المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
الصفحة 695 · ص. المطبوع 78 · الشرح
( الشَّرْحُ ) : فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) حَدِيثُ " { ۝ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ } " صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَحَدِيثُ " { ۝ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ } " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثُ " { ۝ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ } " رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ " وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ أَنَّهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 78 فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّانِيَةُ ) : فِي اللُّغَاتِ وَالْأَلْفَاظِ وَالْأَسْمَاءِ : " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ " هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا فِي لُغَةٍ وَالْمُرَادُ بِهِ فِعْلُ الطَّهَارَةِ ، وَفِي الْمُصْحَفِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ضَمُّ الْمِيمِ وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا ، تَقَدَّمَ بَيَانُهُنَّ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ ، قَوْلُهُ : " فَلَأَنْ يَحْرُمَ " هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ - وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ ، وَالدَّرَاهِمُ الْأَحَدِيَّةُ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - هِيَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهَا ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) . وَأَمَّا حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ - بِالزَّايِ - فَهُوَ أَبُو خَالِدٍ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَكَانَ وُلِدَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ غَيْرَهُ وُلِدَ فِي الْكَعْبَةِ وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً : سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَمَّا الصَّيْمَرِيُّ - فَهُوَ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ يَاءٍ سَاكِنَةٍ ، ثُمَّ مِيمٍ مَفْتُوحَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحُكِيَ ضَمُّهَا ، وَقَدْ بَيَّنْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى قَرْيَةٍ عِنْدَ الْبَصْرَةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَانَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا حَضَرَ مَجْلِسَ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْفَيَّاضِ وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ أَقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي وَكَانَ حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ حَسَنَ التَّصَانِيفِ ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ الْعُلُومِ مِنْهَا الْإِيضَاحُ فِي الْمَذْهَبِ نَحْوُ سَبْعِ مُجَلَّدَاتٍ نَفِيسٍ وَقَدْ بَسَطْتُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ) : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُحْدِثِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ سَوَاءٌ إنْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَكِنَّهُ إنْ صَلَّى جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَدَثِ وَتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً وَلَا يَكْفُرُ عِنْدَنَا بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكْفُرُ لِاسْتِهْزَائِهِ . دَلِيلُنَا أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَأَشْبَهَتْ الزِّنَا وَأَشْبَاهَهُ ، هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِبَدَلٍ وَلَا اضْطَرَّ إلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثًا . 79 أَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلَسُ الْبَوْلِ وَسَائِرُ مَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ وَمَنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَمَنْ صَلَّى الْفَرْضَ بِلَا مَاءٍ وَلَا تُرَابٍ لِعَدَمِهِمَا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثًا فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا ، وَحُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْفُقَرَاءِ وَشِبْهُهُمْ مِنْ سُجُودِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ - وَرُبَّمَا كَانُوا مُحْدِثِينَ - فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَوْ غَيْرَهُ وَسَوَاءٌ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَمْ لَا وَقَدْ يَتَخَيَّلُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ تَوَاضُعٌ وَكَسْرٌ لِلنَّفْسِ وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ وَغَبَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ فَكَيْفَ تُكْسَرُ النُّفُوسُ أَوْ تَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا حَرَّمَهُ ؟ وَرُبَّمَا اغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا } وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ أَوْ مُتَأَوَّلَةٌ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ . وَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَذَا السُّجُودِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فَقَالَ : هُوَ مِنْ عَظَائِمِ الذُّنُوبِ وَنَخْشَى أَنْ يَكُونَ كُفْرًا .
( الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ) : يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ . فَإِنْ طَافَ عَصَى وَلَمْ يَصِحَّ . هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ بِلَا طَهَارَةٍ وَفِي تَحْرِيمِهِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرْنَا . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ لِلطَّوَافِ وَقَالَ : لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } " وَسَوَاءٌ الطَّوَافُ فِي حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ سَوَاءٌ إنْ حَمَلَهُ بِعِلَاقَتِهِ أَوْ فِي كُمِّهِ أَوْ عَلَى رَأْسِهِ . وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ حَمْلُهُ بِعِلَاقَتِهِ وَهُوَ شَاذٌّ فِي الْمَذْهَبِ وَضَعِيفٌ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَسَوَاءٌ مَسَّ نَفْسَ الْأَسْطُرِ أَوْ مَا بَيْنَهَا أَوْ الْحَوَاشِي أَوْ الْجِلْدَ فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ . وَفِي مَسِّ الْجِلْدِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَجُوزُ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَجْهًا شَاذًّا بَعِيدًا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مَسُّ الْجِلْدِ وَلَا الْحَوَاشِي وَلَا مَا بَيْنَ 80 الْأَسْطُرِ وَلَا يَحْرُمُ إلَّا نَفْسُ الْمَكْتُوبِ . وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ تَحْرِيمُ الْجَمِيعِ وَفِي مَسِّ الْعِلَاقَةِ وَالْخَرِيطَةِ وَالصُّنْدُوقِ إذَا كَانَ الْمُصْحَفُ فِيهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا يَحْرُمُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ ; لِأَنَّهُ مُتَّخَذٌ لِلْمُصْحَفِ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ كَالْجِلْدِ . وَالثَّانِي : يَجُوزُ ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ فِي مَسِّ الصُّنْدُوقِ وَأَمَّا حَمْلُ الصُّنْدُوقِ وَفِيهِ الْمُصْحَفُ فَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ : وَكَذَا يَحْرُمُ تَحْرِيكُهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان ، وَأَمَّا إذَا تَصَفَّحَ أَوْرَاقَهُ بِعُودٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبَاشِرٍ لَهُ وَلَا حَامِلٍ وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ وَرَجَّحَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ ; لِأَنَّهُ حَمَلَ الْوَرَقَةَ وَهِيَ بَعْضُ الْمُصْحَفِ ، وَلَوْ لَفَّ كُمَّهُ عَلَى يَدِهِ وَقَلَّبَ الْأَوْرَاقَ بِهَا فَهُوَ حَرَامٌ . هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُودِ بِأَنَّ الْكُمَّ مُتَّصِلٌ بِهِ وَلَهُ حُكْمُ أَجْزَائِهِ فِي مَنْعِ السُّجُودِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْعُودِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلِأَنَّ التَّقْلِيبَ يَقَعُ بِالْيَدِ لَا بِالْكُمِّ ، قَالَ : وَمَنْ ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا فَهُوَ غَالِطٌ ، وَشَذَّ الدَّارِمِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ إنْ مَسَّهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِكُمِّهِ فَوَجْهَانِ ، وَإِنْ مَسَّهُ بِعُودٍ جَازَ . وَأَمَّا إذَا حَمَلَ الْمُصْحَفَ فِي مَتَاعٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْخُرَاسَانِيُّونَ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَالثَّانِي : يَحْرُمُ ; لِأَنَّ حَامِلُهُ حَقِيقَةً وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ غَيْرِهِ مَعَهُ ، كَمَا لَوْ حَمَلَ الْمُصَلِّي مَتَاعًا فِيهِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ مَقْصُودًا بِالْحَمْلِ ، فَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنَّمَا قَاسَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا إذَا كَتَبَ كِتَابًا إلَى دَارِ الشِّرْكِ فِيهِ آيَاتٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 81 كَتَبَ إلَى دَارِ الشِّرْكِ كِتَابًا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ مَعَ نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْقُرْآنِ إلَى دَارِ الْكُفْرِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ فِي ضِمْنِ كِتَابٍ لَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْمُصْحَفِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا إذَا حَمَلَ كِتَابَ فِقْهٍ وَفِيهِ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ كِتَابَ حَدِيثٍ فِيهِ آيَاتٌ ، أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً طُرِّزَ بِآيَاتٍ أَوْ طَعَامًا نُقِشَ عَلَيْهِ آيَاتٌ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أَصَحُّهُمَا بِالِاتِّفَاقِ جَوَازُهُ . وَقَطَعَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَاتٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ فِي الثَّوْبِ وَخَصَّ الْخِلَافَ بِالدَّرَاهِمِ ، وَعَكَسَهُ الْمُتَوَلِّي فَقَطَعَ بِجَوَازِ مَسِّ كِتَابِ الْفِقْهِ وَجَعَلَ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسِّ ثَوْبٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ دَرَاهِمَ عَلَيْهَا آيَاتٌ ، وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسِّ الْحَائِطِ أَوْ الْحَلْوَى وَالْخُبْزِ الْمَنْقُوشِ بِقُرْآنٍ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُصْحَفٍ وَلَا فِي مَعْنَاهُ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ : إذَا لَمْ نُحَرِّمْهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ . وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَنْقُوشَةُ بِقُرْآنٍ ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ لَا يَتَدَاوَلهُ النَّاسُ كَثِيرًا وَلَا يَتَعَامَلُونَ بِهِ غَالِبًا كَالَّتِي عَلَيْهَا سُورَةُ الْإِخْلَاصِ ، وَضَرْبٌ يَتَدَاوَلُونَهُ كَثِيرًا ، فَالْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ ، وَفِي الثَّانِي الْوَجْهَانِ . وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ إطْلَاقُ الْوَجْهَيْنِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْمُتَدَاوَلِ وَغَيْرِهِ . فَالْفَرْقُ غَرِيبٌ نَقْلًا ضَعِيفٌ دَلِيلًا ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : وَيَجُوزُ مَسُّ خَاتَمٍ نُقِشَ بِآيَاتٍ وَحَمْلُهُ ، وَلَعَلَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِلَّا فَهُوَ كَالدَّرَاهِمِ . وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فَإِنْ أَصَابَ الْمُصْحَفَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ أَصَابَهُ بِغَيْرِهِ فَوَجْهَانِ . الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ : يَحْرُمُ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ الْمُتَوَلِّي : إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ . وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الْمُصْحَفِ لِئَلَّا يَنْتَهِكَهُ وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالْمُعَلِّمِ تَكْلِيفُهُ الطَّهَارَةَ لِحَمْلِ 82 الْمُصْحَفِ وَاللَّوْحِ وَمَسِّهِمَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ لَا يَجِبُ لِلْمَشَقَّةِ . وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي بِهِ فِي اللَّوْحِ ، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُصْحَفِ ، وَقَطَعَ الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَاللَّوْحِ فِي الْمُكْتَبِ ، وَالْمَشْهُورُ طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا فِي الْمُكْتَبِ وَغَيْرِهِ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : هَلْ يَجُوزُ لَلصِّبْيَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ ، وَالثَّانِي : يَجُوزُ ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَهُ الْفُورَانِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَهُوَ تَسَاهُلٌ ، فَإِنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مُكَلَّفًا فَكَيْفَ يُقَالُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث