُؤْيَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَمَنْ شَكَّ أَنَامَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا أَوْ لَمْ يَنَمْ ؟ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ النَّوْمَ ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رُؤْيَا وَشَكَّ أَنَامَ أَمْ لَا ؟ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، لِأَنَّ الرُّؤْيَا لَا تَكُونُ إلَّا بِنَوْمٍ " هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَمِنْهُ نَقَلْتُهُ . فَقَوْلُهُ : " إنْ نَامَ جَالِسًا فَزَالَتْ مَقْعَدَتُهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تَزُلْ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ، فَيُتَأَوَّلُ بَاقِي كَلَامِهِ عَلَى النَّائِمِ غَيْرَ مُمَكِّنٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا نَامَ فِي صَلَاتِهِ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ إلَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهَا ، وَلَوْ نَامَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ مُمَكِّنٍ - إنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ الضَّعِيفِ - فَصَلَاتُهُ وَوُضُوءُهُ صَحِيحَانِ . وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ بَطَلَا ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا : لَوْ صَلَّى مُضْطَجِعًا لِمَرَضٍ فَنَامَ ، فَفِي بُطْلَانِ وُضُوئِهِ الْقَوْلَانِ ، لِأَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ انْتِقَاضِ وُضُوءِ الْمُصَلِّي عَلَى الْقَدِيمِ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ ، وَالتَّفْرِيعِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ أَنَّ نَوْمَ الْمُمَكِّنِ لَا يُنْقِضُ ، وَغَيْرُهُ يُنْقِضُ .
( إحْدَاهَا ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ ، وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ : يُسْتَحَبُّ لِلنَّائِمِ مُمَكِّنًا أَنْ يَتَوَضَّأَ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ حَدَثٍ ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ .
( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ : لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالنُّعَاسِ وَهُوَ السِّنَةُ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَدَلِيلُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : " { قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ - فَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ، فَجَعَلَنِي فِي شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، فَجَعَلْتُ إذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي ، فَصَلَّى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً } " رَوَاهُ مُسْلِمٌ . 18 قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : الْفَرْقُ بَيْنَ النَّوْمِ وَالنُّعَاسِ أَنَّ النَّوْمَ فِيهِ غَلَبَةٌ عَلَى الْعَقْلِ وَسُقُوطُ حَاسَّةِ الْبَصَرِ وَغَيْرِهَا ، وَالنُّعَاسُ لَا يَغْلِبُ عَلَى الْعَقْلِ ، وَإِنَّمَا تَفْتُرُ فِيهِ الْحَوَاسُّ بِغَيْرِ سُقُوطٍ ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي : حَدُّ النَّوْمِ مَا يَزُولُ بِهِ الِاسْتِشْعَارُ مِنْ الْقَلْبِ ، مَعَ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : " النُّعَاسُ يَغْشَى الرَّأْسَ فَتَسْكُنُ بِهِ الْقُوَى الدِّمَاغِيَّةُ ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ وَمَنْبِتُ الْأَعْصَابِ ، فَإِذَا فَتَرَتْ فَتَرَتْ الْحَرَكَاتُ الْإِرَادِيَّةُ ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ أَبْخِرَةٍ تَتَصَعَّدُ فَتُوَافِي أَعْبَاءً مِنْ قُوَى الدِّمَاغِ ، فَيَبْدُو فُتُورٌ فِي الْحَوَاسِّ ، فَهَذَا نُعَاسٌ وَسِنَةٌ ، فَإِذَا تَمَّ انْغِمَارُ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ ، فَهَذَا أَوَّلُ النَّوْمِ ، ثُمَّ تَتَرَتَّبُ غَلَبَةُ فُتُورِ الْأَعْضَاءِ وَاسْتِرْخَاؤُهَا ، وَذَلِكَ غَمْرَةُ النَّوْمِ ، قَالَ : وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالْغَفْوَةِ ، وَإِذَا تَحَقَّقْنَا النَّوْمَ لَمْ نَشْتَرِطْ غَايَتَهُ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَقَضَ وُضُوءَ النَّائِمِ قَائِمًا ، وَلَوْ تَنَاهَى نَوْمُهُ لَسَقَطَ " هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَمِنْ عَلَامَاتِ النُّعَاسِ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ مَنْ عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ . قَالُوا : وَالرُّؤْيَا مِنْ عَلَامَاتِ النَّوْمِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ، وَفِي الْبُوَيْطِيِّ كَمَا سَبَقَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ . فَلَوْ تَيَقَّنَ الرُّؤْيَا وَشَكَّ فِي النَّوْمِ انْتَقَضَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُمَكِّنًا ، فَإِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ فَشَكَّ أَكَانَ رُؤْيَا أَمْ حَدِيثَ نَفْسٍ ؟ لَمْ يَنْتَقِضْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ . وَلَوْ شَكَّ أَنَام ؟ أَمْ نَعَسَ ؟ وَقَدْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَنْتَقِضْ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَوَضَّأَ .
( الثَّالِثَةُ ) لَوْ تَيَقَّنَ النَّوْمَ ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ مُمَكِّنًا أَمْ لَا ؟ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي مَسَائِلِ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ : لَوْ تَيَقَّنَ رُؤْيَا وَلَا يَذْكُرُ نَوْمًا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ . وَلَا يُحْمَلُ عَلَى النَّوْمِ قَاعِدًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ ، فَهُوَ مُتَأَوَّلٌ أَوْ ضَعِيفٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الرَّابِعَةُ ) نَامَ جَالِسًا فَزَالَتْ أَلْيَاهُ أَوْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأَرْضِ ، فَإِنْ زَالَتْ قَبْلَ الِانْتِبَاهِ انْتَقَضَ لِأَنَّهُ مَضَى لَحْظَةٌ وَهُوَ نَائِمٌ غَيْرَ مُمَكِّنٍ ، وَإِنْ زَالَتْ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ أَوْ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا سَبَقَ لَمْ يَنْتَقِضْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ 19 تَقَعَ يَدُهُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ لَا تَقَعُ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى الْأَرْضِ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَحَلِّ الْحَدَثِ ، فَتَعَيَّنَ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .
( الْخَامِسَةُ ) نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ مُسْتَنِدًا إلَى حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَقَعَ الْحَائِطُ لَسَقَطَ أَمْ لَا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَنَقَلَ الْمُعَلِّقُونَ عَنْ شَيْخِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ الْحَائِطُ لَسَقَطَ انْتَقَضَ " قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ الْمُعَلِّقِينَ وَاَلَّذِي ذَكَرُوهُ إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
( السَّادِسَةُ ) قَلِيلُ النَّوْمِ وَكَثِيرُهُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ، فَنَوْمُ لَحْظَةٍ وَيَوْمَيْنِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ .
( السَّابِعَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا فَرْقَ فِي نَوْمِ الْقَاعِدِ الْمُمَكِّنِ بَيْنَ قُعُودِهِ مُتَرَبِّعًا أَوْ مُفْتَرِشًا أَوْ مُتَوَرِّكًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحَالَاتِ ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَقْعَدُهُ لَاصِقًا بِالْأَرْضِ أَوْ بِغَيْرِهَا مُتَمَكِّنًا ، وَسَوَاءٌ الْقَاعِدُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَرَاكِبُ السَّفِينَةِ وَالْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ مُحْتَوِيًا عَلَيْهِمَا بِيَدَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ ( أَحَدُهَا ) لَا يَنْتَقِضُ كَالْمُتَرَبِّعِ ( وَالثَّانِي ) يَنْتَقِضُ كَالْمُضْطَجِعِ ( وَالثَّالِثُ ) إنْ كَانَ نَحِيفَ الْبَدَنِ بِحَيْثُ لَا تَنْطَبِقُ أَلْيَاهُ عَلَى الْأَرْضِ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا ، قَالَهُ أَبُو الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيُّ ، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ .
( الثَّامِنَةُ ) إذَا نَامَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَأَلْصَقَ أَلْيَيْهِ بِالْأَرْضِ . فَإِنَّهُ يَبْعُدُ خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنْهُ ، وَلَكِنْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْجَالِسِ الْمُمَكِّنِ ، فَلَوْ اسْتَثْفَرَ وَتَلَجَّمَ بِشَيْءٍ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الِانْتِقَاضُ أَيْضًا ، وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ . وَقَالَ فِي كِتَابِهِ ( الْأَسَالِيبُ ) فِي الْخِلَافِ فِيهِ لِلنَّظَرِ مَجَالٌ ، وَيَظْهَرُ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ ، وَقَالَ صَاحِبُهُ أَبُو الْحَسَنِ إلْكِيَا فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ : فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْأَصْحَابِ .
20 التَّاسِعَةُ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي النَّوْمِ ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّحِيحَ - فِي مَذْهَبِنَا - أَنَّ النَّائِمَ الْمُمَكِّنَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ نَحْوِهَا لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَغَيْرُهُ يَنْتَقِضُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَسَوَاءٌ طَالَ نَوْمُهُ أَمْ لَا ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَحُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ وَلَوْ كَانَ مُضْطَجِعًا ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشِّيعَةُ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَالْمُزَنِيُّ : يَنْتَقِضُ بِالنَّوْمِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ أَقُولُ .
قَالَ : وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ : يَنْقُضُ كَثِيرُ النَّوْمِ بِكُلِّ حَالٍ دُونَ قَلِيلِهِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد : إنْ نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الْمُصَلِّي كَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ وَالْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ لَمْ يَنْتَقِضْ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا ، وَإِنْ نَامَ مُسْتَلْقِيًا أَوْ مُضْطَجِعًا انْتَقَضَ . وَلَنَا قَوْلٌ أَنَّ نَوْمَ الْمُصَلِّي خَاصَّةً لَا يَنْتَقِضُ بِهِ كَيْفَ كَانَ ، كَمَا سَبَقَ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ . وَاحْتَجَّ لِأَبِي مُوسَى وَمُوَافِقِيهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّوْمَ ، وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُتَقَدِّمِ : " { لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ } " قَالُوا : وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا - نَحْنُ وَأَنْتُمْ - عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ حَدَثًا فِي عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ أَوْجَبْتُمْ الْوُضُوءَ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ الرِّيحِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " { الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ } " وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَبِحَدِيثِ صَفْوَانَ : { لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ } وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ، وَلِأَنَّ النَّائِمَ غَيْرَ الْمُمَكِّنِ يَخْرُجُ مِنْهُ الرِّيحُ غَالِبًا ، فَأَقَامَ الشَّرْعُ 21 هَذَا الظَّاهِرَ مَقَامَ الْيَقِينِ كَمَا أَقَامَ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ مَقَامَ الْيَقِينِ فِي شَغْلِ الذِّمَّةِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا : وَرَدَتْ الْآيَةُ فِي النَّوْمِ أَيْ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ - مِنْ النَّوْمِ - فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . وَكَذَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ قَالَ : وَلَا أَرَاهُ إلَّا كَمَا قَالَ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْآيَةَ ذُكِرَ فِيهَا بَعْضُ النَّوَاقِضِ وَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ الْبَاقِي وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْبَوْلَ وَهُوَ حَدَثٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي دَفْعِ الشَّكِّ لَا فِي بَيَانِ أَعْيَانِ الْأَحْدَاثِ وَحَصْرِهَا ; وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَزَوَالُ الْعَقْلِ وَهِيَ أَحْدَاثٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي شَرْحِ أَوَّلِ الْفَصْلِ : " { لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا } " وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : خُرُوجُ الْخَارِجِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَجَوَابُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ ، أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ هَذَا الظَّاهِرَ كَالْيَقِينِ كَمَا جَعَلَ شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ كَالْيَقِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يَنْقُضُ بِكُلِّ حَالٍ بِعُمُومِ حَدِيثَيْ عَلِيٍّ وَصَفْوَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِغْمَاءِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَنَسٍ : " { كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ } " وَهُوَ صَحِيحٌ ذَكَرْنَاهُ بِطُرُقِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ . وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " { أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ : لِي حَاجَةٌ ; فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ ، ثُمَّ صَلَّوْا وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ } " رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُغِلَ لَيْلَةً عَنْ الْعِشَاءِ فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا } " . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . " { أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 22 بِالْعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا } " رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَظَاهِرُهُمَا أَنَّهُمْ صَلَّوْا بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَرَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ : " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأ " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَهَذِهِ دَلَائِلُ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْآثَارِ وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَبِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ : " { كُنْتُ أَخْفِقُ بِرَأْسِي فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَجَبَ عَلَيَّ وُضُوءٌ ؟ قَالَ : لَا حَتَّى تَضَعَ جَنْبَكَ } " وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ . بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ضَعْفَهُمَا وَفِيمَا سَبَقَ مَا يُغْنِي عَنْهُمَا .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَوْمِ غَيْرِ الْمُمَكِّنِ وَهَذَا يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْإِغْمَاءِ فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَغْمِيَّ عَلَيْهِ ذَاهِبُ الْعَقْلِ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ أَصْلًا ، وَالنَّائِمُ يُحِسُّ ; وَلِهَذَا إذَا صِيحَ بِهِ تَنَبَّهْ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يَنْقُضُ كَثِيرُ النَّوْمِ - كَيْف كَانَ - دُونَ قَلِيلِهِ بِحَدِيثِ أَنَسٍ : " أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ فَتَخْفِقُ رُءُوسُهُمْ " وَهَذَا يَكُونُ فِي النَّوْمِ الْقَلِيلِ ; وَلِأَنَّهُ مَعَ الِاسْتِثْقَالِ يَغْلِبُ خُرُوجُ الْخَارِجِ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَلَيْسَ فِيهَا فَرْقٌ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا وَلَيْسَ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ خَفْقَ الرُّءُوسِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَلِيلِ لَا يُقْبَلُ . وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلَا نُسَلِّمُهُ ، لِأَنَّ النَّوْمَ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ حَدَثًا فِي عَيْنِهِ كَالْإِغْمَاءِ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ ، وَإِمَّا دَلِيلًا عَلَى الْخَارِجِ ، وَحِينَئِذٍ إنَّمَا تَظْهَرُ دَلَالَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ مُمَكَّنًا ، وَأَمَّا الْمُتَمَكَّنُ فَيَبْعُدُ خُرُوجُهُ مِنْهُ وَلَا يُحِسُّ بِهِ فَلَا يَنْتَقِضُ بِالْوَهْمِ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 23 { إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } " وَبِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي قَدَّمْنَا أَنَّهُ نَامَ جَالِسًا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمِنْ هَذَا وُضُوءٌ ؟ قَالَ : لَا حَتَّى تَضَعَ جَنْبَكَ عَلَى الْأَرْضِ " . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ كَحَدِيثِ عَلِيٍّ وَصَفْوَانَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِهَذَا الْفَرْقِ الَّذِي زَعَمُوهُ وَلَا أَصْلَ لَهُ ; وَلِأَنَّهُ نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ فَأَشْبَهَ الْمُضْطَجِعَ وَلِأَنَّنَا اتَّفَقْنَا - نَحْنُ وَهُمْ - عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ حَدَثًا فِي عَيْنِهِ وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ لِلْخَارِجِ فَضَبَطْنَاهُ نَحْنُ بِضَابِطٍ صَحِيحٍ جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ ، وَضَبَطُوهُ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا مَعْنَى يَقْتَضِيهِ ، فَإِنَّ السَّاجِدَ وَالرَّاكِعَ كَالْمُضْطَجِعِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي خُرُوجِ الْخَارِجِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الدَّالَانِيِّ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِضَعْفِهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد . قَالَ أَبُو دَاوُد وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ؟ . وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ ( الْأَسَالِيبُ ) إجْمَاعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَالضَّعْفُ عَلَيْهِ بَيِّنٌ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ وَتَأَوَّلُوهُ تَأْوِيلَاتٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى ضَعْفِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ عَمَّا لَيْسَ بِدَلِيلٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَضَعِيفٌ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ النَّائِمِ فِي الصَّلَاةِ كَيْف كَانَ ، بِحَدِيثِ الْمُبَاهَاةِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ لِمُجْتَهِدٍ وَنَحْوِهِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ إلَّا بِعُسْرٍ فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَا عُفِيَ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى الْقَائِلِينَ : لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ عَلَى هَيْئَةِ الْمُصَلِّي . وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْمُبَاهَاةِ بِمَا سَبَقَ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ تَسْمِيَتُهُ سَاجِدًا بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَمَدْحُهُ عَلَى مُكَابَدَةِ الْعِبَادَةِ ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ لَا تَثْبُتُ إلَّا تَوْقِيفًا ، وَكَذَا الْعَفْوُ 24 عَنْهَا ، فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جُمَلٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ جَمَعْنَا بَيْنَهَا وَلَمْ نَرُدَّ مِنْهَا صَحِيحًا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
( الْعَاشِرَةُ ) كَانَ مِنْ خَصَائِصِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ حَتَّى سُمِعَ غَطِيطُهُ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ } " وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي } " . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ } ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ نَائِمِ الْقَلْبِ لَمَا تَرَكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْقَلْبَ يَقْظَانٌ يُحِسُّ بِالْحَدَثِ ، وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ وَيَشْعُرُ بِهِ الْقَلْبُ ، وَلَيْسَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْقَلْبِ ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ ، وَهِيَ نَائِمَةٌ ، وَالْجَوَابُ الثَّانِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، قَالَ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُوَمَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَنَامُ قَلْبُهُ وَعَيْنُهُ ( وَالثَّانِي ) عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ ، فَكَانَ نَوْمُ الْوَادِي مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( إحْدَاهَا ) حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ . 15 وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ فَصَحِيحٌ ، رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ قَالَ : " { كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ } " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ ، إلَّا قَوْلَهُ " قُعُودًا " فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ ، لَكِنْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَالَ ( حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ) وَإِسْنَادُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد إسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا : " { كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ : " { لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوقَظُونَ لِلصَّلَاةِ حَتَّى إنِّي لَأَسْمَعُ لِأَحَدِهِمْ غَطِيطًا ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ } " . وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَضَعِيفٌ جِدًّا ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } " قَالَ أَبُو دَاوُد : ( هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ) ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُبَاهَاةِ بِالسَّاجِدِ فَيُرْوَى مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) فِي اللُّغَاتِ وَالْأَلْفَاظِ : الْمُكِبُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ يُقَالُ أَكَبَّ فُلَانٌ عَلَى وَجْهِهِ ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا لِوَجْهِهِ إذَا صَرَعْتُهُ لِوَجْهِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ } قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالتَّصْرِيفِ : هَذَا مِنْ النَّادِرَاتِ أَنْ يُقَالَ : أَفْعَلْتُ وَفَعَّلْتُ غَيْرِي وَقَوْلُهُ : " أَوْ مُتَّكِئًا " هُوَ بِهَمْزِ آخِرِهِ ، وَالْوِكَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رَأْسُ الْوِعَاءِ ، وَالسَّهِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ الدُّبُرُ ، وَمَعْنَاهُ الْيَقَظَةُ ، وِكَاءُ الدُّبُرِ : أَيْ حَافِظَةٌ مَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ ، أَيْ مَا دَامَ الْإِنْسَانُ مُسْتَيْقِظًا فَإِنَّهُ يُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، فَإِذَا نَامَ زَالَ ذَلِكَ الضَّبْطُ . وَقَوْلُهُ : " يُحِسُّ بِهِ " ، هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ 16 الْمَشْهُورَةُ ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ } وَفِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ ، قَوْلُهُ : " مُسْتَوَى الْجُلُوسِ " هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ ، أَيْ عَنْ اسْتِوَائِهِ ، وَأَصْلُ الْمُبَاهَاةِ : الْمُفَاخَرَةُ ، وَالرُّوحُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ ، لُغَتَانِ ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّالِثَةُ ) فِي الْأَسْمَاءِ : أَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَأَنَسٌ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ ، وَالْبُوَيْطِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ .
( الرَّابِعَةُ ) فِي الْأَحْكَامِ : وَحَاصِلُ الْمَنْقُولِ فِي النَّوْمِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ ، الصَّحِيحُ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ ، وَنَصُّهُ فِي كُتُبِهِ وَنَقْلِ الْأَصْحَابِ ، وَالدَّلِيلُ أَنَّهُ : إنْ نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يَنْتَقِضْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَكِّنًا انْتَقَضَ عَلَى أَيِّ هَيْئَةٍ كَانَ ، فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ . الثَّالِثُ : إنْ نَامَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى أَيِّ هَيْئَةٍ كَانَ ، وَإِنْ نَامَ فِي غَيْرِهَا غَيْرَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ . وَالرَّابِعُ : إنْ نَامَ مُمَكِّنًا أَوْ غَيْرَ مُمَكِّنٍ ، وَهُوَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَنْتَقِضْ وَإِلَّا انْتَقَضَ . وَالْخَامِسُ : إنْ نَامَ مُمَكِّنًا أَوْ قَائِمًا لَمْ يَنْتَقِضْ وَإِلَّا انْتَقَضَ ، حَكَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَحَكَى أَوَّلَهُمَا الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ . وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنْ الْخَمْسَةِ ، وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلَائِلَهَا وَسَأَبْسُطُهَا فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَتَأَوَّلَ أَصْحَابُنَا نَصَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنٍ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، قَالَ الْأَئِمَّةُ : غَلَطَ الْبُوَيْطِيُّ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ، وَالْبُوَيْطِيُّ يَرْتَفِعُ عَنْ التَّغْلِيطِ ، بَلْ الصَّوَابُ تَأْوِيلُ النَّصِّ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ 17 لِلتَّأْوِيلِ ، وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ قَالَ : " وَمَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَإِنْ نَامَ قَائِمًا فَزَالَتْ قَدَمَاهُ عَنْ مَوْضِعِ قِيَامِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَإِنْ نَامَ جَالِسًا فَزَالَتْ مَقْعَدَتُهُ عَنْ مَوْضِعِ جُلُوسِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَمَنْ نَامَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا فَرَأَى رُؤْيَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَمَنْ شَكَّ أَنَامَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا أَوْ لَمْ يَنَمْ ؟ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ النَّوْمَ ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رُؤْيَا وَشَكَّ أَنَامَ أَمْ لَا ؟ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، لِأَنَّ الرُّؤْيَا لَا تَكُونُ إلَّا بِنَوْمٍ " هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَمِنْهُ نَقَلْتُهُ . فَقَوْلُهُ : " إنْ نَامَ جَالِسًا فَزَالَتْ مَقْعَدَتُهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تَزُلْ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ، فَيُتَأَوَّلُ بَاقِي كَلَامِهِ عَلَى النَّائِمِ غَيْرَ مُمَكِّنٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا نَامَ فِي صَلَاتِهِ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ إلَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهَا ، وَلَوْ نَامَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ مُمَكِّنٍ - إنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ الضَّعِيفِ - فَصَلَاتُهُ وَوُضُوءُهُ صَحِيحَانِ . وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ بَطَلَا ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا : لَوْ صَلَّى مُضْطَجِعًا لِمَرَضٍ فَنَامَ ، فَفِي بُطْلَانِ وُضُوئِهِ الْقَوْلَانِ ، لِأَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ انْتِقَاضِ وُضُوءِ الْمُصَلِّي عَلَى الْقَدِيمِ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ ، وَالتَّفْرِيعِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ أَنَّ نَوْمَ الْمُمَكِّنِ لَا يُنْقِضُ ، وَغَيْرُهُ يُنْقِضُ .
( إحْدَاهَا ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ ، وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ : يُسْتَحَبُّ لِلنَّائِمِ مُمَكِّنًا أَنْ يَتَوَضَّأَ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ حَدَثٍ ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ .
( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ : لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالنُّعَاسِ وَهُوَ السِّنَةُ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَدَلِيلُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : " { قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ - فَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ، فَجَعَلَنِي فِي شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، فَجَعَلْتُ إذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي ، فَصَلَّى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً } " رَوَاهُ مُسْلِمٌ . 18 قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : الْفَرْقُ بَيْنَ النَّوْمِ وَالنُّعَاسِ أَنَّ النَّوْمَ فِيهِ غَلَبَةٌ عَلَى الْعَقْلِ وَسُقُوطُ حَاسَّةِ الْبَصَرِ وَغَيْرِهَا ، وَالنُّعَاسُ لَا يَغْلِبُ عَلَى الْعَقْلِ ، وَإِنَّمَا تَفْتُرُ فِيهِ الْحَوَاسُّ بِغَيْرِ سُقُوطٍ ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي : حَدُّ النَّوْمِ مَا يَزُولُ بِهِ الِاسْتِشْعَارُ مِنْ الْقَلْبِ ، مَعَ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : " النُّعَاسُ يَغْشَى الرَّأْسَ فَتَسْكُنُ بِهِ الْقُوَى الدِّمَاغِيَّةُ ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ وَمَنْبِتُ الْأَعْصَابِ ، فَإِذَا فَتَرَتْ فَتَرَتْ الْحَرَكَاتُ الْإِرَادِيَّةُ ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ أَبْخِرَةٍ تَتَصَعَّدُ فَتُوَافِي أَعْبَاءً مِنْ قُوَى الدِّمَاغِ ، فَيَبْدُو فُتُورٌ فِي الْحَوَاسِّ ، فَهَذَا نُعَاسٌ وَسِنَةٌ ، فَإِذَا تَمَّ انْغِمَارُ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ ، فَهَذَا أَوَّلُ النَّوْمِ ، ثُمَّ تَتَرَتَّبُ غَلَبَةُ فُتُورِ الْأَعْضَاءِ وَاسْتِرْخَاؤُهَا ، وَذَلِكَ غَمْرَةُ النَّوْمِ ، قَالَ : وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالْغَفْوَةِ ، وَإِذَا تَحَقَّقْنَا النَّوْمَ لَمْ نَشْتَرِطْ غَايَتَهُ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَقَضَ وُضُوءَ النَّائِمِ قَائِمًا ، وَلَوْ تَنَاهَى نَوْمُهُ لَسَقَطَ " هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَمِنْ عَلَامَاتِ النُّعَاسِ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ مَنْ عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ . قَالُوا : وَالرُّؤْيَا مِنْ عَلَامَاتِ النَّوْمِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ، وَفِي الْبُوَيْطِيِّ كَمَا سَبَقَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ . فَلَوْ تَيَقَّنَ الرُّؤْيَا وَشَكَّ فِي النَّوْمِ انْتَقَضَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُمَكِّنًا ، فَإِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ فَشَكَّ أَكَانَ رُؤْيَا أَمْ حَدِيثَ نَفْسٍ ؟ لَمْ يَنْتَقِضْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ . وَلَوْ شَكَّ أَنَام ؟ أَمْ نَعَسَ ؟ وَقَدْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَنْتَقِضْ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَوَضَّأَ .
( الثَّالِثَةُ ) لَوْ تَيَقَّنَ النَّوْمَ ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ مُمَكِّنًا أَمْ لَا ؟ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي مَسَائِلِ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ : لَوْ تَيَقَّنَ رُؤْيَا وَلَا يَذْكُرُ نَوْمًا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ . وَلَا يُحْمَلُ عَلَى النَّوْمِ قَاعِدًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ ، فَهُوَ مُتَأَوَّلٌ أَوْ ضَعِيفٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الرَّابِعَةُ ) نَامَ جَالِسًا فَزَالَتْ أَلْيَاهُ أَوْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأَرْضِ ، فَإِنْ زَالَتْ قَبْلَ الِانْتِبَاهِ انْتَقَضَ لِأَنَّهُ مَضَى لَحْظَةٌ وَهُوَ نَائِمٌ غَيْرَ مُمَكِّنٍ ، وَإِنْ زَالَتْ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ أَوْ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا سَبَقَ لَمْ يَنْتَقِضْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ 19 تَقَعَ يَدُهُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ لَا تَقَعُ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى الْأَرْضِ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَحَلِّ الْحَدَثِ ، فَتَعَيَّنَ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .
( الْخَامِسَةُ ) نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ مُسْتَنِدًا إلَى حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَقَعَ الْحَائِطُ لَسَقَطَ أَمْ لَا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَنَقَلَ الْمُعَلِّقُونَ عَنْ شَيْخِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ الْحَائِطُ لَسَقَطَ انْتَقَضَ " قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ الْمُعَلِّقِينَ وَاَلَّذِي ذَكَرُوهُ إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
( السَّادِسَةُ ) قَلِيلُ النَّوْمِ وَكَثِيرُهُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ، فَنَوْمُ لَحْظَةٍ وَيَوْمَيْنِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ .
( السَّابِعَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا فَرْقَ فِي نَوْمِ الْقَاعِدِ الْمُمَكِّنِ بَيْنَ قُعُودِهِ مُتَرَبِّعًا أَوْ مُفْتَرِشًا أَوْ مُتَوَرِّكًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحَالَاتِ ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَقْعَدُهُ لَاصِقًا بِالْأَرْضِ أَوْ بِغَيْرِهَا مُتَمَكِّنًا ، وَسَوَاءٌ الْقَاعِدُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَرَاكِبُ السَّفِينَةِ وَالْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ مُحْتَوِيًا عَلَيْهِمَا بِيَدَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ ( أَحَدُهَا ) لَا يَنْتَقِضُ كَالْمُتَرَبِّعِ ( وَالثَّانِي ) يَنْتَقِضُ كَالْمُضْطَجِعِ ( وَالثَّالِثُ ) إنْ كَانَ نَحِيفَ الْبَدَنِ بِحَيْثُ لَا تَنْطَبِقُ أَلْيَاهُ عَلَى الْأَرْضِ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا ، قَالَهُ أَبُو الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيُّ ، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ .
( الثَّامِنَةُ ) إذَا نَامَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَأَلْصَقَ أَلْيَيْهِ بِالْأَرْضِ . فَإِنَّهُ يَبْعُدُ خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنْهُ ، وَلَكِنْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْجَالِسِ الْمُمَكِّنِ ، فَلَوْ اسْتَثْفَرَ وَتَلَجَّمَ بِشَيْءٍ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الِانْتِقَاضُ أَيْضًا ، وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ . وَقَالَ فِي كِتَابِهِ ( الْأَسَالِيبُ ) فِي الْخِلَافِ فِيهِ لِلنَّظَرِ مَجَالٌ ، وَيَظْهَرُ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ ، وَقَالَ صَاحِبُهُ أَبُو الْحَسَنِ إلْكِيَا فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ : فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْأَصْحَابِ .
20 التَّاسِعَةُ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي النَّوْمِ ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّحِيحَ - فِي مَذْهَبِنَا - أَنَّ النَّائِمَ الْمُمَكِّنَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ نَحْوِهَا لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَغَيْرُهُ يَنْتَقِضُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَسَوَاءٌ طَالَ نَوْمُهُ أَمْ لَا ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَحُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ وَلَوْ كَانَ مُضْطَجِعًا ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشِّيعَةُ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَالْمُزَنِيُّ : يَنْتَقِضُ بِالنَّوْمِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ أَقُولُ .
قَالَ : وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ : يَنْقُضُ كَثِيرُ النَّوْمِ بِكُلِّ حَالٍ دُونَ قَلِيلِهِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد : إنْ نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الْمُصَلِّي كَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ وَالْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ لَمْ يَنْتَقِضْ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا ، وَإِنْ نَامَ مُسْتَلْقِيًا أَوْ مُضْطَجِعًا انْتَقَضَ . وَلَنَا قَوْلٌ أَنَّ نَوْمَ الْمُصَلِّي خَاصَّةً لَا يَنْتَقِضُ بِهِ كَيْفَ كَانَ ، كَمَا سَبَقَ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ . وَاحْتَجَّ لِأَبِي مُوسَى وَمُوَافِقِيهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّوْمَ ، وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُتَقَدِّمِ : " { لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ } " قَالُوا : وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا - نَحْنُ وَأَنْتُمْ - عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ حَدَثًا فِي عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ أَوْجَبْتُمْ الْوُضُوءَ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ الرِّيحِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " { الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ } " وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَبِحَدِيثِ صَفْوَانَ : { لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ } وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ، وَلِأَنَّ النَّائِمَ غَيْرَ الْمُمَكِّنِ يَخْرُجُ مِنْهُ الرِّيحُ غَالِبًا ، فَأَقَامَ الشَّرْعُ 21 هَذَا الظَّاهِرَ مَقَامَ الْيَقِينِ كَمَا أَقَامَ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ مَقَامَ الْيَقِينِ فِي شَغْلِ الذِّمَّةِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا : وَرَدَتْ الْآيَةُ فِي النَّوْمِ أَيْ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ - مِنْ النَّوْمِ - فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . وَكَذَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ قَالَ : وَلَا أَرَاهُ إلَّا كَمَا قَالَ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْآيَةَ ذُكِرَ فِيهَا بَعْضُ النَّوَاقِضِ وَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ الْبَاقِي وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْبَوْلَ وَهُوَ حَدَثٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي دَفْعِ الشَّكِّ لَا فِي بَيَانِ أَعْيَانِ الْأَحْدَاثِ وَحَصْرِهَا ; وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَزَوَالُ الْعَقْلِ وَهِيَ أَحْدَاثٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي شَرْحِ أَوَّلِ الْفَصْلِ : " { لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا } " وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : خُرُوجُ الْخَارِجِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَجَوَابُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ ، أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ هَذَا الظَّاهِرَ كَالْيَقِينِ كَمَا جَعَلَ شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ كَالْيَقِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يَنْقُضُ بِكُلِّ حَالٍ بِعُمُومِ حَدِيثَيْ عَلِيٍّ وَصَفْوَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِغْمَاءِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَنَسٍ : " { كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ } " وَهُوَ صَحِيحٌ ذَكَرْنَاهُ بِطُرُقِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ . وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " { أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ : لِي حَاجَةٌ ; فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ ، ثُمَّ صَلَّوْا وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ } " رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُغِلَ لَيْلَةً عَنْ الْعِشَاءِ فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا } " . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . " { أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 22 بِالْعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا } " رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَظَاهِرُهُمَا أَنَّهُمْ صَلَّوْا بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَرَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ : " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأ " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَهَذِهِ دَلَائِلُ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْآثَارِ وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَبِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ : " { كُنْتُ أَخْفِقُ بِرَأْسِي فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَجَبَ عَلَيَّ وُضُوءٌ ؟ قَالَ : لَا حَتَّى تَضَعَ جَنْبَكَ } " وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ . بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ضَعْفَهُمَا وَفِيمَا سَبَقَ مَا يُغْنِي عَنْهُمَا .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَوْمِ غَيْرِ الْمُمَكِّنِ وَهَذَا يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْإِغْمَاءِ فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَغْمِيَّ عَلَيْهِ ذَاهِبُ الْعَقْلِ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ أَصْلًا ، وَالنَّائِمُ يُحِسُّ ; وَلِهَذَا إذَا صِيحَ بِهِ تَنَبَّهْ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يَنْقُضُ كَثِيرُ النَّوْمِ - كَيْف كَانَ - دُونَ قَلِيلِهِ بِحَدِيثِ أَنَسٍ : " أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ فَتَخْفِقُ رُءُوسُهُمْ " وَهَذَا يَكُونُ فِي النَّوْمِ الْقَلِيلِ ; وَلِأَنَّهُ مَعَ الِاسْتِثْقَالِ يَغْلِبُ خُرُوجُ الْخَارِجِ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَلَيْسَ فِيهَا فَرْقٌ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا وَلَيْسَ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ خَفْقَ الرُّءُوسِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَلِيلِ لَا يُقْبَلُ . وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلَا نُسَلِّمُهُ ، لِأَنَّ النَّوْمَ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ حَدَثًا فِي عَيْنِهِ كَالْإِغْمَاءِ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ ، وَإِمَّا دَلِيلًا عَلَى الْخَارِجِ ، وَحِينَئِذٍ إنَّمَا تَظْهَرُ دَلَالَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ مُمَكَّنًا ، وَأَمَّا الْمُتَمَكَّنُ فَيَبْعُدُ خُرُوجُهُ مِنْهُ وَلَا يُحِسُّ بِهِ فَلَا يَنْتَقِضُ بِالْوَهْمِ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 23 { إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } " وَبِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي قَدَّمْنَا أَنَّهُ نَامَ جَالِسًا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمِنْ هَذَا وُضُوءٌ ؟ قَالَ : لَا حَتَّى تَضَعَ جَنْبَكَ عَلَى الْأَرْضِ " . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ كَحَدِيثِ عَلِيٍّ وَصَفْوَانَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِهَذَا الْفَرْقِ الَّذِي زَعَمُوهُ وَلَا أَصْلَ لَهُ ; وَلِأَنَّهُ نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ فَأَشْبَهَ الْمُضْطَجِعَ وَلِأَنَّنَا اتَّفَقْنَا - نَحْنُ وَهُمْ - عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ حَدَثًا فِي عَيْنِهِ وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ لِلْخَارِجِ فَضَبَطْنَاهُ نَحْنُ بِضَابِطٍ صَحِيحٍ جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ ، وَضَبَطُوهُ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا مَعْنَى يَقْتَضِيهِ ، فَإِنَّ السَّاجِدَ وَالرَّاكِعَ كَالْمُضْطَجِعِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي خُرُوجِ الْخَارِجِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الدَّالَانِيِّ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِضَعْفِهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد . قَالَ أَبُو دَاوُد وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ؟ . وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ ( الْأَسَالِيبُ ) إجْمَاعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَالضَّعْفُ عَلَيْهِ بَيِّنٌ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ وَتَأَوَّلُوهُ تَأْوِيلَاتٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى ضَعْفِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ عَمَّا لَيْسَ بِدَلِيلٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَضَعِيفٌ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ النَّائِمِ فِي الصَّلَاةِ كَيْف كَانَ ، بِحَدِيثِ الْمُبَاهَاةِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ لِمُجْتَهِدٍ وَنَحْوِهِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ إلَّا بِعُسْرٍ فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَا عُفِيَ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى الْقَائِلِينَ : لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ عَلَى هَيْئَةِ الْمُصَلِّي . وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْمُبَاهَاةِ بِمَا سَبَقَ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ تَسْمِيَتُهُ سَاجِدًا بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَمَدْحُهُ عَلَى مُكَابَدَةِ الْعِبَادَةِ ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ لَا تَثْبُتُ إلَّا تَوْقِيفًا ، وَكَذَا الْعَفْوُ 24 عَنْهَا ، فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جُمَلٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ جَمَعْنَا بَيْنَهَا وَلَمْ نَرُدَّ مِنْهَا صَحِيحًا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
( الْعَاشِرَةُ ) كَانَ مِنْ خَصَائِصِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ حَتَّى سُمِعَ غَطِيطُهُ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ } " وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي } " . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ } ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ نَائِمِ الْقَلْبِ لَمَا تَرَكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْقَلْبَ يَقْظَانٌ يُحِسُّ بِالْحَدَثِ ، وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ وَيَشْعُرُ بِهِ الْقَلْبُ ، وَلَيْسَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْقَلْبِ ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ ، وَهِيَ نَائِمَةٌ ، وَالْجَوَابُ الثَّانِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، قَالَ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُوَمَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَنَامُ قَلْبُهُ وَعَيْنُهُ ( وَالثَّانِي ) عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ ، فَكَانَ نَوْمُ الْوَادِي مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith