المغني
المغني · الجزء الخامس
page 3499 · printed p. 241
241 بَابُ الْمُزَارَعَةِ ( 4138 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ ) مَعْنَى الْمُزَارَعَةِ : دَفْعُ الْأَرْضِ إلَى مَنْ يَزْرَعُهَا وَيَعْمَلُ عَلَيْهَا ، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا . وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ إلَّا وَيَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبْعِ ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدٌ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْقَاسِمُ ، وَعُرْوَةُ ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَآلُ عَلِيٍّ ، وَابْنُ سِيرِينَ
وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُهُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن يَزِيدَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ ، فَلَهُ الشَّطْرُ ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ ، فَلَهُمْ كَذَا . وَكَرِهَهَا عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا . وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ النَّخِيلِ ، إذَا كَانَ بَيَاضُ الْأَرْضِ أَقَلَّ ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ . وَمَنَعَهَا فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ; لِمَا رَوَى { ۝ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ : كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ ، فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا ، وَطَوَاعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْفَعُ . قَالَ قُلْنَا : مَا ذَاكَ ؟ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، وَلَا يُكْرِيهَا بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبْعٍ ، وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى } وَعَنْ { ۝ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْسًا حَتَّى سَمِعْت رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا } . وَقَالَ جَابِرٌ : { ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ } . وَهَذِهِ كُلّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا .
وَالْمُخَابَرَةُ : الْمُزَارَعَةُ . وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الْخَبَارِ ، وَهِيَ الْأَرْضُ اللَّيِّنَةُ ، وَالْخَبِيرُ : الْأَكَّارُ . وَقِيلَ : الْمُخَابَرَةُ مُعَامَلَةُ أَهْلِ خَيْبَرَ . وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ جَابِرٍ مُفَسِّرًا ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَالنِّصْفِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ لِيَمْنَحْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ . } وَرُوِيَ تَفْسِيرُهَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدٍ قَالَ : { ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ . قُلْت : وَمَا الْمُخَابَرَةُ ؟ قَالَ : أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ }
. وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { ۝ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : { ۝ عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، ثُمَّ أَهْلُوهُمْ إلَى الْيَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ . }
وَهَذَا أَمْرٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ ، ثُمَّ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ حَتَّى مَاتُوا ، ثُمَّ أَهْلُوهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَلَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ إلَّا وَعَمِلَ بِهِ ، وَعَمِلَ بِهِ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ 242 بَعْدِهِ ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ ، ثَمَانُونَ وَسْقًا تَمْرًا ، وَعِشْرُونَ وَسْقًا شَعِيرًا ، فَقَسَّمَ عُمَرُ خَيْبَرَ ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ مِنْ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ الْأَوْسُقَ ، فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَوْسُقَ ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتْ الْأَرْضَ . } وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ ; لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا شَيْءٌ عَمِلَ بِهِ إلَى أَنْ مَاتَ ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ ، وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ ، وَعَمِلُوا بِهِ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُهُ ، وَمَتَى كَانَ نَسْخُهُ ؟ فَإِنْ كَانَ نُسِخَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ عُمِلَ بِهِ بَعْدَ نَسْخِهِ ، وَكَيْفَ خَفِيَ نَسْخُهُ ، فَلَمْ يَبْلُغْ خُلَفَاءَهُ ، مَعَ اشْتِهَارِ قِصَّةِ خَيْبَرَ ، وَعَمَلِهِمْ فِيهَا ؟ فَأَيْنَ كَانَ رَاوِي النَّسْخِ ، حَتَّى لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ بِهِ ؟ فَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ
فَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعٍ ، مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ قَدْ فَسَّرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ بِمَا لَا يُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : كُنَّا مِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ حَقْلًا ، فَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ ، وَلَهُمْ هَذِهِ ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ، فَأَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَلَمْ يَنْهَنَا ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَفِي لَفْظٍ : فَأَمَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ ، فَلَا بَأْسَ . وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَيْهِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ . الثَّانِي أَنَّ خَبَرَهُ وَرَدَ فِي الْكِرَاءِ بِثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ ، وَالنِّزَاعُ فِي الْمُزَارَعَةِ ، وَلَمْ يَدُلَّ حَدِيثُهُ عَلَيْهَا أَصْلًا ، وَحَدِيثُهُ الَّذِي فِيهِ الْمُزَارَعَةُ يُحْمَلُ عَلَى الْكِرَاءِ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، رُوِيَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَيَجِبُ تَفْسِيرُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِمَا يُوَافِقُ الْآخَرَ .
الثَّالِثُ أَنَّ أَحَادِيثَ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا ، مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا كَثِيرًا . يُوجِبُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهَا لَوْ انْفَرَدَتْ ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى مِثْلِ حَدِيثِنَا ؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدِيثُ رَافِعٍ أَلْوَانٌ . وَقَالَ أَيْضًا : حَدِيثُ رَافِعٍ ضُرُوبٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَدْ جَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَافِعٍ بِعِلَلٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِذَلِكَ ، مِنْهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَمِنْهَا خَمْسٌ أُخْرَى . وَقَدْ أَنْكَرَهُ فَقِيهَانِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ; زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ
قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ قَدْ اقْتَتَلَا ، فَقَالَ : " إنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ ، فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : قُلْت لِطَاوُسٍ : لَوْ تَرَكْت الْمُخَابَرَةَ ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا . قَالَ : إنَّ أَعْلَمَهُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا ، وَلَكِنْ قَالَ : " أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا "
ثُمَّ إنَّ أَحَادِيثَ رَافِعٍ مِنْهَا مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَمِنْهَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا ، وَتَارَةً يُحَدِّثُ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ ، وَتَارَةً عَنْ سَمَاعِهِ ، وَتَارَةً عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ ، وَإِذَا كَانَتْ 243 أَخْبَارُ رَافِعٍ هَكَذَا ، وَجَبَ إخْرَاجُهَا وَاسْتِعْمَالُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي شَأْنِ خَيْبَرَ ، الْجَارِيَةِ مَجْرَى التَّوَاتُرِ ، الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا ، وَبِهَا عَمِلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ ، فَلَا مَعْنَى لِتَرْكِهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ .
الْجَوَابُ الرَّابِعُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ صِحَّةُ خَبَرِ رَافِعٍ ، وَامْتَنَعَ تَأْوِيلُهُ ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَسْخِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ ، وَيَسْتَحِيلُ الْقَوْلُ بِنَسْخِ حَدِيثِ خَيْبَرَ ; لِكَوْنِهِ مَعْمُولًا بِهِ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى حِينِ مَوْتِهِ ، ثُمَّ مِنْ بَعِدَهُ إلَى عَصْرِ التَّابِعِينَ ، فَمَتَى كَانَ نَسْخُهُ ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُخَابَرَة ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الَّتِي حُمِلَ عَلَيْهَا خَبَرُ رَافِعٍ ; فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى حَدِيثَ خَيْبَرَ أَيْضًا ، فَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْهِ ، مَهْمَا أَمْكَنَ ، ثُمَّ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ ، لَكَانَ مَنْسُوخًا بِقِصَّةِ خَيْبَرَ ; لِاسْتِحَالَةِ نَسْخِهَا كَمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تُحْمَلُ أَحَادِيثُكُمْ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَيْنَ النَّخِيلِ ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْأَرْضِ الْبَيْضَاء جَمْعًا بَيْنَهُمَا . قُلْنَا : هَذَا بَعِيدٌ لِوُجُوهٍ خَمْسَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ يَأْتِي مِنْهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ وَسْقٍ ، لَيْسَ فِيهَا أَرْضٌ بَيْضَاءُ ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَامَلَهُمْ عَلَى بَعْضِ الْأَرْضِ دُونَ بَعْضٍ ، فَيَنْقُلُ الرُّوَاةُ كُلُّهُمْ الْقِصَّةَ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .
الثَّانِي أَنَّ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ التَّأْوِيلِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ ، وَفَسَّرَهُ الرَّاوِي لَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ سِوَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ بَعْضِهَا عَلَى مَا فَسَّرَهُ رِوَايَةً بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّحَكُّمِ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُمْ يُفْضِي إلَى تَقْيِيدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ حَمْلٌ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ .
الرَّابِعُ أَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مُوَافَقَةَ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، وَأَهْلَيْهِمْ ، وَفُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتِهِ وَمَعَانِيهَا ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ . الْخَامِسُ ، أَنَّ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ رَوَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَعَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَأَهْلَيْهِمْ ، وَفُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَاسْتِمْرَارُ ذَلِكَ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ خَفَاؤُهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا
وَمَا رُوِيَ فِي مُخَالَفَتِهِ ، فَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ ، فَيَكُونُ هَذَا إجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لَا يُسَوَّغُ لَأَحَدٍ خِلَافُهُ . وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيه ، فَإِنَّ الْأَرْضَ عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ فِيهَا ، فَجَازَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا ، كَالْأَثْمَانِ فِي الْمُضَارَبَةِ ، وَالنَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ ، أَوْ نَقُولُ : أَرْضٌ ، فَجَازَتْ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهَا ، كَالْأَرْضِ بَيْنَ النَّخِيلِ . وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الْمُزَارَعَةِ ; لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَرْضِ قَدْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى زَرْعِهَا ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا ، وَالْأَكَرَةُ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّرْعِ . وَلَا أَرْضَ لَهُمْ ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ
بَلْ الْحَاجَةُ هَا هُنَا آكَدُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الزَّرْعِ آكَدُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ ، لِكَوْنِهِ مُقْتَاتًا ، وَلِكَوْنِ الْأَرْضِ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ الْمَالِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَاوِي حَدِيثِهِمْ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا . وَالشَّارِعُ لَا يَنْهَى عَنْ الْمَنَافِعِ ، وَإِنَّمَا يَنْهَى عَنْ الْمَضَارِّ وَالْمَفَاسِدِ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى غَلَطِ الرَّاوِي فِي النَّهْيِ عَنْهُ ، وَحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا ظَنَّهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمُزَارَعَةِ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ ، فِي أَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ بِجُزْءٍ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّرْعِ ، وَفِي جَوَازِهَا ، وَلُزُومِهَا ، وَمَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَرَبَّ الْأَرْضِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith